الخميس، 9 سبتمبر 2021

مذكرة الموت

كتابة : امل شانوحة 

تواريخ القدر  


بعد دفن كبير العائلة .. دعى المحامي سامي (الثلاثيني) الى مكتبه ، ليخبره أن جده سجّل كوخ الغابة بإسمه .. 

سامي باستغراب : ولما انا بالذات ، وليس أعمامي ؟!

المحامي : جدك كان غريب الأطوار قبل وفاته ، وأصرّ أن لا يدخل الكوخ أحداً سواك ! 

سامي : إذاً ليبقى سرّه بيننا

*** 


في الصباح التالي .. ذهب سامي وحده الى كوخ الغابة المكوّن من غرفة نومٍ وصالة.. إستخدمه جده في هواية الصيد ، وأهمله في سنواته الأخيرة لتغزو الحشرات والغبار الكثيف زوايا المنزل وأثاثه !


فبحث سامي في خزانة المطبخ وغرفة النوم ، دون عثوره على شيءٍ ذوّ قيمة .. 

وعندما نظر اسفل السرير ، وجد صندوقاً حديدياً صدِئاً .. وتذكّر المفتاح الصغير الموجود في درج المطبخ.. وبواسطته تمكّن من فتح الصندوق الذي وجد بداخله دفتراً جلديّاً ، بعنوان :(مذكّرة الموت)!


وكان مضمون الدفتر عبارة عن جداول مقسّمة لثلاث خانات : 

1- اسماء أقارب الجد الأحياء والأموات 

2- تواريخ مجهولة : أكثريتها في زمن الماضي ، وبعضها في المستقبل !

3- طريقة الوفاة : كتب فيها الجد كيفية موت اقاربه القدامى مثل : كبر السن ، مرض ، صعقة كهربائية ، حادث سير وغيرها .. اما الأحياء فخانتهم فارغة .. وهذا طبيعي ، لأن الجد لن يعرف طُرق وفاتهم قبل حدوثها  


واثناء قراءته أسماء أقاربه ، لاحظ إسم : (زهرة بنت سمر) 

فاستغرب سامي من معرفة جده بحمل أخته سمر بفتاة ، وقرار زوجها تسميتها زهرة .. رغم علمها بحملها (في الشهر الثاني) بعد وفاة جدها بإسبوع ! 


وكان التاريخ المكتوب في خانة زهرة : 9 أشهر من هذا اليوم .. 

فلم يهتم للأمر ، ووضع الدفتر في حقيبة ظهره .. وخرج من الكوخ بعد إقفاله جيداً

*** 


تناسى سامي موضوع الدفتر لشهور .. إلى أن تلقّى إتصالاً من أخته الكبرى تخبره باكية : أن طفلتها زهرة (بعمر الشهرين) اثناء نومها في مهدها ، إنقلبت على وجهها طوال الليل ، فماتت لنقص أكسجين


حينها تذكّر دفتر جده ، وأسرع بالبحث فيه .. ليجد أن اليوم يصادف التاريخ المكتوب في خانة زهرة .. وهذا يعني إن جده عرف تاريخ وفاة حفيدته التي لا يعلم أصلاً بوجودها ! 


وبعد مراجعة سريعة للتواريخ المكتوبة بجانب الأقارب القدامى ، وجد جميعها توافق يوم وفاتهم ، وهو أمر سهل على جده معرفته .. لكن كيف عرف التواريخ المستقبليّة للأحياء منهم ! 

 

والأغرب من ذلك : إن خانة (طريقة الوفاة) لزهرة لم تعد فارغة ، بل كُتب فيها : الموت إختناقاً ! 

ولم يعرف سامي إن كانت الكلمات ظهرت مباشرةً بعد وفاة الطفلة .. ام إن روح جده نبّتهه للأمر قبل فترة ، دون ملاحظته ذلك ! 


ولام نفسه لعدم مراجعته المذكّرة قبل التاريخ المدوّن فيها ، لكان نصح اخته بتفادي موت ابنتها بالإهمال 

وقرّر تسجيل بقية تواريخ أقاربه الأحياء (المكتوبة بالدفتر) في جواله ، قبل اسبوع من وفاتهم .. لربما أنقذهم من الموت !


وقبل إغلاقه الدرج ، خرج نور من داخل الدفتر ! 

فبحث بداخله عن معلومات جديدة ، أضافتها روح جده للمذكّرة .. 

ليجد إسمه مُضافاً للجدول (لم يكن موجود سابقاً) .. 

ويدلّ تاريخه على أنه سيتوفّى بعمر 80 عاماً .. ومكتوب في خانة طريقة الوفاة : كبر السن


فتنفّس سامي الصعداء لأنه مازال امامه سنوات طويلة .. وحمد ربه أن طريقة موته طبيعية وسهلة 

***


بعد شهرين .. وأثناء وجوده في العمل ، رنّ جواله لتنبيهه على موعد إحدى التواريخ المسجّلة فيه ، لكنه نسيّ تسجيل الأسماء بجانب الأرقام !

فأخذ ينظر الى ساعته من وقتٍ لآخر بقلقٍ شديد ، بانتظار إنتهاء العمل 


وبنهاية الدوام ، أسرع الى شقته (التي يعيش فيها وحيداً) .. وبحث في الدفتر عن أقرب موعد وفاة : ليجد اسم عمه الكبير الذي سيموت بعد اسبوع .. وقد ظهرت طريقة وفاته (بالخانة التي كانت فارغة من قبل) : حادث سيارة 

***


عصراً .. ذهب سامي الى أصغر أعمامه الذي كان على خلاف مع أخيه الكبير ، وحاول إقناعه بمصالحته .. 

فردّ بعصبية :

- انا أصالحه ! هو من سرق نصيبي من ارض جدك 

سامي : لا بأس عمي ، يبقى الكبير..

العم مقاطعاً : إذاً الأجدر أن يكون حنوناً على إخوته الصغار ، بدلاً من سرقة حقوقهم 

- ربما فعل ذلك لأن لديه الكثير من الأولاد ، وأنت ترفض الزواج ..

العم مقاطعاً بغضب : هذا ليس من شأنكم !!

- لم أقصد عمي ..

- مستحيل أن أصالحه ، حتى لوّ توفيّ غداً

سامي بتردّد : بالحقيقة ...سيتوفّى بعد اسبوع بحادث سيارة ، لذا أردّتك أن تصالحه قبل فوات الآوان

- إن كان ما تقوله مناماً ، فلا أؤمن به .. ولن أصالحه مطلقاً !! رجاءً عدّ الى شقتك بعد أن رفعت ضغطي بكلامك المستفزّ

- لكن عمي !

العم بلؤم : مع السلامة سامي !!


فخرج من منزل عمه وهو يشعر بخيبة الأمل

***


فور عودته الى شقته .. إتصل سامي بعمه الكبير ، لنصحه بإعادة نصيب أخيه الصغير قبل نهاية الإسبوع .. فأغلق العم المكالمة في وجهه ، قبل إفهامه ما يقصده !

***


في المساء ، تصفّح سامي الدفتر من جديد .. ليتفاجأ بأن تاريخ وفاته نقص 10 سنوات !

فصرخ بصدمة : ماذا ! سأموت في سن 70 .. لما تغير الموعد ؟! 

ليلاحظ بأن طريقة وفاته (كبر السن) مُسحت ايضاً !

سامي : لما لم يكتب جدي طريقة موتي الجديدة ؟! 


وصار يتصفّح الدفتر ورقةً ورقة ليفهم ما حصل ، ليجد ملاحظة مكتوبة آخر الدفتر : (لا تتلاعب بالقدر) 

ففهم إنه عُوقب لمحاولته تنبيه عمه بتاريخ وفاته القريبة 


فقال سامي بصوتٍ مسموع : آسف !! لن أعيدها ثانيةً .. سأخبّىء الدفتر في خزانتي ، كيّ لا أتدخل فيما لا يعنيني ..


وبعد إبعاده الدفتر ، نام حزيناً على سنواته العشر التي نُقصت من عمره !

*** 


بعد اسبوع .. علم سامي بوفاة عمه الكبير ، فذهب للعزاء .. 

وفور دخوله الصالة ، إلتفت الأقارب اليه وهم متوجّسين خيفة منه !

سامي باستغراب : لما تنظرون إليّ هكذا ؟! 

فسألته عمته بتهكّم : هل استعرت سيارة عمك المرحوم ، وعطّلت شيئاً فيها ؟

سامي : لا طبعاً ، انتم تعرفون بخله وكرهه إعارة ممتلكاته ل.. 

فنظروا اليه شزراً..

سامي : آسف لم أقصد .. رحمه الله .. كنت أفهمكم انه لا دخل لي بالحادث

العم الآخر : اذاً كيف عرفت تاريخ وطريقة وفاته ؟!


فتذكّر سامي العقاب الذي أضاع عشر سنوات من حياته ، فقال لهم :

- منام .. مجرّد منام


فانهار العم الصغير باكياً : ليتني سمعت كلامك وصالحته ، فأموال الدنيا لن تغنيني عن أخي الكبير 

فربت سامي على كتفه مُهدّئاً ، وسط حزن الجميع

***


بعد سنة .. رنّ جوال سامي ، لتذكيره بقرب موت أحد الأقارب  

- اللعنة ! نسيت حذف التواريخ من جوّالي .. ترى من اقترب موته هذه المرة ؟


وفور إنتهاء الدوام ، سارع الى منزله لقراءة الدفتر .. ليكتشف أن إبن اخيه الكبير سيموت بعد ثلاثة ايام .. وطريقة الوفاة : الغرق في السيل


فاتصل سريعاً بمنزل اخيه ، لتردّ زوجته .. فسألها عن ابنها 

- هو بخير .. وكافأته المدرسة لتفوقه في الإمتحانات الشهرية برحلةٍ الى مطعم الوادي

سامي بخوف : لا تدعيه يذهب لخطورة السيول !! 

- نحن في فصل الربيع والجوّ صافي ! ولا اظنها ستمطر في عطلة الإسبوع

سامي : ارجوكِ إمنعيه ، فحياته في خطر


وهنا سمع صوت إبن اخيه يسأل امه :

- امي !! هل البس هذه الثياب للرحلة ، ام هذه ؟

فأجابت ابنها : إلبس ما تريده يا عزيزي 


فصرخ سامي غاضباً : الا تفهمين يا امرأة !! ابنك سيموت في الرحلة

فعاتبته بعصبية : إن أعدّت هذا الكلام ثانيةً ، سأشكيك لأخيك

وأغلقت المكالمة في وجهه ..


فبحث سامي عن رقم عمل أخيه ، لإقناعه بعدم إرسال ابنه للرحلة .. واثناء بحثه في الجوال ، خرج نور من المذكّرة المرمية على السرير !


فتصفّحها بخوف ، ليفاجأ بأن تاريخ وفاته نقص عشر سنوات أخرى ! إيّ سيموت في عمر 60 ! 

وملاحظة في الأسفل : ((إن تدخلت في القدر ، سنختار لك موتة شنيعة))


فانهار سامي باكياً ، لعجزه عن إنقاذ إبن أخيه

***  


وبعد ايام .. ذهب سامي الى العزاء ، لتهجم ام الولد عليه غاضبة :

- لما لم تمنعني بالقوة من إرساله الى الرحلة التي دمّرتنا جميعاً؟!! 

وصفعته بقوة ، وهي منهارة بالبكاء .. 


فأبعدها أخوه جانباً ، وهو يسأله :

- حذّرت زوجتي من السيل ، فكيف عرفت ؟

سامي بحزن : منام اخي ، مجرّد منام 

وحضن أخاه باكياً 

***


قرّر سامي بعدها حذف التواريخ من جواله ..وشطب جميع الجداول الموجودة في الدفتر ، ماعدا ارقام عائلته (امه وأخوته).. 

***


مرّت الشهور ، وتناسى سامي التواريخ المشؤومة ..

الى أن جاء يوم شعر فيه بمللٍ شديد ، فأخذّ يتصفّح الدفتر .. ليقفز فزعاً من سريره ، بعد قراءته تاريخ وفاة امه القريب جداً ! 

فاتصل بأخته الصغرى التي أخبرته : أن امه ليست بخير ، وتفكّر بنقلها الى المستشفى


واثناء حديثه معها ، خرج نور من الدفتر الموجود فوق السرير 

ففتحه على عجل ، لتظهر طريقة وفاة امه : (خطأ طبّي)


فقال لأخته : إيّاك أخذها الى المستشفى ، غداً أكون في القرية ..إنتظراني!!

وأقفل الخط ، وهو يدعو الله أن يطيل عمر امه 

***


وصل الى منزل والدته في الليلة التالية ، بعد قيادة سيارته أربع ساعات متواصلة من المدينة الى القرية .. 

ليجد المنزل فارغاً ، وجوّال اخته مقفلاً ! فسأل الجارة عنهما .. فأخبرته أن الإسعاف نقلت امه الى المستشفى ، بعد أن ساءت حالتها عصراً.. 


فأسرع سامي الى المستشفى ، ليخبروه أنها بحاجةٍ ماسة الى عمليةٍ جراحية لفتح صمّام قلبها المغلق .. 

لكنه رفض اجراء العملية ، وأصرّ على إعادتها الى المنزل .. فرفض الطبيب لأنها بحاجة للعناية المركّزة .. 

***


ومرّت الأيام ببطء على سامي واخته ، اللذان سُمح لهما بدخول غرفة العناية لنصف ساعة كل يوم ! 


وبعد خروجهما من الغرفة ، قالت أخته :

- ارجوك اخي ، وقّع على ورقة العملية

سامي بحزم : لن أفعل !! سيقتلونها بخطأً طبّي ، الا تفهمين ؟!! 

- لا تتشاءم يا سامي 

- عليك الوثوق بقراري 

اخته بعصبية : وهل انت سعيد برؤيتها تتعذّب هكذا ؟! هي لا تستطيع التنفّس دون الجهاز المزعج .. ارجوك ساعدها

- لن أوقّع على شيء !! الا يكفي إن والدنا توفيّ ونحن صغار .. لا اريدها أن تموت دون رؤية أحفادها .. وإيّاك مجادلتي بهذا الموضوع !! .. سأذهب للبيت للإستراحة قليلاً ، إبقي معها


وبعد خروجه من المستشفى ، إقتربت الممرّضة من أخته ومعها ورقة العملية :

- الدكتور يسألكم إن كنتم موافقين على اجراء العملية لأمكم ام لا ؟ فوضعها يزداد سوءاً كل يوم

الإبنة بقلق : وهل طبيبكم بارعاً بهذه العمليات ؟

الممرّضة : هو خرّيج أهم جامعة في اميركا 

- وهل أجرى عملية كهذه من قبل ؟

- هو توظّف حديثاً في مستشفانا ، لكن شهادته تؤكّد براعته الطبّية  

- المشكلة إن اخي غير موافق

فقالت لها الممرضة بصوتٍ منخفض :

- اذاً لا داعي أن تخبريه 

- ماذا تقصدين ؟! 

