السبت، 24 فبراير 2024

بُرجا النجاة

تأليف : امل شانوحة 

 

القنبلة الدخانيّة


بعد حربٍ دامت سنتيّن ضدّ دولةٍ عظمى ، تفاجأوا سكّان العاصمة بإلقاء العدوّ لقنبلةٍ دخانيّة خانقة ، إمتصّت الإكسجين من أجواء المنطقة ، فأبادت مليون نسمة بغضون ساعاتٍ قليلة ! والأسوء أن الدخان لم يتبدّد ، بل ظلّ عالقاً على ارتفاع عشر طوابق .. مما جعل الطوابق العليا في البرجيّن المتقابليّن ، هم الأحياء الوحيدين في العاصمة التي انقطعت عنها وسائل التواصل الإجتماعي مع مدنها المجاورة ! 


واجتمع ما تبقى من سكّان البرجيّن للتخطيط لحياتهم في الشهور الصعبة القادمة ، لحين انحسار الدخان الأصفر السامّ المتراكم اسفل البرجيّن ، والذي قضى على كل مظاهر الحياة في المدينة !


ولأن البرجيّن يحويان فندقيّن سياحيّن بالطوابق العليا ، مليئتان بالمؤن الغذائيّة (قبل بدء العطلة الصيفيّة ، وتوافد السوّاح كعادتهم كل سنة) لم تكن هناك مشكلة طعام للأسابيع القادمة .. عدا أن البرج الأطول يتميّز عن الآخر : بوجود حديقة زراعيّة في سطحه ، بالإضافة للألواح الشمسيّة .. اما المياه : فكلا البرجيّن يملكان بئراً إرتوازيّ لم يلوّث بالقنبلة بسبب عمقه وسماكه جدرانه الاسمنتيّة ، والذي يكفيهما للعام القادم.. 


الفرق ان البرج الأعلى يحوي عيادة صغيرة : فيها عشرة انابيب الأكسجين ، تمّ تخصيصها لبوّاب البرج في حال تعطّلت مضخّات المياه ، مما يجبره على النزول للقبوّ الملوّث لإصلاحها لسكّان المبنى الذي يقودهم الثريّ العجوز بحكمةٍ وحزم ، مُلزماً بقيّة ملاّك الشقق العشرين من اطباء ومهندسين (سكّان العمارة الفخمة) على إطاعة اوامره ، تحت تهديد سلاح حارسه الوفيّ !

***


بعد شهرين من انفجار القنبلة .. بدأوا بسماع نداءات الإستغاثة من جيرانهم بالبرج المقابل الذين لوّحوا بالملاءات البيضاء ، ولافتات مكتوبٌ عليها:

((نفذ لدينا الغذاء ..رجاءً ساعدونا))


واجتمع سكّان البرج الأعلى ، لاقتراح طريقة لمساعدة جيرانهم .. لكن القائد العجوز رفض المخاطرة بمؤنتهم المحدودة .. وهدّد بالسلاح كل من يحاول مساعدتهم بالطرد من برجه ، وكأنه يملكه ! 

فلم يكن امامهم سوى مشاهدة معاناة الجيران وهم يصرخون ألماً وجوعاً ، حتى اضّطر أكثرهم للإنتحار قفزاً من المبنى ، بعد ايام من الجوع والعطش ! الى ان استيقظ سكّان البرج الكبير مساءً على فاجعة إحراق احد الجيران اليائسين لشقته ، مما أدّى لانتشار الحريق في كل شقق المبنى المجاور ! 


وبعد صراخٍ موجع لساعاتٍ طويلة ، عمّ الهدوء المخيف عقب إنخماد الحريق بالمبنى المُتفحّم .. وبذلك اصبح البرج الكبير هو الوحيد الصامد في العاصمة تحت قيادة الثريّ ، المتحكّم وحده بمصير الناجيّن المجبورين على طاعته !

***


في اليوم الثاني لفاجعة الحريق ، إجتمع الثريّ مع جيرانه الغاضبين .. حيث لامه أحد الشباب على مقتل سكّان البرج المقابل ، بعد منعه مدّ الحبال بين البرجيّن لنقل الطعام لهم ، قبل الحريق المُفتعل ! 


مما أغضب الثريّ الذي أمر حارسه بطرد الشاب المتمرّد من مبناه ، رغم توسّلات امه الخائفة على مصير ابنها الوحيد :

- سيدي ، اين سيذهب ؟ سيموت حتماً بالدخان السامّ

العجوز بلؤم : طالما لا تعجبه ادارتي ، فليخرج من برجي !!

