السبت، 20 ديسمبر 2025

مزرعة الأحفاد

تأليف : امل شانوحة 

ميراث الجد


في قريةٍ ريفيّةٍ تركيّة .. استيقظ مراد (22 سنة ، اكبر الأحفاد) وهو يشعر بالدوار :

- اين انا ؟!

ونظر للأسرّة التي بجانبه في الغرفة الخشبيّة ، ليتفاجأ بأولاد عمه وعمّاته نائمون كلاً على سريره !


وقبل إيقاظهم ، سارع للخارج .. ليجد غرفةً اخرى مجاورة ، فيها ايضاً اسرّة متلاصقة ، تنام عليها بنات عمّه وعمّاته !

- مالذي يحصل ؟! اين اهلنا ؟!


((وكان آخر شيءٍ يتذكّره : هو طلب محامي جده (الثريّ الذي يحتضر بالمشفى) قدوم الورثة للقصر ، لقراءة الوصية باكراً.. 

ثم اجتمع مع والديّه وأعمامه الخمسة وعمّاته الثلاثة مع الأصهار والكنائن ، بالطابق العلويّ 


بينما جمع رئيس الخدم (بناءً على اوامر الجد) الأحفاد العشرين بقبو القصر الذي فيه صالةً ضخمة.. حيث انشغل كل واحدٍ منهم بجواله ، لحين انتهاء الإجتماع العائلي التي اعتادت اللقاء بالأعياد والمناسبات فقط .. لكن هذه المرة ، اجتمعوا مع بداية العطلة الصيفية !)) 


وبعد تأكّد مراد بأن الكوخ الكبير ليس فيه سوى الأحفاد (بعد بحثه بجميع الغرف) تساءل بقلق : 

- ترى أين اختفى الكبار ؟ ومن نقلنا الى هنا ؟! وكيف غفونا دفعةً واحدة؟!


ثم نظر من النافذة ، ليجد بالخارج : ارضاً زراعية صغيرة الحجم ، مع كوخٍ صغير يبدو كالزريبة ! 

مراد : اذاً نحن في مزرعةٍ ما ! لكن لا اذكر كيف وصلنا الى هنا؟!  


وقطع تفكيره صوت زينب (ابنة عمه ، وهي اكبر الحفيدات بعمر 19) وهي تقول بقلق :

- انت هنا ايضاً ! 

مراد : جيد انك استيقظتي .. هل تعلمين كيف وصلنا لهذه المنطقة الريفية ؟

- كنت انوي سؤالك الشيء ذاته ! 


وهنا سمعا ضجّةً قادمة من غرفتيّ النوم بالطابق العلوي ، فركضا الى هناك.. ليجدا أقربائهما يصرخون بفزعٍ شديد ، لعدم تذكّرهم المكان ! 


مراد بصوتٍ جهوري : 

- إهدأوا جميعاً !! يبدو ان خدم جدي وضعوا منوّماً بعصيرنا !

زينب بفزع : أتقصد انهم خدّرونا ، لاختطافنا الى هنا ؟!


وإذّ بهم ينتفضون رعباً ، بعد سماعهم رجلاً يتحدّث من ميكروفونٍ مُعلّق بالسقف :

- احسنتم !! بدأتم تفهمون الموضوع

مراد بعصبية : من انت ؟!! واين اهلنا ؟!

زينب بخوف : ماذا فعلت بهم ؟!

الصوت : انا سكرتير القصر .. اما آبائكم ، فيستمتعون حالياً بجولةٍ سياحية في البلاد الأوروبية ، كهديّة من جدكم 

زينب بصدمة : هل سافروا دوننا ؟!

السكرتير : لم يستطيعوا الرفض ، بعد تعهّدي التكفّل بكم  

فحصل هرجٌ ومرج بين الأحفاد العشرين..


السكرتير بحزم : توقفوا جميعاً !! اريدكم النزول للصالة .. فهناك تلفاز كبير ، سأعرض عليه تسجيلاً لجدكم قبل مرضه ، كيّ تفهوا الغاية من وجودكم هنا .. وعلى فكرة ، بعد انتهاء التسجيل .. سأقفل التلفاز نهائياً !! كما احتفظ رجالي بجوالاتكم.. فطوال مكوثكم هنا ، ستمنعون من استخدام الأجهزة الإلكترونية ووسائل التواصل الإجتماعي 

مراد بعصبية : لا يحق لك حرماننا من حواسيبنا وجوالاتنا !!