- وقّعي عنه 

وبترددٍ وارتباك ، وقعت اخته على الموافقة !

***


وفي الوقت الذي كان فيه سامي نائماً في منزل العائلة ، كان الطبيب يُجري عمليةً خطيرة لأمه ..


وبعد ساعة .. إستفاق على رنين جواله ، ليسمع اخته تبكي وتنوح :

- امي ماتت في العملية يا سامي 

سامي بصدمة : ماذا ! كيف أدخلوها العمليات دون إذن ابنها !!

- أردّت علاجها ، لم أعلم انني .. 

فقاطعها غاضباً : سعاد !! ماذا فعلتي ؟

- ارجوك سامحني


وانهارت باكية ، ليسرع سامي الى المستشفى وهو مُنصدم مما حصل !

***


بعد العزاء .. دخلت اخته الى غرفته ، لتجده يرتّب ملابسه 

- الن تتكلّم معي ؟

سامي بقهر : أخرجي يا سعاد !!

- صدّقني لم أردّ تزوير توقيعك ، لكن لم أعد أحتمل عذابها  

- وهآ انت أرحتها من الدنيا كلّها

- ارجوك لا تزدّ همومي

- دعيني وشأني !! 

- أسترحل وتتركني وحدي ؟

سامي : إتصلت بخالتي ، وهي قادمة للعيش معك 

- لا احبها !! هي قاسية القلب

- لا حلّ آخر .. فأخوتنا لم يتمكّنوا حضور العزاء لوجودهم في العاصمة ، ولن أرسلكِ وحدك بالطائرة للعيش معهم .. كما إن مناهج مدارسهم صعبة عليك  

سعاد : إذاً سجّلني في ثانوية مدينتك  

سامي بغيظ : لا املك الوقت للإهتمام بمراهقةٍ عنيدة ..

وأخذ حقيبته ، وهو يقول :

- وداعاً يا سعاد


قالها دون النظر لها ، لغضبه من مخالفتها كلامه الذي أنهى حياة امه 

***  


قبل إبتعاده عن القرية ، إتصلت خالته لتخبره بهروب اخته من المنزل  

سامي بعصبية : والى اين ذهبت الغبية في هذا الوقت المتأخر ؟!!

- لا ادري ، تعال وابحث عنها بنفسك

فعاد مسرعاً الى القرية .. 

***


بحث سامي في منازل أقاربه وبيوت صديقات أخته ، دون إيجادها! 

إلى أن أوقفه عجوز في الشارع الرمليّ ..

سامي بعصبية : يا عم !! إبتعد عن الطريق

- إن كنت تبحث عن اختك ، رأيتها تصعد الجسر النهريّ قبل قليل وهي منهارة بالبكاء ..


فأسرع سامي الى هناك ، ليجدها واقفة على حافّة الجسر .. فاقترب منها بحذر :

- سعاد ، لا تتهوّري رجاءً

فنظرت اليه بعيونٍ دامعة : معك حق ، انا قتلت امي

- لا ، لم تفعلي ..قلت ذلك من قهري عليها .. ارجوك إنزلي ، فالنهر هائج في هذا الفصل من السنة

اخته : لن أنزل قبل أن تخبرني الحقيقة 

- أيّةِ حقيقة ؟!

- كيف عرفت أن امي ستموت أثناء العملية ؟ 

سامي : كان مناماً

- لا أصدّق هذه الخزعبلات ، قلّ الحقيقة وإلاّ رميت نفسي !!

سامي : حسناً سأخبرك كل شيء ، بعد أن تمسكي يدي 

 

وما أن نزلت عن السور ، حتى شدّها من يدها بعصبية ، وأدخلها بعنف الى سيارته التي قادها مسرعاً باتجاه الطريق العام .. 

***


بعد ساعة من الصمت المتوتّر ، قال لها وهو يكتم غيظه :

- سآخذك الى المدينة ، ولن أدعك تبعدين عن نظري ، ايتها المجنونة

اخته : أنت وعدّتني أن تخبرني الحقيقة 

- لا اريد سماع صوتك حتى نصل الى شقتي .. إستلقي بالمقاعد الخلفيّة ، وحاولي النوم لتهدئة اعصابك المتوتّرة 

فاستلقت في الخلف ، وعقلها مازال مشتّتاً .. 


وبينما كان سامي غارقاً بذكرياته القديمة مع امه ، إنتبهت سعاد على نورٍ يخرج من حقيبته الصغيرة الموجودة بأرضيّة السيارة .. ففتحتها ، لتجد الدفتر الجلديّ.. 

فأخذت تتصفّحه ، لتقرأ ملاحظة مكتوبة بجانب إسمها :(تموت الليلة ، بإلقاء نفسها من سيارةٍ مسرعة)


وبعد لحظات ، إنفتح الباب الخلفيّ ! 

فأدار سامي رأسه .. ليرى سعاد تقفز من سيارته ، وتتدحرج بعنف فوق الطريق العام ! 


فأوقف سيارته جانباً ، وهو يسمع صراخها وهي تتلوّى ألماً وسط الشارع! 

وقبل قطعه الطريق ، دهستها شاحنة نثرت اشلائها في كل مكان ! 


فجنّ جنون سامي ، وأخذ يصرخ بهستيريا .. لتصفّ السيارت بجانبه ، في محاولة سائقيها لتهدأته ..الى أن إنهار مغشيّاً عليه

 

وحين استفاق ، كان في غرفة الطوارىء بالمستشفى بعد إرتفاعٍ حادّ في ضغط دمه من شدّة الصدمة !

***


بعد انتهاء العزاء في قريته ، عاد للمدينة .. وحين فتح حقيبته ، وجد المذكّرة مضاءة .. ليفاجأ بأن موته نقص لعمر 40 ! 

وقرأ الملاحظة : (تدخلك بقدر امك واختك ، أخسرك عشرين سنة من عمرك)

 

فبعثر سامي اغراضه في انحاء الغرفة ، وهو يصرخ بعصبية :

- من انت يا جدي ؟ هل انت شيطان ؟!! .. كيف عرفت تواريخ وفاتنا ؟!! ولما أرسلتني الى كوخك ، لتدلّني على دفترك اللعين ؟!! ولما تخبرني بمواعيد موت أحبابي ، وتمنعني حمايتهم ؟!! .. أتدري مالذي سأفعله ، سأحرق مذكّرتك الشيطانيّة !!! 


وأضاء القدّاحة في طرف الدفتر ، لكن الشعلة انطفأت في كل مرة !

فحاول تمزيق اوراقها التي جرحت كل اصابعه ، دون إقتطاع قصاصة منها ! 

فأخذ يشطب بالقلم كل التواريخ ، وهو يصرخ غاضباً :

- لا اريد معرفة مواعيد موت أقاربي بعد اليوم !!  


ورمى الدفتر اسفل الخزانة .. وخرج من شقته ، ليقود سيارته دون وجهةٍ محدّدة

***  


وبمرور الشهور ، نسيّ سامي أمر الدفتر .. وبدأت حياته تتغيّر ، بعد توظّف آنسة جميلة في الشركة التي يعمل فيها .. 

وحين تأكّد من مشاعره نحوها ، خطبها من اهلها.. 

ليعيش معها أجمل لحظات عمره ، في خطبةٍ إمتدّت لشهرين .. 

***


في تلك الليلة .. أنهى مكالمته سريعاً ، بعد أن أخبرته إنها مشغولة في حفلة صديقتها 


وقبل نومه ، خرج نور من اسفل الخزانة ! فعلم إن الدفتر يحاول إنذاره بقرب وفاة عزيزٍ لديه 

فحاول تجاهل الأمر ، لكنه أصيب بالأرق .. 


وبالنهاية قرّر معرفة الضحية التالية .. 

وفتح الدفتر وقلبه ينبض بقوة ، ليجد إن الجداول مازالت مشطوبة .. ما عدا الصفحة الأخيرة التي ظهر فيها اسم خطيبته (التي لم تُذكر سابقاً) .. وتاريخ وفاتها الذي يصادف الليلة !.. وسبب الوفاة : (خطف – إغتصاب – قتل)

فأصيب بصدمةٍ قوية ، لأنها أسوء موتة على الإطلاق !

 

فعاود الإتصال بها أكثر من مرة ، لكنها لم تجيب ! 

فاتصل بأهلها ، ليخبروه أنها لم تعدّ بعد من حفلة صديقتها  


سامي : كلّمتها قبل ساعة ، وأخبرتني انها تودّع صديقاتها قبل خروجها من الحفلة

الأب : هي اتصلت بنا لتخبرنا إن زوج صديقتها سيوصلها الى المنزل

- لا !!! هو سيخطفها ويقتلها 

- ماذا قلت ؟!

- أعطني رقم صديقتها 

- لا تخيفني يا سامي ، ما الأمر ؟

- عمي لا وقت للشرح ، إعطني رقم صديقتها الآن !!


ثم اتصل بصديقتها :

- اين زوجك ؟

- من انت ؟

سامي بعصبية : خطيب هند ، اين زوجك ؟

- ذهب قبل ساعة لإيصال هند 

- لم تصل بعد الى منزلها !!

الزوجة : أخبرني انه أوصلها ، وأكمل طريقه الى منزل صديقه 

- بل اللعين خطفها !!

- لا أسمح لك باتهام زوجي زوراً !! 

سامي غاضباً : سأعاقبكما أنتما الإثنين إن حصل لها مكروه !!

وأغلق الهاتف للإتصال بالشرطة ، وإبلاغهم بشكوكه عن إختفاء خطيبته

***


لاحقاً بالتحقيقات الجنائية .. أصرّ زوج صديقة هند أنه أوصلها الى باب العمارة ، قبل ذهابه الى صديقه الذي أكّد إنهما سهرا معاً تلك الليلة


فقامت الشرطة بمراجعة كاميرات الطرق وتتبّع سيارة المشتبه به ، الذي تبين أنه قادها في الطريق الموصل الى منزل هند ، مما يؤكّد صدق كلامه 


خاصة إن الكاميرا الملعلّقة على إشارة المرور قرب منزل صديقه ، تبين انه وصل هناك بغضون دقائق .. وهو وقت غير كافي للإعتداء على المفقودة وقتلها وإخفاء الجثة 


وحين أصرّ سامي بأن اختفاء حبيبته الغامض حصل بسبب جريمةٍ مروّعة ، سأله المحقق : 

- ولما انت متأكّد من ذلك ؟ لربما هربت مع حبيبها مثلاً ؟

سامي بعصبية : انا حبيبها وخطيبها ، وكنّا سنتزوج قريباً 

المحقق : ثقتك بمقتل هند ، يجعلني أشكّ بك 


وبدأ يحاصره بالأسئلة ، فلم يعد باستطاعة سامي إخفاء موضوع دفتر جده.. 

وبعد إطلاع المحقق على ملخّص ما حصل له بسبب المذكّرة الشيطانية .. 

طلب المحقق من مساعده دخول شقة سامي ، وإحضار الدفتر الجلديّ الى المخفر 

***


بعد تصفّح المحقق الدفتر ، وجد جميع الأسماء المكتوبة في الجداول مشطوبة بالقلم ، وكذلك اسم هند في آخر الصفحة .. رغم إن سامي لم يتسنّى له الوقت لفعل ذلك ! 


ولغموض القضية ، قرّر المحقق إيقاف سامي لحين توصّله الى معلومات عن إختفاء هند .. مع شكّه أن سامي هو خاطف خطيبته ، وإن حزنه وخرافة الدفتر مجرّد تمثليّة فاشلة 


وبعد وضعه في السجن ، قال له :

- سأحقّق بموضوع جدك ، رغم انني لم أصدّق حرفاً مما قلته

سامي : سيدي ، انت تسجن الشخص الخطأ .. ارجوك تابع قضية خطيبتي ، اريد معرفة مكان جثتها 

المحقق : سأتابع قضية إختفائها ، بسؤال الشهود والأقارب .. وحين أعرف الحقيقة ، أخبرك بها


فانهار سامي باكياً بعد تأكّده بصحة المكتوب في الدفتر ، والذي لم يظهر للعلن الا بعد شهر على إختفاء هند : عندما اعترف سكران بالبار بخطفه سيدة جميلة اثناء صعودها الى شقتها .. بوضعه قماشة مبلولة بالمخدّر على انفها ، وسحبها من الباب الخلفيّ للعمارة نحو سيارته .. ثم الإعتداء عليها وقتلها ، ودفنها في الحديقة العامة ! 


فأبلغ نادل البار الشرطة بما سمعه ، ليضغط المحقق على المجرم الذي إعترف لاحقاً بمكان جثتها المشوّهة والمدفونة تحت الشجرة  


وتلقّى سامي الخبر الصادم وهو في سجن التوقيف ، ليسمع الجميع صراخه وبكائه المرير.. 


وبعد ساعات من البكاء المتواصل ، هدأ قليلاً .. فزاره المحقق : 

- على فكرة يا سامي .. ذهبت الى مصنع جدّك ، وسألت العمّال عنه .. فأخبروني إنه كان غريب الأطوار بالفترة التي سبقت وفاته .. وحين التقيت بصديقه المقرّب ، أخبرني أن جدك قال له : إنه سقط بإحدى رحلات صيده في حفرةٍ بالغابة ، أوصلته الى العالم الموازي

سامي باهتمام : ماذا يعني ذلك ؟!

المحقق : حسب ما أخبر صديقه ، انه انتقل الى المستقبل ..وعرف من هناك تواريخ وفاة اقاربه ، وأحفاده الغير مولودين بعد ! ولكيّ لا ينسى تلك المعلومات ، دوّنها في مذكّرته فور عودته الى عالمنا .. وقبل موته ، أخبر صديقه انه نادم على فعل ذلك ، لأنه لم يستطع التخلّص من دفتره المشؤوم 

سامي : ليته اختار كتابة تواريخ احداثنا السعيدة ، بدل الموت في دفتره الذي بلاني فيه

- مع اني لم أصدّق ما قاله صديقه العجوز ، لكن الدنيا مليئة بالألغاز .. المهم !! لا يوجد سبب لبقائك هنا بعد إعتراف الجاني .. (وفتح قفل الزنزانة) .. عدّ الى شقتك ، وخذّ دفتر جدك معك .. أعانك الله على مصيبتك

فعاد سامي حزيناً الى بيته 

***


في منتصف الليل .. إستيقظ بعد سطوع النور في وجهه ، والخارج من الدرج .. 

ليجد الدفتر مضاءً :

- ليس ثانيةً !.. من بقيّ يا جدي ؟!! ماتت امي واختي وعمي وابن اخي وخطيبتي ، من ستقتل ايضاً ؟!!


