كتابة : امل شانوحة
تواريخ القدر
بعد دفن كبير العائلة .. دعى المحامي سامي (الثلاثيني) الى مكتبه ، ليخبره أن جده سجّل كوخ الغابة بإسمه ..
سامي باستغراب : ولما انا بالذات ، وليس أعمامي ؟!
المحامي : جدك كان غريب الأطوار قبل وفاته ، وأصرّ أن لا يدخل الكوخ أحداً سواك !
سامي : إذاً ليبقى سرّه بيننا
***
في الصباح التالي .. ذهب سامي وحده الى كوخ الغابة المكوّن من غرفة نومٍ وصالة.. إستخدمه جده في هواية الصيد ، وأهمله في سنواته الأخيرة لتغزو الحشرات والغبار الكثيف زوايا المنزل وأثاثه !
فبحث سامي في خزانة المطبخ وغرفة النوم ، دون عثوره على شيءٍ ذوّ قيمة ..
وعندما نظر اسفل السرير ، وجد صندوقاً حديدياً صدِئاً .. وتذكّر المفتاح الصغير الموجود في درج المطبخ.. وبواسطته تمكّن من فتح الصندوق الذي وجد بداخله دفتراً جلديّاً ، بعنوان :(مذكّرة الموت)!
وكان مضمون الدفتر عبارة عن جداول مقسّمة لثلاث خانات :
1- اسماء أقارب الجد الأحياء والأموات
2- تواريخ مجهولة : أكثريتها في زمن الماضي ، وبعضها في المستقبل !
3- طريقة الوفاة : كتب فيها الجد كيفية موت اقاربه القدامى مثل : كبر السن ، مرض ، صعقة كهربائية ، حادث سير وغيرها .. اما الأحياء فخانتهم فارغة .. وهذا طبيعي ، لأن الجد لن يعرف طُرق وفاتهم قبل حدوثها
واثناء قراءته أسماء أقاربه ، لاحظ إسم : (زهرة بنت سمر)
فاستغرب سامي من معرفة جده بحمل أخته سمر بفتاة ، وقرار زوجها تسميتها زهرة .. رغم علمها بحملها (في الشهر الثاني) بعد وفاة جدها بإسبوع !
وكان التاريخ المكتوب في خانة زهرة : 9 أشهر من هذا اليوم ..
فلم يهتم للأمر ، ووضع الدفتر في حقيبة ظهره .. وخرج من الكوخ بعد إقفاله جيداً
***
تناسى سامي موضوع الدفتر لشهور .. إلى أن تلقّى إتصالاً من أخته الكبرى تخبره باكية : أن طفلتها زهرة (بعمر الشهرين) اثناء نومها في مهدها ، إنقلبت على وجهها طوال الليل ، فماتت لنقص أكسجين
حينها تذكّر دفتر جده ، وأسرع بالبحث فيه .. ليجد أن اليوم يصادف التاريخ المكتوب في خانة زهرة .. وهذا يعني إن جده عرف تاريخ وفاة حفيدته التي لا يعلم أصلاً بوجودها !
وبعد مراجعة سريعة للتواريخ المكتوبة بجانب الأقارب القدامى ، وجد جميعها توافق يوم وفاتهم ، وهو أمر سهل على جده معرفته .. لكن كيف عرف التواريخ المستقبليّة للأحياء منهم !
والأغرب من ذلك : إن خانة (طريقة الوفاة) لزهرة لم تعد فارغة ، بل كُتب فيها : الموت إختناقاً !
ولم يعرف سامي إن كانت الكلمات ظهرت مباشرةً بعد وفاة الطفلة .. ام إن روح جده نبّتهه للأمر قبل فترة ، دون ملاحظته ذلك !
ولام نفسه لعدم مراجعته المذكّرة قبل التاريخ المدوّن فيها ، لكان نصح اخته بتفادي موت ابنتها بالإهمال
وقرّر تسجيل بقية تواريخ أقاربه الأحياء (المكتوبة بالدفتر) في جواله ، قبل اسبوع من وفاتهم .. لربما أنقذهم من الموت !
وقبل إغلاقه الدرج ، خرج نور من داخل الدفتر !
فبحث بداخله عن معلومات جديدة ، أضافتها روح جده للمذكّرة ..
ليجد إسمه مُضافاً للجدول (لم يكن موجود سابقاً) ..