السكرتير : الأفضل ان تسمعوا وصية جدكم اولاً 

^^^


فسارعوا النزول للأسفل .. حيث جلسوا على الأريكة وفوق السجادة السميكة ، وهم ينتظرون بدء التسجيل


وبعد هدوئهم .. ظهر الجد وهو يحدّثهم ، بفيديو صوّره قبل مرضه :

((احفادي الأعزاء !! طالما تشاهدوني الآن ، فهذا يعني ان سكرتيري نفّذ وصيّتي الأخيرة : بحبسكم داخل مزرعتي 


فنظر الأحفاد لبعضهم بقلق ، قبل ان يتساءل مراد :

- هل نحن مسجونين هنا ؟!


وقبل ان يستوعبوا ذلك ! اكمل الجد حديثه المُسجّل سابقاً : 

((اكيد تتساءلون الآن : ان كنتم محبوسين بالمزرعة ؟ والإجابة : نعم !! ستبقون هنا حتى نهاية العطلة الصيفية ، ايّ ثلاثة اشهر.. بعد ابعادي اهلكم الذين لا يعلمون شيئاً عن امتحانكم صعب.. حيث اوهمهم السكرتير بتسجيلكم في كشافةٍ ترفيهية طوال الصيف.. ربما تتساءلون عن السبب ؟ بالحقيقة لا يعجبني وضعكم.. فكلما اجتمعنا بالأعياد ، تنشغلون بجوالاتكم دون التحدث فيما بينكم ، رغم انكم من جيلٍ متقارب ! هذا بالنسبة لليافعين منكم.. اما احفادي الصغار ، فيضيّعون طفولتهم بالألعاب الإلكترونية ، دون الركض والمشاغبة مع الأقارب والأصحاب ! حتى لو اذوا بعضهم ، فهو شيءٌ ضروريّ لنضجهم الإجتماعي .. عدا عن شكاوي اهلكم من عدم تحمّلكم المسؤولية ، ورفض بعضكم العمل بعد الجامعة .. بينما اوشك البعض على الطرد من المدرسة لإهمال مذاكرته ! اما في مزرعتي : سيتوجّب عليكم تحضير الطعام من حصاد الأرض ، مع الإهتمام بالمواشي المتواجدة في الزريبة.. وستكون البوّابة الخارجية للمزرعة مقفلة ، مع وجود حارسيّن مسلحيّن بالخارج.. لهذا لا تحاولوا الهرب .. ولا حتى الصراخ ، لأن مزرعتي بعيدة عن منازل القرية.. وبنهاية العطلة ستقوى الروابط بينكم ، ربما أفضل من علاقة اعمامكم ببعض .. والآن انطلقوا لاستكشاف عالمكم الجديد !! وحاولوا تقسيم العمل على حسب مهاراتكم اليدوية وأعماركم وقوتكم الجسدية .. اتمنى ان اكون حياً لرؤية النتائج الأخيرة.. آخر ما اريد قوله : هو انني افعل ذلك لصالحكم .. ويوماً ما ستترحمون عليّ ، بعد فهم حكمتي من إجباركم على التجمّع في مزرعتي .. فأنتم بالنهاية ثروّتي الحقيقية ..احبكم كثيراً ، يا احفادي الأعزّاء))


وانتهى الفيديو ، وسط صدمة الأحفاد الذين سيُمنعوا من التواصل مع اهاليهم لثلاثة أشهر .. عدا عن شعورهم بالضياع دون جوالاتهم التي اعتمدوا عليها معظم حياتهم!


وهنا ظهر صوت السكرتير من جديد :

- هيا يا ابطال ، ماذا تنتظرون ؟!! المواشي بحاجة لطعامٍ ورعاية .. كما عليكم ريّ المزروعات.. وأنصحكم بقطف الخضار الناضجة ، لطبخها لاحقاً.. فالساعة 12 ظهراً ، وعليكم البدء بتحضير الغداء 

مراد : لما لا تأتي الينا ، لتقسيم الأدوار بيننا ؟

السكرتير : ممنوع اقتراب الكبار منكم ، حتى نهاية الإمتحان.. هذه وصيّة جدكم .. لذا انتم من ستحدّدون اعمالكم بالمزرعة .. والآن عليّ الذهاب .. سأكتفي بمراقبتكم مع بقية الموظفين ، ولن نتدخل الا لضرورة القصوى .. وبدوري سأنقل اخباركم لجدكم ، كلما سمحت صحته بذلك .. واريد التنبيه على وجود عشرات الكاميرات الموزّعة في انحاء المزرعة ، لذا انتبهوا على كلامكم وتصرّفاتكم.. فعائلاتكم سترى ملخصاً لتجربتكم ، بعد انتهاء عطلتهم .. ولوّ كنت مكانكم ، سأفاجئهم بنضوجي الفكري والجسدي خلال مدةٍ وجيزة .. بالتوفيق للجميع !!