وتصفّح الدفتر ، ليجد اوراقه بيضاء ! 

ماعدا اسمه في آخر الصفحة ، والمكتوب بجانبه موعد الوفاة : الليلة ! 

وملاحظة :

((ما كان عليك إخبار الشرطة بسرّنا))

 

فنهض سامي فزعاً من سريره ، بعد خسارته آخر 10 سنوات من عمره! 

وصرخ مرتعباً : لن اموت الليلة يا جدي !! القرار ليس بيدك 


وأسرع بإطفاء قارورة الغاز بالمطبخ ، وإزالة المقابس الكهربائية ، وإخفاء الأدوات الحادّة داخل الأدراج  .. 


ثم ملأ حوض الإستحمام بالوسادات ، واستلقى فيه 

- سأبقى هنا حتى شروق الشمس ، وانتهاء الكابوس


ورغم أرقه ، إلاّ أنه غفى من شدّة تعبه .. 

واثناء تقلّبه فوق الوسادات ، سقطت الصابونة في الحوض .. 

***


قبيل الفجر .. شعر ببرودةٍ شديدة ، رغم انه في فصل الصيف  

وحين فتح عيناه ، شاهد خيال جده يطفو في سقف الحمام ! 

فأصابه الرعب ، وحاول الخروج سريعاً من الحوض .. فتعثّر بالصابونة ، ليرتطم رأسه بالمغسلة بقوة .. جعلته يسقط على أرض الحمام ، وتسيل الدماء على وجهه ، وهو يشعر بدوارٍ شديد .. 


وسمع جده يقول من فوقه :

- ما كان عليك التدخل بالقدر يا سامي .. هآ انت ستموت وحيداً .. ولن يعثر الجيران عليك ، قبل أن تفوح رائحة تحلّل جثتك .. يعني ستُدفن بعد تسعة ايام من وفاتك ، يالها من موتةٍ شنيعة

ثم اختفى الطيف ! 


فتمّتم سامي بألم : لن اموت في الحمام .. كانت نيتي إنقاذ احبابي ، ولا أستحق سوء الخاتمة !


وزحف للخارج بصعوبة ، مُخلّفاً خطاً طويلاً من الدماء  

الى أن وصل الى غرفته ، ومدّ يده لإخراج الدفتر من الدرج .. ليحاول من جديد تمزيقه بكل ما تبقّى من قوته ، والتي انهارت بعد عدّة محاولاتٍ فاشلة .. 

ليفقد وعيه بعد خسارته الكثير من دمائه 

***


أقام اعمامه العزاء ، وهم حزينين على وفاته وحيداً بشقته ..


وكان من بين المعزّيين : المحقق الذي تواجد لحظة إخراج جثة سامي من الشقة ، والذي قال للعم الأصغر :

- وجدنا الدفتر في يده ، هي مذكّرة والدك .. الغريب إن صفحاته فارغة !

العم : ومالغريب في الموضوع ؟

المحقق : أثناء تحقيقي مع سامي بقضية خطيبته ، أراني دفتر جده ..وكان مليئاً بالجداول المشطوبة ، لكنها اختفت الآن !

- وماذا كتب ابي في الجداول ؟

المحقق : قصّة خرافية ، الأفضل أن لا تعرفها .. المهم أوصلت الأمانة ، وانتهى عملي هنا .. عظّم الله أجركم

العم : شكر الله سعيكم

***


بعد انتهاء العزاء .. عثر ابن العم الصغير على الدفتر فوق الطاولة ، وحين فتحه : وجد اسمه بتاريخ الغد ، مكتوباً امامه : 

(مفاجأة في ساحة الملعب)


فهللّ الولد فرحاً ، لظنه إن المدرسة أخبرت والده (الذي كتب الملاحظة بالدفتر) بتكريمه غداً لتفوقه الدراسيّ .. دون علمه أن متنمّر صفه الحقود سيطعنه اثناء استلامه الهدية !

 

وذهب الولد الى غرفته لتجهيز نفسه لمفاجأة الغد التي حتماً لن تكون سارّة ، وستصدم القريب والبعيد معاً !


*******

ملاحظة :

كنت شاهدت تريلر فيلم (ِDeath Note) وفهمت من الملخّص : إن البطل بإمكانه قتل من يشاء بكتابة طريقة موته في المذكّرة ، بمساعدة الشيطان

##

اما فكرة قصتي : حتى لوّ كنّا نعلم القدر ، لما تمكّنا من تغيره او التلاعب به.. وأن معرفة الجد لمعلوماتٍ مستقبليّة ، أشعرته بالندم والعجز .. وبدل دفن السرّ معه ، أعطى الدفتر المشؤوم لحفيده الحنون ، لعلمه بمحاولته إنقاذ احبّائه على حساب نفسه .. وبذلك تستمرّ اللعنة في العائلة إلى أبد الآبدين ! 


السبت، 4 سبتمبر 2021

الشريحة الإلكترونيّة

تأليف : امل شانوحة

معلوماتٌ لا نهائيّة


مع تزايد الضغوطات الدوليّة على تلقيح أكثر من 80 % من سكّان العالم ضدّ فيروس كورونا ، توجهت أنظار أهالي قريةٍ ريفيّة فرنسية نحو طبيبها الوحيد (ألبير) الذي سئُل كثيراً : إن كانت الإشاعات المنتشرة بوسائل التواصل الإجتماعي عن أضرار اللقاح صحيحة ام لا ؟ وهل يوجد بالفعل شريحة إلكترونية داخل العقار لتقليل عدد البشر ، حمايةً لمصادر المياه المحدودة في الكرة الأرضية ، حسب زعم الأمريكان ؟ 

بينما شكّك المسيحيّون المتدينون أن يكون غرض الشريحة هو السيطرة على قرارات البشر بعد ظهور الدجّال ، بدلاً من إتباع المسيح العيسى الذين انتظروا عودته منذ قرونٍ عدّة !


وبين إلحاح اهل قرية الطبيب البير على معرفة الحقيقة وبين ضغط الإدارة الطبيّة عليه ، قرّر المجازفة بمهنته (فور استلامه صناديق الدواء لتلقيح شعبه في غضون شهرٍ واحد ، على أبعد تقدير)


وكانت نيته شراء 300 شريحة جوجل ذكيّة (تكاد لا ترى بالعين المجرّدة) من الإنترنت المظلم من خبيرٍ إلكتروني متقاعد ، صدمه بامتلاك نصف العدد فقط ! 


وبعد شرائهم .. أفرغ الطبيب 150 عقاراً طبيّ ، ووضع مكانه محلولاً ملحيّ مع إضافة شريحة جوجل .. لعلمه أن المراقبين لديهم أجهزة توضع على الذراع بعد التطعيم ، فتصدر صوتاً يؤكّد بوجود شريحة إلكترونية مزروعة بيد الملقّح ..


وبعد تفكيرٍ مطوّل ، قرّر المجازفة بكبار السن بإعطائهم العقار الأمريكيّ العالميّ (مُستثنياً نفسه) وتخصيص الشريحة الذكيّة للشباب ومراهقين قريته  

***


وفي الأيام التالية .. ألقى محاضرات علنيّة في ساحة القرية لتأكيد أهمية اللقاح ضدّ الفيروس القاتل كورونا ، وأن عليهم التجمّع في عيادته في نهاية الإسبوع للتطعيم الجماعيّ .. 

فوافقوا بتردّد ، لأنهم يثقون بطبيبهم الوحيد الذي أنقذ الكثير منهم سابقاً

***


وفي الصباح الباكر .. قدم خبيران من العاصمة باريس مع طبيبين أمريكيّن لمراقبة عملية تلقيح (ألبير) لسكّان قريته البالغ عددهم 300 شخصاً ..


فبدأ اولاً بالعجائز الذي أعطاهم اللقاح الحقيقيّ ..

وكلما لقّح شخصاً ، قام المراقبان بوضع الجهاز على ذراعه لتأكّد من اختراق الشريحة لجسمه !


وبعد انتهائه من نصف العدد ، أحسّ ألبير بتعب المراقبين والطبيبين الأجنبين ، فاقترح عليهم الجلوس ومراقبته من بعيد .. 

فوافقوا بعد وثوقهم بألبير الذي أدّى واجبه جيداً مع العجائز .. وأخذوا يتناقشون اموراً طبية بينهم ، دون علمهم بأن ألبير يلقّح الشباب بالعقار الذكيّ 

***


بحلول العصر ، إنتهى من تطعيم جميع سكّان قريته .. فهنّأ الطبيب الأمريكي ألبير على قيامه بالمهمّة الصعبة وحده ، وطلب منه كشف ذراعه ليقوم بتطعيمه .. فتدارك إلبير الموقف بحقن نفسه بالعقار الذكيّ ، وهو يقول للطبيب :

- لا عليك ، أنا متعوّد على معالجة نفسي 


ثم ودّعوه للعودة الى العاصمة قبل حلول المساء .. ليتنفّس ألبير الصعداء بعد نجاح خطته التي كادت تُنهي مسيرته الطبّيبة

***  


في الأسابيع التالية .. لاحظ اساتذة الثانويّة تزايد ذكاء طلابهم بشكلٍ تصاعديّ ومفاجئ ! حتى الكسالى منهم عرفوا أدّق التفاصيل العلميّة والأدبية .. مما أسعد اهاليهم بعد ارتفاع علاماتهم بشكلٍ ملحوظ  


وبمرور الوقت .. تزايدت تعليقات الطلاّب الساخرة ، لتفوّق معلوماتهم على أساتذتهم .. حتى إن بعضهم ترك المدرسة ، لحفظه المواد وحلّه جميع واجبات العام الدراسيّ !  

وسرعان ما انضمّ اليه الكثير من الطلاّب الذين رفضوا تضييع عمرهم بتعلّم معلومات يحفظونها مُسبقاً 


ولم يتوقف تمرّدهم على الأساتذة ، بل على اهاليهم ايضاً الذين احتاروا بين قرارين : إمّا إجبار اولادهم بالعودة الى المدارس للحصول على شهادة نهاية السنة ، او تركهم يثقّفون أنفسهم بعد تفوّقهم بأشواط على اساتذتهم 

***


لم تمضي شهور ، حتى خلت المدارس من الطلاّب ! فأضرب المعلمون إعتراضاً على إهانة التلاميذ واستخفافهم بمجهوداتهم طوال السنوات الماضية.. 


فقرّر رئيس البلدية إقامة امتحانٍ شفويّ للمتنمّرين (الطلاّب الكسالى سابقاً) امام اهالي القرية ، بطرحه اسئلة معقّدة عليهم (لإحراجهم امام اقاربهم واصدقائهم ، وإفهامهم ضرورة العودة الى المدارس)

 

إلاّ أنهم أثبتوا للجميع تفوّقهم الفكريّ ، وبأن روتين المدارس الطويل والمملّ لم يعد يناسب تطلّعاتهم وآمالهم !  

وبسبب براعتهم المذهلة ، أُغلقت المدارس نهائياً .. 

فرحل المعلمون الى مدنٍ مجاورة ، واضّطر الآخرون لامتهان أعمالٍ أخرى

***


تزايدت الأزمة بعد تخرّج طلاب الثانوية المتمرّدين من الجامعات في غضون أشهرٍ قليلة ، بعد نجاحهم بحلّ جميع اسئلة الإمتحانات لسنوات الأربعة المتتالية .. فلا توجد معلومة أدبيّة او علميّه او فنية او رياضية إلاّ وعرفوا إجابتها خلال ثواني ، كأن أدمغتهم تحوّلت إلى حواسيب متطوّرة!


وبعد نيلهم الشهادات الجامعية ، إمتهنوا عدّة مجالات ، مُنافسين الموظفين القدامى من كبار السن الذين أفنوا عمرهم بتلك المهن ..


وحاول رئيس البلدية إقناع بعضهم بدخول المعاهد التقنيّة والحرفيّة ، ليتميزوا فيها بأقل مجهودٍ يُذكر ! 

بل نجحوا ايضاً بتعلّم اللغة التي يريدونها في غضون ايام .. وبسببهم أغلقت معاهد اللغات في قريتهم .. 

حتى أنهم برعوا في المجالات الفنيّة والإبداعية ! 

وفي مجال الطبخ ايضاً ، لينافسوا المطاعم الشعبيّة التي أُجبر أصحابها على الرحيل من القرية ، بعد تزاحم الزبائن على مطاعم الشباب الحديثة بوصفاتهم الأجنبية العالمية !


ومن قرّر من الشباب إكمال تعليمه ونيل الشهادات العليا ، أصبح محامياً بارعاً لدرجة أرغمت 5 محامين قدامى في قريته على الإعتزال ، بعد فوزه بجميع القضايا ضدّهم .. فهو يحفظ جميع القوانين ، ويتقن الطرق الملتوية لاستغلال ثغرات القانون في سبيل إنقاذ وكيله ، حتى لوّ كان من المجرمين الخطيرين !


ولم يتوقف ذكائهم بالمجال القانوني فحسب .. بل في مجال الطب والجراحة ، منافسين الدكتور ألبير في عمله ! 

وفي مجال الدين ايضاً ، فمنهم من حفظ الإنجيل عن ظهر قلب ، أكثر من راهب القرية العجوز !

***


ولاحقاً إجتمع الأهالي عند رئيس البلدية للشكوى على اولادهم الذين تحوّلوا الى عباقرة بين يومٍ وليلة ! 

فقالت أم باكية :

- ابني المراهق لم يعد يسمع كلامي ، ويعيّرني بقلّة معلوماتي .. حتى انه عرف كل شيء عن الزواج وامور البالغين ، رغم انني حريصة على حذف المواقع السيئة من حاسوبه ، ولا ادري من اين أتى بتلك المعلومات المنحرفة !

الأم الثانية : هل مازال ابنك يستخدم الحاسوب ؟ فإبني أخبرني أنه لم يعد بحاجة  للتكنولوجيا ، لأن كل شيء مخزّن بدماغه .. ولم أفهم ما يعنيه !


الأم الثالثة : اما ابني فرفض عروسته التي خطبناها من القرية المجاورة ، لأنها فشلت بامتحانه للمعلومات العامة ! فهو يريدها ذكية مثله 

- الم يكن ابنك يعيد السنة الدراسيّة مرتين ؟

- بلى ، لكنه الآن يرغب أن يكون كاتباً مشهوراً

- كاتب ! قريبتي كانت معلمته للغة الفرنسية ، وكانت تشكو كثرة أخطائه الإملائية واللغوية ، مالذي تغيّر ؟!

