*تأليف : امل شانوحة*
كانت الساعة التاسعة صباحًا، حينما أعلنت أبواق الحافلة (الصغيرة) انطلاق الرحلة نحو الوطن، وبدأت سنوات الأحد عشر تمرّ أمام عينيّ مع بداية المسير… إلى أن قطع حبل أفكاري صوت السائق يُعرّفنا (بمكبّر الصوت «ميكروفون») عن اسمه: ((سلّوم عيسى!!))، ثم عرض لنا معلومات عن الرحلة… وفي هذه الأثناء، اقترب مني مساعده؛ حيث كان شابًا طويلًا، قويّ الجسم، في الثلاثينات من عمره، يضع نظارات طبّية، فبدى لي كرجلٍ مثقّف أكثر من كونه مساعد حافلة!
وقدّم لي تذكرتي وهو يقول:
- رحلة سعيدة يا آنسة.
- بإذن الله.. شكرًا لك.
وبعد أخذي التذكرة، صرت أتأمّل رفقاء الرحلة، خاصةً أن عددهم لا يتجاوز العشرين فردًا.
ففي المقدّمة، جلس السائق ومساعده؛ حيث بدى سلّوم كرجلٍ في نهاية الخمسينات أو أواسط الستينات، خفيف الشعر مائلًا للبياض، مُقطّب الجبين، يضع سيجارة في فمه، لكنه أثار في نفسي بعض الخوف حين تلاقت أعيننا (بعد أن نظر إليّ من خلال مرآته)، مما جعلني ألتفت لبقية الركّاب.
أمّا في المقعد الذي أمامي، فجلس رجلٌ لُفّت قدمه بالجبيرة، تساعده زوجته، وفي نفس الصف جلس ابناهما: الأوّل في الحادية عشرة، والثاني بحدود الثماني سنوات، لكن يبدو أنّه بسيطٌ عقليًا! وكان يلعب بلعبته الإلكترونيّة.
وبجانبي جلست (قرب النافذة) أختُهما (ذات السبع سنوات) واسمها ريم، أمّا بجانب مقعدينا فجلس رجلان في أواسط العمر، كانا يتحدّثان بأعمالهما التجاريّة، وخلفهما (في وسط الحافلة) جلست امرأةٌ عجوز، وقد وضعت بجانبها عصاها، أمّا خلفي (بصفّين من المقاعد) فجلست صبيّتان، وفي المقاعد الأربعة الأخيرة للحافلة تواجد رجلٌ عجوز وأمامه ثلاثة شبّان كانوا يضحكون بصوتٍ عالٍ، أمّا في نهاية الحافلة عند المقعد الطويل، فكان عليها فراش السائق لأخذ راحته وقت تبادل القيادة مع مساعده.
وقد انطلقت رحلتنا مع نغمات الموسيقى الهادئة، مما جعل أغلبيّتنا يخلد للنوم، أمّا أنا فكنت أتأمّل السائق ومساعده وهما يتحدّثان بصوتٍ منخفض، لكن فضولي وكثرة قراءتي للقصص البوليسيّة جعلني أتوهّم أنّ علاقتهما يشوبها الغرابة! فأنصتُّ لحديثهما، وكان من بين ما سمعت: ((أنت السبب!! اسكت!! هذا قدرك! أنا أحقّ منك!!)) كلماتٌ غريبة! لكن لم يسعفني الوقت للتفكير فيها، فقد غلبني النعاس.
عند الساعة الحادية عشرة ظهرًا، استيقظنا جميعًا على أثر مشاجرةٍ عنيفة حدثت بين السائق سلّوم وأحد الشباب (الجالسين في الخلف)، وعرفت لاحقًا أنّ الشاب حاول مضايقة العجوز (الذي يجلس بجانبهم)، مما أغضب سلّوم الذي صار يسبّ ويلعن الشاب (اسمه صالح)، الذي تبادل معه الشتائم، ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى تشابكت الأيدي! وقام بعض الرجال من مقاعدهم لتهدئة الموقف، مما اضطرّ جمال لإيقاف الحافلة أمام سيارة شرطة (متوقّفة بجانب الطريق)، ثم نزل وهو يقول:
- مشاجرةٌ عنيفة بالحافلة!!