ويدلّ تاريخه على أنه سيتوفّى بعمر 80 عاماً .. ومكتوب في خانة طريقة الوفاة : كبر السن
فتنفّس سامي الصعداء لأنه مازال امامه سنوات طويلة .. وحمد ربه أن طريقة موته طبيعية وسهلة
***
بعد شهرين .. وأثناء وجوده في العمل ، رنّ جواله لتنبيهه على موعد إحدى التواريخ المسجّلة فيه ، لكنه نسيّ تسجيل الأسماء بجانب الأرقام !
فأخذ ينظر الى ساعته من وقتٍ لآخر بقلقٍ شديد ، بانتظار إنتهاء العمل
وبنهاية الدوام ، أسرع الى شقته (التي يعيش فيها وحيداً) .. وبحث في الدفتر عن أقرب موعد وفاة : ليجد اسم عمه الكبير الذي سيموت بعد اسبوع .. وقد ظهرت طريقة وفاته (بالخانة التي كانت فارغة من قبل) : حادث سيارة
***
عصراً .. ذهب سامي الى أصغر أعمامه الذي كان على خلاف مع أخيه الكبير ، وحاول إقناعه بمصالحته ..
فردّ بعصبية :
- انا أصالحه ! هو من سرق نصيبي من ارض جدك
سامي : لا بأس عمي ، يبقى الكبير..
العم مقاطعاً : إذاً الأجدر أن يكون حنوناً على إخوته الصغار ، بدلاً من سرقة حقوقهم
- ربما فعل ذلك لأن لديه الكثير من الأولاد ، وأنت ترفض الزواج ..
العم مقاطعاً بغضب : هذا ليس من شأنكم !!
- لم أقصد عمي ..
- مستحيل أن أصالحه ، حتى لوّ توفيّ غداً
سامي بتردّد : بالحقيقة ...سيتوفّى بعد اسبوع بحادث سيارة ، لذا أردّتك أن تصالحه قبل فوات الآوان
- إن كان ما تقوله مناماً ، فلا أؤمن به .. ولن أصالحه مطلقاً !! رجاءً عدّ الى شقتك بعد أن رفعت ضغطي بكلامك المستفزّ
- لكن عمي !
العم بلؤم : مع السلامة سامي !!
فخرج من منزل عمه وهو يشعر بخيبة الأمل
***
فور عودته الى شقته .. إتصل سامي بعمه الكبير ، لنصحه بإعادة نصيب أخيه الصغير قبل نهاية الإسبوع .. فأغلق العم المكالمة في وجهه ، قبل إفهامه ما يقصده !
***
في المساء ، تصفّح سامي الدفتر من جديد .. ليتفاجأ بأن تاريخ وفاته نقص 10 سنوات !
فصرخ بصدمة : ماذا ! سأموت في سن 70 .. لما تغير الموعد ؟!
ليلاحظ بأن طريقة وفاته (كبر السن) مُسحت ايضاً !
سامي : لما لم يكتب جدي طريقة موتي الجديدة ؟!
وصار يتصفّح الدفتر ورقةً ورقة ليفهم ما حصل ، ليجد ملاحظة مكتوبة آخر الدفتر : (لا تتلاعب بالقدر)
ففهم إنه عُوقب لمحاولته تنبيه عمه بتاريخ وفاته القريبة
فقال سامي بصوتٍ مسموع : آسف !! لن أعيدها ثانيةً .. سأخبّىء الدفتر في خزانتي ، كيّ لا أتدخل فيما لا يعنيني ..
وبعد إبعاده الدفتر ، نام حزيناً على سنواته العشر التي نُقصت من عمره !
***
بعد اسبوع .. علم سامي بوفاة عمه الكبير ، فذهب للعزاء ..
وفور دخوله الصالة ، إلتفت الأقارب اليه وهم متوجّسين خيفة منه !
سامي باستغراب : لما تنظرون إليّ هكذا ؟!
فسألته عمته بتهكّم : هل استعرت سيارة عمك المرحوم ، وعطّلت شيئاً فيها ؟
سامي : لا طبعاً ، انتم تعرفون بخله وكرهه إعارة ممتلكاته ل..
فنظروا اليه شزراً..
سامي : آسف لم أقصد .. رحمه الله .. كنت أفهمكم انه لا دخل لي بالحادث
العم الآخر : اذاً كيف عرفت تاريخ وطريقة وفاته ؟!
