الاثنين، 15 مايو 2023

الخاطف الحنون

كتابة : امل شانوحة 

الجريمة الإنسانيّة


- الوقت مُناسب لخطف الطفل المدلّل ، فوالداه ذهبا لسهرةٍ خاصّة برجال الأعمال ، وخادمتهم خرجت مع حبيبها السائق .. إنتهت مهمّتي بالمراقبة

- شكراً يا صديقي ، لن أنسى نصيبك من الفديّة.

- رجاءً ، توخّى الحذر


وبعد إقفاله الجوّال.. ذهب مُقنّعاً الى القصر ، بأنوار طابقيه المُطفأة 

وقبل صعوده لخطف الطفل النائم ، تفاجأ بعودة الوالدين ! 


فأسرع الخاطف بنزول القبو وهو يسمع صراخ الزوجة الغاضبة بسبب امرأةً ثريّة لبست ذات فستانها ، مما تسبّب بإحراجها امام صديقاتها ! مُرغمةً زوجها على ترك الحفلة باكراً 


فتمّتم الخاطف باشمئزاز :

- يالا سخافة الأثرياء ! ماذا أفعل الآن بعد فشل خطّتي ؟ عليّ الخروج قبل ملاحظتهم وجودي .. لكن كيف ، وحارسهم الشخصيّ واقفاً بالحديقة ؟!


وقرّر النزول للطابق السفليّ ، على أمل إيجاد مخرجٍ نحو حديقة القصر

***


في القبو .. وأثناء بحثه عن النوافذ العلويّة ، بإضاءة جوّاله.. سمع صوتاً يسأله :

- هل ستُخرجني من هنا ؟!

فارتعد فزعاً بعد رؤيته ولداً أسمراً (10 سنوات) ينام على سريرٍ حديديّ ، مربوطاً بسلّسلةٍ طويلة !

الخاطف بدهشة : من انت ؟!

الولد : هل أرسلك لتنقذني من عذابي ؟! 

- من تقصد ؟!

- الربّ !! دعوته لسنواتٍ عديدة : بأن يُرسل ملاكاً يُخرجني من هذا الجحيم ، ويأخذني معه للتنزّه في الغابة والشاطئ والملاهي الذين شاهدتهم في التلفاز !


الخاطف مُستفسراً : منذ متى وأنت هنا ؟!

- منذ ولادتي

الخاطف بصدمة : أحقاً !

- نعم ، مع اني ابن صاحب القصر

- ماذا قلت ؟!

الولد بحزن : سمعت قصتي بالصدفة ، فهم بالعادة يُخرجونني بالنهار لتنظيف المنزل وملاعبة طفلهما ، الذي من المفترض أن يكون اخي الصغير ! ثم يعيدون تقيّدي هنا في المساء.. جيد أن سلّسلتي الطويلة تسمح بدخولي الحمام الموجود بتلك الزاوية .. وكما ترى ! فأنا هزيلٌ جداُ ، لأنهم يطعمونني مرةً واحدة ! وحقاً تعبت من النوم جائعاً كل ليلة


الخاطف : لم تخبرني بعد بعلاقتك بصاحب القصر ؟!

- آه نسيت ! في ذلك اليوم ، كنت أنظّف الممرّ قرب مكتب السيد .. حين سمعته يحدّث صديقه عني ! وبأني ابن الخادمة الإفريقيّة التي اعتدى عليها اثناء سكره .. ولخوفه من تهديدها بفضحه بعد إنجابي ، قتلها ودفنها بالحديقة

ثم مسح دموعه ، مُكملاً كلامه بقهر :

- لا ادري اين دفنها بالضبط ! فنادراً ما يسمحون بخروجي للحديقة .. وكل ما أملكه عنها : هي صورة هويّتها ، وقميصها الورديّ ! .. ارجوك سيدي !! أخرجني من هنا ، فقد حاولت شنق نفسي بالسلّسلة مرتين حتى الآن ! 


وهنا سمعا صوت الحارس الشخصيّ ، وهو ينزل الدرج.. 

فقال الولد للخاطف بفزع :

- إختبئ فوراً !! قبل ان يؤذيك ذلك الوحش ، كما يفعل معي بنهاية كل شهر 

الخاطف بغيظ : اللعين !


واختبأ خلف الدرج ، ليرى الحارس الضخم يقول للولد :

- جيد انك مستيقظ ، فقد اشتقت اليكِ عزيزتي


وقبل اقترابه من السرير ، ضربه الخاطف بعصا على رأسه من الخلف ، أفقدته الوعيّ .. وجرّه خلف السلّم ، بعد أخذ المفاتيح من جيبه.. ثم فتح قفل السلّسلة ، مُحرّراً الولد الذي سأله بحماس :

- اين سنذهب الآن ؟!!

فهمس الخاطف : دعنا نهرب من هنا اولاً

الولد : اذاً سآخذ اغراض امي معي


ثم أقفل باب القبو على الحارس.. 

ومن بعدها ، استطاعا بخفّةٍ وحذر الخروج من الباب الخلفيّ للحديقة.. لينطلق الخاطف مُبتعداً بسيارته عن منطقة الأثرياء ، برفقة الصبيّ الذي كان منذهلاً من انوار الشوارع والمحلاّت التجاريّة ، وكأنه عصفور أُطلق حديثاً من قفصه !