فردّ الشاب بعصبية : هذه ليست عمارة والدك ، ايها العجوز الخرف!!

فرفع الحارس المسدس في وجهه .. لتسارع الأم بإمساك ابنها ، لتهدئته .. ليكمل الثريّ كلامه مع حارسه :

- اطرده حالاً !! وإن قاومك ، أطرد امه معه


فأخذ الشاب امه المنهارة لخارج قاعة الإجتماعات :

- لا تخافي امي ، الم تري الطيور التي حلّقت فوق المبنى هذا الصباح؟ 

الأم : هذا لا يعني إن الحياة عادت لطبيعتها ، فنحن نعلم إن ثقل الدخان منعه من الإرتفاع كثيراً وإلاّ لما كنا احياء للآن 

- وماذا عن الكلاب التي سمعناها تنبح البارحة بالشارع ؟

الأم باكية : وهذا غير مطمئن ، فهي تأكل الجثث المتراكمة ، بعد ان أصبحت مسعورة

- لا يا امي ، هذا يدلّ انها تتنفّس جيداً .. الم تلاحظي إن الدخان اصبح ابيضاً ؟

- مازال ملوّثاً

الشاب : سأجد طريقة للوصول للنجدة .. 

الأم مقاطعة : من اين ، يا بنيّ ؟ فالجميع ماتوا بالقنبلة النوويّة

ابنها : لم تكن نوويّة ، بل دخانيّة من النوع المحرّم دوليّاً  .. يعني اثرها محدود داخل العاصمة ، وحتماً سكّان المدن المجاورة مازالوا احياءً.. وربما لم يجرأوا على دخول مدينتنا ، خوفاً من العدوى او الموت اختناقاً ، ظناً بمقتلنا جميعاً ..لهذا سأحضر النجدة اليكم

الأم : لكن المسافة كبيرة !

- سأجد سيارة او درّاجة ناريّة مازالت تعمل بعد موت صاحبها .. لا تقلقي بشأني ، اعدك بالعودة لإنقاذك مع بقية الجيران

^^^


ثم نزل للطوابق السفلى التي أمر الثريّ سابقاً إغلاقها ببابٍ حديديّ ، والذي فتحه البوّاب وهو يقول :

- آسف لعدم نزولي معك ، لأني سأعطيك قناعي الأكسجين.. حاول المحافظة على الإنبوبة ، لحين خروجك من المنطقة الموبوءة.. (ثم تنهّد بضيق) ..لوّ كان الأمر بيدي ، لأعطيتك الأنابيب الثلاثة المتبقيّة ، فأنت بحاجة اليها اكثر منا جميعاً .. لكن العجوز الأخرق سيعاقبني إن عرف بإعطائك انبوبتي 

الشاب وهو يأخذ القناع منه : شكراً جزيلاً لك

البوّاب : بل الشكر لك ، فأنت تقوم بعملٍ بطوليّ.. رجاءً عدّ بالمساعدة ، فقد ضاق صدرنا من احتجازنا بالمبنى الكئيب تحت قيادة العجوز المتعجرف

- حتماً سأفعل ، فأمي معكم .

^^^


ثم ودّعه .. ونزل الأدراج سريعاً ، بعد لبسه قناع الأكسجين .. باتجاه الشارع لمدينة الأشباح بعد خلوّها من مظاهر الحياة ، دون عثوره على بقايا الجثث ! وكأن القنبلة حوّلتهم لتراب ، او إن الكلاب الضالة (التي ظهرت منذ ايام) أكلت رفاتهم .. 


وبدأ البحث بين السيارات المركونة في موقف البرج.. ليجد إحداها ببابٍ مفتوح والمفتاح بداخله ! يبدو ان صاحبها هرب ، بعد رؤيته سقوط الصاروخ من الطائرة العسكريّة قبل شهرين .. ومن حسن حظه انها مازالت تعمل ، والتي قادها بسرعتها القصوى لخارج العاصمة

***


مضى الأسبوع ثقيلاً على ام الشاب ، وهي تبكي حسرةً عليه .. الى ان نهضت من سريرها باتجاه الشرفة ، بعد سماع ابنها ينادي من مكبّر الصوت اسفل البرج : 

- يا اهالي البرج الكبير !! هناك حياة بالمدينة المجاورة التي أخبرت مسؤوليها عن نجاتكم من القنبلة .. لكنهم يريدون دليلاً على كونكم احياء ، قبل المجازفة بإرسال المساعدة اليكم.. لهذا سلّموني طائرة درون ، سأطيّرها باتجاهكم !! واريدكم جميعاً ان تخرجوا للشرفات ، للتلويح للطائرة لمعرفة عددكم .. وسأنقل الحدث مباشرةً على شاشات مسؤولي المنطقة المجاورة


فخرج اهالي الشقق العشرين للشرفات ، وهم يلوّحون ويقفزون امام الطائرة الصغيرة التي يتحكّم بها الشاب اسفل البرج.. 