فركض الشرطي إلى داخل الحافلة، وقام على الفور بصفع صالح بقوّة، جعلته يفقد صوابه، فصار يسبّ الشرطي ويلعنه، فمسكه الأخير من يده وأرغمه على النزول… وكان الموقف على وشك التصاعد لدرجة اعتقال الراكب، إلّا أنّ بعض الرجال حاولوا حلّ الموقف، وقد نجحوا بعد ساعةٍ ونصف من بدء المشاجرة! وعاد الجميع إلى أماكنهم، ومنهم صالح الذي عاد ونظرة الانتقام ظاهرة في عينيه!
فيا لها من بداية رحلةٍ مشوّقة!
لكن الحمد لله، اختفى أثر المشكلة بعد توقّفنا عند أوّل استراحة..
^^^
وبعد ساعة، عدنا جميعًا إلى الحافلة بعد سماعنا صافرتها العالية، وقبل إكمالنا المسير انتبهتُ لعدم وجود المرأة العجوز التي اسمها الحجّة سلمى، فطلبت من السائق التوقّف حالًا! لكن سرعان ما صبّ سلّوم غضبه عليها (أثناء صعودها الحافلة)، دون أن يرحم كبر سنّها! وقد لاحظت تبادلهما لنظراتٍ قاسية وغريبة في نفس الوقت!
فرغم أنّها عجوز، إلّا أنّني رأيتها (في بداية الرحلة) وهي تحمل حقيبتها (متوسّطة الحجم) لوحدها، مما يدلّ على قوّتها وهي بهذا العمر!
لكن ما أدهشني تلك النظرات الغريبة بينهما، التي شعرت أنّ وراءها سرًّا خفيًّا (أو هكذا تهيّأ لي)، فأنا أذكر أنّني سمعت العجوز (سابقًا) وهي تطلب من مسؤول السفريّات تغيير الحافلة، ربما بعد رؤيتها لأحد الركّاب، أو بسبب السائق نفسه… من يدري؟! لكن كما توقّعت، سلّوم وراء كلّ مشكلةٍ بهذه الرحلة الطويلة!
^^^
بحلول الظلام، نام معظم الركّاب، وحان دور جمال لاستلام القيادة، ولأنّ الأضواء خافتة لم يرَ سلّوم قدم الرجل المكسورة (لسعيد) الممدودة خارج كرسيّه، مما جعله يقع أرضًا، ليستيقظ الجميع على صرخة سعيد (المتألّم)!
ورغم أنّه خطأ سلّوم، إلّا أنّه انهال بالشتائم على سعيد دون مراعاة مشاعر عائلته، وقد حاولت زوجة سعيد تهدئته بصعوبة وهي تناوله دواء المسكّن لتخفيف ألم قدمه، وقد أثّرت هذه المشاجرة على أولاد سعيد الثلاثة، حيث خيّم على وجوههم الحزن الشديد.
أمّا سلّوم، فيبدو أنّ إرهاقه الشديد لم يسمح له بالتمادي أكثر، فلمّلم أغراضه المبعثرة وهو يشتم الحافلة بمن فيها.
ثم تمدّد على المقاعد الخلفيّة (خلف الشباب) مُخفيًا وجهه تحت اللحاف السميك، وسرعان ما غطّ في نومٍ عميق…
ورغم أنّ شخيره كان عاليًا ومزعجًا، إلّا أنّ الجميع تنفّس الصعداء، وحمدنا ربّنا على أنّنا أخيرًا سننام بهدوء.
نعم، لقد كانت الرحلة بفضل سلّوم مليئة بالمشاكل، مما جعل أحمد (رجلٌ في متوسّط العمر) يتقدّم نحو جمال ليسأله:
- بالله عليك! كيف تعمل مع ذلك الرجل العصبي؟!