وانقطع الإتصال !


وهنا وقف مراد ، وهو يقول بحزم :

- سأبدأ بتقسيم الأعمال عليكم !!

فردّ مراهق بضيق : ولما انت بالذات ؟!

مراد : لأني كبيركم 

زينب معترضة : وانا اكبر الحفيدات ، ومن حقي قيادة الفتيات الأصغر سناً 

مراد : سأترك لك مسؤولية الأمور النسائية 

زينب بتهكّم : ماذا تقصد ؟! 

مراد : يعني الطبخ والغسيل..

فردّت مراهقة بعصبية : ليس لأننا فتيات ، علينا التكفّل بغسيلكم القذر !! 

مراد بسخرية : وهل تفضّلين تنظيف الزريبة مثلاً ؟

فسكتت بامتعاض !

فأكمل مراد كلامه : 

- على كلٍ لن ابدأ بتقسيم الوظائف ، الا بعد معاينتنا للمزرعة والمواشي ..فهيا نخرج معاً ، لرؤية المصيبة التي حبسنا فيها جدنا 

^^^


وتوجهوا اولاً للمزرعة التي رغم صغرها ، الا انها تحوي الخضار الطازجة المتنوعة ! بينما لم يجدوا سوى الفراولة البرّية ، من صنف الفاكهة


ثم انتقلوا للزريبة التي فضّلت الصبايا الوقوف عند بابها ، بعد اشمئزازهن من رائحتها النفّاذة .. بينما رافق الأولاد ، مراد للداخل 


وبعد قليل .. خرجوا لإخبار الفتيات بوجود : بقرة واحدة وخروف ونعجة ، وقنّ به اربع دجاجات وديك !

مراد : يعني ضمنّا الحليب والبيض

فسأله المراهق : وماذا بشأن اللحم ؟

مراد : اكيد لن نذبحهم ، ونجازف بما يوفّروه لنا من طعام !

زينب : اساساً من لديه الجرأة لذبحهم !

المراهق بضيق : اذاً اكلنا سيكون بيضٌ وحليب فقط !

فتاة : وسلطة ايضاً 

زينب : ومعجنات 

مراد : ومن اين ستأتي المعجنات ؟!

زينب : اثناء مشاهدتكم فيديو جدي ، ذهبت للمطبخ ..ووجدت شوالاً من الطحين والسكر ..وجالون زيت ، وبعض المؤونة الكافية لصنع المخبوزات

ولدٌ صغير بحماس : وبيتزا !!

زينب بابتسامة : نعم ، يمكنني صنعها لك

مراد : كنت سمعت من والدتك ، انك تحبين الطبخ ؟

زينب : كثيراً ، وأردّت التخصّص بهذه المهنة.. لكن والدي يصرّ على دراستي المحاسبة ، لمساعدته في شركته .. مع اني لا اطيق الحساب ! 

مراهق : جميع الإختصاصات لن تنفع هنا .. لكن هوايتك بالطبخ ، ستفيدنا جميعاً 

زينب : لا اظن باستطاعتي إطعام عشرين شخصاً لوحدي !

فقال الحفيد البدين (13سنة) بحماس : انا اساعدك !! 

المراهق : انت ستأكل ما تصنعه زينب ، وتحرمنا طعام

فضحكوا ساخرين منه..


فردّ البدين غاضباً : صحيح احب الأكل ، لكني بارع في اعداد الحلويات.. وطالما يوجد بيض وطحين وزيت ، سأصنع لكم كيك لذيذ بالفراولة ، فهي الفاكهة الوحيدة المتواجدة بمزرعتنا

الحفيد الصغير : لكن كيك الشوكولا ألذّ بكثير

البدين : آسف يا ابن عمتي ، لا يوجد شوكولا هنا

زينب : علينا التعوّد على الأكل الصحي

مراد بحزم : اذاً لنبدأ العمل !! فالمواشي جائعة ، ونحن لا نريد نفوقها قبل انتهاء الإمتحان!  