- لا ادري ! فهو يصرّ على امتلاكه موهبةً فريدة ، وأنه نشر في الشهور الماضية قصصاً وروايات من تأليفه 

رئيس البلدية : إذاً أعطنا إسم مدونته ، لنتأكّد من موهبته بأنفسنا

الأم : هذا ما يحيّرني ، فهو أخبرني انه كتبها في مخيّلته ، وهي منشورة في عقول زملائه ، أظنه يقصد شباب قريتنا ! ويرفض العمل في أيّ مجالٍ آخر 


فقال أحد الآباء : اما ابني فلم يعد يساعدني بالزراعة او رعيّ الأغنام مع امه ، لأنه أذكى من وظائفنا الوضيعة ، على حسب قوله! 

الأب الثاني غاضباً : على الأقل ابنك لم يتسبّب بطردك من العمل .. فإبني النجيب قدم الى معملي ، وأهان مديري لاستخدامه ماكينات غبية وبطيئة .. فراهنه رئيس عملي بصنع أفضل منها .. وخلال ايام ، فاجأ ابني العمّال بماكينته المتطوّرة التي أنتجت في دقائق ، ضعف ما أنتجه مع زملائي خلال اسبوع .. مما أسعد رئيسي الذي اشترى منه الماكينة ، بعد طردي مع نصف العمّال .. 

- الم يعتذر ابنك عن..

الأب مقاطعاً بعصبية : بل رحل اليوم الى المدينة دون توديع امه ، وبعد تركي عاطلاً عن العمل !! 


أم أخرى : على الأقل ابنك في المدينة ، بينما إبني خارج الكرة الأرضية

- ماذا تقصدين ؟!

- إتصل صباحاً ليخبرني انه وصديقيه بنوا صاروخاً حديثاً ، وتطوّع هو لتجربته .. وأرسل لي صورته من الفضاء ! 

رئيس البلدية : سمعنا صوتاً قوياً قبيل الفجر ، أكان صاروخه ؟

- نعم 

- ومن اين حصل على معلومات لبناء الصاروخ ؟

الأم : سرقه من حاسوب الناسا 

ريس البلدية : قد يُسجّن على تهكيره تلك المعلومات السرّية !

- ما يفقدني عقلي إن ابني وصديقيه لا يملكون الحواسيب ، فجميعهم ابناء مزارعين فقراء .. فمن اين حصلوا على تلك المعلومات الخطيرة ؟  


الأب : الا تلاحظون إن ذكاء ابنائنا إزداد بعد لقاح كورونا ؟ 

- لكنّا جميعا تلقّحنا ، ولم يحصل ما حصل لشبابنا !

رئيس البلدية : أفكّر بسؤال الطبيب ألبير إن كانت حقنة الشباب تختلف عن حقنتنا؟

الأهالي : نعم ، رجاءً إسأله 

*** 


في البداية رفض الطبيب الإفضاح عما حصل .. 

لكن بعد ضغط من رئيس البلدية الذي أخبره بحال كبار القرية الذين تأذّت أعمالهم بذكاء الشباب المفرط .. أطلعه الطبيب بتردّد على الحقيقة


رئيس البلدية بدهشة : أقلت شريحة جوجل ؟!

ألبير : أليس أفضل من شريحة الأمريكان الغامضة التي ربما تفني البشريّة ، او تجعلنا تابعين للدجال كما حذّرنا راهبنا من قبل ؟

- أخاف أن يتطوّر الأمر لأسوء من ذلك

- ومالسوء الذي سيحصل من عقول ابنائنا التي مُلئت بالعلم والثقافة ؟ يبقى أفضل من إنشغالهم بالنساء الساقطات والخمور والمخدرات .. فالعلم نور ، وهم سيكونون واجهة القرية في المستقبل ، ويرفعون رأسنا امام القرى والمدن المجاورة


وفجأة ! دوّى إنفجارٌ هائل .. فخرجا هلعين الى ساحة القرية الذي تجمّع فيها الأهالي .. ليكتشفوا أن أحد الشباب (الذي كان متنمّراً في مرحلة الثانوية) جمع الشباب الفاسدين لتجنيدهم في جيشه ، بعد اختراعه قنابل ذكيّة (باختراقه إنترنت المخابرات الدولية عبر شريحة جوجل المزروعة في عقله)


واستمع الأهالي بصدمة الى صوت الشاب الذي نُقل مباشرةً من مكبّرات الإذاعة المركزيّة ، وهو يعلن عن احتلاله القرية بعد تفجيره مركز الشرطة الوحيد فيها .. مُعرباً عن نيّته باحتلال القرى والمدن الصغيرة ، وصولاً لإسقاط الحكم في العاصمة باريس .. 


وختم كلامه قائلاً :

- أتريدون معرفة ما حصل لأولادكم ، فأنا الوحيد الذي اكتشفت الحقيقة ..الطبيب ألبير زرع شريحة جوجل في عقول شباب القرية ، بعد أن اشتراها من مجهول في الإنترنت المظلم .. فأنا تسلّلت الى حاسوبه الخاص ، بعد شكّي فيه .. وبالحقيقة أشكره لجعلي أكتشف عشقي للمجال العسكريّة.. وأعدكم أن أستمر حتى النهاية ، فلا أحد يستطيع إيقافي بعد حذفي جميع المعلومات العسكريّة المنشورة في جوجل ، والإحتفاظ بها في عقلي ، والتي ستمكّنني قريباً من إحتلال العالم !!


ثم قهقه عالياً بشكلٍ مستفزّ ، بينما توجهت أنظار العتاب للطبيب الذي كان مذهولاً بمعرفة أن العلم والثقافة لا تناسب الجميع ! فالأشرار ازادوا خبثاً ودهاءً .. ووقف عاجزاً عن فعل شيء ، بعد أن صنعت خطته المتهوّرة ديكتاتوراً يخطّط لإبادة العالم !  

****


ملاحظة :

بعد انتهائي من كتابة المسودّة ، بحثت في جوجل عن صورة مناسبة لها ، فوجدت مقالاً يتحدّث عن ذات الموضوع الذي ذكرته في القصة ! 

إلاّ أن مخترع شريحة جوجل كان متفائلاً من نتائج زرعها في العقول ! بينما سرّدت في قصتي الفرضيات السلبيّة من جعل كل الناس فائقيّ الذكاء ، فالله ميّز عقولنا لتناسب جميع الوظائف والمهن .. فهل توافقوني الرأيّ ؟

رابط المقال :

https://www.skynewsarabia.com/technology/1239001-%D9%84%D8%A7-%D9%85%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%B9%D9%82%D9%84-%D8%BA%D9%88%D8%BA%D9%84-%D8%AA%D9%84%D8%BA%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85

 

الاثنين، 30 أغسطس 2021

مختبر الحب

تأليف : امل شانوحة

توازن التفكير والمشاعر


بعد ثلاثة أشهر من الخطوبة ، لاحظت رؤى محاولات أحمد للإنسحاب من العلاقة ! وأصبحت عاداته السيئة وتجاربه الماضية عائقاً لإتمام الزواج 


ولأن رؤى موظفة في مجال التجارب العلميّة ، إتفقت مع زميلتها منال على خطةٍ إستثنائية .. فالمختبر الذي تعملان فيه نجح بعد إختباراتٍ سرّية على تصغير مجموعة من الحيوانات الى حجم الحشرات ! 


فخطر في بال رؤى أن تقوم منال بتصغيرها ، ووضعها فوق وردة تُهديها لأحمد  

وحين يشتمّها ، تتسلّل الى عقله وقلبه لإصلاح سلوكه وفكّ عقده النفسيّة لتسهيل زواجهما المستقبليّ 

***


ونفذّت منال الخطة وأهدت أحمد الوردة ، كإعتذارٍ من رؤى عن خصامهما الأخير .. 

فشكرها ووضعها جانباً .. فأصرّت منال أن يشمّها ، مبرّرةً ذلك :

- هذه وردة رؤى المفضّلة .. أنصحك بتميز رائحتها ، لتصالحها بها بعد الزواج 


فاشتمّها بقوةّ ، ليسحب شهيقه رؤى الى داخل أنفه .. وكاد يعطس ، لولا إسراعها بدخول تجويفه الأنفي ، متجهةً للدماغ 

***


حين وصلت الى المخّ ، وجدت فيه مراكز مضيئة ! 

فبحثت عن قسم الذاكرة الذي كان عبارة عن مجموعة من الحبال الكهربائية .. من بينها حبال مُلتفّة حول نفسها على شكل عقدٍ صغيرة وكبيرة ، فعلمت انها عقده النفسيّة القديمة !


ولكيّ تفكّ عقده ، كان عليها مشاهدة ذكرياته المخزّنة بداخلها .. منها يعود إلى أحداث حصلت في طفولته ، وأخرى في مرحلة الدراسة والعمل .. اما أكثريتها فبسبب علاقاته العاطفية الفاشلة 


فبدأت اولاً بذكريات طفولته : كتفرقة الأهل بينه وبين إخوانه ، وحمله مسؤولية أكبر من عمره ، وفرض واجبات عليه تخالف قناعاته ، وإجباره بتطبيق قوانين امه الصارمة .. ولأن تلك العقد تتلاشى أهميتها بمرور السنوات ، إستطاعت رؤى فكّها بسهولة.. وكذلك فعلت بمشاكل الدراسة والعمل .. 


اما العقدة الحسّاسة التي واجهتها : فهي مشاعره المضّطربة بعد موت أعزاءٍ له بعمرٍ صغير ! مما أدّى لخوفه الدائم من خسارة أحبائه ، فصار يتعلّق بهم بشكلٍ مرضي : كفرض سيطرته عليهم والتحكّم بقراراتهم ، مُستخدماً طرقاً ملتوية للوصول لمراده .. مما أفقده العديد من علاقاته العاطفية


كما كانت لديه عقداً أخرى بسبب طعنات الغدر من الأقارب والأصدقاء ، جعله يشكّ بنوايا الناس ، ويلومهم دائماً على أخطائه .. وقد عملت رؤى جهدها لفكّها جميعاً  


اما العقدة الأصعب : فهي محاولته الظهور كشخصٍ قويٍّ صارم ، مُخفياً رقّة مشاعره ، لتجنّب سخرية وإستغلال من حوله لطيبته الزائدة .. 

ولم يكن بمقدور رؤى فكّ هذه العقدة ، قبل فحص قلبه.. 


لكن قبل خروجها من دماغه ، دخلت الى غرفة التحكّم الرئيسية التي وجدت بداخلها جهازاً يحوي أزراراً كثيرة (تشبه معالجة تقنية الصوت في الإستديوهات الغنائية) حيث كان مستوى الإحباط عنده مرتفعاً ، والطموح والآمال والأحلام منخفضاً للغاية .. 

فقامت بعكس الأزرار ، لتضيء الشاشة امامها بأنوار التفاؤل والأمل 


فتنهّدت بارتياح : 

- هكذا أحسن ، نظرته للحياة ستتغير أخيراً .. الآن لأذهب وأرى مشكلة قلبه

***


فنزلت عبر الأوردة عن طريق ركوبها إحدى الكريات الحمراء التي أوصلتها الى قلب أحمد الذي بدى من نبضاته القوية إن مداومته على التمارين الرياضية نفعه صحيّاً .. 


لكن حين تسلّلت للداخل ، وجدت المكان مظلماً وكئيباً ! بسبب اللمبة المعلّقة في سقف قلبه التي تبدو مكسورة منذ مدةٍ طويلة ، مما جعله يائساً من الحياة 


فبحثت بالأرجاء ، إلى أن وجدت لمبة جديدة .. فتسلّقت نياط قلبه الزلقة بصعوبة .. إلى أن ركّبتها بدل القديمة ، مما جعل قلبه يشعّ من جديد .. 


وبعد انتهائها من مهمّتها الشاقة ، تعمّقت أكثر داخل حجيرات قلبه .. في البداية حاولت الصعود إلى الأذين الأيسر ، لكن لزوجة الصمام التاجي جعل الأمر شاقاً .. فقرّرت إكتشاف الحجرتين السفليتين .. لتلاحظ آثار جروحٍ قديمة في جدران البطين الأيمن !


وكلما وضعت يدها على إحدى الخدوش ، شعرت بصدمة أحمد لحظة حصوله على ذلك الجرح ! ومعظمها كان بسبب العلاقات العابرة .. 


ولشدّة فضولها وغيرتها ، ارادت معرفة لائحة الفتيات اللآتي مررّن من قلبه ..

فدخلت الدهاليز الضيقة بين الشرايين والأوردة ، الى أن وصلت الى غرفةٍ خفيّة داخل قلبه .. وسمعت ضحكات نساء من الداخل ، واللآتي رفضن فتح الباب  رغم طرقها الشديد عليه ! 

مما أغضب رؤى ، التي قالت في نفسها :

((لا ترغبن بوجودي ، إذاً سأدخل بالقوة))


وخلعت الباب بقدمها .. لتتفاجأ بعشرات الفتيات من كافة الأعمار ، معظمهن حسنات المظهر ومن جنسياتٍ مختلفة ! 

جميعهن نظرنّ اليها شزراً ، لدخولها دون إستئذان ..


مما أفقد رؤى صبرها ، لغيرتها على حبيبها .. فأخذت تطردهنّ الواحدة تلوّ الأخرى .. حتى إنها اضطّرت لسحب بعضهن من إقدامهن ، ورميهن بعنف الى خارج الغرفة..

 

وبقيت واحدة ! داخل قفصٍ ذهبيّ معلّق بسقف قلبه ، والتي قالت لها:

- لا تحاولي يا رؤى ، سأبقى دائماً في قلبه .. انا حبه الأول ، وتوفيت بحادث قبل عرسنا بمدةٍ وجيزة 

رؤى : آه ! أنت أميرته ، أخبرني عنك كثيراً.. حسناً يمكنك البقاء ، فإخلاصه لك يدلّ على رفعة أخلاقه .. هل تسمحين بحفر إسمي في قلبه ؟ خوفاً من نسياني بعد طول الخصام 

- لا يحقّ لأحد فعل ذلك ، فأحمد حرّ باختيار من تتربّع قلبه .. ولولا رغبته الداخلية بنسيان اولئك الفتيات ، لما تمكّنتي من طردهنّ .. الآن عودي الى عقله ، فعملك لم ينتهي هناك


وفجأة تدفّق الدم من نوافذ الحجيرات الأربعة للقلب ، الذي تحوّل بثواني إلى نهرٍ هائج ! دفع رؤى الى خارج الغرفة المخلوع بابها  


وماهي الا لحظات ، حتى عادت رؤى للشريان الأساسيّ الذي نقلها الى العقل من جديد

***


بعودتها الى الدماغ .. وجدت غرفةً خلفية لم تلاحظها من قبل ، عليها لافتة كبيرة بإسم (السلوك والعادات) .. 

فدخلت اليها .. لتجد خزانة بدُرجين ، فيهما ملفات مقسّمة الى : سلوكٌ حسن ، وطباعٌ سيئة ..

