الأحد، 14 يونيو 2026

طفل العدو

تأليف : امل شانوحة 

امانة الحرب


في عصر يومٍ بارد من سنوات الحرب العراقية ، دوّى طرقٌ عنيف على باب منزلٍ قديم (يقع بأطراف المدينة) مصحوباً بأنينٍ مخنوق ! ارعب العائلة المُختبئة في القبو بعد انتقالهم للعيش هناك ، خوفاً من الصواريخ المفاجئة للطيران الأمريكي او اقتحام الجماعات المسلّحة او لصوص يبحثون عن طعامٍ ومكانٍ يأويهم بعد دمار نصف البلد منذ بدء الحرب الغاشمة 

ورغم محاولتهم منع الأب من الصعود ، الا انه أصرّ على معرفة الطارق 


وما أن فتح الباب بحذر ، حتى اندفعت الى الصالة : امرأة بزيّ العسكرية الأمريكية ! وهي تمسك بطنها المُنتفخ ، محاولةً تحمّل آلامها التي استنفذت طاقتها 


وهنا صعدت بقيّة عائلته (امه العجوز وزوجته وابنه المراهق).. 

وما أن رأت الجدة المرأة الأجنبية ، حتى قالت بصدمة :

- يا الهي ! انها على وشك الولادة 

فقال ابنها : عليها الولادة بمكانٍ آخر .. ففي حال وجدوها في بيتي ، سيقتلونا جميعاً 


لكن امه (التي عملت قابلة طوال حياتها) لم ترضى بذلك .. ودفعت ابنها جانباً ، مُمسكةً بذراع السيدة التي أدخلتها الغرفة ، وهي تطلب من كنّتها مساعدتها بالتوليد.. بينما بقيّ الأب وابنه ينتظران بقلق في الصالة 


وداخل الغرفة .. استخدمت المرأتان الماء الساخن والمناشف القطنية ، وكلماتٌ بلغة الإشارة.. بينما المجنّدة تعضّ على القماشة ، لكتم صراخها .. الا ان المكان ارتجّ ببكاء الطفل الذي وصل لمسامع دوريّة تمشّط المنطقة ، بحثاً عن الأمريكيّة الفارّة التي وشى بها أحد المخبرين.


وفجأة ! انكسر بابهم ..عقب اقتحام المسلحون بملامحهم القاسية التي لم ترحم توسّلات العائلة .. وسحبوا المجندة الأمريكية من شعرها الى خارج المنزل !

 

وقبل ان تخبرهم الجدة عن ولادتها ، أطلقوا النار على رأس الأمريكية دون رحمة .. وسط ذهول العائلة العراقية التي تجمّدت في مكانها ! 

ثم رموا جثتها في خلفيّة شاحنتهم ، وانطلقوا بها الى خارج الحيّ .. بينما تجمّهر الجيران بالشارع ، متسائلين عما حدث ! لكن العائلة فضّلت كتمان الأمر 


بهذه الأثناء ، داخل الحمام .. إحتضنت الزوجة الرضيع بقوة ، واضعةً يدها فوق فمه الصغير ، كيّ لا ينتبه احد لوجوده ! 

^^^


بعد هدوء الوضع ، وعودة الجيران الى منازلهم عقب غروب الشمس .. تجمّعت العائلة في قبو منزلهم ، بجانب الرضيع النائم بعد شربه الحليب الساخن 

((فعمل الجدة كقابلة لسنواتٍ طويلة ، جعلها تحتفظ ببعض اغراض الرضّع في القبو ، في حال ساعدت بولادة امٍ فقيرة .. ولهذا اخرجت بعض الغيارات ورضّاعة الحليب والحفائض التي سيحتاجونها ، للإهتمام بالرضيع الأشقر ذوّ العينين الزرقاوتين الذي لا يعلم بمقتل امه قبل ساعات!)) 


