*تأليف : امل شانوحة*
![]() |
| كيف دخلت الى هنا ؟! |
استيقظ السجين تلك الليلة، ليتفاجأ بابنه جيم (ذو الثماني سنوات) يقف أمام سريره في الزنزانة، وهو يحمل كيسًا.. مرتديًا قناعًا على عينيه ورداءً أسود! ففتح السجين عيناه بصعوبة، وهو لا يصدّق ما يراه!
السجين: ابني!
ابنه بابتسامةٍ طفولية: نعم أبي.. هذا أنا!!
- وكيف دخلت إلى هنا؟!
ابنه بفرح: بواسطة هذا!!
وأشار إلى ردائه..
فجلس والده على حافة سريره، وهو يسأله:
- لا، حقًا! كيف سمحوا لك؟!
- يا أبي، هذا رداء الإخفاء.. أنسيت؟! ففيه يمكنني التجوّل أينما أشاء، ودون أن يراني أحد.
فمدّ ذراعه نحو ابنه، وهو يقول بشوق:
- جيم، تعال!! أريد أن أحضنك، فقد اشتقت إليك كثيرًا.
ابنه بصوتٍ منخفض:
- لا أبي، ليس هنا! بل بعد عودتنا سويًا إلى منزلنا.
فاستفسر الأب باستغراب: وكيف بنيّ؟!
فأخرج ابنه من الكيس (الذي يحمله) رداء الإخفاء (بحجمٍ كبير)..
- أحضرت لك رداءً بحجمك.. إلبسه حالًا!!
فلبس الأب (السجين) الرداء (الأسود الكبير).. ثم عاد وأخرج ابنه (من الكيس) قناعًا أسود:
- خذ، أبي!! غطِّ عينيك بهذا القناع.. ثم الحقني!!
وبعد انتهاء السجين من لبس ثيابه التنكرية، رأى نور الكشاف الذي يحمله أحد الحراس (الذي يتأكد من نوم المساجين).. فقال لإبنه بقلق وبصوتٍ منخفض:
- لقد أتى الحارس! هكذا سيكشفنا.
جيم بثقة:
- لا تقلق أبي.. فقط اسند ظهرك على الحائط.. هيا بسرعة!!
وفعلًا.. التصق الأب وابنه على إحدى جدران السجن (بالقرب من القضبان الحديدية).. فلم يرهما الحارس الذي صرخ بعصبية:
- السجين رقم 112، غير موجود في سريره! افتحوا الزنزانة بسرعة!!!
وما إن فُتح باب السجن، حتى همس الابن لإبيه المرتعب:
- بسرعة يا أبي، لنخرج من هنا!!
والده هامسًا بخوف: وكيف؟! سيرونا حتماً!!
فرد بإصرار وثقة: أبي، أنسيت رداء الإخفاء؟! هيا بسرعة، قبل إغلاقهم الأبواب من جديد!!
ورغم عدم تصديق الأب لما يحصل تلك الليلة.. إلا أنه تمكّن بالفعل من الهرب مع ابنه خارج الزنزانة، بينما الحارس يبحث عنه أسفل السرير!
^^^
بل وتمكنا أيضًا من المرور بجميع الأبواب التي فُتحت، لدخول المزيد من الحراس الذين قدموا للبحث عن السجين الهارب! هكذا حتى وصلا إلى ساحة السجن الخارجية.. بعد تركهما السجن في الداخل يعجّ بالحراس المرتبكين، وصرخات المساجين الذين طرقوا بأكوابهم على قضبان زنزاناتهم، فرحين بهروب أحدهم من سجنهم شديد الحراسة!
وهناك في ساحة السجن.. التصق الأب وابنه بجدران السجن الخارجية، خوفًا من أن يراهم الحارس المسلّح الموجود أعلى برج المراقبة.
فهمس لإبنه بخوف شديد:
- ابني.. انتبه جيدًا!! ففي حال انكشفنا، يحق لحارس المراقبة إطلاق النار علينا حتى الموت!
فابتسم ابنه بثقة:
- يبدو أنك مصرّ على نسيان سحر رداء الإخفاء! هيا أبي لا تخف، ولنذهب إلى بيتنا.
لكن فجأة! أضاء النور مكان اختبائهما..
فقال السجين بهلع:
- يا إلهي! قبضوا علينا!!
