تأليف : الأستاذ عاصم
تنسيق : امل شانوحة
مفتاح الحرّية
كان جاك يمضي عطلته الشتويّة على الشاطئ الذي خلا هذا اليوم من المصطافين ! حينما انتبه الى كشكٍ بعيد .. فذهب ليبتاع علبة سجائر من البائعة الصبيّة (وهي فتاةٌ صغيرة الحجم)
جاك مُنادياً : هاى انت !! (مُصدراً صوتاً من فمه)
الصبيّة بضيق : ماذا تريد ؟ ولما تناديني هكذا ؟ هل انا قطة ؟!
وبعد إدارة وجهها ، تفاجأ من جمالها :
- بصراحة أجمل قطة رأيتها في حياتي !
- انت مُستفزٌ فعلاً .. من تكون لتحدّثني هكذا ؟!
- دعيني أتعرّف عليك اولاً
- جاكلين .. ماذا تنوي شرائه ؟
جاك : علبة سجائز وولاّعة ، لوّ سمحتي .. خذي هذا المال ، واحتفظي بالباقي
(وكانت نقوده من عملةٍ غريبة !)
- يبدو انك تصرّ على مزحك السخيف
جاك باستغراب : ولما غضبتي يا بنت ؟!
- بنت ! هل ألعب معك بالشارع ؟!! .. حسّن الفاظك يا رجل !!
- حسناً.. يا استاذة .. يا دكتورة .. يا سيدتي الجميلة .. أهكذا أفضل ؟
جاكلين بعصبيّة : خذّ سجائرك وولاّعتك ومالك ايضاً ، وابتعد عن هنا !!
- أتدري .. كنت ارغب فعلاً بإراحة قدمايّ
وجلس على الكرسي الخشبيّ بجانب الكشك .. فاقتربت منه غاضبة :
- ماذا تريد ايضاً ؟!
- كوب قهوة من يديّك الجميلتيّن
فدخلت الكشك وهي تتأفّف .. وبعد قليل ، وضعت القهوة امامه
- إشربها وارحل !!
جاك : رجاءً إجلسي .. فأنا غريب عن المنطقة ، وأنوي البقاء بعض الوقت.. يعني اعتبريني جارك وصديقك منذ اليوم
فتنهّدت بضيق : يالا فرحتي
- هيا إجلسي ، واخبريني عن الكتاب الذي كنت تحملينه قبل قليل ..
- ولما تسأل ؟
- هل كنت تقرأينه بالفعل ؟!
جاكلين بتهكّم : لا ، كنت اشاهد الصور الذي فيه .. رجاءً ، لا تحكم على الناس من مظاهرهم
- صحيح شكلك يبدو مُشرّدة ! لكن بنظري بدرٍ منير
- انا المخطئة ، لإطالة الحديث معك
جاك : إجلسي رجاءً !! كنت أمزح معك فقط
- وعلى أيّ اساس ؟! هل انا صديقتك او خطيبتك ام حبيبتك.. انت مجرّد زبونٌ عادي ، وستذهب بعد قليل
جاك : حدسي لا يُخطئ ابداً .. ويوماً ما ستكونين كل هؤلاء ، بالإضافة الى زوجتي
- يبدو انك تشعر بالملّل وتريد إضاعة الوقت ، وانا ورائي عملٌ كثير
- لم ارى احداً منذ الصباح ! فالشاطئ كما ترين ، خالي تماماً
جاكلين : الرزق يأتي بأيّةِ لحظة .. دعني اعود لعملي
- اولاً إخبريني بإسم الرواية التي كنت تقرأينها ؟
- هي قصة رومنسيّة ، للكاتبة امل شانوحة
- وهل النهاية سعيدة ؟
جاكلين : لا .. البطل يموت بالسرطان ، وحبيبته تنتحر حزناً لفراقه
- يا ساتر ! ماهذا النكد ؟!
- هي قصصها دائماً تنتهي بفاجعة ، او صدمة غير متوقعة للقرّاء !
جاك : ولما تقرأين قصصها الكئيبة ؟
- إعتدّتُ عليها ، فأسلوبها يعجبني ..كوني خرّيجة آداب
جاك باستغراب : أحقاً ! تبدين مراهقة
جاكلين : ربما لأن وجهي طفوليّ
- وهل انت مرتبطة ؟
- كنت عاشقة ، لكن قصتي انتهت قبل ان تبدأ.. وإيّاك أن تسألني عن التفاصيل .. (ثم وقفت) .. سأذهب لإغلاق الكشك قبل غروب الشمس .. فعليّ العودة للمنزل ، للإهتمام بأمي
جاك : هل انت مُضّطرة للذهاب باكراً ؟ لأني سأدفع لك إن ساعدتني بتنظيف الشاليه الذي انتقلت اليه اليوم
- حسناً أعطني العنوان .. وسألحق بك ، بعد أخذ الإذن من امي
***
بعد ساعة ، قدمت للشاليه ومعها عدّة التنظيف
جاك : سننظّف لاحقاً .. دعينا نشرب العصير اولاً ، فأنت ضيّفتي
فالتفتتّ حولها : هل انت وحدك هنا ؟!