 

فتركت صفاته الحميدة التي تعجبها كثيراً : كموهبته الفنّية ، وعذوبة لسانه ، وإنصاته الجيد لمشاكل الناس ، وحسّه الفكاهيّ ، وذوقه الرفيع .. وغيرها من الصفات الجيدة


وفتحت درج صفاته السيئة ، وأخذت تقرأ الملفّات بصوتٍ مسموع :

- شرب الخمر بالأعياد والمناسبات .. لا طبعاً !! الدين عندي خطٌ أحمر

ومزّقت عادته السيئة .. ثم تابعت القراءة :

- حب إقتناء الكلاب .. لا يا عزيزي ، الكلاب نجسة 

ومزّقت هوايته التي لم تعجبها .. ثم فتحت ملفّ العلاقات : 

- العلاقات العابرة مقبولة طالما لا تصل للخيانة الجسدية .. لا يا حبيبي !! لن يكون هناك المزيد من علاقات الإنترنت ، فمشاعر البنات ليست لعبة 

ومزقت عادته بغضبٍ وغيرة ..


إلى أن انتهت من جميع عاداته السيئة ..

رؤى : ماذا بقيّ امامي .. فككّت عقده النفسيّة ، وأشعلت التفاؤل بداخله ، وطردت اللعينات من قلبه ، وقضيت على عاداته وسلوكياته السيئة..أظنني انتهيت ، سأتصل بمنال بعد إتمامي المهمّة 


واتصلت بجوالها (الذي صغر حجمه معها) :

- الو منال .. نجحت خطتي ، وعاد أحمد كيوم ولدته أمه ، خالي من العقد والمشاكل .. اريدك غداً أن تهديه وردة كإعتذارٍ مني عن غيابي ، ولا تنسي رشّها بالفلفل .. وقبل أن يعطس ، أعطيه منديلك الحريريّ .. ثم خذيه منه ، لتغسليه لاحقاً.. بعدها تأخذيني الى المختبر وتضعي قطرتين من المحلول السرّي فوقي ، لأعود الى حجمي الطبيعي ..  

فأجابتها منال : لا أظن خروجك من جسمه بهذه السهولة 

- بلى !! سأنتظرك في فتحة أنفه .. إكثري من رشّ الفلفل ، واتركي الباقي عليّ 


منال بلؤم : ما قصدته إنني لا أرغب بعودتك الى حياة أحمد

رؤى بصدمة وقلق : ماذا تعنين ؟!

- انا أحببته قبلك ، لكنك سبقتني اليه ..والآن بعد غيابك المفاجىء لأسابيع.. 

رؤى مقاطعة بدهشة : اسابيع ! تركت أحمد البارحة 

- لا يا عزيزتي ، لك ثلاثة اسابيع واربعة ايام في جسمه .. ربما الحشرات أمثالك لا يشعرنّ بالوقت .. المهم اين كنا .. نعم بغيابك تقرّبت منه ، وأخبرته بخيانتك له .. بل أكثر من ذلك ، أقنعته أن أفضل إنتقام هو زواجه مني .. ولشدة قهره ، وافق على خطبتي قريباً

- مستحيل !! هو لم ينساني بهذه السرعة

منال : إستخدمت وسائلي الخاصة لإقناعه .. أتمنى لك مغامرة ممتعة داخل جسمه ، إلى أن يتخلّص منك في دورة المياه

وضحكت بمكر ، قبل إغلاقها المكالمة ..


رؤى بصدمة : الملعونة ! خطّطت منذ البداية لتخلّص مني ، لهذا ساعدتني في خطتي المجنونة ..

ثم فكّرت قليلاً ، قبل أن تقول : 

- عليّ زيارة قلبه ، لأتأكّد إن وصلت منال الى غرفته الخاصة ام لا 

***


حين عادت الى غرفة قلبه .. وجدت هناك خيال منال التي ضحكت ساخرة :

- شكراً رؤى على مساعدتك .. فخلعك الباب بسبب غيرتك ، سهلّ دخولي الى قلبه  


ثم أشارت الى الأميرة النائمة في قفصها الذهبيّ بالسقف..

منال : وأنوي ايضاً التخلّص منها 

رؤى : دعيها وشأنها !! هي حبه الأول

منال بعصبية : لا تدخلي بشؤوني الخاصة ، أخرجي من قلبه !! فلا مكان لك هنا


وفتحت النوافذ الجانبية ، لتتدفّق الدماء من كل مكان والتي دفعتها الى خارج قلبه 


لكن رؤى العنيدة لم تستلم بسهولة ، وسبحت بكل قوتها عكس التيّار .. إلى أن تمسّكت بإحدى شراين القلب .. 

وحين تسلّقته ، وجدت فتحة في البطين الأيمن ..تلصّصت منها على منال التي تحاول إنزال القفص الذهبيّ من السقف ، لتبقى وحدها في قلب أحمد 

 

وفجأة ! صرخت رؤى برعب ، بعد ظهور مخلوقٍ اسود مخيف بجانبها وهو يقول :

- مرحباً ، انا شيطان أحمد .. أتريدني أن أوسّوس له بمشاعر اماني المزيفة ، ونواياها السيئة اتجاهه ؟

فأجابت رؤى بتردّد : نعم ، اريده أن يرتاب من تصرّفاتها نحوه

- كما تشائين ، اساساً هذا واجبي 

- سأدعك تقوم بعملك ، فورائي عمل بمكانٍ آخر

  

ثم ركبت رؤى إحدى الكريات الحمراء التي أخذتها إلى نفق الشرايين .. واثناء مرورها بالدهليز الطويل ، لامت نفسها : 

- أمعقول انه وصل بي الجنون لقبول مساعدة الشيطان ! يبدو انني فعلاً غيورة كما وصفني أحمد .. 


ثم أخذت تفكّر بما قالته صديقتها الخائنة :

- ترى ماذا قصدت منال بامتلاكها قلبه بطرقها الخاصة ؟ ..أتمنى أن لا يكون الذي في بالي.. عليّ تفقّد معدته في الحال 

***


حين نزلت الى معدته .. تفاجأت بوجود شعرٍ اسود عالق في ممرّ المريء ، وطرفه يتدلّى من بوّابة المعدة .. يشبه شعر الخاروف الأسود ، ومليئاً بالعقد الصغيرة !


رؤى بصدمة : أيعقل إنها أشربته سحراً كيّ يحبها ؟!.. إن كان كذلك ، فطبيعي أن ينساني بسهولة.. ترى كيف يمكنني إبطال السحر ؟ .. ليس أمامي الا فكّ العقد الواحدة تلوّ الأخرى 


وتسلّقت الشعر .. وكلما وصلت الى عقدة ، أخذت تقرأ المعوذات وهي تفكّها بحذر .. 


وما أن فكّت جميع العقد 13 ، حتى ارتفع الأسيد في معدته ! 

فحاولت رؤى التمسّك بالشعر ، الذي سرعان ما ارتفع للأعلى  


لتتفاجأ بخروجها بقوة من فم أحمد ! ووقوعها فوق طاولة المطعم ، بعد تقيؤه طعامه دون سيطرةٍ منه 


فوقفت رؤى متألّمة بعد إرتطامها القويّ بالطاولة ، وهي تسدّ أنفها كي لا يصيبها الغثيان .. 


وحين نظرت للأعلى ، إنصدمت برؤية منال وهي تحاول تنظيف فستانها بضيق ، وأحمد يعتذر عمّا حصل .. ثم يسارع الى دورة المياه لإفراغ ما تبقى في معدته 


بهذه الأثناء .. إتصلت رؤى بمنال التي كانت تنادي النادل لتنظيف المكان ، والتي ردّت على إتصالها بعصبية :

- انت ثانيةً !! ماذا فعلتِ لتجعليه يشعر بالغثيان هكذا ؟

رؤى : انا هنا !! على الطاولة .. رجاءً إرفعيني بمنديلك ، قبل أن يرميني النادل في سلّة النفايات ..


منال بلؤم : ولما عليّ فعل ذلك ؟

- ارجوك منال .. في حال أعدّتني الى حجمي الطبيعي ، أعدك إنني سأدع أحمد وشأنه .. اساساً عليك أن تشكريني ، فأنا فكّكت عقده النفسيّة وأنهيت عاداته السيئة ، وهذا سيجعل زواجكما سعيداً في المستقبل .. على الأقل قدّري تعبي ومجهودي.. هيا منال !! النادل يقترب منا .. رجاءً إنقذي صديقتك وزميلتك في العمل


بهذه الأثناء إقترب النادل لمسح الطاولة ، فرمت منال منديلها فوق شيءٍ يتحرّك كحشرةٍ صغيرة .. وذهبت الى دورة المياه لإكمال حديثها مع رؤى

***


في حمام المطعم ، إتصلت رؤى بمنال لتشكرها على إنقاذها لها ..

منال : حسناً سأطلب من أحمد توصيلي الى المنزل .. وبعد ذهابه ، آخذ سيارة أجرة الى المختبر 

رؤى : انا مدينة لك يا صديقتي

***  


في المختبر .. فاجأت منال رؤى برميها داخل إنبوب إختبار زجاجيّ ، وضعته بجانب الأنابيب الأخرى التي تحوي حيوانات مصغّرة .. وهي تقول بلؤم :

- أعدّت التفكير بالموضوع ، ووجدت انه ليس من صالحي أن تعودي الى حياتي .. 

رؤى باستغراب : لكني وعدتك أن لا أقابل أحمد ثانيةً ! 


منال : ليس هذا فحسب ، بل تفوقكِ بالعمل يغيظني ايضاً .. لهذا قرّرت الإحتفاظ بك ، لحين إعلان مختبرنا عن محلوله السرّي .. حينها أقدّمك للعالم كأول متطوّعة للتجربة ، وأنال بسببك جائزةً علميّة .. (ثم نظرت الى ساعتها).. تأخّر الوقت ، سأعود الى المنزل .. تركت لك قطرتيّ ماء ، وقطعة جبن تكفيك لأسابيع .. سلام


وبعد ذهابها ، إتصلت رؤى بأحمد الذي أقفل الخط في وجهها مرتين ! فعلمت انه متضايق منها ، بعد أكاذيب منال حول خيانتها له.. 

فكان عليها إيجاد حلٌ آخر 

*** 


في الصباح الباكر ... واثناء وجود رؤى داخل الخزانة الزجاجيّة في المختبر .. شاهدت عامل النظافة العجوز يكنّس المكان .. فبحثت عن رقمه بجوالها ، واتصلت به :

- عم مرتضى ، انا رؤى

- اهلاً آنسة رؤى ، لم نرك منذ اسابيع .. هل انت بخير ؟


فاخبرته مختصر الموضوع ، لكن عقله لم يستوعب ما قالته ! 

فألحّت عليه بإخراج الأنبوب ذوّ الغطاء الأحمر من الخزانة ، ورمي ما بداخله فوق طاولة المختبر .. 


وحين فعل ، أكملت حديثها معه بالجوال :

- سامحك الله يا عم ، رميتني على رأسي بقوة 

- اين انتِ ؟ لا أرى سوى حشرةً صغيرة

رؤى : ستجدّ المكبّر في الدرج ، شاهد الحشرة من خلاله 


وحين نظر ، كاد قلبه يتوقف حين شاهدها تلوّح بيديها ، وهي تتابع حديثها معه بالجوال :

- حاول تنظيم أنفاسك ، فأنا لا اريد قتلك يا رجل

العجوز بصدمة : كيف يعقل هذا !

- تجربة علمية سرّية ، الآن رجاءً نفّذ ما سأقوله لك


وطلبت منه أن يضع فوق رأسها قطرتين من المحلول المتواجد في خزنة الحائط ، التي أعطته رقمها السرّي .. 


وما أن فعل ، حتى رآها واقفة فوق الطاولة بحجمها الطبيعي .. 

فسقط العجوز على الأرض ، وهو على وشك الإغماء .. 

فسارعت رؤى بمسح وجهه بالمياه ..

 

وبعد إسترداد وعيه .. أخبرته إنها سترسل حارس المختبر للإهتمام به ، لأن عليها الذهاب لمكانٍ آخر .. 

وطلبت منه أن لا يخبر أحداً بما حصل ، كيّ لا يطردا من وظيفتهما 

وقبل ذهابها سألته عن منال .. فأخبرها انها بإجازة ، لأن خطبتها الليلة !


فتوجهت رؤى الى منزلها لتجهيز نفسها للحفلة ، وهي تنوي مفاجئة العروس بأناقتها ، للإنتقام منها

*** 


في المساء .. وجدت باب الشقة مفتوحاً ، لتوافد المعازيم الى منزل العائلة للمباركة بخطبة إبنتهم منال .. 


فتسلّلت رؤى بثوبها الأنيق بينهم .. ووقفت بوجه العريس وهي تقول :

- مبروك يا عريس !!

أحمد بصدمة : رؤى ! اين كنت طوال الشهر الماضي ؟ أخبرتني منال انك هاجرت مع حبيبك للخارج 


فنظرت بعينيّ منال بحنق ، والتي كانت ترتجف بارتباك ..

رؤى بصوتٍ منخفض كي لا يسمعها الضيوف : 

- أحقاً قالت ذلك !.. أحمد لوّ سمحت ، أريد التحدّث معك في مكانٍ آخر .. عليك معرفة الحقيقة قبل إكمالك الخطوبة  

منال بغيرة وعصبية : لن أسمح بذلك !!

رؤى بلا مبالاة : اذاً تعالي معنا ، فليس من صالحك أن يعرف الجميع بالسرّ الذي سأبوحه له 


فاعتذرت منال من أقاربها ، ودخلت مع مروى وأحمد الى غرفتها الفارغة

***


في الغرفة .. أخبرته مروى بموجز ما حصل

أحمد : أتريديني أن أصدّق أنك صغّرت نفسك لدخول جسمي ، كيّ تحلّي مشاكلي النفسية ؟! 

رؤى : نعم ، ولم يكن الأمر سهلاً  

أحمد : منال ، أحقاً مختبركم إخترع ذلك المحلول العجيب ؟

منال : لا طبعاً ، هي تهذي من شدّة غيرتها 

رؤى : توقعت ذلك منكِ .. أحمد ، إلبس هذه النظّارة المكبّرة

أحمد : وماذا أفعل بها ؟

رؤى : ضعها لترى الحقيقة


وبعد لبسه النظّارة ، أرته إنبوب اختبار فيه ثلاثة حيوانات مُصغّرة : قطة وفأر وقرد ، بحجم الحشرات 


رؤى : هذه تجاربنا السابقة التي أثبتتّ فعالية المحلول السرّي.. وإن مازلت لا تصدّقني ، كتبت في هذه الورقة ملخّصات عن عقدك الماضية .. وحوادث لا أظنك أخبرت بها احداً ، وجدتها عالقة بين ثنايا عقلك وقلبك


فأخذ أحمد يقرأ الورقة باهتمام .. ليتفاجأ بقصصٍ قديمة نسيها تماماً ، دون علمه بأن أثرها يُعرقل حياته الحالية !