***
وعندما فتح السجين عيناه، رأى حارس السجن يقرّب نور كشافه من سريره، وهو يقول:
- روبرتو، استيقظ!! لقد حان الوقت.
فعَلِمَ السجين أن ما رآه كان حلماً! وأنهم قدموا لأخذه لتنفيذ حكم الإعدام، بعد أمضائه سنة ونصف في المرافعات القضائية.
^^^
وبعد دقائق.. انتهى الحرّاس من تجهيزه، بعد تقيّد يديه وساقيه بالسلاسل.. ثم أخرجوه من زنزانته، لاقتياده إلى قاعة تنفيذ الحكم.
أما المساجين الآخرون: فكانوا يتابعون ما يحصل من زنزاناتهم، وهم يطرقون بالأكواب على القضبان، لتوديع روبرتو للمرة الأخيرة..
^^^
وفي طريقه إلى هناك.. تذكّر روبرتو آخر مرافعة له في المحكمة، حين ألحّ محاميه على الدفاع عن نفسه:
- سيد روبرتو.. الأمر خطير جدًا، فربما يصدر اليوم حكم إعدامك.. لذا رجاءً!! دافع عن نفسك.. إنها فرصتك الأخيرة!
لكن قطع كلامه صوت القاضي، وهو يطلب من روبرتو الوقوف..
وبعد وقوفه، سأله مجددًا:
- سيد روبرتو!! سأسألك للمرة الأخيرة.. ماذا تقول بشأن قتلك لأبنك ومعلمته؟
السجين روبرتو: أقول إنني... مذنب!!
فخاب أمل محاميه، وبعض أقاربه الذين تواجدوا في المحكمة..
ثم وقف الجميع لسماع حكم القاضي النهائي، الذي قال:
- بعد سماعنا لإقراره بالذنب في أكثر من جلسة.. لم يعد أمامنا سوى الحكم عليه.. بالإعدام!!! وستنفذ العقوبة في أول يومٍ من هذا الشهر، بواسطة الكرسي الكهربائي!! ... رُفعت الجلسة!!!
فضجّت القاعة بين حزين وسعيد لهذا الحكم، خصوصًا أهالي المعلمة المغدورة..
***
ثم عاد ذهن السجين إلى الواقع.. بعد أن أدخله الحراس إلى قاعةٍ صغيرة، في وسطها كرسي موصول بالأسلاك الكهربائية..
وبعد تقيّده بالكرسي.. اقترب منه رجل الدين وهو يرتّل الإنجيل.. لكن روبرتو في هذه الأثناء ركّز نظره على الأشخاص الجالسين (خلف الزجاج) الذين قدموا للشهود على موته..
***
وهنا! تذكّر أسباب ارتكابه لتلك الجريمتين، فعاد بذاكرته إلى الوراء.
فإبنه الوحيد جيم (ذو الثماني سنوات) أصبح قليل الكلام بعد إصابته بالاكتئاب إثر وفاة والدته بالسرطان، كما أن وضعه في المدرسة لم يكن جيدًا.
لكن الصغير وجد راحته في مشاهدة مسلسله الكرتوني المفضّل، الذي يُحكى فيه: ((عن ولدٍ صغير يقوم (بعد لبس معطفٍ أسود يُخفيه عن الأنظار) بمساعدة الناس دون علمهم))
وبعد انتهاء المسلسل، بدأت الإعلانات التجارية عن توفّر رداء الإخفاء بحجمه الصغير في محلات الألعاب. حينها صار كل همه هو شراء ذلك الرداء، لكن والده (روبرتو)، العامل البسيط في معمل المنظفات الكيميائية، لم يكن في مقدوره شرائه (فهو غالي بعض الشيء)... وبدأ إصرار ابنه على شرائه يثير غضبه.
^^^
وفي صباح أحد الأيام، اقترب جيم من أبيه وهو يحمل ورقة، قائلاً:
- كنت سألتني البارحة عن سبب إصراري على شراء ذلك الرداء؟ فكتبت بهذه الورقة كل شيءٍ يحصل معي.. أتمنى أن تقرأها.
لكن الأب (روبرتو) أخذ منه الورقة ورماها على الطاولة، قائلاً بعدم مبالاة:
- سأقرأها فيما بعد.
- لكن أبي..
مقاطعًا بعصبية:
- قلت فيما بعد!! هيّا حضّر نفسك للمدرسة، وأنا سأذهب إلى عملي.. لقد تأخرنا!!
^^^
ومضى شهر، والورقة ما زالت على الطاولة.