فتذكّر سامي العقاب الذي أضاع عشر سنوات من حياته ، فقال لهم :
- منام .. مجرّد منام
فانهار العم الصغير باكياً : ليتني سمعت كلامك وصالحته ، فأموال الدنيا لن تغنيني عن أخي الكبير
فربت سامي على كتفه مُهدّئاً ، وسط حزن الجميع
***
بعد سنة .. رنّ جوال سامي ، لتذكيره بقرب موت أحد الأقارب
- اللعنة ! نسيت حذف التواريخ من جوّالي .. ترى من اقترب موته هذه المرة ؟
وفور إنتهاء الدوام ، سارع الى منزله لقراءة الدفتر .. ليكتشف أن إبن اخيه الكبير سيموت بعد ثلاثة ايام .. وطريقة الوفاة : الغرق في السيل
فاتصل سريعاً بمنزل اخيه ، لتردّ زوجته .. فسألها عن ابنها
- هو بخير .. وكافأته المدرسة لتفوقه في الإمتحانات الشهرية برحلةٍ الى مطعم الوادي
سامي بخوف : لا تدعيه يذهب لخطورة السيول !!
- نحن في فصل الربيع والجوّ صافي ! ولا اظنها ستمطر في عطلة الإسبوع
سامي : ارجوكِ إمنعيه ، فحياته في خطر
وهنا سمع صوت إبن اخيه يسأل امه :
- امي !! هل البس هذه الثياب للرحلة ، ام هذه ؟
فأجابت ابنها : إلبس ما تريده يا عزيزي
فصرخ سامي غاضباً : الا تفهمين يا امرأة !! ابنك سيموت في الرحلة
فعاتبته بعصبية : إن أعدّت هذا الكلام ثانيةً ، سأشكيك لأخيك
وأغلقت المكالمة في وجهه ..
فبحث سامي عن رقم عمل أخيه ، لإقناعه بعدم إرسال ابنه للرحلة .. واثناء بحثه في الجوال ، خرج نور من المذكّرة المرمية على السرير !
فتصفّحها بخوف ، ليفاجأ بأن تاريخ وفاته نقص عشر سنوات أخرى ! إيّ سيموت في عمر 60 !
وملاحظة في الأسفل : ((إن تدخلت في القدر ، سنختار لك موتة شنيعة))
فانهار سامي باكياً ، لعجزه عن إنقاذ إبن أخيه
***
وبعد ايام .. ذهب سامي الى العزاء ، لتهجم ام الولد عليه غاضبة :
- لما لم تمنعني بالقوة من إرساله الى الرحلة التي دمّرتنا جميعاً؟!!
وصفعته بقوة ، وهي منهارة بالبكاء ..
فأبعدها أخوه جانباً ، وهو يسأله :
- حذّرت زوجتي من السيل ، فكيف عرفت ؟
سامي بحزن : منام اخي ، مجرّد منام
وحضن أخاه باكياً
***
قرّر سامي بعدها حذف التواريخ من جواله ..وشطب جميع الجداول الموجودة في الدفتر ، ماعدا ارقام عائلته (امه وأخوته)..
***
مرّت الشهور ، وتناسى سامي التواريخ المشؤومة ..
الى أن جاء يوم شعر فيه بمللٍ شديد ، فأخذّ يتصفّح الدفتر .. ليقفز فزعاً من سريره ، بعد قراءته تاريخ وفاة امه القريب جداً !
فاتصل بأخته الصغرى التي أخبرته : أن امه ليست بخير ، وتفكّر بنقلها الى المستشفى
واثناء حديثه معها ، خرج نور من الدفتر الموجود فوق السرير
ففتحه على عجل ، لتظهر طريقة وفاة امه : (خطأ طبّي)
فقال لأخته : إيّاك أخذها الى المستشفى ، غداً أكون في القرية ..إنتظراني!!
وأقفل الخط ، وهو يدعو الله أن يطيل عمر امه
***
وصل الى منزل والدته في الليلة التالية ، بعد قيادة سيارته أربع ساعات متواصلة من المدينة الى القرية ..
ليجد المنزل فارغاً ، وجوّال اخته مقفلاً ! فسأل الجارة عنهما .. فأخبرته أن الإسعاف نقلت امه الى المستشفى ، بعد أن ساءت حالتها عصراً..