أحمد بدهشة : هل استطعتي فعلاً فكّ كل هذه العقد ؟!

رؤى : نعم ، ومزّقت عاداتك السيئة

أحمد : كنت مستغرباً من تغير أفكاري وطباعي في الأيام الماضية ، وكرهي المفاجىء للسكر والسهر وتضيع وقتي مع الفتيات التافهات !


فحاولت منال تقليل أهمية مجازفة رؤى بنفسها : 

- أنت تغيرت لأنك تحبني ، لهذا قرّرت الإخلاص لي

رؤى بعصبية : لم تكن لتحبها يا أحمد ، لولا السحر الذي وضعته لك في شرابك او طعامك .. أتذكر يوم تقيّأت في المطعم ، الم يخرج من فمك شعراً أسود ؟ كان صوف الخاروف الذي ذبحته للمشعوذة ، للقيام بسحرٍ يوجّه مشاعرك نحوها 

 

وهنا تذكّر أحمد الكوابيس التي شاهدها على مدار اسابيع بعد شربه القهوة التي أعدّتها منال ، حين زار المختبر لسؤالها عن غياب رؤى المفاجىء !

رؤى : لا تقلق يا أحمد ، فكّكت سحرك ايضاً


فنظر أحمد بغضب ، لمنال الخائفة :  

- أسحرتني لأتزوجك ؟!! .. فهمت الآن لما إنطفأ حماسي قبل قدومي الليلة الى منزل أهلك ! لكني لم أردّ إحراجك امامهم .. وطالما لم تنكري قيامك بالسحر ، فهذا يعني إن علاقتنا انتهت !! 

منال بعصبية : رؤى ايتها اللعينة !! لما تحطمين كل احلامي ؟

رؤى بغضب : أحمد هو حبيبي !! وانت من فرّقتنا عن بعضنا


أحمد بضيق : كلاكما خسرتما حبي واحترامي لكما

رؤى : لكنني أنقذتك !

أحمد : انتِ لم تثقي إن بإمكاني تغير وحلّ مشاكلي وحدي .. ولشدّة غيرتك ، غامرت بنفسك لتنظيف قلبي وعقلي من ذكرياتي العاطفية السابقة .. (ثم قال لمنال) .. وانت اسوأ منها ! سحرتني لأحبك.. لهذا قرّرت !!


وأزال خاتم الخطوبة من أصبعه ، ووضعه في يد منال ..قائلاً :

- أن لا أتزوج أياً منكما !! سأهاجر للخارج وأتزوج اجنبية ليس لديها تفكيركما المنحرف  

وخرج من الغرفة ، تاركاً الفتاتين منصدمتين من قراره المفاجىء !


ولم يهتم أحمد بأسئلة المعازيم اثناء خروجه غاضباً من الشقة ، متوجهاً الى بيته وهو ينوي السفر قريباً ، رغم إنه لا ينكر فضل رؤى بإنهاء مشاكله النفسية التي عانى منها طوال حياته .. لكنه قرّر إكمال حياته دونها ، لأنه ليس سهلاً أن تعيش مع شخصٍ يعرف كل اسرارك الخفيّة ، أليس كذلك ؟!

الخميس، 26 أغسطس 2021

العريس المنحوس

تأليف : امل شانوحة 

فرحةٌ لا تكتمل ! 


دخل الشاب أحمد الى القصر سعيداً ، ليبشّر والدته بخطبته لفتاةٍ أعجبته في العمل .. فسألته امه بقلق : 

- هل انت متأكّد من قرارك يا بنيّ ؟ أنت تعرفها منذ شهرين فقط !

- فيها كل ما تمنّيته ، يا امي  

- وهل نسيت ديانا ؟

ابنها معاتباً : حادث حبيبتي حطّم قلبي لسنوات ، فلما تذكرينها الآن؟!

- لأن موتها أتعبني ايضاً .. أتذكر كيف لاحقتك من بارٍّ للآخر ، لأعيدك مخموراً الى المنزل ..كما رغبتك الدائمة بالإنتحار ، جعلني أتفقّد أنفاسك كل ليلة 


أحمد : كانت اياماً سيئة ، ومرّت 7 سنوات على وفاتها .. والآن بعد بلوغي سن 30 ، حان الوقت للمضيّ قدماً في حياتي ، اليس كذلك ؟

امه بابتسامةٍ حنونة : بالتأكيد حبيبي ، فحلمي أن اراك عريساً .. كنت أتأكّد فقط من مشاعرك نحوها ، خوفاً أن تُجرح ثانيةً .. تعال لأضمّك ، وأهنّئك على قرارك الجريء

وحضنها بسعادة..

***


ومضت شهور الخطبة بسلام .. ومع إقتراب موعد الزواج ، أصرّت امه على قيام العروس بجميع الفحوصات الطبّية للإطمئنان على قدرتها على الإنجاب ، خاصة إنها من جيل ابنها .. فرضخت العروس لطلب حماتها 

***


وفي اليوم التالي ، عاد أحمد غاضباً الى القصر !! 

فسألته امه عن نتائج التحاليل ، ليرمي الملف الصحيّ امامها بعصبية :

- أقرأي بنفسك نتائج فحص دمها 


فوضعت نظّارتها الطبية .. وبعد قراءة التقرير الطبي ، شهقت بصدمة :

- إيدز !

- الملعونة !! أكانت تنوي إصابتي معها بالداء المميت ؟!  

الأم : وكيف برّرت ذلك ؟

- لم تفعل ! فقط انهارت بالبكاء ، وحلفت مراراً إنني اول علاقة في حياتها 

- الخبيثة ! أظنت أنك لن تعرف أنها فاسدة ليلة عرسك ؟

أحمد : توسّلت لي كثيراً لإعادة الفحوصات في مختبرٍ آخر


الأم بقلق : وماذا أجبتها ؟

- رميت الخاتم في وجهها ، وعدت الى هنا

- أحسنت !! .. أقصد قرارك سليم

وحضنته بحنان ، وهي تقول :

- ارجوك لا تحزن ، فهي لا تستحق دموعك

- انا لا ابكي امي ، بل أكاد أنفجر غضباً 


فأخرجت مفاتيح من جيبها ، وأعطتها له :

- أعصابك متعبة ، إذهب واسترح في فيلا الجبل

- نعم ، احتاج لذلك فعلاً 

ودخل غرفته حزيناً لترتيب شنطة ملابسه ، للمبيت اسبوعاً في المصيف

***


بعد سنة ، تعرّف أحمد على فتاةٍ في النادي الرياضيّ .. 

وبعد شهور من صداقتهما .. أخبر امه بقرار الزواج ، قائلاً بحماس:

- عليك أن تري دلال يا امي ، بحياتي كلها لم ارى فتاةً أجمل منها

الأم : الجمال يزول مع الوقت ، المهم طريقة تفكيرها

- هي بسيطة بعض الشيء

- ماذا تقصد ؟

- يعني أحياناً أحتاج لتبسيط كلامي ، لكي تفهمه


الأم بامتعاض : يعني ليست ذكية ، ولا تملك سرعة بديهة

- هذه الأشياء غير مهمة امي ، فجمالها يطغى على كل شيء .. المهم أخبرت مساعدي أن يتصل بصالة الأعراس لتحديد الموعد.. والآن وداعاً

الأم : إلى أين تذهب ؟!

- وعدتها أن آخذها الى مطعمي المفضّل .. لا تنتظريني مساءً ، أظنك فهمتي ما أقصده

وخرج سعيداً من القصر

***


لم تمضي ايام ، حتى عاد باكياً الى القصر .. 

فأسرعت امه نحوه ، لتسأله بقلق :

- هل حصل مكروه ؟!

- دلال

- ما بها ؟

أحمد وهو يمسح دموعه : يبدو إن حبيبها السابق علم بعرسنا القريب ، فانتقم منها 

- ماذا تقصد ؟ 

- ارسل شخصاً مقنّعاً لرمي وجهها بالأسيد ..

الأم بصدمة : يا الهي !

- وجهها تشوّه تماماً

وحضنها باكياً ..

أحمد : لا ادري ماذا افعل 


الأم بقلق : وهل ستكمل مراسم الزواج ؟

ابنها بعصبية : أهذا ما يهمّك الآن !!.. الفتاة تشوّهت يا امي ، وهي منهارة تماماً في المستشفى

- أعرف إن الوقت غير مناسب ، لكنك أخبرتني سابقاً إن ما يعجبك بها هو شكلها فقط .. فهي غبية و.. 

- امي رجاءً !! همّي يكفيني

ودخل غرفته باكياً ..

***


وكان حدس امه صحيحاً ، فقد تركها بعد شهر من الإصابة ، لا بسبب تشوّهها بل لتشاؤمها بعد الحادث ، ورغبتها الشديدة بالإنتحار .. وهو إحساس لا يرغب أحمد الشعور به ثانيةً (فهو مرّ به بعد وفاة حبيبته ديانا) 

***


بعد شهرين .. تعرّف على فتاةٍ أخرى تعمل نادلة في مطعم (كيّ تصرّف على ابنها الذي يرفض طليقها الإعتناء به)

 

وجاء خبر خطبتهما صادماً لوالدة احمد التي حاولت إقناعه أنها غير مناسبة لمستواهم العائليّ ، عدا عن إنها مطلّقة وأم لطفلٍ صغير .. وأفهمته أنه سيكون دائماً بالمركز الثاني بعد ابنها .. لكنه أصرّ على الزواج بها

***


بعد اسابيع من الخطبة ، عاد غاضباً الى القصر لإخبار امه بانفصاله عنها ، بعد اتصالٍ من طليقها الذي هدّده بالقتل إن تزوج بها ! كما هدّدها بأخذ ابنه بالمحكمة إن أصرّت على ذلك .. 

فأعادت له الخاتم باكية ، مُبرّرة ذلك : بأنها لن تضحّي بطفلها لأجله 

 

فحاولت امه إخفاء ارتياحها من إنفصالهما ، فهي منذ البداية لم ترها مناسبة لمستوى العائلة المرموق  

***


وحصل الأمر ذاته مع فتاةٍ فقيرة تعمل موظفة في شركة صديقه ، والتي أخبرته بعد علاقة اسابيع انها لن تطرد اهلها في الشارع لأجله .. واستقالت من وظيفتها بعد تغير رقم جوالها ، واختفت تماماً دون توضيح الأسباب ! 

***


ومضت أسابيع قبل تعرّف أحمد على فتاةٍ ثرية ، فيها كل المواصفات التي يريدها .. وهي الوحيدة التي شجّعته امه على خطبتها .. 


وأمضيا شهورهما الأولى بسعادةٍ غامرة .. لكن مع مرور الأيام بدأ يلاحظ تصرّفاتها المُقلقة ، فهي لديها الكثير من الأصدقاء الذكور على مواقع تواصلها الإجتماعي .. كما إن افكارها متحرّرة أكثر من اللازم .. عدا عن إلحاحها المتواصل لتحقيقه مطالبها في تنظيم عرسهما القريب .. وقد كلّفه تسوّقها للعرس كل مدخراته المستقبلية .. عدا عن كونها عصبية وغيورة جداً .. كل تلك الصفات جعلته يتردّد في إتمام الزواج .. فطلب من امه إخبار اهلها بقرار إنسحابه من العلاقة ، خوفاً من ردّة فعل خطيبته العنيفة والغير متوقعة .


وبالفعل أنهت امه الموضوع ، ليتنفّس أحمد الصعداء بعد سنة من المشاكل المتواصلة مع الفتاة المدلّلة عديمة المسؤولية ..

ووعد امه أنه لن يفكّر بالزواج ثانية بعد فقد ثقته بكل النساء ، وسألها بقلق: 

- أيعقل انني مسحور او محسود يا امي ؟

الأم : تلك الأفعال تقوم بها الفتيات الشعبيّات ، وليس النساء في مجتمعنا الراقي.. فلا تفكّر كثيراً بالموضوع 


فتنهّد بضيق : كل ما اردته هو الزواج وبناء عائلة ، أهذا كثير ؟!

فحضنته بحنان وهي تقول :

- لا تحزن عزيزي ، هنّ الخاسرات .. فأنت عريسٌ رائع ، متعلّم وثريّ ووسيم .. (ثم سكتت قليلاً) .. ومع هذا أوافقك الرأيّ ، لنؤجّل موضوع الزواج قليلاً ، الى أن تصبح مستعداً لذلك.. الآن إذهب الى فلتنا بالساحل للإستمتاع مع اصحابك

فوافق على اقتراحها ..

***


وأمضى سنواته التالية في الحفلات والنزهات والعلاقات العابرة ، بعد سماعه نصيحة امه بإقفال قلبه مؤقتاً .. 


وفي حفلة عيد ميلاده الأربعين الذي أقامه في منزل صديقه ، توجهت أنظاره الى فتاةٍ بريئة من اقارب زوجة صديقه .. 

حيث راقبها طوال الحفلة ، ملاحظاً خجلها وأخلاقها العالية مع المعازيم  


وبعد انتهاء الحفل .. سأله صديقه عن رأيه بالفتاة ، فأجابه أحمد :

- لا أرى مانعاً من أخذ رقم جوالها ، لكن عدني انت وزوجتك أن لا تخبرا أحداً بعلاقتي الجديدة 

صديقه : أمازلت تخاف من السحر والشعوذة ؟

احمد : بل خوفي أن تكون امي تنشر اخباري لصديقاتها والأقارب ، لهذا تتعسّر اموري بسبب الحسد والعين ..

زوجة صديقه : وماذا لو قرّرتما الزواج ، ألن تخبر امك ؟ أنت ابنها الوحيد ، وهذا سيحطّم قلبها

احمد : سأخبرها بعد كتب الكتاب ، وسأقيم حفلاً صغيراً للمقرّبين مني فقط 

صديقه مُطمئناً : لا تقلق ، سرّك في بئر 

***


ومضت شهور الخطبة السرّية بسلامٍ ووئام .. 

وفي يوم اراد أحمد مفاجئة خطيبته بزيارتها في العمل .. فذهب الى دار العجزة التي تعمل فيه ممرّضة .. 

وحين أطلع عاملة الإستقبال على اسمه ، سألته :

- أأتيت لزيارة قريبك ؟ 

احمد بدهشة : قريبي !

- نعم ، هناك عجوز من نفس عائلتك 

- لم أكن اعلم إن أحد اقاربي في دار العجزة ! 