المراهق : انا سأرافقك بهذه المهمة ، فأنا اعشق الحيوانات

مراد : سأختار البالغين منا ، لهذه الوظيفة الشاقة .. اما الصغار : سيهتمون بريّ المزرعة ، وقطف الخضار وإزالة الأعشاب الضارّة من حولها .. (ثم نظر للصغار).. لكنكم ستعملون ، تحت قيادته هو!!


وأعطى قيادة الصغار في المزرعة ، للحفيد الثالث للعائلة (17سنة) 

فوافق المراهق ، لأن العمل في المزرعة افضل من الزريبة القذرة


بينما اختارت زينب صبيّتين يصغرانها بقليل ، لمساعدتها بالطبخ والجلي

بينما فضّلت المراهقة (14عام) الإهتمام بنظافة المنزل

والأخرى (13 عام) ستتكفّل بالغسيل .. بعد ان وجدوا في خزائنهم ، ملابس مريحة تناسب اعمارهم ، وعملهم المرهق بالمزرعة.. لهذا بدّلوا ملابسهم الفخمة ، بجينزاتٍ وتيشيرتات لبدء العمل فوراً ، بعد توزّعهم في المكان 


اما اصغر الأحفاد (من 6 الى 8 سنوات) فسمح لهم مراد باللعب بالدرّاجات التي وجدوها في عليّة الكوخ ..

ويبدو ان الجد حرص على وجود بعض الألعاب الترفيهية القديمة بالقبو ، لتقوية الروابط بينهم ، بعيداً عن الألعاب الإلكترونية المدمنين عليها ..مثل (شطرنج وكرة قدم ومونوبولي واوراق الشدّة وليغو وصور التركيب (البازل) وبعض الدمى للفتيات الصغار) التي وعدهم مراد بلعبها كل مساء ، بعد الإنتهاء من اعمالهم النهاريّة 

***


ومرّ الأسبوع الأول بصعوبة عليهم ، خاصة لمشاركتهم دورتا مياه مع تسخين المياه بالحطب قبل الإستحمام والغسيل ! حتى ان بعضهم انهار باكياً ، شوقاً لحياة الرفاهية السابقة وحنينه لأهله ..

***


لكن بمرور الوقت ، بدأت مواهبهم في الظهور .. فمراد برع بقيادة اقاربه بحكمةٍ ومسؤولية .. وزينب ازداد طعامها لذّة واحترافية .. والولد البدين : بدأ يضعف وزنه ، رغم استمراره باعداد الحلوى كل يوم .. اما المراهق : فاكتشف موهبته بنحت الخشب ، لصنع تماثيل صغيرة للأحفاد الصغار الذين يلعبون معاً طوال النهار .. 

اما المراهقة : فقرّرت دراسة التمريض بعد اعتنائها بالصغير الذي تسمّم بالغذاء ، فسهرت معه لعلاجه .. وبذلك اكتشفت موهبتها الشفائيّة .. 


وكذلك ازدادت اواصر المحبة بين جميع الأحفاد ، بعد امضائهم كل ليلة بتبادل الأحاديث والذكريات معاً ، مكتشفين التشابه الكبير بتفكيرهم واحلامهم .. وهم في السابق ، نادراً ما تحدثوا معاً بالمناسبات العائلية ! 

حتى الصبايا : بدأن باختراع وصفاتٍ طبيعية ، للإهتمام ببشرتهن وشعورهن .. 

اما الشباب : فتشاركوا هموم الدراسة وعلاقاتهم العاطفية السابقة مع زميلاتهن بالدراسة 

***


لكن مع نهاية الشهر الأول ظهرت أولى الأزمات : فتحدثت زينب مع المحامي عبر الكاميرا ، عن حاجات نسائية ضرورية.. 

فكان الحل بالمقايضة : بعض البيض والحليب ، مقابل المناديل والصابون.. 

وهكذا تعلّموا أن لا شيء مجاني في هذا العالم.


ثم أصيب أحد الصغار بالحصبة، فأُعيد إلى القصر للعلاج.. 

وبعد عودته، استقبلوه بالأحضان. 