فأسرع سامي الى المستشفى ، ليخبروه أنها بحاجةٍ ماسة الى عمليةٍ جراحية لفتح صمّام قلبها المغلق ..
لكنه رفض اجراء العملية ، وأصرّ على إعادتها الى المنزل .. فرفض الطبيب لأنها بحاجة للعناية المركّزة ..
***
ومرّت الأيام ببطء على سامي واخته ، اللذان سُمح لهما بدخول غرفة العناية لنصف ساعة كل يوم !
وبعد خروجهما من الغرفة ، قالت أخته :
- ارجوك اخي ، وقّع على ورقة العملية
سامي بحزم : لن أفعل !! سيقتلونها بخطأً طبّي ، الا تفهمين ؟!!
- لا تتشاءم يا سامي
- عليك الوثوق بقراري
اخته بعصبية : وهل انت سعيد برؤيتها تتعذّب هكذا ؟! هي لا تستطيع التنفّس دون الجهاز المزعج .. ارجوك ساعدها
- لن أوقّع على شيء !! الا يكفي إن والدنا توفيّ ونحن صغار .. لا اريدها أن تموت دون رؤية أحفادها .. وإيّاك مجادلتي بهذا الموضوع !! .. سأذهب للبيت للإستراحة قليلاً ، إبقي معها
وبعد خروجه من المستشفى ، إقتربت الممرّضة من أخته ومعها ورقة العملية :
- الدكتور يسألكم إن كنتم موافقين على اجراء العملية لأمكم ام لا ؟ فوضعها يزداد سوءاً كل يوم
الإبنة بقلق : وهل طبيبكم بارعاً بهذه العمليات ؟
الممرّضة : هو خرّيج أهم جامعة في اميركا
- وهل أجرى عملية كهذه من قبل ؟
- هو توظّف حديثاً في مستشفانا ، لكن شهادته تؤكّد براعته الطبّية
- المشكلة إن اخي غير موافق
فقالت لها الممرضة بصوتٍ منخفض :
- اذاً لا داعي أن تخبريه
- ماذا تقصدين ؟!
- وقّعي عنه
وبترددٍ وارتباك ، وقعت اخته على الموافقة !
***
وفي الوقت الذي كان فيه سامي نائماً في منزل العائلة ، كان الطبيب يُجري عمليةً خطيرة لأمه ..
وبعد ساعة .. إستفاق على رنين جواله ، ليسمع اخته تبكي وتنوح :
- امي ماتت في العملية يا سامي
سامي بصدمة : ماذا ! كيف أدخلوها العمليات دون إذن ابنها !!
- أردّت علاجها ، لم أعلم انني ..
فقاطعها غاضباً : سعاد !! ماذا فعلتي ؟
- ارجوك سامحني
وانهارت باكية ، ليسرع سامي الى المستشفى وهو مُنصدم مما حصل !
***
بعد العزاء .. دخلت اخته الى غرفته ، لتجده يرتّب ملابسه
- الن تتكلّم معي ؟
سامي بقهر : أخرجي يا سعاد !!
- صدّقني لم أردّ تزوير توقيعك ، لكن لم أعد أحتمل عذابها
- وهآ انت أرحتها من الدنيا كلّها
- ارجوك لا تزدّ همومي
- دعيني وشأني !!
- أسترحل وتتركني وحدي ؟
سامي : إتصلت بخالتي ، وهي قادمة للعيش معك
- لا احبها !! هي قاسية القلب
- لا حلّ آخر .. فأخوتنا لم يتمكّنوا حضور العزاء لوجودهم في العاصمة ، ولن أرسلكِ وحدك بالطائرة للعيش معهم .. كما إن مناهج مدارسهم صعبة عليك
سعاد : إذاً سجّلني في ثانوية مدينتك
سامي بغيظ : لا املك الوقت للإهتمام بمراهقةٍ عنيدة ..
وأخذ حقيبته ، وهو يقول :
- وداعاً يا سعاد
قالها دون النظر لها ، لغضبه من مخالفتها كلامه الذي أنهى حياة امه
***
قبل إبتعاده عن القرية ، إتصلت خالته لتخبره بهروب اخته من المنزل
سامي بعصبية : والى اين ذهبت الغبية في هذا الوقت المتأخر ؟!!