وفي أحد الأيام، فاجأ الصبي أباه ببعض المال.
الوالد بدهشة: ما هذا؟!
الابن بحماس وفخر:
- انها سبعون دولارًا، ثمن الرداء!!
الأب بقلق: ومن أين أحضرتها؟!
الابن: لي مدة أدّخر مصروفي.. كما أحضرت حاجيات جارتنا العجوز، وهي في المقابل أعطتني بعض المال.
والده باستهزاء:
- كل هذا لأجل ردائك السخيف؟
بعصبية وإصرار:
- لا تقل هذا يا أبي! فأنا أحتاجه فعلاً!! وقد قمت بدوري وجمعت لك ثمنه! كل ما عليك فعله، هو الذهاب للسوق وشرائه لي.. رجاءً!!
ففكّر الوالد قليلاً، قبل أن يقول:
- حسنًا... سأفعل!!
جيم الصغير، وهو لا يصدق ما سمعه:
- أحقًا أبي؟!
- نعم، سأذهب الآن.. لكن عدّني بأنك عندما أعود تكون انتهيت من جميع واجباتك الدراسية.
ابنه بحماس وفرح:
- حاضر أبي، سأبدأ فورًا!!
وركض سعيدًا إلى غرفته..
فابتسم الأب، واضعًا المال في جيبه.. ثم خرج من المنزل.
^^^
وفي سيارته، وقبل وصوله إلى شارع الأسواق، لاحظ بعض زملائه (في المعمل) مجتمعين في الشارع.. فأوقف سيارته منهم، وهو يسألهم:
- ماذا يحدث؟!
أحد أصدقائه بغضب:
- ألم تسمع؟!! سيغلقون معمل المنظفات الكيميائية غدًا!!
روبرتو بدهشة: ولماذا؟!
صديقه الآخر بعصبية:
- لأن بعض نشطاء الحفاظ على البيئة ربحوا اليوم القضية التي رفعوها ضد معملنا.. وسيصدر الأمر بإغلاقه غدًا!
روبرتو متضايق وبقلق:
- وماذا سنفعل نحن؟!
صديقه غاضبًا:
- اجتمعنا اليوم.. للذهاب معًا إلى هناك، ورمي مكتب أولئك الحمقى بالحجارة.. ربما بذلك نُرعبهم، لنتركنا وشأننا!!
روبرتو بقلق:
- لا، هذا سيزيد الأمر سوءًا!
- وهل لديك حلاً آخر؟!!
الصديق الثاني:
- أنا سأذهب معكم!! دعونا نلقّن أولئك الحمقى درسًا لن ينسوه أبدًا!! وأنت روبرتو.. هل ستذهب معنا، أم ستخاف كعادتك؟
روبرتو بعصبية:
- من قال إنني خائف.. أنا قادم أيضًا!!
^^^
وفي آخر الليل، عاد الأب (روبرتو) مرهقًا وحزينًا إلى بيته.. فاستيقظ ابنه (الذي غلبه النعاس على الكنبة في انتظار عودة والده).. وركض إلى أبيه بحماس:
- لقد تأخّرت أبي!.. لكن لا يهم، أعطني الرداء!!
لكن الأب تهالك على الكنبة بتعب، وهو يقول:
- آسف بنيّ.. دفعت مالك بالإضافة إلى كل ما بحوزتي، للخروج من السجن بكفالة.
ابنه بدهشة:
- كيف حصل هذا؟!
- لا أدري.. وجدت نفسي عالقًا في مشاجرةٍ سخيفة.. وانتهى الأمر بعد قبض الشرطة علينا.. (ثم تنهد بتعب) لكني أعدك بتعويضك الشهر القادم.
فبكى الولد بمرارة:
- لا أبي.. أحتاجه غدًا ضروري!!!!
فصرخ والده غاضبًا:
- اللعنة عليك وعلى ذلك الرداء السخيف!! ... خذ، امسك!!
ولفّ الملاءة (التي كانت على الكنبة) فوق جسم ابنه، وهو يقول ساخرًا:
- ها قد حصلت على ردائك اللعين!! الآن اذهب إلى غرفتك!!!
لكن الولد صرخ كالمجنون، وصار يُخرّب كل شيء، ويقذف الأشياء على والده (بهيستيريا) وهو يقول باكياً:
- أنا أكرهك!! أنت والدٌ سيء! ليتك متّ، بدلًا من أمي!!