***


في المطعم ، اكل الولد شطيرتين بنهمٍ شديد .. وسالت دموع الفرح على وجنتيه ، بعد تذوّقه الحلوى لأول مرة في حياته !


ثم اشترى له الخاطف بعض الملابس .. وجعله ينام في سريره ، بينما استلقى على الكنبه وهو يفكّر بالخطة القادمة :  

((حسناً ايها الثريّ اللعين !! سأفضح جريمة قتلك لوالدة ابنك الغير شرعيّ ، الذي عاملته كعبد طوال حياته !)) 

***


في اليوم التالي.. سافر الثريّ مع عائلته للخارج ، فور معرفته بهروب ابنه البكر ! كما أعطى تعويضاً للحارس ، لعدم فضحه ما حصل .. بالإضافة لإجازةٍ له وللخادمة والسائق..

 

وبعد إقفال القصر بصورةٍ مؤقتة ! إقتحم الخاطف الحديقة ، ومعه كلباً مُدرّباً .. أطلقه للبحث عن الجثة ، بعد شمّه القميص الزهريّ للمغدورة 


ليجدها خلال دقائق ، مدفونة بالحديقة الخلفيّة للقصر ! 

وبدل إخبار ابنها بمكانها ، قام بنبش القبر .. والإتصال لاحقاً بالشرطة التي اقتحمت المكان لبدء تحقيقاتها بشأن البلاغ الذي وصلهم عن هويّة المقتولة وعلاقتها بالثريّ ! 

***


وفي الأيام التالية .. رفض الثريّ العودة الى بلاده ، بعد فضح جريمته بالإعلام ووسائل التواصل الإجتماعيّ ! مُكتفياً بإرسال أفضل محامياً بالبلد للدفاع عنه ، بعد إدّعائه إبتزاز الخادمة للحصول على نسبة من شركته ، مقابل نسب إبنها الغير شرعيّ لشخصٍ آخر ! 


لكن الفيديوهات التي وجدتها الشرطة في جوّالٍ قديم داخل خزّنة القصر ، فضحت تعذيبه المتواصل للخادمة ، في محاولة لإجهاضها الجنين الذي أنجبته وحدها في القبو ! 

ولم يكتفي الثريّ بذلك ! بل صوّر ضربه لها بفترة نِفاسها ، أدّت لموتها بنزيفٍ حادّ  

ورغم ظهور صوت زوجته بالتسجيل : وهي تقترح رميّ الّلقيط بدار الأيتام .. إلاّ أن زوجها فضّل إخضاعه كعبدٍ لهما ! 

***


بسبب الجريمة الغير إنسانيّة ، حكم القاضي بملكيّة القصر للولد الأسمر ! وفي المقابل ، أجبر الوالد على تسجيل شركته بإسم طفله الشرعيّ (اخوه الصغير) .. 

وكان الحكم عادلاً بالنسبة لولدٍ حُجز لسنواتٍ في قبوٍ مُعتم ! رغم تخلّص الثريّ من عقوبة جريمة القتل ، بعد استخدامه كامل سلطته ومعارفه من كبار الدولة .. زاعماً محاميه بأن العاملة الإفريقيّة دخلت البلاد كمهاجرةٍ غير شرعيّة عن طريق البحر !

***


بعد انتهاء المحاكمة .. أصرّ الصبيّ على الخاطف بالإنتقال معه للقصر ، بعد تعوّده عليه خلال الأسابيع الفائتة التي تنزّها فيها سوياً للعديد من الأماكن الترفيهيّة .. وتحدّثا مطوّلاً عن الأمور التي يجهلها بالحياة ، كما تعليمه القراءة والكتابة .. 


فوافق الرجل على اعتزال مهنة الخطف والإبتزاز ، وبِدء عمله الجديد كسائق  للقصر المجاور .. مُفاجئاً الصغير بتبنّيه رسميّاً ، وتسجيله بالمدرسة .. 

وسرعان ما تحسّنت نفسيّة الولد بشكلٍ ملحوظ بعد حصوله على اصدقاءٍ جدّد ، بسبب براعته بلعب الكرة التي تُبشّر بلاعبٍ محترف في المستقبل القريب .. وكلّه بفضل الخاطف الحنون الذي غيّر حياته نحو الأفضل !


هناك 4 تعليقات:

  1. قصة من الأروع مناسبة لتكون فيلم سينمائي

    ردحذف
    الردود
    1. سلمت اخي ربيع ، سعيدة ان القصة أعجبتك

      حذف
    2. كل قصصك دائما تعجبني رائعة جدا لدرجة نعجز عن وصف روعتها

      حذف
    3. سلمت اخي ربيع .. انا احاول جهدي ان تُرضي قصصي جميع الأذواق بالقدر المستطاع ..تحياتي لك

      حذف

طبّاخة الأسر

تأليف : امل شانوحة  ماما صوفيا هجمت كتيبةٌ إلمانيّة على منطقةٍ ريفيّة روسيّة اثناء الحرب العالميّة الثانية ، مُستغلين خلوّ القرية من رجالها ...