- لا ادري ، تعال وابحث عنها بنفسك
فعاد مسرعاً الى القرية ..
***
بحث سامي في منازل أقاربه وبيوت صديقات أخته ، دون إيجادها!
إلى أن أوقفه عجوز في الشارع الرمليّ ..
سامي بعصبية : يا عم !! إبتعد عن الطريق
- إن كنت تبحث عن اختك ، رأيتها تصعد الجسر النهريّ قبل قليل وهي منهارة بالبكاء ..
فأسرع سامي الى هناك ، ليجدها واقفة على حافّة الجسر .. فاقترب منها بحذر :
- سعاد ، لا تتهوّري رجاءً
فنظرت اليه بعيونٍ دامعة : معك حق ، انا قتلت امي
- لا ، لم تفعلي ..قلت ذلك من قهري عليها .. ارجوك إنزلي ، فالنهر هائج في هذا الفصل من السنة
اخته : لن أنزل قبل أن تخبرني الحقيقة
- أيّةِ حقيقة ؟!
- كيف عرفت أن امي ستموت أثناء العملية ؟
سامي : كان مناماً
- لا أصدّق هذه الخزعبلات ، قلّ الحقيقة وإلاّ رميت نفسي !!
سامي : حسناً سأخبرك كل شيء ، بعد أن تمسكي يدي
وما أن نزلت عن السور ، حتى شدّها من يدها بعصبية ، وأدخلها بعنف الى سيارته التي قادها مسرعاً باتجاه الطريق العام ..
***
بعد ساعة من الصمت المتوتّر ، قال لها وهو يكتم غيظه :
- سآخذك الى المدينة ، ولن أدعك تبعدين عن نظري ، ايتها المجنونة
اخته : أنت وعدّتني أن تخبرني الحقيقة
- لا اريد سماع صوتك حتى نصل الى شقتي .. إستلقي بالمقاعد الخلفيّة ، وحاولي النوم لتهدئة اعصابك المتوتّرة
فاستلقت في الخلف ، وعقلها مازال مشتّتاً ..
وبينما كان سامي غارقاً بذكرياته القديمة مع امه ، إنتبهت سعاد على نورٍ يخرج من حقيبته الصغيرة الموجودة بأرضيّة السيارة .. ففتحتها ، لتجد الدفتر الجلديّ..
فأخذت تتصفّحه ، لتقرأ ملاحظة مكتوبة بجانب إسمها :(تموت الليلة ، بإلقاء نفسها من سيارةٍ مسرعة)
وبعد لحظات ، إنفتح الباب الخلفيّ !
فأدار سامي رأسه .. ليرى سعاد تقفز من سيارته ، وتتدحرج بعنف فوق الطريق العام !
فأوقف سيارته جانباً ، وهو يسمع صراخها وهي تتلوّى ألماً وسط الشارع!
وقبل قطعه الطريق ، دهستها شاحنة نثرت اشلائها في كل مكان !
فجنّ جنون سامي ، وأخذ يصرخ بهستيريا .. لتصفّ السيارت بجانبه ، في محاولة سائقيها لتهدأته ..الى أن إنهار مغشيّاً عليه
وحين استفاق ، كان في غرفة الطوارىء بالمستشفى بعد إرتفاعٍ حادّ في ضغط دمه من شدّة الصدمة !
***
بعد انتهاء العزاء في قريته ، عاد للمدينة .. وحين فتح حقيبته ، وجد المذكّرة مضاءة .. ليفاجأ بأن موته نقص لعمر 40 !
وقرأ الملاحظة : (تدخلك بقدر امك واختك ، أخسرك عشرين سنة من عمرك)
فبعثر سامي اغراضه في انحاء الغرفة ، وهو يصرخ بعصبية :
- من انت يا جدي ؟ هل انت شيطان ؟!! .. كيف عرفت تواريخ وفاتنا ؟!! ولما أرسلتني الى كوخك ، لتدلّني على دفترك اللعين ؟!! ولما تخبرني بمواعيد موت أحبابي ، وتمنعني حمايتهم ؟!! .. أتدري مالذي سأفعله ، سأحرق مذكّرتك الشيطانيّة !!!
وأضاء القدّاحة في طرف الدفتر ، لكن الشعلة انطفأت في كل مرة !
فحاول تمزيق اوراقها التي جرحت كل اصابعه ، دون إقتطاع قصاصة منها !
