الجمعة، 29 يوليو 2022

الأم البديلة

فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة


التربية المُختلفة 

تعوّد الصبيّ لؤيّ على إرساله لغرفة المديرة من وقتٍ لآخر ، رغم تفوّقه الدراسيّ بسبب مشاغباته الكثيرة في الفصل ، فهو معروف بروحه الفكاهيّة وشعبيّته بين الطلاّب ..

لكن هذه المرة قرّرت المديرة معرفة السبب وراء عدم إلتزامه بالقوانين ، بدل عقابه السريع وإعادته للفصل..

فتنهّد لؤيّ بحزن ، قائلاً :
- والدايّ يعملان في مصنع الورق ، ويعودان عصراً للمنزل.. فأقضي معظم وقتي مع جدتي العاجزة.. وأحياناً اضطّر للطبخ لعائلتي ، بالإضافة لواجباتي المدرسيّة .. لذلك لا أجد وقتاً للعب بعد عودة والدايّ متعبان من عملهما ، والّلذين يكسبان أجراً بسيطاً لا يكفي لشراء حاسوبٍ ينفعني بدراستي وتسليّتي .. لهذا أشعر بالملّل طوال الوقت .. ولم يبقى امامي سوى المدرسة لألعب مع اصدقائي ..وفرصة الطعام لا تكفيني ، فأُكمل مُحادثاتي معهم اثناء الحصّة .. وصدّقيني لا أقصد المشاغبة ، ويهمّني النجاح كيّ لا أخيّب أمل اهلي اللّذين يرهقان انفسهما لتعليمي .. كل ما هنالك انني أشعر بالملّل من ساعات الدراسة الطويلة !

فسكتتّ المديرة قليلاً ، قبل أن تقول : 
-إخبرني يا لؤيّ ، ما حلمك حينما تكبر ؟
فردّ بحماس : ان أجوب العالم !! أكتشف الغابات والصحاري وأتسلّق الجبال ، وأقفز بالمظّلّة ..وأتناول أشهر المأكولات في الدول التي سأزورها 
- يبدو لديك روح المغامر !
- هل بإمكاني تحقيق ذلك ام هو مجرّد حلمٌ سخيف ، كما قال ابي ؟!
المديرة : يمكنك فعل ما تشاء ، فأنت من تحدّد مستقبلك
###

واستمرّ النقاش بينهما بضعة دقائق ، قبل أن تقول المديرة : 
- أتدري يا لؤيّ .. لن أعاقبك ، في حال وافقت على اقتراحي
باهتمام : ماهو ؟
المديرة : أن تلعب مع ابني
- لم افهم !
- هو يتيم الأب ، ولديه مرض العضال 
- ماذا يعني ؟!
- أيّ مرضه لا علاج له 
لؤيّ بقلق : وهل سيموت ؟!

فأخفضت رأسها بحزن : إن بقي يائساً هكذا ، ربما لن اراه شاباً 
- هل هو بمثل عمري ؟
- يكبرك بسنة 
لؤيّ : يدرس بأيّ مدرسة ؟
- يتعلّم في المنزل ، لاستخدامه الكرسي المتحرّك .. وقد حاولت كثيراً إخراجه بنزهاتٍ رائعة ، لكنه يرفض دائماً.. ويبقى طوال الوقت سارحاً في غرفته ، او يلعب بحاسوبه .. ولأني مُعجبة بروحك المرحة وطاقتك الإيجابيّة ، اريدك أن تخرجه من اكتئابه .. فهل يمكنك فعل ذلك ؟

لؤيّ بتردّد : إن وافق أهلي 
المديرة : سأحدّثهم اليوم 
- هل ستزوريننا ؟
- سأفعل ، عنوان منزلك موجود في ملفّك الدراسيّ 
لؤي بإحراج : لكن بيتنا في حيٍّ شعبيّ
- لا تهمّني تلك الأمور ، كل ما اريده هو صديقٌ مرح لإبني 
***