الموظفة : أتريدني أن أوصلك إلى غرفته ، لتتأكّد بنفسك ؟ 

- لا مانع من ذلك ، سأراه لحين انتهاء خطيبتي من عملها 

***


حين دخلا الغرفة ، قالت الممرضة للعجوز : 

- هذا الشاب من نفس عائلتك ، أتى لزيارتك .. سأترككما بمفردكما 


وبعد ذهابها .. تمعّن العجوز في وجهه ، قبل انتباهه على وحمة يد الشاب ، فشهق بدهشة وفرح :

- احمد !

احمد باستغراب : هل تعرفني يا عم ؟!

- لقد كبرت كثيراً يا صغيري

- هل انت أحد أقربائي بالفعل ؟!

- انا جدك يا ولد !! والد ابوك

احمد بصدمة : أخبروني انك توفيت ، حين كنت في الخامسة ! 

العجوز بغضب : أهذا ما أخبرتك به اللعينة التي إستولت على إملاكي واملاك والدك !! 

- لا تشتم امي نوغا ، رجاءً !

- نوغا ! إسمها الحقيقي نجيبة ، من عائلةٍ شعبية قذرة !! وهي ليست امك ، بل زوجة ابيك التي تزوجته بعد وفاة امك مسمومة .. والتي طردتني من قصري ، ورمتني هنا لسنواتٍ طويلة 

ونزل كلامه كالصاعقة عليه !

 

احمد بصدمة : من ماتت مسمومة ؟!

- امك مروى .. الإنسانة الأصيلة الطيبة ، التي أحببتها كإبنتي .. فقبل وفاتها ، زارت والدك بالشركة .. فقدّم الساعي لها القهوة .. لتشعر بعدها بمغصٍ قويّ .. ونقلها والدك الى المستشفى ، لتموت بعد ساعاتٍ قليلة .. كنت ماتزال رضيعاً .. ولم يمضي شهر على وفاتها ، حتى فاجأني ابني بزواجه من سكرتيرته الوسخة


احمد باستغراب : امي عملت سكرتيرة ؟!

العجوز بعصبية : نجيبة هي زوجة ابيك ، الم تستوعب ذلك بعد ؟!!

- واين الساعي الآن ؟

- حُكم عليه بعشر سنوات ، وكان المسكين يصرّ على براءته في جميع جلسات المحاكمة ..الى أن وجدوه مشنوقاً في زنزانته .. ولا ادري إن كان انتحر ، أم قُتل على يد احد السجناء 


احمد بحنق : لا أصدّق كل ما قلته !! أكيد تعاني من الزهايمر ، ولست جدي الحقيقي

- اذاً كنت لا تصدّقني ، فاسأل اماني 

- ومن هي اماني ؟

العجوز : موظفة قديمة بشركة والدك ، طردتها نجيبة فور استلامها الشركة بعد مرض والدك بالسرطان ، رحمة الله عليه 

- وأين أجدها ؟


فكتب العجوز عنوانها على قصاصة ورق ، وهو يقول :

- كنت صديق والدها .. ولا ادري إن كانت ماتزال تعيش هناك ، أم تزوجت وانتقلت لمنزلٍ آخر


فسحب أحمد الورقة منه بعصبية ، وهو يقول :

- سأثبت لك إنك ظلمت امي باتهاماتك الباطلة

العجوز : نجيبة ليست امك ، بل هي ..

أحمد مقاطعاً بعصبية : سأبحث عن الحقيقة بنفسي ، وإن كان كلامك صحيحاً سأعيدك الى قصر ابنك بعد التأكّد من اوراقك الرسميّة .. لكن إن كان غرضك هو تشويش أفكاري لنيّةٍ مُضمرة لديك ، سيكون لي تصرفاً آخر معك


وخرج غاضباً من غرفته ومن بوّابة دار العجزة ، دون التحدّث مع خطيبته التي كانت تبحث عنه في غرف المرضى .. 

وقاد سيارته مسرعاً الى عنوان اماني ، لإراحة قلبه المُنصدم مما سمعه !

***


بعد وصوله الى شقة اماني ، وجدها تعيش وحدها هناك بعد وفاة والديها ، وهي من جيل امه ولم تتزوج مطلقاً ..

وحين سألها عن نجيبة ، صدمته بقولها :

- أمازالت تلك العقربة حيّة ؟

احمد بعصبية : رجاءً لا تتحدّثي عن امي بهذه الطريقة !!

- كل ما قاله جدك صحيحاً ، هي زوجة والدك الثانية .. وأشكّ أن تكون هي من وضعت السمّ في قهوة امك ، للحصول على الشركة

احمد بغضب : امي ليست قاتلة !! 

- امك مروى كانت اروع انسانة قابلتها بحياتي .. أنت تشببها كثيراً .. دعني أريك صورتها


وأخرجت ألبوم الصور من درج خزانتها في الصالة ، وبحثت فيه قليلاً .. قبل أن تعطيه صورة وهي تشير لسيدة وتقول :

- هذه امك في حفلة نهاية السنة ، حين جمع والدك جميع الموظفين في قصره .. أنظر اليها جيداً ، أنت ورثت عينيها البرّاقتين وابتسامتها الرقيقة.. وكان والدك يعشقها بجنون ، وانهار كثيراً بعد موتها المفاجىء

أحمد بتهكّم : قلت انه تزوّج سكرتيرته بعد شهر من وفاتها ، فعن أيّ حبٍ تتكلمين ؟


اماني : لا تستهين بدهاء ومكر نجيبة ، فهي الشيطان بحد ذاته .. فهي لازمت والدك طوال محنته ، وأغدقت عليه من حنانها الكاذب.. وما أن وقع بشباكها ، حتى أصابها الغرور ، وبدأت تعامل الموظفين بتكبّرٍ ولؤم .. وبعد مرض والدك واستلامها الشركة ، طردت جميع الموظفين القدامى .. وانا منهم ، لإخفاء ماضيها القذر .. فكلنا عرفنا طمعها للوصول الى ثروة والدك ومكانته الإجتماعية .. فهي من عائلةٍ فقيرةٍ مُعدمة ، قاطعت جميع اقاربها فور زواجها .. والمثل يقول : ((من لا خير بأهله ، لا خير بالناس)) 


أحمد : إن كانت شيطانة كما تصفينها ، فلما ربّتني كأني ابنها الحقيقيّ ؟

- لأنها عقيمة .. ولوّ إنها أنجبت لرمتك بدار الأيتام ، كما رمت جدك بدار العجزة.. وإن كنت لا تصدّقني إسأل المحامي ، كان صديق والدك وكاتم اسراره ، وهو ضمن من طردتهم نجيبة من الشركة 

- أتعرفين عنوان منزله ؟

اماني : أعرف عنوان مكتبه ، سأعطيك اياه

وخرج من عندها مذهولاً من كلامها !

*** 


ولم يختلف كلام المحامي عن كلام اماني وجدّه العجوز ، حتى انه وافق على شكوكهما بأنها قتلت امه مروى لتحلّ مكانها .. 

أحمد : أكل هذا لتحصل على شركة والدي ؟!

المحامي باستغراب : أفهم من كلامك إنك لم تستلم إدارة الشركة بعد ؟!

- وكيف أفعل وأمي.. أقصد زوجة ابي مازالت حيّة ؟

- إنتظرني هنا ، سأذهب للأرشيف لإحضار ملفاً مهماً 


بعد قليل ..عاد المحامي ومعه ملف فيه وصية والده ، وضعه امامه وهو يقول :

- اقرأ المكتوب هنا

فقرأ : ((الشركة تنتقل لإبني أحمد فور زواجه)) 

أحمد بصدمة : زواجي !

- نعم ، والدك ايضاً لم يثقّ بنجيبة .. لكنه اضّطر لتسليمها الشركة بعد اشتداد مرضه ، ولكونك طفلاً صغيراً .. لهذا اراد إعادة الشركة إليك بعد زواجك 


وهنا تذكّر احمد إنتقادات نجيبة على خطيباته السابقات ، وتحفيزه على تركهنّ .. فأدرك نيتها بجعله يكره النساء ، كيّ لا تخسر إدارة الشركة بزواجه !


فقال للمحامي :

- أتسمح لي بالملف

المحامي : خذه ، لديّ نسخة عنه

وخرج احمد من مكتبه ، وهو يحاول كبت غضبه

***


في الأيام التالية .. إجتمع احمد مع خطيباته السابقات ، وأصرّ على معرفة السبب الحقيقي لتركهنّ له .. وبعد ترددٍ شديد ، أخبرنه الحقيقة


فالمطلّقة علمت بعد انفصالها عنه : بأن امه وعدت طليقها بمبلغٍ مغري في حال هدّدها بأخذ طفلها بعد الزواج منه ! 


اما الفتاة الفقيرة ، فقد دفعت امه مبلغاً لصاحب المنزل كيّ يطردهم بالشارع في حال تزوجته ، لهذا تركته بعد ضغط اهلها عليها


وقالت فتاة الإيدز أنها حاولت الإتصال به كثيراً بعد الإنفصال .. فأخبرها انه غيّر رقم جواله لصدمته الكبيرة بها .. 

فأرته الكثير من الفحوصات الطبيبة وهي تقول :

- كاد ابي واخوتي أن يقتلوني بسبب ذلك التقرير الطبّي اللعين ، لكني استطعت اقناعهم بإعادة الفحوصات في مستشفى آخر .. إقرأ بنفسك : كنت عذراء بالفعل ، ولست مصابة بالإيدز ولا أيّ مرضٍ آخر ..

أحمد بصدمة : يا الهي ! الم تعاقبوا موظف المختبر على خطئه الشنيع ؟

- إعتذر من اهلي بعد خلطه اوراقي مع مريضة ثانية ..(ثم مسحت دموعها)..كنت حبي الأول ، وبعد خسارتك لم أعد أرغب بالزواج ثانيةً 

- آسف حقاً ، لم اكن أعرف !


الفتاة : أتدري يا احمد ، هناك شيءٌ يقلق راحتي

أحمد باهتمام : ماهو ؟

- اختي الصغيرة أخبرتني إنها رأت امرأة تشبه حماتي ، وهي تعطي رزمة من المال لموظف المختبر .. لكني لم أصدّق أن تكون امك متورّطة بالتقرير الخاطىء ، ما رأيك انت ؟


فاكتفى بالإعتذار لها لانهائه خطوبتهما بطريقةٍ سيئة ، وخرج من مكتب عملها وهو يكتم غيظه 


اما دلال (الفتاة المشوّهة) وبعد فشل محاولاتها بالإنتحار .. أرته فيديو حصلت عليه من شرطة المرور ، بعد أن صوّرت كاميرا الطريق إمرأة مقنّعة تنتظرها قرب العمارة ، والتي رمت الأسيد على وجهها قبل هربها بالسيارة ، دون إكتراثها لخطيبته التي كانت تتلوّى على الأرض بألمٍ شديد 


ولم تستطع الشرطة القبض على الفاعل ، لظهور رقمين فقط من السيارة البيضاء .. لكن أحمد عرف على الفور أنها سيارة امه ، خاصة إن حقيبة اليد التي أخرجت منها المرأة المقنّعة الماء الحارق ، هي حقيبة نجيبة المفضّلة ! 

لكنه لم يخبر الفتاة بذلك ، لأنه لا يريد التورّط مع الشرطة

 

وخرج من بيتها منصدماً بأن السيدة التي عاش معها أربعين سنة قادرة على ارتكاب تلك الجريمة الشنعاء دون تأنيب ضمير !


ولشكّه بميول امه الإجرامية ، عيّن محققاً لمعرفة من السائق الذي صدم ديانا (حبيبته الأولى) وتركها مقتولة في الشارع العام ! 

  

فأخبره المحقّق بعد اسبوع : عن قبض الشرطة لذلك المجرم بتهمةٍ أخرى  


فذهب أحمد للسجن .. وفي غرفة للزيارات الخاصة ، إلتقى بالمجرم الذي أراه صورة ديانا من جواله ، وهو يسأله:

- أكان حادثاً ، ام جريمةٌ مدبّرة ؟  

- آه تذكّرتها ، كسبت من تلك العملية الكثير من المال

أحمد بصدمة : أتقصد أن أحدهم دفع لك لتقتلها ؟ 

- نعم ، امرأة ثريّة


فبحث احمد بيديه المرتجفتين عن صورة نجيبة بجواله ، ثم اراها له:

- أتقصد هذه ؟

المجرم باستغراب : نعم هي ، كيف عرفتها ؟!


لكن احمد لم يجيبه ، بل اسرع بالخروج وهو يحاول مسك دموعه ، بعد علمه أن امه أبعدت حبيباته بالقوة والعنف ، لغرض إحتفاظها بشركة والده 

وبعد خروجه من السجن ، قاد سيارته باكياً دون وجهةٍ محدّدة ..

***


وبعد ساعات من قيادته المتواصلة ، إضطّر للتوجه إلى أقرب محطّة قبل نفاذ البنزين .. 

وهناك تفاجأ برؤية حبيبته الأخيرة التي حاولت التملّص منه .. 

لكنه اسرع بإيقافها وهو يسألها :

- لديّ سؤال واحد .. هل نجيبة طلبت منك أن تسيئي التصرّف كيّ أكرهك ؟

فأجابته بتردّد : اشترت لي هذه السيارة الفاخرة ، مقابل أن أجعلك تكره جميع النساء .. انا آسفة حقاً


فعاد الى سيارته وهو يفكّر جدّياً بالإنتقام من زوجة ابيه ، بعد تأكّد شكوكه إنها قاتلة امه الحقيقية مروى

***


في عطلة نهاية الإسبوع .. أقنع امه نجيبة بالذهاب الى فلتهم بالجبل 

وفي السيارة سألته :

- لما أصرّيت الذهاب بهذا الوقت المتأخر ؟ هكذا نصل الى الجبل بحلول المساء 

أحمد : أحب مشاهدة الشروق معك ، غداً صباحاً 

- كما تشاء عزيزي

ووصلا هناك منهكين ، وناما على الفور

***


في الصباح الباكر .. أحضر لها كوباً من القهوة ، فقالت له :

- ليتك سمحت لي بإحضار الخادمة ، بدل إعدادك القهوة بنفسك

احمد : أردّت البقاء وحدنا قليلاً 

- ابني حبيبي

ومسّدت شعره بحنان ، بينما يحاول كتم غيظه وغضبه


بعد شربها القهوة ، شعرت بإمغاصٍ قوية :

- احمد ! ساعدني .. لا اشعر انني بخير

أحمد بلؤم : هذا طبيعي ، فالقهوة مسمومة

امه بصدمة : ماذا !

- وضعت سماً بقهوتك ، كما فعلتي بأمي مروى 

فقالت بتلعثم : أحمد ! انا ..

فقاطعها بعصبية : قتلتي امي ، ونسبت الجريمة للساعي المسكين الذي أشك إنك دفعتي لأحد المساجين لإسكاته نهائياً ، اليس كذلك ؟ 

- لا ، لم أفعل ! 