وعندما وصلت للطابق الأخير الذي يسكنه الثريّ العجوز ، صوّرت الطائرة الّلافتة التي رفعها امامها ، والمكتوب فيها :

((لا تساعدونا.. فالقنبلة جعلتنا موبوئين بمرضٍ جلديّ مُعدي ، هو اسوء من الجذام .. فإن فعلتم ، سينتشر المرض بأرجاء البلاد .. دعونا نموت بهدوء))


وفوراً إنتشر الخبر بين اهالي المدينة المجاورة (الذين شاهدوا ما صوّرته الطائرة مباشرةً على نشرة اخبارهم) رافضين قدوم الناجين المرضى اليهم 


فأرسل حاكمهم افراد الشرطة لحماية مداخل مدينتهم ، مع الأمر بقتل كل من يقترب من العاصمة الموبوءة باتجاههم !

^^^


في هذا الوقت .. حاول الشاب إقناع جيرانه بالنزول للشارع دون اقنعة الأكسجين ، بعد انحسار الدخان السام .. قائلاً بالميكروفون :

- أنظروا إليّ !! انا اتنفّس جيداً دون اكسجين .. لقد انتهت مصيبتنا اخيراً.. هيا انزلوا ، فقد احضرت حافلة كبيرة لنقلنا للمدينة المجاورة.. ومن لا يجد مكاناً معنا .. يبحث عن سيارةٍ سليمة بالشارع ، كما فعلت سابقاً ..وسنمشي خلف بعضنا ، لحين خروجنا من العاصمة المدمّرة !! 


فنزلت امه اولاً ، ليلحقها بقيّة الجيران .. بينما بقيّ العجوز في شقته العلويّة وهو يراقبهم من منظاره.. قائلاً لحارسه بحنق :

- الأغبياء ، سيعدمون جميعاً

الحارس : ولما لم تتركهم يرحلون ؟!

- لأني احببت السلطة عليهم .. بالنهاية انا عجوز وعشت حياتي كاملة ، لهذا لا يهمني مصيرهم.. اساساً الخضراوات الموجودة بحديقة السطح ، بالكاد تكفيني

الحارس بقلق : وماذا عني ؟ 

- وتكفيك ايضاً

قائلاً في نفسه بلؤم : ((اساساً احتاج لكلبٍ وفيّ ، لخدمتي))


وتابع مراقبتهم وهم يركبون الحافلة ، فرحين بانتهاء الأزمة دون معرفتهم انهم متوجهين للإبادة الجماعيّة !


هناك 13 تعليقًا:

  1. هذه من القصص الفخورة بها ، بسبب فكرتها الغريبة المستوحاة من حلمٍ شاهدته قبل يومين : وكأني اشاهد اهالي شقق ناطحة سحاب يحترقون ، واسفل مبناهم دخان اصفر خانق .. فحاولت تحويلها لقصةٍ غريبة ، اتمنى ان اكون نجحت في ذلك

    ردحذف
  2. لما هل السودايه هذه باخرالقصص حتى افكاراستاذه اسمى رغم انها كانت بهابعض الرومانسيه شكلو عام 2024 عام اسود هههه ابدعتي استاذه امل كالعاده اعلم انك كتبتي عن ابليسو وزوجته قصدت انا هل يزروك ابليس يقول لك كفى التحدث عني بصوت جاكلين مبدعه دوما راح تتوقفي برمضان كالعده لااعلم هل نرى قصه عن الامل بحق لانو مضى اكثر من منتصف العمر 37ام اشعر انو العمر هرب منا فجاءه

    ردحذف
    الردود
    1. بصراحة اشعر ان القصص التشاؤمية اكثر واقعية بزمننا الحاليّ ..
      نعم سأتوقف قبل ايام من رمضان.. واعود ان شاء الله بعد العيد ..