فردّ جمال:
- هو لم يصبح هكذا، إلّا بعد حادثةٍ قديمة حصلت له، لكن اطمئن، هذه آخر رحلة له بعد كِبَره بالسن.
أحمد بضيق: يا لحظّنا الجميل، ألم نذهب إلّا معه؟!
جمال: وماذا أقول أنا؟
وأراد أحمد متابعة الحديث معه، لكن جمال نصحه بالنوم قبل استيقاظ سلّوم.
إلّا أنّ أحمد عاد إلى مكانه لتقشير تفّاحة بسكّينه الكبيرة، وبعد أكلها عاد للنوم.
أمّا عن نفسي، فقد أخذ التعب منّي كلّ مأخذ، مما جعلني أعود للنوم، لكن رغم تعبي، إلّا أنّني أحسست (بعد ساعة أو ساعتين) بأنّ الحافلة توقّفت!
فحاولت فتح عينيّ بصعوبة، لألاحظ عدّة أشياء؛ كخيالٍ يمرّ بجانبي ببطء، كما تناهى إلى سمعي لحن اللعبة الإلكترونيّة للولد (المُعاق ذهنيًّا)، وأيضًا سعال المرأة العجوز.
في هذه الأثناء، كان هناك مشهدٌ من الفيلم المعروض بتلفاز الحافلة (المعلّق فوق السائق)، وفيه ولدٌ صغير يقتل رجلًا، وهو يصرخ غاضبًا:
- هذا من أجل والدي!!
لكن التعب لم يجعلني أُكمل الفيلم، كما أنّ البرد الشديد جعلني أرتدي قفّازاتي وأعود للنوم.
^^^
إلّا أنّه لم يمرّ وقتٌ طويل، قبل أن تتعالى صيحات الركّاب الواحد تلوّ الآخر، ثم جاء دوري لأصرخ بعد رؤية سلّوم واقعًا على الأرض، وسكّينٌ كبيرة مغروزة في ظهره!
فتمتمتُ برعب: يا إلهي! قُتل سلّوم… ما هذه الرحلة المشؤومة؟!
^^^
ومع بزوغ الفجر، كان الخوف والحزن يهيمنان على ركّاب الحافلة، أمّا الشاب صالح فكان أشدّنا فزعًا، بعد أن اصفرّ وجهه رعبًا، مما جعلني أقول في نفسي:
((إمّا أن تكون بريئًا، أو أنّك ممثّلٌ بارع ! ))
لكن الارتباك كان واضحًا أيضًا على سعيد وأحمد، أمّا المرأة العجوز فلم يظهر على وجهها سوى بعض الدهشة مما حصل.
وفي هذا الظرف الصعب، كان أسامة أخو ريم (البسيط ذهنيًّا) يلعب بلعبته وهو يضحك، مما جعلنا نحسده ونقول في أنفسنا:
((إنّه في عالمٍ آخر))
وبعد فترة من الصمت القاتل، ركض جمال نحو المقوّد، وسار بنا بسرعة نحو شرطة المدينة (التي كنّا نمرّ بها).
وكان هناك خارج المركز مجموعةٌ من الشرطة، ومن بينهم محقّقٌ جنائيّ يتسامرون ويشربون القهوة، فأوقف جمال الحافلة ونزل يركض إليهم.
وبعد عشر دقائق، دخل علينا رجال الشرطة، وعلى وجوههم علامات عدم التصديق، إلّا أنّهم فوجئوا بالجثّة مغطّاة باللحاف (الذي تحوّل لونه الأبيض إلى الأحمر)، والسكّين ما زالت في ظهر سلّوم!
ثم بدأ التحقيق المزعج؛ فقد سألني المحقّق الكثير من الأسئلة، أجبتُ عليها كما أجاب عليها بقيّة الركّاب، كما أخذوا بصماتنا والبصمات الموجودة على السكّين.