المراهق بحدة : علينا التخلّص منه بأقرب وقتٍ ممكن ، كوضعه خارج جامع او بدار الأيتام .. فهو بالنهاية امريكي ، ابن العدو الذي يقصفنا كل يوم 

الأب : معك حق .. فوجوده بيننا ، خطرٌ علينا


لكن الجدة أرتهما وصية المجنّدة التي اعطتها اياها عقب الولادة :

- أخبرتني انها كتبت بهذه الورقة ، اسم والد الطفل وعنوانه 

فأخذ المراهق الورقة وهو يقول : انا اعرف الإنجليزية يا جدتي .. دعيني اقرأها 


ثم رفع عينيه عن الورقة ، وهو يقول بامتعاض :

- زوجها ايضاً ضابط أمريكي بالبحرية ، يعمل على متن بارجة متواجدة حالياً في الخليج العربي ! 

الأب : المهمة صعبة .. فمن المستحيل الوصول الى الكويت بظلّ الظروف الحالية .. خاصة ان الطريق البرّي مليئاً بالحواجز والمسلّحين والألغام!


لكن العجوز حملت الطفل النائم ، وهي تقول : 

- امه وصلت إلى بيتنا لسببٍ لا يعلمه الا الله .. ولهذا سأنفّذ وصيّتها ، ولوّ دفعت عمري ثمناً لها .. ففي الآخرة سنُحاسب على مروءتنا ، لا على هويّاتنا.. وانا نيّتي توصيل الطفل لأبيه .. والله سيعيننا على اتمام المهمة بسلام 

الزوجة : وانا مثلك ، اريد توصيل الولد لأبيه .. لكن كيف سنُخفي بياضه وشقاره ؟!

فابتسمت الجدة : إتركوا الموضوع لي

***


في اليوم التالي .. صبغت الجدة شعر الرضيع بالحنّة الداكنة ، ودهنت بشرته بزيوتٍ أعطته لوناً أغمق .. ثم لفّته ببطانيةٍ كثيفة تخفي ملامحه.. 


ومع حلول المساء.. غادرت العائلة المنزل بسيارتهم القديمة ، متوجهين برّاً الى الكويت .. بعد ان سقت الجدة الطفل قطرات طبيّة منوّمة ، ليغطّ في نومٍ عميق تحميه من تعب السفر البرّي


وكانت رحلتهم مخيفة ، بعد ان ساد الظلام الشوارع لانعدام الكهرباء .. كما مناظر البيوت المهدّمة الكئيبة ، ونباح الكلاب الشاردة التي تضاعف حجمها من نهش الضحايا تحت الركام !


وفي كل حاجز للعساكر العراقيين ، كانت قلوب العائلة ترتجف رعباً وهي تلهج سرّاً بالدعاء .. 


لكن في حاجزهم التالي .. اوقفهم مسلّحٌ مُلتحي ، وهو يسألهم عن الطفل النائم 

فأجابه الأب بارتباك :

- هو ابني الصغير ..وُلد قبل يومين.


فنظر المسلّح إلى الزوجة (التي مثّلت بأنها تنهج بإرهاقٍ شديد في المقاعد الخلفية) 

لتقول الجدة : 

- بيتنا تهدّم من صاروخٍ امريكي ، وكنتي مُرهقة من النفاس .. رجاءً إسمح بوصولنا الى بيت قريبنا على الحدود 

وما ان سمح لهم بالمرور ، حتى تنفّسوا الصعداء !

^^^


لكن في حواجز اخرى لبعض العصابات والخارجين عن القانون (الذين استغلّوا الوضع المُضطرب بالبلاد) اضّطر الأب لدفع الرشاوي ، للسماح له بالعبور دون أوراقٍ رسمية (كون الطفل وُلد مع انغلاق الدوائر الرسمية بزمن الحرب) 

^^^


وفي المساء ، خيّموا بالصحراء بجانب سيارتهم .. بعد اشعالهم النار لتسخين طعامهم ، ولتدفئتهم بالجو البارد .. وهم يستمعون من بعيد لأصوات الانفجارات التي تهزّ المدن العراقية..

فنظر المراهق اليهم :

- لا ادري لما نخاطر بحياتنا لإنقاذ ابن العدو ؟!

الجدة : لأننا جميعاً بشر ، وعلينا مساعدة بعضنا .. 

حفيدها مقاطعاً : وهل الأمريكان عاملونا كبشر ؟

الجدة : إن صرنا مثلهم ، اصبح لا فرق بين الضحية والجلاّد.. 