فأكمل غاضباً : وقتلتي ديانا !! ورميت الأسيد بوجه دلال ، أجمل فتاة في الدنيا .. وهدّدتي المطلقة بإبنها .. والفتاة الفقيرة برمي اهلها بالشارع ..وزوّرت الفحوصات الطبّية لتقضي على شرف فتاةٍ بريئة.. واتفقت مع الغيورة لتكرّهني بالنساء ..أظننت انني لن أكتشف جرائمك ، يا زوجة ابي اللعينة !!

نجيبة وهي ترتجف بخوف : فعلت ذلك لأجلك ، فليس هناك فتاة تستحقك

- كفى كذباً !!


ورمى وصية والده امامها : 

- فعلت ذلك خوفاً من استلامي إدارة الشركة.. دمّرتني وأذيتي اشخاصاً ابرياء ، لطمعك الماديّ .. لهذا سأدعك تموتين وحدك ، بعد تحطيمي جوالك مساءً ، وقطعي لأسلاك الهاتف الأرضيّ .. كما أخذت جميع مفاتيحك من حقيبتك اثناء نومك .. فلا تحاولي الصراخ ، لأن لا احد من الجيران في المصيف بهذا الوقت من السنة


نجيبة باكية : احمد ! رجاءً لا تتركني.. أنا نوغا امك

- بل نجيبة الماكرة .. أعدك أن أعود غداً لدفنك بالحديقة ، وسأخبر الأقارب والموظفين إنك هاجرت للخارج .. ولا اظنهم سيكترثون لرحيلك ، لسوء تصرّفك معهم.. اما انا ، فسأتزوج قريباً لأحققّ أمنيه ابي ، ومن بعدها استلم الشركة

فسألته بقلق : ومن ستتزوج ؟!

فصرخ غاضباً : ليس من شأنك !! 

ثم وقف وهو يقول بلؤم : 

-أنصحك بتلاوة ما تعرفينه من القرآن ، قبل خروج روحك الظالمة

 

فظلّت تترجاه أن ينقذها ، وهي تُذكّره بأنها امه التي ربّته .. لكنه تابع خروجه من المنزل الذي أقفل بابه الخارجي بالمفتاح .. 


ثم ركب سيارته مبتعداً عن الفيلا الجبلية ، تاركاً زوجة ابيه في الصالة وهي تصارع الموت .. إلى أن لفظت أنفاسها الأخيرة !  


الاثنين، 23 أغسطس 2021

المغامر

تأليف : امل شانوحة 

 

الأماكن المهجورة


تفاجأ الشاب أيمن بانضمام آلاف المتابعين الى قناته التي افتتحها حديثاً ، بعد تصويره منزلاً مهجوراً .. فسمّى قناته ب(المغامر) ، ووعدهم باكتشاف الأماكن المخيفة في مدينته والمدن المجاورة .. 

وبدورهم اشترطوا عليه : أن يكون وحده ، وأن يزورها مساءً ، وأن يختار أشهر وأخطر الأماكن المسكونة بالجن والعفاريت

***


بعد شهور من تصويره المنازل والمدارس والمستشفيات المهجورة ، إزداد عدد المشاهدين بشكلٍ ملحوظ ، خاصة على الفيديوهات التي تضمّنت ظواهراً غريبة ومخيفة ، ومنها :


تصويره لساحرٍ بوجهٍ مدهون بالصباغ الأسود ، كان جالساً تحت سقفٍ مُهدّم ، بعباءته السوداء كريهة الرائحة ، داخل منزلٍ مهجور ! 

وحين اقترب منه ، سأله بصوتٍ أجشّ : أتريد الزواج من أميرة جنّية ؟

فأجابه أيمن بثقةٍ وإيمان : لا يا عم ، لا أفكّر حتى الزواج من إنسيّة 


فأشار العجوز بأصبعه اليه ، لينطفأ جواله ! ويرفع أيمن صوته المرتجف بتلاوة المعوّذات .. 

وحين أعاد نور جواله ، إختفى الساحر من الغرفة ! 

فهرّول أيمن مبتعداً ، بعد توثيقه الحدث لمتابعيه


وخلال مغامراته الكثيرة ، إلتقى بعددٍ من الساحرات في عدّة خرائب قذرة ..معظمهن جلسن في دائرة مضاءة بالشموع ، او وسط نجمة داود وهن يتلوون التعاويذ السحرية ، واللآتي إضّطربن فور رؤية أيمن ! منهن من رمته بالحجارة ، لمقاطعته جلسة تحضيرها الجن .. اما الأخريات فأخذن يتلوّين على الأرض بألم ، بعد قراءته الأيات القرآنية بصوتٍ عالي.. 

ولاحقاً إستطاعت الشرطة القبض على بعضهن ، بعد ظهور وجوههن بوضوح في فيديوهات المغامر


أمّا أغرب ما صوّره أيمن : فكان لرجلٍ آسيويّ يعيش مُشرّداً في مكانٍ مهجور ..ورغم عدم إتقانه العربية ، الا أن أيمن فهم من إشاراته المرتبكة : أنه فرّ من كفيله الذي عمل سائقاً لديه ، والذي مازال يملك جواز سفره دون إعطائه رواتبه السابقة .. لهذا لم يستطع العودة الى بلاده ، فاختار هذا المكان المخيف ليكون منزله  

وحين سأله أيمن عن مكان نومه (لعدم رؤيته فراشاً في أيّةِ غرفة) أشار  السائق الى حوض الإستحمام داخل حمّامٍ مظلمٍ ومهدّم .. فنصحه أيمن :

- لا يجب النوم هنا ، وإلاّ ستتلبّسك الجن والعفاريت

وجاءت ردّة فعل السائق مخيفة ، حيث اكتفى بابتسامةٍ عريضة ! أرعبت كيان أيمن الذي فرّ هارباً من هناك .. 


وللصدفة الغريبة شاهد أحدهم ذلك الفيديو الذي ارسله لقريبه الذي بحث لشهور عن سائقه الهارب ، والذي بدوره اتصل بالشرطة للقبض عليه .. ليلاحظوا تصرّفاته مريبه : كهدوئه الشديد لحظة توقيفه ، وامتناعه عن تناول الطعام في السجن .. وبعد وصول كفيله ، وافق على الفور للعودة الى عمله ! 


وبعد ايام .. إنتشر خبر مقتل نساء الكفيل واطفاله ذبحاً ، وإيجاد الشرطة لجثة الكفيل محروقة في حديقة المنزل .. دون أثرٍ للسائق الذي فرّ ثانية الى وجهةٍ مجهولة !


فحمد أيمن ربه الذي نجّاه من ذلك المجرم المجنون ، مع شكّه أن يكون من ارتكب الجريمة هم الجن الذين تلبّسوا جسد السائق الأحمق 


وبسبب هذه الحادثة ، ضغطت عائلة أيمن عليه لإغلاق قناته .. فوعدهم بذلك فور عودته من السفر ، دون إخبارهم أنه في طريقه الى القرية المجاورة ، بعد قراءته تعليقاً على إحدى فيديوهاته : عن وجود صالة رياضية مهجورة ، يصدر منها اصوات نحيب نساء كل ليلة .. وتمّ إغلاقها بعد غرق اكثر من شخص في مسبحها ، دون سببٍ مقنع ! والناجي الوحيد : أكّد على وجود شبحٍ حاول سحبه لأسفل البركة.. وبسبب اقواله ، إنتشرت إشاعة أن النادي مسكونٌ بالجن ! فقرّر المشتركون هجره ، مما أدّى لإغلاقه نهائياً .


وشعر أيمن بالحماس الشديد لاكتشافه .. ولأنه وعد امه بعدم دخول الأماكن المهجورة ثانيةً ، وجد فكرةً ذكية : وهي شراء لعبة دبّابة إلكترونية (بحجم كلب الحراسة) بإمكان سلسلتها الحديدية تخطّي الأحجار والنفايات وصعود الأدراج ، عن طريق التحكّم بها لمسافاتٍ بعيدة بواسطة اللاسلكيّ


ولأنه مهندسٌ ميكانيكيّ أضاف لها بعض القطع الضرورية لمهمّته الإستثنائية : كإنارةٍ قوية ، ومسجّل للرقية الشرعية ، ومكبّر الصوت ، وكاميرا مزوّدة بالأشعة تحت الحمراء (للرؤية الليلية ، وتحليل الكفاءة الحرارية) وقاذفة لهب يمكن إطلاقها من مدفع الدبابة ، يستخدمها فقط في الحالة القصوى ... 

***


بحلول المساء .. إنتظر أيمن خارج النادي ، مُستمعاً بذهولٍ وقلق الى صراخ ونحيب النسوة بالداخل الذي تزايد كلما تأخر الوقت ! 


وبعد تمريره الدبابة الصغيرة اسفل السياج الحديديّ ، عاد الى سيارته لتحّكم بها لاسلكيّاً..الى أن تمكّن من إدخالها الى الصالة المهجورة  

وأخذ يصوّر من خلالها الغرف الرياضية الفارغة ، إلاّ من بعض الأدوات الرخيصة المهملة في زوايا الصالات .. وقد لاحظ إختفاء الصراخ فور بدئه التصوير ، حيث بدى المكان هادئاً بشكلٍ مريب !

 

فضغط زرّ آخر بجهاز التحكّم ، لرفع صوت القرآن من داخل اللعبة .. ومعها علا صراخ النساء من جديد ، رغم عدم وجودهن في أيّ مكان ! مع إنغلاق الأبواب والنوافذ المحطّمة وحدها ، بقوةٍ وغضبٍ شديد ! 


مما جعله يُضيء الرؤية الليلية ، ليشاهد لأول مرة هيئة الجن المرعبة التي ظهرت له بأشكالٍ مختلفة : منها ما كان يزحف كثعبانٍ بيدين قصيرتين .. ومنها ما طار كالخفاش ، بوجه أشبه بإنسي عجوز .. ومنها ما قفز كحيوان الكنغر.. حتى البركة الضحلة في قعر المسبح المهمل ، رأى من خلال الأشعة تحت الحمراء كائناً يسبح فيها ، لديه جسم انسان وذيل سمكة .. 


ورغم إرتعاب أيمن مما رآه ، الا انه كان سعيداً لأمرين : اولاً لسماعه نصيحة امه بعدم دخوله الى مكان يعجّ بالكائنات المخيفة التي كانت ستؤذيه حتماً .. وثانياً : لأن هذا الفيديو سيفجّر اللايكات ويشهره حول العالم ، وربما يصبح ثرياً بسببه.

 

لهذا تابع التصوير من خلال الدبابة الصغيرة التي وصلت أخيراً الى صالةٍ ضخمة متواجدة في وسط النادي تحوي مداخل كل الغرف الرياضية ..

وحين رفع الكاميرا للأعلى ، شاهد شيئاً كاد يوقف قلبه ! عنكبوتاً ضخماً بأرجله الثمانية تصل من الأرض الى السقف ! وهو ينسجّ شباكه بفمه المِشعرّ ، وعيونه المخيفة الحمراء .. 


فحاول أيمن إبعاد لعبته عن شباكه المنتشرة في كل مكان ، لينتبه على إهتزاز الشبكة في الأعلى ، مترافقة مع بكاء طفل ! 

فزاد قوة الإضاءة ، ليشاهد طفلة بشريّة مقيّده بشباك العنكبوت في السقف! 


ورغم رعب الموقف ، الا انه قرّر إنقاذ الطفلة التي يبدو إن السحرة باعوها للجن بطريقةٍ ما .. 

ولم يكن امامه سوى إشعال قاذفة اللهب (من مدفع الدبابة) باتجاه الشباك ، التي سرعان ما اشتعلت وصولاً للسقف .. مما جعل العنكبوت الضخم يفرّ فزعاً قبل احتراقه ..


ونجحت خطته بجعل الشباك تنقطع حول الطفلة ، لتدلّى رويداً رويداً باتجاه الأرض .. وحين وقفت مرتجفة بجانب اللعبة المضيئة ، تكلّم أيمن معها من الميكرفون :

- لا تخافي .. انا إنسي مثلك ، وانتظرك في الخارج .. إلحقي الدبابة التي ستنير طريقك للهروب من هذا الجحيم 


فركضت الفتاة خلف اللعبة ، مبتعدان عن الجن الذين هربوا بكافة الإتجاهات خوفاً من النار التي اشتعلت في ارجاء النادي المهجور  


وانتظر أيمن الفتاة خارج سياج النادي .. وفور رؤيته الدبابة تخرج من البوّابة ، ركض اليها لأخذها بيده ، وحمل الطفلة بيده الأخرى .. والإسراع الى سيارته التي قادها مبتعداً عن المكان المخيف 


ورغم شروق الشمس ، إلاّ أن الجن ظلّت تلاحق سيارته ! خاصة العنكبوت الكبير الذي انطلق بسرعةٍ مهولة ، حتى علت أقدامه السيارة ! محاولاً إدخال ذراعه من النافذة المفتوحة لخطف الفتاة .. 

فأسرع أيمن بإغلاق النافذة التي قطعت طرف ذراع العنكبوت ، التي ظلّت تنتفض في المقاعد الخلفية قبل اختفائها !

 

والغريب إن الباعة والناس في الطريق لم يشاهدوا معاناة أيمن ، بل أكملوا طريقهم كأنه يومٌ عادي ! 

وبعد ابتعاده مسافة عن النادي الذي بدأت تخرج منه ألهبة النار والدخان ، إختفى الجن اخيراً .. 


فقال أيمن للفتاة بابتسامةٍ حنونة :

- لا تبكي رجاءً .. أعرف انك عشت اياماً مخيفة هناك ، ولا ادري كم بقيت محتجزة في عالمهم .. لكن لا تخافي .. سآخذك الى الشرطة ليتصلوا بأهلك الذين حتماً بحثوا عنك في كل مكان .. وأريدك أن تثقي بي .. إسمي أيمن ، وأنت ؟ 

لكنها لم تجبه ، بل اكتفت بمسح دموعها .. 


فعاد وسألها : هل انت جائعة ؟

فأشارت برأسها إيجاباً..

أيمن : حسناً سأشتري لك شطيرة جبن وبعض الحلوى ، ثم نذهب للشرطة 


فاكتفت بإدارة رأسها نحو النافذة ، كيّ لا ينتبه على عينيها اللتين تحوّلتا لعيون قطط ! 

وتابع أيمن القيادة ، دون علمه أنه برفقة أميرة الجن ، التي قالت بنفسها بحنق :

((سأنتقم منك لرفضك الزواج مني ، ايها الإنسي المغرور))

وابتسمت بخبث !


اساليب التحقيق الجنائي

تأليف : امل شانوحة  المتهم الداهية   في هذه الليلة .. تم القبض على رجلٍ يُشتبه بقتله زوجته وعشيقها بطلقٍ ناريّ وبعد نقله الى مركز الشرطة (ال...