في البداية رفضت أم لؤيّ بقاء ابنها طوال النهار في بيت المديرة ، خوفاً من إهمال دراسته .. لكن المديرة أقنعت الوالدين بأنها ستتغاضى تماماً عن مشاغباته في المدرسة .. وستحرص على تناوله طعاماً جيداً .. ووعدتهما أن لا يلعب مع ابنها ، إلاّ بعد إنهاء واجباته المدرسيّة .. كما ستعيده بنفسها الى منزله كل يوم ، قبل غروب الشمس .. 
فوافقا على طلبها ، لإشفاقهما على مرض ابنها الوحيد المستعصيّ 
*** 

لم يكن صعباً على لؤيّ (الولد الإجتماعيّ) أن يفتح مواضيعاً جديدة مع أحمد (ابن المديرة) الذي غضب في بادىء الأمر من امه لإحضارها ولداً لا يعرفه الى غرفته .. لكن سرعان ما اندمجا معاً بالحديث عن برامج الكمبيوتر ، فحماس لؤيّ شجّعه على منافسته بالألعاب الإلكترونيّة.. 
###

بعد انتهاء المباراة الحماسيّة بينهما ، قال لؤيّ وهو ينظر للألعاب الكثيرة الموجودة في غرفة الصبي المُقعد :
- انت محظوظ يا احمد ، فوالدايّ بالكاد يدفعان إيجار البيت والمدرسة .. ولا املك سوى كرةٍ قديمة ، وسيارة صغيرة حصلت عليها في طفولتي !
احمد بحزن : بل انت المحظوظ ، تمشي على قدميك وتحلم بمستقبلك .. بينما انا سأموت قريباً
- من قال ذلك ؟!
- سمعت الطبيب يُخبر امي أن مرضي لا علاج له ، وأن حياتي قصيرة ! 
لؤيّ : أهذا سبب إكتئابك ؟
- الا يكفي ذلك لأحزن ! .. ثم امي لا تعرف أنني سمعت حديثهما ، فرجاءً لا تخبرها 

فسكت لؤيّ قليلاً ، قبل أن يقول : 
- ماذا لوّ كان كلام الطبيب صحيحاً ، فلما لا تستمتع بالمتبقي من عمرك ؟
احمد باهتمام : كيف !
- تخرج من المنزل
- لا احب شفقة الناس على إعاقتي
لؤيّ : ولما تهتم لهم ! دعنا نذهب للحديقة القريبة من منزلك ، ونلعب كما نشاء
- وكيف وانا بالكرسي المتحرّك ؟
لؤيّ بحماس : سأجد حلاّ .. هيا بنا
وجرّ كرسيه نحو باب الغرفة..

احمد بحزم : توقف يا لؤيّ !! لا اريد الخروج من المنزل بغياب امي ..
- هي ستُحضر البيتزا من المحل الإيطالي .. وكنت مرّرت بجانبه قبل وصولي الى بيتك .. يعني تحتاج على الأقل ساعة لتعود الينا .. نكون لعبنا فيها ، وعدنا قبل قدومها .. هيا بنا !! 
***

وبالفعل أخذه للحديقة ، وطلب من الحارس مساعدتهما .. فوافق الرجل على حمل احمد ، ووضعه على مقعد الأرجوحة .. 
وبعد قليل ، وضعه على الزحليقة .. ثم الكرسي الدوّار .. مما أفرح أحمد كثيراً .. 
###

لم تمضي ساعة .. حتى رأى لؤيّ المديرة تركض نحوه بهلع ، وهي تعاتبه على إخراج ابنها دون اذنها .. 
فردّ مبتسماً :  
- أنظري اليه ، هو يضحك بسعادة

فانتبهت على ابنها وهو يرمي الكرة للأطفال الذين تجمّعوا حوله .. فتبدّد غضبها واغرورقت عيناها بالدموع ، ومسحت رأس لؤيّ إمتناناً .. 
ثم جلست على كرسي الحديقة بانتظار انتهاء لعبهما .. 
***