فجنّ جنون الأب:
- ماذا قلت أيها العاقّ؟!!
ثم حمل ابنه، ورماه على الكنبة الأخرى.. لكن رأس ابنه ارتطم بقوة بحافة الطاولة.. فتهاوى جسده دون حراك على الأرض! فأقترب والده وهو يرتجف بخوف، ليرى بقعة دم خلف رأس الصغير.. فصار يهزه برعب، وهو يبكي بهستيريا:
- جيم حبيبي!! أنا آسف.. هيّا قمّ رجاءً!! سأشتري لك الرداء.. أحلف لك!! هيا رجاءً.. افتح عينيك!
وهكذا أمضى الأب ليلته في البكاء، وهو يحتضن جسد ابنه، حتى طلع الصباح..
ثم حمل الأب ابنه، ووضعه فوق الكنبة.. وحمل سماعة الهاتف لتبليغ عن نفسه.. واتصل بالشرطة بصوتٍ مرهق وحزين.
فردّ الشرطي:
- نعم، هنا مركز الشرطة!! .. ما المشكلة؟
وهنا! انتبه روبرتو إلى الورقة التي أعطاها له ابنه (المرمية على الطاولة منذ شهر)..
فأغلق الهاتف دون التحدث مع الشرطي، وبدأ بقراءة الورقة التي فيها:
((أعرف يا أبي أنني أضايقك بإصراري على ذلك الرداء.. لكن السبب الحقيقي هو رغبتي في الاختفاء عن أعين معلمتي (ليندا). فهي قاسية جدًا معي! ودائمًا تستهزئ بثيابي البالية وقلة نظافتي، مع أني أخبرتها أكثر من مرة بأن أمي متوفية وأنك مشغول، عدا عن كوننا فقراء.. لكنها تصر على جعلي مثالاً سيئًا ليستهزئ بي زملائي! لذلك أريد لبس الرداء في حصتها فقط، لأني لم أعد أحتمل كل تلك الإهانات.. أنا أموت كل يوم يا أبي.. لهذا، أرجوك!! اشترِ لي رداء الإخفاء وأرحني من هذا العذاب))
وما أن قرأ روبرتو الرسالة، حتى فقد أعصابه تمامًا.. فلبس معطفه لإخفاء قميصه الذي امتلأ بدم ابنه.
^^^
ثم خرج مسرعًا نحو المدرسة.. وبعد أن علم بمكان الفصل الذي تُدرّس فيه المعلمة ليندا، توجه إليها فورًا.
لكن قبل فتح الباب، سمعها تقول للطلاّب بسخرية وازدراء:
- يبدو أن جيم الفاشل لم يحضر اليوم إلى المدرسة.. هذا أفضل!! فنحن لا نريد رائحته النتنة أن تعكّر علينا صباحنا.. أليس كذلك؟
فضحك الطلاّب من كلامها!
ليتفاجأوا بخلع روبرتو للباب، وهو يصرخ بغضب:
- سأريك من سيعكّر صباحك.. يا عديمة الرحمة!!
ثم بدأ بخنقها بقوّة ..فهرب الطلاّب من الفصل ، وهم يصرخون برعب ..
ورغم ان حارس المدرسة ومديرها اسرعا بإتجاه الفصل .. لكنها فارقت الحياة..
***
وبالعودة إلى قاعة الإعدام.. توقفت ذكريات روبرتو بعد سماعه السجّان (المسؤول عن تنفيذ الأعدامات) يسأله:
- هل لديك طلبٌ أخير، سيد روبرتو، قبل تنفيذ حكمك؟
وهنا ! تراءى له ابنه وهو يلبس رداء الإخفاء، جالسًا خلف الزجاج مع الشهود على تنفيذ الحكم.. وكان خياله يتمتم :
((كن شجاعًا يا أبي، فقريبًا سنعود إلى بيتنا الدافئ))
فأعاد السجّان عليه السؤال:
- سيد روبرتو!! هل تسمعني؟!! هل لديك طلبٌ أخير ننفّذه لك؟
فقال روبرتو، ودمعته تنساب بهدوء على وجنته، بابتسامة حزينة:
- نعم .. رداء الإخفاء.
وكانت هذه آخر كلماته، قبل أن يطلق صرخته المرعبة الأخيرة.

نُشرت هذه القصة في موقع كابوس ، أتمنى أن تعجبكم
ردحذف