فأخذ يشطب بالقلم كل التواريخ ، وهو يصرخ غاضباً :
- لا اريد معرفة مواعيد موت أقاربي بعد اليوم !!
ورمى الدفتر اسفل الخزانة .. وخرج من شقته ، ليقود سيارته دون وجهةٍ محدّدة
***
وبمرور الشهور ، نسيّ سامي أمر الدفتر .. وبدأت حياته تتغيّر ، بعد توظّف آنسة جميلة في الشركة التي يعمل فيها ..
وحين تأكّد من مشاعره نحوها ، خطبها من اهلها..
ليعيش معها أجمل لحظات عمره ، في خطبةٍ إمتدّت لشهرين ..
***
في تلك الليلة .. أنهى مكالمته سريعاً ، بعد أن أخبرته إنها مشغولة في حفلة صديقتها
وقبل نومه ، خرج نور من اسفل الخزانة ! فعلم إن الدفتر يحاول إنذاره بقرب وفاة عزيزٍ لديه
فحاول تجاهل الأمر ، لكنه أصيب بالأرق ..
وبالنهاية قرّر معرفة الضحية التالية ..
وفتح الدفتر وقلبه ينبض بقوة ، ليجد إن الجداول مازالت مشطوبة .. ما عدا الصفحة الأخيرة التي ظهر فيها اسم خطيبته (التي لم تُذكر سابقاً) .. وتاريخ وفاتها الذي يصادف الليلة !.. وسبب الوفاة : (خطف – إغتصاب – قتل)
فأصيب بصدمةٍ قوية ، لأنها أسوء موتة على الإطلاق !
فعاود الإتصال بها أكثر من مرة ، لكنها لم تجيب !
فاتصل بأهلها ، ليخبروه أنها لم تعدّ بعد من حفلة صديقتها
سامي : كلّمتها قبل ساعة ، وأخبرتني انها تودّع صديقاتها قبل خروجها من الحفلة
الأب : هي اتصلت بنا لتخبرنا إن زوج صديقتها سيوصلها الى المنزل
- لا !!! هو سيخطفها ويقتلها
- ماذا قلت ؟!
- أعطني رقم صديقتها
- لا تخيفني يا سامي ، ما الأمر ؟
- عمي لا وقت للشرح ، إعطني رقم صديقتها الآن !!
ثم اتصل بصديقتها :
- اين زوجك ؟
- من انت ؟
سامي بعصبية : خطيب هند ، اين زوجك ؟
- ذهب قبل ساعة لإيصال هند
- لم تصل بعد الى منزلها !!
الزوجة : أخبرني انه أوصلها ، وأكمل طريقه الى منزل صديقه
- بل اللعين خطفها !!
- لا أسمح لك باتهام زوجي زوراً !!
سامي غاضباً : سأعاقبكما أنتما الإثنين إن حصل لها مكروه !!
وأغلق الهاتف للإتصال بالشرطة ، وإبلاغهم بشكوكه عن إختفاء خطيبته
***
لاحقاً بالتحقيقات الجنائية .. أصرّ زوج صديقة هند أنه أوصلها الى باب العمارة ، قبل ذهابه الى صديقه الذي أكّد إنهما سهرا معاً تلك الليلة
فقامت الشرطة بمراجعة كاميرات الطرق وتتبّع سيارة المشتبه به ، الذي تبين أنه قادها في الطريق الموصل الى منزل هند ، مما يؤكّد صدق كلامه
خاصة إن الكاميرا الملعلّقة على إشارة المرور قرب منزل صديقه ، تبين انه وصل هناك بغضون دقائق .. وهو وقت غير كافي للإعتداء على المفقودة وقتلها وإخفاء الجثة
وحين أصرّ سامي بأن اختفاء حبيبته الغامض حصل بسبب جريمةٍ مروّعة ، سأله المحقق :
- ولما انت متأكّد من ذلك ؟ لربما هربت مع حبيبها مثلاً ؟
سامي بعصبية : انا حبيبها وخطيبها ، وكنّا سنتزوج قريباً
المحقق : ثقتك بمقتل هند ، يجعلني أشكّ بك
وبدأ يحاصره بالأسئلة ، فلم يعد باستطاعة سامي إخفاء موضوع دفتر جده..
وبعد إطلاع المحقق على ملخّص ما حصل له بسبب المذكّرة الشيطانية ..