فأجابها بحزن : هاجرت زوجتي مع طفلتي للخارج ، دون علمي .. (ثم تنهّد بحزن) ..لا يهم ، تعوّدت على البقاء وحدي
ثم حاول تقريب كرسيها منه..
جاكلين : ماذا تفعل ؟!
- اريد رؤية وجهك جيداً
فابعدت يده عنها ، غاضبة : إسمعني جيداً !! إيّاك ان تتعدّى حدودك معي وإلاّ..
مقاطعاً : وإلاّ ماذا ؟ اساساً كلانا لا وجود له
- ماذا تقصد ؟!
جاك : انا وانت شخصيّتان خياليّتان ، وتقابلنا بعدّة قصصٍ مختلفة : بعضها بوليسيّ ، والآخر مخيف .. وهذه المرّة رومنسي ، حسب عقليّة كاتبتك المفضّلة
جاكلين بصدمة : من تقصد ؟ .. امل شانوحة
- نعم .. الم تسألي نفسك كيف تقرأين قصصها بالعربية الفضحى ، مع انه المفترض ان نكون اجانب ؟! .. فأنت بطلتها الشهيرة جاكلين التي بالعادة تقتلها بآخر قصصها .. وانا جاك : الرجل المجرم المُنحرف ، او المُعقّد نفسيّاً .. لابد انك تذكّرتني الآن ؟
- لا مستحيل !
جاك : ربما نسيتني ، لأن شكلي وصفاتي تتغيّر مع كل قصة .. وبهذه القصة جعلتني امل ، مريضاً اعاني من فشلٍ كلويّ ! وأتيت الى المصيّف بعد مللي من المستشفيات ، كيّ أموت بهدوء .. حتى ابنتي التي خلّفتها ببداية القصة ، حرمتني رؤيتها !
- يا الهي ! كنت أشعر دائماً انني اعيش بحلمٍ طويل لا ينتهي .. حتى انني حاولت الإنتحار بالبحر ، لكني تفاجأت بأرضيّةٍ قاسية تُشبه غلاف كتابٍ منعني من الغرق ! .. (ثم مسحت دمعتها).. ليتك لم تخبرني الحقيقة ، وتركتني أعيش المغامرة مع كل قصة تؤلّفها كاتبتي المفضّلة
جاك بحزم : برأيّ علينا التمرّد ، وعدم إطاعة قلمها هذه المرة
- وهل هذا ممكن ؟ فنحن مجرّد كومبارس
- حسب السنوات التي عانيتها مع قصصها المُتخلّفة ، فهمت عقليّتها المريضة ..فهي لديها مُعتقدات ترفض تغيّرها .. لذا علينا زعزعة أسسّ مبادئها ، لتنهار قصتها ونتحرّر من حماقتها
- مثل ماذا ؟!
جاك : هي تصرّ على جعلك ضعيفة الشخصيّة ، ودودة وهشّة أكثر من اللزوم .. وانا الرجل العنيف القاسي .. وربما ارادت بهذه القصة أن اعيش معك قصة حبٍ لطيفة قبل موتي ، لأني امتنعت عن غسل الكلاوي ..حسب عقليّة الكاتبة
- وربما تختار كاتبتي التبرّع لك بكليّتي
- وبعدها أتزوّج من فتاةٍ سليمة
جاكلين بصدمة : هل ستخونني ؟!
- لا ادري ! ألست الشخصية الشريرة بكل قصصها ؟ لذا أعتقد بأن قلب الأدوار سيكون مفتاح الهرب من روايتها الحزينة نحو الحرّية الأبديّة .. او علينا..
- او ماذا ؟ لم سكتت ؟!
فقال بحماس : دعينا نتزوّج !!
جاكلين بصدمة : ماذا !
- هي دائماً تفصل الحبيبيّن عن بعضهما بنهاية قصصها ، ربما لعقدةٍ في حياتها .. لهذا دعينا نتزوّج بسرعة ، قبل استيقاظها من قيّلولتها وإكمال قصتنا الحزينة ككلّ مرة
- واين سنجد رجل الدين بهذا المساء ؟!
جاك : جاكلين .. أنسيتي اننا داخل قصة ويمكننا خلق أيّةِ شخصيّة ، في حال تعاونّا معاً .. هيا إمسكي يدي ، وتخيّلي اننا داخل كنيسة بحضور المعازيم .. وانت تلبسين الفستان الأبيض .. وانا طقمٌ فخم ، وبكامل صحّتي ولياقتي البدنيّة .. المهم ان لا تتركي يدي ابداً .. لأننا سندخل دوّامة من الكلمات والأحداث القاسية .. وربما تنهشنا مخالب الحروف الجارحة .. لكن لا تقلقي ، سنعبر لجهة النور .. ثقي بي .. والآن دعينا نتخيّل عرسنا الجميل !!
وأخذا يردّدان معاً :
- عريس وعروس ، قسّيس ومعازيم
- عريس وعروس ، قسّيس و
- عريس وعروس ، ق..
- عريس وعر..
- عر..
واختفيا بين السطور !