وكنتُ أخبرتُ المحقّق بما رأيته: خيال الشخص الذي مرّ أمامي ليلًا، لكن لم أخبره عن باقي المعلومات لظنّي بأنّها غير مهمّة.
^^^
وبعد ساعة، أمر المحقّق بإنزال الجثّة إلى المركز، لكن منظر الدم جعلني أشعر بالغثيان، فنزلت من الحافلة وابتعدت عنها مسافة، لألمح السائق جمال يتحدّث مع المحقّق! فاختبأتُ خلف شجرة موجودة هناك لسماع حديثهما ..
المحقّق: وأين كنت وقت ارتكاب الجريمة؟
جمال: كما قلت لك، بعد ساعتين من نوم سلّوم شعرتُ أنّ إحدى العجلات تحتاج إلى شدّ براغي، فأوقفت الحافلة على جانب الطريق ونزلت لتفحّصها، وبعد ربع ساعة تقريبًا عدتُ للداخل وجلستُ بمقعدي، وقبل معاودة سيري عدّلت مرآتي الكبيرة، لأنتبه إلى سلّوم واقعًا على الأرض! فتوجّهت نحوه، وكان تمامًا كما وجدتموه، فأنا لم أحرّكه، بل اكتفيتُ بالصراخ الذي أيقظ الجميع، ثم أتيتُ إليكم للإبلاغ عمّا حصل… وهذا كلّ شيء، سيدي.
وبعد سماعي لهذا الحوار، دخلتُ الحافلة من بابها الخلفيّ (كي لا يراني المحقّق)، وعندما دخلت سمعت العجوز تسعل، وهي تقول بعصبيّة:
- لا تفتحوا البابين معًا! فالجوّ بارد!
فاعتذرتُ منها، ثم أغلقته (بالضغط على زرّ موجود أسفل الباب).
ثم اقتربتُ منها لسؤالها:
- هل أنتِ بخير، يا خالة؟
فأجابت بتعب:
- ما إن يُفتح الباب الخلفيّ حتّى أبدأ بالسعال… ليتني اخترت مكانًا بعيدًا عنه… على كلٍّ، أنا بخير، لا تقلقي.
فعدتُ إلى مكاني وأنا أفكّر:
((طالما سمعتُ سعال العجوز ليلًا، فهذا يعني أنّ وقت ارتكاب الجريمة كان بنفس التوقيت الذي خرج به جمال لتفقّد العجلات… لكن لماذا خرج من الباب الخلفيّ (القريب من العجوز)؟ أو ربّما القاتل استغلّ غياب جمال ونوم الجميع لقتل سلّوم… أمعقول أن يكون هو نفسه الخيال الذي مرّ بجانبي ليلًا؟! إذا كان هذا صحيحًا، فالقاتل يجلس أمامي، وليس بالمقاعد التي خلفي! وبذلك أكون حصرتُ المشتبه بهم لثلاثة أشخاص: الرجل المصاب، وأحمد، وصديقه))
وشعرتُ وقتها أنّني اكتشفتُ شيئًا مهمًّا، فخرجتُ (من الباب الأماميّ) لإخبار المحقّق بما استنتجته…
وهذا ما جعل المحقّق يُعيد التحقيق مع هؤلاء الأشخاص، كما طلب نزول العجوز إليه مجدّدًا، فخرجت سلمى (وهي تستند على عكّازها) بعد أن رمقتني بنظرةٍ أحسستُ من ورائها أنّها عرفت بإخباري المحقّق عمّا قالته لي!
آه! نسيت إخباركم ببقيّة الحديث الذي دار بيني وبين العجوز؛ فبعد أن أخبرتني أنّها بخير، استأذنتُ بالجلوس أمامها، ثم سألتها إن كانت تعرف سلّوم سابقًا؟
فتعجّبت من سؤالي، وأجابت:
- ولِمَ هذا السؤال؟!
- لا أدري يا خالة… ربّما بسبب تبادل النظرات القاسية بينكما، أو لأنّي سمعت إلحاحك في بداية الرحلة على تغيير الحافلة!… فما القصّة؟
العجوز: أنتِ ذكيّة… نعم، أعرفه جيّدًا.