في طريق عودتهما الى منزلها ، قالت لهما : 
- من الجيد إن جارتي رأتكما تتوجّهان للحديقة ، وإلاّ مُتّ رعباً لعدم وجودكما في المنزل .. رجاءً لؤيّ لا تخرج ابني دون علمي 
لؤيّ : كما تشائين 
*** 

بعد تناولهما الغداء .. أعادت لؤيّ الى بيته ، والذي أخبر والديه بسعادته بتمضية الوقت مع صديقه الجديد .. كما أخبرهم بوعد المديرة بأخذهما للملاهي بعطلة الإسبوع 

فلم يعترضا على زيارة احمد كل يوم ، طالما امه تُشرف على واجباته اولاً بأول 
***  

ومضت الأيام بنزهات لؤيّ مع المديرة وابنها الذي سرح معظم الوقت في صمتٍ مُقلق !
 
ورغم تحسّن علامات لؤيّ بالمدرسة بسبب مكافئات المديرة التشجيعيّة ، إلاّ أن احمد ساءت نفسيّته بعد عودته للإنزواء والإنطوائيّة ! 

فقرّر لؤيّ تعريفه على جدته التي أسعدها هدوء احمد وسماعه كلمتها ، بعكس حفيدها المشاغب !
###

وفي الوقت الذي تنزّه فيه لؤيّ لوحده مع المديرة (التي حلمت دائماً بنشاطات ترفيهيّة مع ابنها) 
أمضى احمد وقته بسماع قصص العجوز المثيرة لخياله الواسع ، كما مساعدتها بالطبخ ! 

اما والدا لؤيّ ، فانشغلا بعملهما معظم الوقت !
***

قبل نهاية السنة الدراسيّة .. ساءت حالة احمد الصحيّة ، ممّا استدعى نقله للمستشفى .. بينما عاد لؤيّ لحياته الروتينيّة ، والذي أصرّ على زيارة صديقه المريض من وقتٍ لآخر ، ليواسي المديرة التي بكت بصمتٍ وقهر على تدهوّر صحّة ابنها الوحيد !
***

في ذلك النهار الكئيب .. أمسك لؤيّ يد المديرة اثناء تقبّلها التعازي بوفاة ابنها ، وهو يمسح دموعه : 
- لا تبكي ارجوك .. هو الآن في مكانٍ أفضل ، ففي الجنة لن يحتاج الى كرسيه المتحرّك .. سيلعب ويقفز كالأطفال ، كما تمنّى دائماً

فانهارت باكية وهي تحتضنه امام اقاربها الذين لم يفهموا سرّ تعلّقها بتلميذها الذي وجدّت فيه رابطاً قوياً لم تجده مع احدٍ من قبل !
***

بعد شهور ، وفي حفلة تخرّج لؤيّ من مدرسته الإبتدائية .. أخذته المديرة الى مكتبها ، لتسأله :
- اين سيسجّلوك اهلك العام القادم ؟
فأخبرها بإسم المدرسة الحكوميّة المتوسطة..

المديرة بضيق : لكنها بعيدة جداً عن منطقتي !
- هي قريبة من منزل عمي الذي وافق على رعايتي ، بعد تدهوّر صحّة جدتي التي حزنت كثيراً على وفاة ابنك ، بعد تعلّقها به !
- ولما لم يختاروني انا ؟! يمكنني الإهتمام بك ، وهناك مدرسة جيدة قرب بيتي !
لؤيّ : تلك مدرسة خاصة ، وأقساطها غالية على اهلي 
- إترك الموضوع لي 
***

لاحقاً ..إقترحت المديرة على والدايّ لؤيّ التكفّل بأقساطه ، بشرط بقائه في منزلها ، وزيارته لهما في العطل الإسبوعية ! 
فوافقا مُرغمين ، لانشغالهما برعاية الجدة المريضة
***

في منتصف العام الدراسيّ .. تفاجأ الإهل برسالةٍ من المديرة تخبرهم باستقالتها وسفرها مع لؤيّ لأوروبا :
((سأهتم به جيداً ، وسأعيده لكم بعد تخرّجه الجامعيّ .. وفي المقابل سأدفع لكم راتباً شهرياً .. فأنا ورثت املاك زوجي بالخارج ، ولديّ ما يكفي للإعتناء بإبنكم .. تعازيّ الحارّة لوفاة الجدّة الحنون))