***


لكن الوضع ساء ، بعد حمى اصابت قائدهم مراد .. ورغم ان المراهقة تطوّعت لمساعدته (بعد قرارها بدراسة التمريض) 

لكن زينب الغيورة أصرّت على الإهتمام به وحدها ! حيث بقيت معه في الصالة ، وهي تغيّر الضمادات الباردة له طوال الليل 


وأكملا السهرة وهما يتحدثان عن ذكريات طفولتهما .. فهما كانا متعلّقان ببعضهما قبل انشغالما بالدراسة !  

ورغم مرض مراد الا انه كان سعيداً بالليلة التي قضاها وحده مع حبيبته الأولى التي سألته بقلق :

- هل صحيح ما قالته امك ، عن نيّتك الزواج من فتاةٍ اوروبية تعرّفت عليها بالإنترنت ؟

مراد : كنت سأفعل ذلك ، الشتاء القادم .. لكني راجعت تصرّفاتها اثناء وجودي هنا .. وتذكّرت انانيتها ، وتعلّقها بي بعد معرفتها بثرائنا ! وأظنها ستغيّر رأيها إن علمت بأن جدي من اصولٍ قرويّة .. ماذا عنك ؟ سمعت من والدك .. أقصد عمي ، انك ترفضين الزواج تماماً ! .. لماذا يا زينب ؟ فأنت فتاةٌ جميلة وبارعة بالطبخ ، ولديك الكثير من المواهب التي تعجب ايّ رجل ! 

فردّت بعصبية : بسببك انت !!

مراد بدهشة : انا !

فقالت بتردّد وارتباك : انت كنت حبي الأول .. لكنك تصرّ على تجاهلي في كل مناسبة تجمعنا ! مما كسر قلبي ، وجعلني لا اثقّ بالرجال

- أحقاً مازلتي تفكّرين بي ؟!

- الم تعدني بالزواج حين كنت بالعاشرة ؟ 

مراد : يبدو لا شيء اصدق من حب الطفولة !

وغمزها بدلال ..

***


منذ تلك الليلة ، عادت المحبة بين اول حفيديّن (مراد وزينب) .. ورغم احاديثهما السرّية ، الا ان بقية الأحفاد لاحظوا نظراتهما اللطيفة لبعضهما !

لكن العاشقيّن فضّلا كتم مشاعرهما ، للإهتمام بأقاربهما لحين انتهاء امتحان جدهم  

***


وفي يوم ، استيقظوا على صوت السكرتير يقول :

- أسف لإيقاظكم باكراً !! لكن اهاليكم علموا من أحد الخدم ، بوجودكم هنا .. فقطعوا عطلتهم على عجل .. وهم الآن في طريقهم للمزرعة

مراد : لكن بقيّ اسبوعين على انتهاء الشهر الثالث !

السكرتير : هم يصرّون على اعادتكم للمنزل ..وأظنهم غاضبين مني ، لتنفيذي وصيّة جدكم 

صبية بضيق : لكننا سعداء هنا ، ولا نريد الرحيل !!

الصغير : هذا صحيح !! فأنا تعوّدت على اللعب مع اولاد عمي 

المراهق : وانا احب امضاء الوقت بالزريبة مع الخراف والدجاج

المراهق الآخر : وانا لا استطيع ترك المزرعة الآن ، فقد اوشكت الثمار على النضج ! 

زينب بضيق : امي ستعود لمنعي من دخول المطبخ ، فهو خاص بالخدم (حسب رأيها) رغم معرفتها بعشقي لطبخ !

البدين : وانا صار جسمي رشيقاً لأول مرة بحياتي ، بعد لعبي الكرة مع اقاربي الصغار.. وان عدت مع اهلي ، سيتركوني مع الخادمة التي تطعمني الحلويات طوال الوقت ، لأكفّ عن مضايقتها

ولد بحزن : وانا كنت انطوائياً جداً ، والآن لديّ ١٩ صديقاً رائعاً .. حتى لم اعد اشتاق لجوالي التافه .. (ثم بقهر) .. كل ما اريده هو البقاء مع اولاد عمي ، فهل ما اطلبه كثير !