طلب المحقق من مساعده دخول شقة سامي ، وإحضار الدفتر الجلديّ الى المخفر
***
بعد تصفّح المحقق الدفتر ، وجد جميع الأسماء المكتوبة في الجداول مشطوبة بالقلم ، وكذلك اسم هند في آخر الصفحة .. رغم إن سامي لم يتسنّى له الوقت لفعل ذلك !
ولغموض القضية ، قرّر المحقق إيقاف سامي لحين توصّله الى معلومات عن إختفاء هند .. مع شكّه أن سامي هو خاطف خطيبته ، وإن حزنه وخرافة الدفتر مجرّد تمثليّة فاشلة
وبعد وضعه في السجن ، قال له :
- سأحقّق بموضوع جدك ، رغم انني لم أصدّق حرفاً مما قلته
سامي : سيدي ، انت تسجن الشخص الخطأ .. ارجوك تابع قضية خطيبتي ، اريد معرفة مكان جثتها
المحقق : سأتابع قضية إختفائها ، بسؤال الشهود والأقارب .. وحين أعرف الحقيقة ، أخبرك بها
فانهار سامي باكياً بعد تأكّده بصحة المكتوب في الدفتر ، والذي لم يظهر للعلن الا بعد شهر على إختفاء هند : عندما اعترف سكران بالبار بخطفه سيدة جميلة اثناء صعودها الى شقتها .. بوضعه قماشة مبلولة بالمخدّر على انفها ، وسحبها من الباب الخلفيّ للعمارة نحو سيارته .. ثم الإعتداء عليها وقتلها ، ودفنها في الحديقة العامة !
فأبلغ نادل البار الشرطة بما سمعه ، ليضغط المحقق على المجرم الذي إعترف لاحقاً بمكان جثتها المشوّهة والمدفونة تحت الشجرة
وتلقّى سامي الخبر الصادم وهو في سجن التوقيف ، ليسمع الجميع صراخه وبكائه المرير..
وبعد ساعات من البكاء المتواصل ، هدأ قليلاً .. فزاره المحقق :
- على فكرة يا سامي .. ذهبت الى مصنع جدّك ، وسألت العمّال عنه .. فأخبروني إنه كان غريب الأطوار بالفترة التي سبقت وفاته .. وحين التقيت بصديقه المقرّب ، أخبرني أن جدك قال له : إنه سقط بإحدى رحلات صيده في حفرةٍ بالغابة ، أوصلته الى العالم الموازي
سامي باهتمام : ماذا يعني ذلك ؟!
المحقق : حسب ما أخبر صديقه ، انه انتقل الى المستقبل ..وعرف من هناك تواريخ وفاة اقاربه ، وأحفاده الغير مولودين بعد ! ولكيّ لا ينسى تلك المعلومات ، دوّنها في مذكّرته فور عودته الى عالمنا .. وقبل موته ، أخبر صديقه انه نادم على فعل ذلك ، لأنه لم يستطع التخلّص من دفتره المشؤوم
سامي : ليته اختار كتابة تواريخ احداثنا السعيدة ، بدل الموت في دفتره الذي بلاني فيه
- مع اني لم أصدّق ما قاله صديقه العجوز ، لكن الدنيا مليئة بالألغاز .. المهم !! لا يوجد سبب لبقائك هنا بعد إعتراف الجاني .. (وفتح قفل الزنزانة) .. عدّ الى شقتك ، وخذّ دفتر جدك معك .. أعانك الله على مصيبتك
فعاد سامي حزيناً الى بيته
***
في منتصف الليل .. إستيقظ بعد سطوع النور في وجهه ، والخارج من الدرج ..
ليجد الدفتر مضاءً :
- ليس ثانيةً !.. من بقيّ يا جدي ؟!! ماتت امي واختي وعمي وابن اخي وخطيبتي ، من ستقتل ايضاً ؟!!
وتصفّح الدفتر ، ليجد اوراقه بيضاء !
ماعدا اسمه في آخر الصفحة ، والمكتوب بجانبه موعد الوفاة : الليلة !
وملاحظة :
((ما كان عليك إخبار الشرطة بسرّنا))
فنهض سامي فزعاً من سريره ، بعد خسارته آخر 10 سنوات من عمره!