ورغم حزن أم لؤيّ بسفره المفاجىء ، إلاّ أن زوجها أقنعها بتقبّل الأمر .. فمن الصعب الإهتمام بولدٍ مشاغب مع حملها بمولودٍ جديد .. كما انهم بحاجة للراتب الشهريّ من المديرة..
###

اما لؤيّ فكان سعيداً بأمه البديلة التي تشاركه روح المغامرة ، حيث قضيا عطلتهما باستكشاف العالم وزيارة المتاحف والأماكن الأثريّة
***

بعد سنوات ، واثناء تواجدهما في طيارةٍ صغيرة .. قال لها بحماس:
- هذه احلى هدية عيد ميلاد ، يا امي !!
المديرة : هذه مكافأتك عن تفوّقك بشهادة الثانويّة 
- لكني قلق على مجازفتك بهذا العمر !
- لست عجوزاً يا ولد !!
لؤيّ مُحرجاً : لم اقصد !

المديرة : أتدري يا لؤيّ انك تذكّرني بطفولتي .. كنت مثلك اريد تجربة كل شيءٍ مثيرٍ وخطير في العالم .. لكني تزوجت من رجلٍ تقليديّ لا يهمّه سوى عمله.. والذي توفيّ اثناء حملي بأحمد ، فوضعت عليه كل آمالي .. لكنه للأسف وُلد مريضاً ، فعوّضني الله بك
لؤيّ : وعوّضني الله بكِ .. فأهلي لم يفهموني مُطلقاً ، وكلّ همّهم أن أبقى هادئاً في المنزل ! وهذا يُخالف شخصيّتي الثائرة .. أظن الأمر يتعلّق بالأبراج
- صحيح ، فوالداك من الأبراج الترابيّة والمائيّة المُحبّان للهدوء والروتين .. بينما انا هوائيّة مُتحرّرة 
لؤيّ : وانا ناريّ مُتهوّر 
المديرة بحماس : لن تكون مُتهوّراً اكثر مني .. هيا !! حان دورنا  

وقفزا معاً من الطائرة ضمن فريق المظلّيين ، بعد أن عقدا العزم على تجربة كل المغامرات الخطيرة والمثيرة دون تردّدٍ او خوف !

هناك 4 تعليقات:

  1. لافيكيا سنيورتان


    جمعه مباركه ...



    لافيكيا سنيورتان

    ردحذف
  2. قصه لطيفه وظريفه شكرا امل واسمى ☆☆
    ووو و اي حد في الكواليس يعني ههههه انا هواءي ايضا ولكن قصة السفر والمغامره هذه مللت منها ديك النهار كنت في جزر المالديف لقضاء الهاني مانث مع الماي فيانسيه وقبلها كنا في موناكو وقبل قابل كنت احلم ثم استيقظت ههههه
    ربما يوما ما ...

    ردحذف
  3. قص امل من استاذه امل واستاذه اسمى
    نريد دائما قصص فيها امل
    مابدنا قصص الوجع
    بكفينا ما نحن
    نريد دائما الورديه والبساطِ
    علما منذ سنه تركت اي موقع اخر فيه قصص حتى كابوس لم يعد واحه لي او قصص الممله بمواقع اخرىِ
    تقبلي احترامي متشفت شخصيه جاكلين ههه

    ردحذف
    الردود
    1. صدّقني اخي ، القصص هي من تختارني ولست انا .. فالموضوع متوقف على الفكرة التي تخطر في بالي .. ستكون جاكلين بإذن الله بطلة القصة القادمة

      حذف

القرية الثلجيّة

تأليف : امل شانوحة  اسرارٌ مُميتة عُيّن جنديان وضابط لمراقبة حدود دولتهم الشماليّة ، القريبة من المحيط المُتجمّد .. وعليهم العيش معاً في كوخ...