فاحتضنوا بعضهم ، وهم متضايقين من رحيلهم الباكر عن المزرعة التي عشقوها كثيراً

^^^


ولم تمضي ساعة .. حتى قدم الأهل وهم يحتضنون اولادهم ، ويعتذرون عن جهلهم بالحياة الصعبة التي عاشوها بالشهريّن والنصف ، اثناء عطلتهم الأوروبية 


وبعد هدوء الوضع .. بدأ كل ولدٍ بإخبار عائلته ، عن الأمور التي استفادها من تجربته بالمزرعة.. 


والأهل بدورهم لاحظوا التغيرات الإيجابية بشخصيّة ابنائهم بعد تحمّلهم المسؤولية التي زوّدت حماسهم لإكمال علمهم ! ورغبتهم بإيجاد وظيفة بعد تخرّجهم ، عقب إعتمادهم على نفسهم .. وتعوّدهم على الإستيقاظ باكراً ، وتناولهم للأكل الصحي ..مع تقوية روابط المحبة والصداقة بينهم ، حتى اصبحوا عائلةً متماسكة !


لينهي مراد الإجتماع بمفاجأته الكبرى : عن رغبته الزواج بزينب ، حبه الأول والأخير (كما وصفها) 

ففرح والديه بقراره .. لخوفهما السابق من هجرته للغربة ، والزواج بالفتاة الأجنبية 

كما سعد اهل زينب بموافقتها اخيراً على الإرتباط ، بعد كرهها السابق للرجال ! 


كما عبّرت ام البدين عن فرحتها برشاقته ! ووالدة الصبي المتوحد : بطلاقته بالحديث بعد انطوائيته السابقة (إثر تعلّقه المرضي بجواله) ..حتى تلعثمه بالكلام اختفى ، بعد مصاحبته اقاربه !

اما الولد المراهق : فتحسّنت مشيته بعد اختفاء تقوّس قدميه ، إثر تعرّضه للشمس وحصوله على الفيتامين د (بعد ان كان سابقاً ، حبيس غرفته طوال فصول الصيف)

ومراهقٌ آخر : قرّر اكمال دراسته بالمعهد ، بعد اختراعه العديد من الأدوات التي سهّلت حياتهم بالمزرعة ، مما أظهر براعته بالمهن اليدوية


وبينما الجميع منشغلاً بالحديث مع اهله .. أُضيء تلفاز الصالة ! ليظهر الجد وهو على سرير المشفى ، قائلاً بتعب :

((إذا شاهدتم الفيديو، فهذا يعني وفاتي.. وقد عشت تسعين عاماً من النجاحات المتتالية ، وهذا يكفي .. الشيء الوحيد النادم عليه ، هو انشغالي بالعمل عن اولادي الذين رغبت بترك ثرّوة لهم بعد رحيلي .. لكني علمت متأخراً : بأن اعظم ميراث ليس المال ، بل عائلة مترابطة .. لهذا أوصيكم بالإجتماع كل صيف في المزرعة التي سأهديها للعريسيّن مراد وزينب .. ورجاءً سامحوني على الإمتحان الذي خطّطت له ، لصالح أحفادي.. أستودعكم الله ، يا احبابي الأعزّاء)) 

وانتهى الفيديو بدموع الورثة.. 


وبعد العزاء الذي أقيم في المزرعة .. عاد الأحفاد الى منازلهم بعد تحسّن شخصيّاتهم للأفضل ! 

***


ولم ينته الشهر إلا بحفل زفاف مراد وزينب في المزرعة التي رقص الأهل والأحفاد بين أشجارها .. بعد تعهّد العريسان بجمع اقاربهم كل صيف ، تحقيقاً لوصية الجد الراحل.


هناك 9 تعليقات:

  1. تخيّلت القصة ، كفيلم تركي اجتماعي وتربوي .. اتمنى ان تعجبكم

    ردحذف
  2. الفيلم جميل وهادف
    قلت فيلماً لأني لا أراه إلا كذلك
    أتمنى أن أراه في الشاشة قريباً

    ردحذف
    الردود
    1. ان شاء الله ، اتمنى ذلك ..
      شكراً على دعمك المتواصل ، استاذ محمد

      حذف
  3. شهادة تحكيم اللجنه الادبيه

    انه وبعد الاطلاع على محاضر الجلسات وشهادة الشهود فقد قررت اللجنه بإجماع اراء الاعضاء ما يلي :
    نظرا لما عانته الكاتبه محل موضوع الجلسه ( أمل شانوحه ) خريجة مدرسة الحقانيه جامعة بيروت سنة ١٩٩٩م . من تجاهل وتهميش طيلة ما يربو عن الربع قرن من الزمان وبسبب عدم الالتفات الى ما جادت به طيلة عشرات السنوات وقد ذبل عودها وانبرى قلمها ورق بصرها وما آلت اليها حالتها الصحيه بسبب الظلم المتواصل وما صاحبها من آلام نفسيه وعضويه فقد قررنا :
    أولا : منحها درجة الدكتوراه الفخريه الادبيه
    والانسانيه على السواء .