فتجمّدتُ في مكاني، وسألتها:
- أتقصدين أنّه يقربك يا خالة؟!
فأشارت لي بخفض صوتي، واقتربت منّي لتقول بصوتٍ منخفض:
- هو طليق ابنتي.
- آه! أنتِ حماتُه… ألهذا رغبتِ بتغيير الحافلة بعد رؤيته؟
العجوز: نعم، لأنّي كنت السبب وراء طلاقه من ابنتي، لهذا عرفت أنّه سيشتمني بأوّل فرصة سانحة له.
- بصراحة، لا ألومك على تطليق ابنتك منه، فهو رجلٌ عصبيّ ذو أخلاقٍ سيّئة!
- عندما تزوّج ابنتي، كان رجلًا خلوقًا.
- سلّوم خلوق؟!
العجوز: نعم، لكنّه تغيّر تمامًا بعد الحادثة.
- ما الذي حصل؟!
- بعد سنتين من زواجهما، وفي إحدى سفرياته، قام سلّوم بتحدّي أصدقائه (سائقي الحافلات) بقدرته على قيادة سفريّة لوحده دون مساعد، وقد حصل ما أراد، رغم معارضة ابنتي للموضوع لأنّ السفريّة طويلة. وبعد خمس عشرة ساعة من القيادة المتواصلة، شعر بالتعب والنعاس، لكن كبرياءه منعه من إيقاف الحافلة للنوم، فأكمل المسير لساعةٍ أخرى، إلى أن غفا لثوانٍ جعلت الحافلة تنحرف وتصطدم بالرصيف، مما أدّى لانقلابها. وقد تسبّب الحادث بموت أربعة من أصل ثلاثين راكبًا، وأصيب الباقون بجروحٍ ورضوض… أمّا هو فكان أشدّهم إصابة، بعد تكسّر أضلاعه وتعطّل سمعه بأذنه اليمنى، وبعض التشوّهات. ولكثرة العمليّات والأدوية والمنشّطات، زاد وزنه، والأسوأ أنّ أخلاقه تغيّرت تمامًا، وأصبح لئيمًا وناقمًا على الجميع… وصار يضرب ابنتي كثيرًا. وظلّت المسكينة صابرة، إلى أن قبلت بنصيحتي أخيرًا وطلبت الطلاق منه. وبعد شهورٍ في المحاكم، وافق مُرغمًا، وتخلّصنا منه ومن شرّه! لكن ها هو القدر يجمعني به مرّةً أخرى! ولو لم أكن مستعجلة، لألغيت الرحلة… لكن ابنتي على وشك الولادة، بعد زواجها من رجلٍ آخر في تلك البلدة (المسافرين إليها).
- قصّةٌ غريبة! على كلٍّ، شكرًا لمشاركتي همومكِ، يا خالة.
ومن ثمّ نقلتُ محادثتها للمحقّق، الذي أمر باستجوابها ثانيةً.
لكن الآن، بعد أن أربكتني نظرة العجوز، جلستُ بالمقعد الخطأ (خلف الصبيّتين)، وبدل عودتي لمقعدي فضّلتُ التنصّت على كلامهما، لأنّي رأيتُ إحداهنّ تتحدّث مع جمال (عندما توقّفنا في إحدى الاستراحات). وكان هذا ما سمعته من حوار الصبيّتين:
- ساميّة، أجيبيني بصراحة… هل تعرفين السائق جمال؟
- نعم… هو صديق أخي.
- وأين تعرّف أخوك على هذا السائق؟
- لم يكن سائقًا، بل أذكى طالب في جامعة أخي، وكان تبقّى لديه سنةٌ واحدة لتخرّجه كمهندس.
- وماذا حصل؟!