      حذف
  3. استاذه امل مضى على زمن معرفتي بك حوالي 9سنوات مرت بسرعه اعلم يتغيرالانسان خصوصا مع فقدان الاب او الام وفقدان الولد اعلم للاسف زمنا سواد بسواد انهزام وضعف والباطل منتصر والحق يحاول رغم الجراح /الكثير من القصص ال701 بهما الكثير من الروائع ليس على جاكلين فقط /جوزفين وحبيبها وروحي بالجوار وابليسو هدول روعه سامحيني ان خانتي الذاكره حتى لو غبت اقرء كل القصص من القصص ال701 يمكن ما غبت اي عنهم كنا تمنى وصولك لعالميه ولكن قدر الله وماشاء فعل

    ردحذف
    الردود
    1. سأظل اكافح الى ان انجح بإذن الله .. ليس ضروري العالمية ، بقدر ان اكون من كتّاب لبنان المميزين .. شكراً لإخلاصك للمدونة

      حذف
  4. بالنسبه لي انت مستوى عالي وشهادتي قليله بحقك استاذه امل يشهد الله انك واجه الوطن العربي انت اهم كاتبه ربي يسعدك ويوفقك قبل رمضان قصه تحكي عن الطيبه والرومانسيه اسم على ذوقك يكون لمالايكون امل

    ردحذف
    الردود
    1. اخجلت تواضعي بمدحك الراقي .. سأحاول كتابة قصة فيها امل وتفاؤل ان شاء الله

      حذف
  5. وها هي ايضا قصه كارثيه من قصص نهاية العالم جعله الله قريبا ...احداثها متتابعه وسلسه ...وتصلح كفيلم ايضا ...اليكي قلمي المقصوف 😭 ✒ ...
    اشعر ان نهايتنا جميعا ستكون بسيناريو من احد احلامك الجميله الحالمه 😈...
    ربما يطلقون عليها اسما فخيما فيما بعد ...
    الحرب الامليه الثالثه ...😭

    وتأويلي المتواضع ...بأن الدخان يرمز للتخبط
    وضبابية الطريق ...والبرج العالي ...من الامالي ...امممممم ...حسنا لو تذكرت شيءا اخر ساضيفه على الحساب فيما يتبع ...لو كنا مازلنا احياء ...😭...
    واحمد الله ان صار لنحسنا مشايعين وانصار ...

    هذا تفسير حلمك او منامك انشاء الله ...
    50 $ دولار رسوم التعبير 👋
    نقبل الفيزا ايضا ...
    طيب اي حاجه ...
    ساندوتش ملوخيه حتى والله ماراح نرد يدك 😭😭😭

    ردحذف
    الردود
    1. 50 دولار تفسير منام يا مفتري ! يكفيك سندويش طعمية
      المشكلة أن البعض يطالبني بقصص تفاؤلية ، لكني اعرف ان هناك قرّاء مثلك يحبون الكوارث .. يبدو عليّ الموازنة بين الطلبيّن !

      حذف
  6. مرحبا املانو
    لم اقرأ القصة بعد وليس من عادتي ان افتح النت في اوقات كهذه ولكن بمجرد ان ان فتحت النت لم ادري إلا وانا هنا بالمدونه هكذا خطاي تقودني لا اراديا للمدونه كلما افتح النت

    ساقرأ القصة باليل على اصوات العزيف وتعرفين تلك الاوقات تكون الظروف مهيأة لقراءة القصص حيث تضيف اجواء من الرهبة والخوف خصوصا الكئابة والتشاؤم

    اني اشتم خيانة رائحة دولارات وسندوتشات محشوة مع مخدرات ماالذين تحيكينه من ورائي انتي وعاصم

    ردحذف
    الردود
    1. اقرأ القصة اولاً ، ثم شاركنا الرشاوي والممنوعات .. ضحكة شريرة

      حذف
  7. استاذه امل امنحي بطلت القصه اسمها امل امانه وخليها نهايه جميله ولما تصلي لرقم 777 تكن قصه رعب

    ردحذف
    الردود
    1. 777 ربما لآخر السنة ان شاء الله ، إن استمرّت حياتي بهذا الروتين .. على كلٍ ، سأحاول بإذن الله .. وسأحاول قبل اخذ رمضان عطلة ، ان تكون القصة الأخيرة تفاؤليّة كما وعدتك ، وبطلتها امل .. لأن القصة التالية تبدو دموية ايضاً !

      حذف

التوأمتان المتعاكستان

تأليف : امل شانوحة  الطيّبة والشريرة دخلت السكرتيرة الى مكتب مديرها (جاك) لتجده يفكّر مهموماً :   - إن كنت ما تزال متعباً ، فعدّ الى قصرك ...