وصرخ مرتعباً : لن اموت الليلة يا جدي !! القرار ليس بيدك
وأسرع بإطفاء قارورة الغاز بالمطبخ ، وإزالة المقابس الكهربائية ، وإخفاء الأدوات الحادّة داخل الأدراج ..
ثم ملأ حوض الإستحمام بالوسادات ، واستلقى فيه
- سأبقى هنا حتى شروق الشمس ، وانتهاء الكابوس
ورغم أرقه ، إلاّ أنه غفى من شدّة تعبه ..
واثناء تقلّبه فوق الوسادات ، سقطت الصابونة في الحوض ..
***
قبيل الفجر .. شعر ببرودةٍ شديدة ، رغم انه في فصل الصيف
وحين فتح عيناه ، شاهد خيال جده يطفو في سقف الحمام !
فأصابه الرعب ، وحاول الخروج سريعاً من الحوض .. فتعثّر بالصابونة ، ليرتطم رأسه بالمغسلة بقوة .. جعلته يسقط على أرض الحمام ، وتسيل الدماء على وجهه ، وهو يشعر بدوارٍ شديد ..
وسمع جده يقول من فوقه :
- ما كان عليك التدخل بالقدر يا سامي .. هآ انت ستموت وحيداً .. ولن يعثر الجيران عليك ، قبل أن تفوح رائحة تحلّل جثتك .. يعني ستُدفن بعد تسعة ايام من وفاتك ، يالها من موتةٍ شنيعة
ثم اختفى الطيف !
فتمّتم سامي بألم : لن اموت في الحمام .. كانت نيتي إنقاذ احبابي ، ولا أستحق سوء الخاتمة !
وزحف للخارج بصعوبة ، مُخلّفاً خطاً طويلاً من الدماء
الى أن وصل الى غرفته ، ومدّ يده لإخراج الدفتر من الدرج .. ليحاول من جديد تمزيقه بكل ما تبقّى من قوته ، والتي انهارت بعد عدّة محاولاتٍ فاشلة ..
ليفقد وعيه بعد خسارته الكثير من دمائه
***
أقام اعمامه العزاء ، وهم حزينين على وفاته وحيداً بشقته ..
وكان من بين المعزّيين : المحقق الذي تواجد لحظة إخراج جثة سامي من الشقة ، والذي قال للعم الأصغر :
- وجدنا الدفتر في يده ، هي مذكّرة والدك .. الغريب إن صفحاته فارغة !
العم : ومالغريب في الموضوع ؟
المحقق : أثناء تحقيقي مع سامي بقضية خطيبته ، أراني دفتر جده ..وكان مليئاً بالجداول المشطوبة ، لكنها اختفت الآن !
- وماذا كتب ابي في الجداول ؟
المحقق : قصّة خرافية ، الأفضل أن لا تعرفها .. المهم أوصلت الأمانة ، وانتهى عملي هنا .. عظّم الله أجركم
العم : شكر الله سعيكم
***
بعد انتهاء العزاء .. عثر ابن العم الصغير على الدفتر فوق الطاولة ، وحين فتحه : وجد اسمه بتاريخ الغد ، مكتوباً امامه :
(مفاجأة في ساحة الملعب)
فهللّ الولد فرحاً ، لظنه إن المدرسة أخبرت والده (الذي كتب الملاحظة بالدفتر) بتكريمه غداً لتفوقه الدراسيّ .. دون علمه أن متنمّر صفه الحقود سيطعنه اثناء استلامه الهدية !
وذهب الولد الى غرفته لتجهيز نفسه لمفاجأة الغد التي حتماً لن تكون سارّة ، وستصدم القريب والبعيد معاً !
*******
ملاحظة :
كنت شاهدت تريلر فيلم (ِDeath Note) وفهمت من الملخّص : إن البطل بإمكانه قتل من يشاء بكتابة طريقة موته في المذكّرة ، بمساعدة الشيطان
##
اما فكرة قصتي : حتى لوّ كنّا نعلم القدر ، لما تمكّنا من تغيره او التلاعب به.. وأن معرفة الجد لمعلوماتٍ مستقبليّة ، أشعرته بالندم والعجز .. وبدل دفن السرّ معه ، أعطى الدفتر المشؤوم لحفيده الحنون ، لعلمه بمحاولته إنقاذ احبّائه على حساب نفسه .. وبذلك تستمرّ اللعنة في العائلة إلى أبد الآبدين !