- لم يعد والده قادرًا على دفع أقساطه الجامعيّة، بعد إصابته بأزمةٍ قلبيّة أجبرته على ترك العمل. فأبوه كان سائق سفريّات أيضًا، وكان صديق سلّوم، الذي نصحه الأخير بأن يدع جمال يعمل معه، خاصّة بعد الحادث الذي أُصيب فيه سلّوم. فوافق جمال مُكرهًا بعد إلحاح والديه عليه، فهو ابنهما الوحيد… لكنّه أخبر أخي بأنّه سيكمل دراسته عند أوّل فرصة سانحة له، فحلمه الكبير أن يكون مهندسًا. لكن المسكين، إلى الآن، لم يتسنَّ له الوقت للدراسة، فمنذ أن ترك الجامعة وهو يعمل مساعدًا لسلّوم.
- وما الذي حصل في الاستراحة جعله يغضب منكِ هكذا؟!
- ربّما مباركتي له على الترقية أزعجته! لأنّ أخي أخبرني أنّ جمال سيتسلّم قيادة السفريّات عن سلّوم، الذي سيتقاعد بعد هذه السفريّة… وبالفعل، كانت الرحلة الأخيرة له… رحمه الله!
وبعد استماعي لهذا الحوار، قلتُ في نفسي:
((إذًا هذا معنى الحوار الذي سمعته في بداية الرحلة بين سلّوم وجمال !))
ثم دنوتُ أكثر إلى الأمام (خلف مقعدهما) لسماع بقيّة محادثة الصبيّتين:
- ولماذا غضب إذًا؟!
- لأنّ معنى الترقية أنّه سيتكفّل بجميع السفريّات… أيّ سفريّة كلّ ثلاثة أيّام، وهذا يعني أنّه لن يتبقّى له الوقت للدراسة.
- وما الذي تغيّر عليه؟ ذات الشيء…
- الصبيّة الأخرى مقاطعة: لا!! فمساعد السائق لديه سفريّة واحدة كلّ أسبوع.
- ألم تقولي إنّه مساعد سلّوم؟
- ليس في كلّ السفريّات، فهناك شابّان آخران يساعدانه (سلّوم)… والمسكين كان يجمع قسط جامعته لبدء الدراسة مع بداية العام الجديد.
- إذًا فليترك العمل، ما الذي يمنعه؟!
- لا يستطيع… صحيح أنّ والده توفّي، لكن تبقّت أمّه المريضة، كما أنّ أهل خطيبته فرحوا جدًّا بهذه الترقية، لهذا لم يستطع رفضها!
- الحقّ عليه… كان عليه التركيز على التخرّج قبل الخطوبة.
- قلتُ له هذا… لكنّه قال إنّه يحبّها!
(وهنا لم أستطع سماع بقيّة المحادثة، لأنّي شعرتُ أنّ الفتاتين انتبهتا إليّ!)
فعدّلتُ جلستي للوراء، لأتنصّت على حديث الشباب (في الخلف)، ومن بين ما سمعت:
- أخبرنا صدقًا… هل أنت يا صالح من…
فيقاطع صالح صديقه بغضبٍ وخوف:
- لا، صدّقوني! كنتُ نائمًا… ولماذا أقتله أصلًا؟!
صديقه الثاني: لأنّك تشاجرتَ معه.
- هذا من سوء حظّي!
وقبل أن يُكمل كلامه، ناداه الشرطيّ للتحقيق (فأنا أخبرتُ المحقّق بمشاجرتهما مع بداية الرحلة)، فخرج صالح وهو يرمق أصحابه بنظرةٍ حزينةٍ وخائفة!
وبعد خروجه، عدتُ إلى مقعدي.
^^^
ثم مضت ساعةٌ كاملة، خيّم فيها الهدوء المتوتّر على ركّاب الحافلة، ومن بينهم سعيد، الذي كان يتحدّث مع زوجته بخوفٍ وقلقٍ واضحين، قبل قدوم الشرطيّ الذي أعاد صالح للحافلة، مطالبًا بمرافقة سعيد للتحقيق…
فنزل وهو يستند على عكّازه الطبّي.