    ثانيا : منحها جاءزة الدوله التشجيعيه والتقريريه
    ونشرها بجميع دور النشر الادبيه على ان تطبع وتوزع في جميع المحافل الثقافيه .

    ثالثا : تعويضها عن الاف الساعات التي قضتها في التفكير والتحبير والتحرير والمراجعه بدينارا ذهبيا عن كل ساعة عمل ذهبت من حياتها هدرا ..رزقا من لدنا .
    انا كنا فاعلين . وإن هذا لرزقنا ماله من نفاد .

    رابعا : إحالة كل من تسببوا في هذا الظلم البين للإعدام شنقا وغرقا وحرقا ..وكلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب .

    خامسا : الاعتذار للكاتبه عن استحالة تنفيذ بعض القرارات وخاصة الماديه لضيق ذات اليد وان كان القهر يعتصر قلوبنا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا .
    سادسا : تقديم تحية طيبة مباركه الى والدة كاتبتنا ومناجاتها ب..إنما اشكوا بثي وحزني الى الله واعلم من الله مالا تعلمون .وعطفا ب..رب أني مسني الضر وانت ارحم الراحمين .

    سابعا : تدشين القواعد فورا لتمثالين بالحجم الحقيقي يجسمان حجم المأسٱه ويعبران جليا عن عظم المصيبه التي اقترفتموها بحق الكاتبه فذروتموها شمعة ذابله.. ليكونا عبره وتذكره لكل ناسيا وعابر ..وليكن احدهما من الصخر الابيض والاخر من الشمع المعنبر تبصرة وذكرى للعباد .

    ثامنا : اعتماد الاحتفال بالعيد ال٥٣ لميلاد الكاتبه في عام ٢٠٣١ تكذيبا عمليا للعرافه صاحبة النبوءه .
    وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين
    ولا عدوان الا على الظالمين
    وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون .

    مبارك يا دكتوره أمل غير اني لم انم ..

    التوقيع : قارئة الاحزان.

    ردحذف
    الردود
    1. سألقبّك بقارئة الفنجان .. اولاً : اشكرك على القائمة الرائعة التي اعددتها لي ، فلا شيء اجمل من تقدير القرّاء الأعزاء لجهودي المتواضعة ..
      ثانياً : لست قلقة على مستقبلي ، فانا مؤمنة بالله لأبعد حدود .. حتى لو جاءت شهرتي بعد مماتي .. لا يهم ، طالما سأترك صيتاً حسناً لعائلتي ..

      ربما تلك الساحرة ربحت علي بالدنيا ، بعد ان أهدر الذكاء الاصطناعي جهود الكاتبين .. وبعد ان اضاعت عليّ فرصة الزواج والأمومة ..

      لكني اتخيلّ الموضوع كالتالي :
      أقف مرتعبة امام الميزان الضخم يوم القيامة ، وقد تعادلت حسناتي مع سيئاتي .. لأتفاجأ بجبلٍ من الحسنات يضاف فوق كفّة حسناتي .. فأسأل الملاك عنه ، فيجيبني انها حسنات كل من آذاني بالدنيا : سواءً بسحره او بعينه الحارقة او بنقده الجارح .. حينها سأشكر ربي على اذيتهم ! واتمنى لو اذوني اكثر ، لأرتفع لطبقةٍ اعلى بالجنة ..

      وعلى فكرة ..لديّ ملف فيه اكثر من 80 مناماً ، يؤكّد نجاح مهنتي في الدنيا .. خصوصاً المنام الأول الذي رأيته بعمر 12 : وانا استلم جائزة امام جمهورٍ اجنبي يصفّق لي واقفاً .. وقد بدت كحفلة الأوسكار !
      وهذا المنام هو السبب بصبري 28 سنة ونصف على موهبة لم تظهر نتائجها للآن!