وهنا سمعوا بكاء الطفل من داخل السيارة 

الكنة : هاهو استيقظ .. سأسخّن حليبه بالحال

***


بعد أيام من سفر البرّ المرهق ، وصلوا أخيراً إلى الحدود بين الدولتيّن

حيث وافق العسكري على ادخالهم دون اوراق رسميّة للطفل .. مع تحذيرهم من وجود حقول ألغام عشوائية ، زُرعت لمنع تسلّل الفرق المُسلّحة الى الكويت


وطوال ذلك الطريق المرعب ، لم تهدأ ألسنتهم عن الدعاء .. الى ان وصلوا لبرّ الأمان .. 

المراهق : اظن الألغام مجرّد خدعة ، لمنع سفر اللاجئين اليهم ..


وقبل اكمال كلامه ، انفجرت سيارة بعيدة عنهم ..وخلال ثواني ، تحوّلت إلى كتلة نار ! حينها عرفت العائلة أن بركة الصغير ، كانت درعهم الواقي.


وبعد ان استردّوا انفاسهم ، استجمع الأب شجاعته لإكمال رحلتهم نحو الميناء العسكري 

***


عندما وصلوا الى القاعدة المشتركة في الكويت ، أبلغوا السلطات عن سبب مجيئهم..

فذُهل الضابط الكويتي وهو يسمع قصتهم : 

- هل فعلاً خاطرتم بحياتكم ، لأجل ابن ضابطٍ أمريكي؟!

أجابت الجدة : بل لأجل طفلٍ بحاجة لوالده ، بعد وفاة امه 


فعرض عليهم تسليم الرضيع لخفر السواحل .. لكن الجدة رفضت اقتراحه:

- وعدت والدته بتوصيله بنفسي.

فوافق بشرط : قدوم الجدة معه فقط .. بينما العائلة تنتظرها بالميناء

^^^


بعد ساعة .. صعدت العجوز إلى البارجة الأمريكية ، وهي تحمل الطفل بين ذراعيها..

وحين وصل الضابط الأمريكي المطلوب .. اعطته الجدة وصية زوجته ، وهي تقول (بينما تكفّل الضابط الكويتي بالترجمة بينهما)  

الجدة : حفيدي قرأ الوصية ، وأخبرني ان زوجتك كتبت فيها : انها لم تُخبرك بحملها ، لأنكما انفصلتما بعد رفضك التحاقها بحرب العراق.. هل هذا صحيح ؟

فردّ الأمريكي غاضباً : وكان معي الحق في ذلك !! فالملاعين قتلوها ، وحرموا الطفل من امه 


بهذه الأثناء .. نزع القبعة الصوفية عن رأس ابنه ، لتظهر الحنة الداكنة التي أخفت شعره الأشقر.

فسألها بدهشة : هل صبغتي شعره؟!

فأجابته : لأحميه من القتل على الحواجز 


فحضن ابنه بحنان ، محاولاً عدم البكاء امام الضابط الكويتي والجدة العراقية .. ثم اخرج رزمة دولارات من محفظته .. 

الجدة : لا !! لم ننقذ الطفل لأجل المال 

فسألها بدهشة : اذاً لماذا خاطرتم بحياتكم ؟!

الجدة : لأن الطفل لا ذنب له بالحرب .. ثم هذه اوامر ديننا وعاداتنا العربية التي تقصفون بلادنا ، دون أن تكلّفوا أنفسكم عناء فهم روعتها وإنسانيّتها 


ثم التفتتّ للضابط الكويتي ، وهي تطلب منه اعادتها إلى الشاطئ.

تاركةً الضابط الأمريكي يحمل طفله ، وهو يشعر بالذنب لقتله اناساً يخاطرون بحياتهم لإنقاذ ابنه !

^^^


أما على الضفة الأخرى… كانت العائلة العراقية تستعدّ للمجازفة بالعودة مجدداً إلى وطنٍ يحترق ، لكن قلوب مواطنيها مازالت تؤمن بغدٍ مُشرق !


هناك تعليق واحد:

طفل العدو

تأليف : امل شانوحة  امانة الحرب في عصر يومٍ بارد من سنوات الحرب العراقية ، دوّى طرقٌ عنيف على باب منزلٍ قديم (يقع بأطراف المدينة) مصحوباً بأ...