      اعلم بأن الله عادل ، ولن يضيّع تعبي سدى .. وسأنجح بالتوقيت الألهي ، عندما يجد القدر انني قادرة على خوض المرحلة الثانية من تجربتي الكتابية
      يكفيني دعمكم المتواصل لي .. واتمنى يوماً ، ان احتفل معكم بنجاحي ..
      دمتم سالمين ، يا قرّاء مدونتي المخلصين .. وبارك الله فيكم جميعاً

      حذف
  4. لقد دمعت عيوني عندما قرأت تعليق الاخ وتعليقك انسه امل
    واتمنى ان يأتي هذا اليوم بسرعه لارى فرحه امك الكاتبه
    ولكن لدي سؤال انسه امل واسفه لطرحه ولكن مجرد فضول لكاتبتي ، لما رفضتي الزواج رغم الجمال الذي تملكينه ؟ هل لحلمك له علاقه برفض الزواج؟ ولدي اقتراح اخر لك والله اعتبرك اخت ، لما لا تتجهين للمحاماه وتاخذين مزاوله مهنه وتنطلقي في عالم المحاماه والدفاع عن المضلومين فالاقل هذا يؤمن لك مدخول مادي وتتعرفين على قصص اكثر لتكون لديك افكار اكثر لقصصك لربما تصلين لهدفك عن طريق المحاماه ما زال لديك متسع من الوقت ففي بلدي هناك امرأه اخذت مزاوله المحاماه في عمر ٥٥ وبدأت تمارسها وهي الان تمسك قضايا مهمه ولديها عده قضايا، دمتي بخير عزيزتي

    ردحذف
    الردود
    1. بعد تخرجي ، قدمت على امتحان الوزارة الذي استعدّيت له ، لثلاثة اشهر .. واحلف انني لم اخطأ ولا غلطة بكل الامتحانات التي كتبتها حرفياً كما الكتاب ، وكأنه نسخ لصق .. لكن عند اختيارهم الأشخاص لمزاولة المهنة : سألوني من يدعمني ، وما هي واسطتي ؟ ولأن لا ظهر لي ، حذفت نتيجتي .. بل ورفضوا اعطائي اوراق الإمتحان .. بينما نجح الآخرون الذين اعرف كسلهم بالمواد القانونية ، لأنهم من الحزب او الحركة الفلاني .. حينها حلفت بأن لا اقدم على الوظائف بلبنان ، لحين تغير الأوضاع السياسية بها .. وللآن لم يتغير شيء !

      اما الزواج فهو قسمة ونصيب .. فحسب اقوال المشايخ الستة الذين ذهبت اليهم لفك سحري الأسود .. اخبروني بأنه يوجد احتمال بسيط ان اتزوج بعد وفاة الساحرة .. وللأسف لليوم مازالت تتمتع بصحة جيدة ، رغم تجاوزها 75 سنة !

      على كلٍ ، لم يعد الموضوع العاطفي يهمني .. لا اريد سوى النجاح العملي ، لأساعد من حولي .. شكراً لاهتمامك .. تحياتي لك

      حذف
  5. ماذا ؟!!!! ساحره ؟!!! اتقولين الصدق؟ ومن هي تلك ؟ اتعرفينها ولماذا سحرتك الله ينتقم منها اشد انتقام ؟ لدي صديقه الان تعاني من السحر ولاكون صادقه انا لم اكن اصدق السحر الا حتى ارتني الدليل وصرت اؤمن به،،، هي الام تدوام على الاذكار وذهبت للشيوخ وقالوا لها ان السحر يتجدد كل فتره لها ،، لا اترف ما هدفهم من ذلك ،،، اتمنى ان تكون التي سحرتك تموت قبل نهاين العام واراكي تضعين تعليق انك تزوجتي ،، انا متفائل لك

    ردحذف
    الردود
    1. نعم ، قريبتي من ناحية امي .. لكن لا يهم ، كل انسان لديه بلاء .. وان كان بلائي هو وقف الحال ، فهو اسهل الإمتحانات .. لأن هناك اسوء بكثير .. بالنهاية لن يحصل الا ما كتب الله لنا .. شكراً جزيلاً على اهتمامك

      حذف

جنة أنتاركتيكا

تأليف : امل شانوحة  لغز الحدود الجليديّة التقطت كاميرات المراقبة (الموجودة على حدود القطب الجنوبي) قارباً صغيراً يقترب من جبالها الجليديّة ا...