(ويبدو أنّني الوحيدة التي أخبرتُ المحقّق بجميع المشاجرات التي حصلت بين الركّاب والقتيل سلّوم!)
لكن هناك أمرًا آخر أدهشني… فأحمد خائفٌ أيضًا، لكن لماذا؟!
وقبل أن أفكّر بالسبب… كانت ريم الصغيرة تطلب منّي الاقتراب منها، لتهمس في أذني بأنّ القاتل أمامنا!
فقلتُ لها:
- لم أفهم ما تقصدينه؟!
ريم: ألا تذكرين عندما ضحكتُ على العمّ أحمد، لأنّه يقشّر تفّاحةً صغيرة بسكّينٍ كبيرة؟ أليست هي نفسها السكّين التي قُتل بها السائق؟
فقلتُ بدهشة: يا إلهي!! كم أنتِ ذكيّة! نعم، هي نفس السكّين!
وصرتُ أفكّر:
((ولماذا قتله؟ فلم تحدث أيّ مشادّة بينهما!))
فطلبتُ من ريم النزول معي لإخبار المحقّق بشأن السكّين، لكنّها خافت، فنزلتُ وحدي.
وبعد أن أخبرته، طلب المحقّق من الشرطي إحضار أحمد للتحقيق معه مجدّدًا، بسبب المعلومة الجديدة.
لكن سرعان ما انهار أحمد أمام الجميع، وهو يصرخ بهستيريا أنّه ليس القاتل!!! ويحلف بعدم علمه كيف وصلت سكّينه إلى ظهر سلّوم!
لكن الشرطي أمسك ذراعه (بقسوّة) وأرغمه على النزول.
^^^
بعد مرور عشر ساعات على الحادثة، لم يعد باستطاعتنا تحمّل المزيد، فطلبنا من المحقّق السماح بنزولنا عند أقرب استراحة، بعد أن خارت قوانا من الجوع، لكنّه رفض طلبنا وأمرنا بالهدوء.
وبعد ساعة، قدّموا لنا طبقًا من مرقة الخضار المطبوخة في المخفر، وقد اضطررنا لأكلها، رغم طعمها السيّئ!
وبعد انتهائنا من الطعام، أحسستُ بالملل، فوجدتُ نفسي أجلس بجانب أسامة (البسيط عقليًّا)، (بعد نزول أمّه مع ريم إلى الحمّام الوحيد الموجود في المخفر)، فسألته:
- كيف كان فيلم الأمس، يا أسامة؟
- كان جميلًا!! فالبطل طفلٌ صغير، قتل رجلًا بعد شتم والده.
- أهو بطل يا أسامة؟!
فأجاب بحماس:
- نعم، بطلٌ شجاع!!
(فأحسستُ أنّ وراء كلامه شيئًا مخيفًا)، فعدتُ لسؤاله:
- ليلة الأمس… أقصد وقت عرض الفيلم، هل كان هناك من يمشي في الممرّ بعد توقّف الحافلة؟
- لا أدري… لكنّي صرت أسمع التلفاز بوضوح، بعد توقّف شخير عمّو سلّوم المزعج!
- وهل سمعتَ شيئًا غريبًا قبل توقّف الشخير؟… أرجوك يا أسامة، حاول التذكّر جيّدًا.
- سمعتُ بعض الأصوات الغريبة.
فسألته باهتمام: مثل ماذا؟
- شيء يشبه الأنين!
وصار يقلّد الصوت: (أمممممممّ)،
ثم سكت، وانشغل ثانيةً بلعبته الإلكترونيّة.
فبدأتُ أفكّر:
((سماعه لذلك الصوت يعني أنّ القاتل كان يقتل سلّوم في نفس الوقت الذي كان فيه جمال خارج الحافلة، مما يعني أنّ جمال لم يقتله… إلّا إذا كان يكذب على المحقّق، وأوقف الحافلة لطعنه، وربّما انتبه لاستيقاظ أحد الركّاب، ففتح الباب الخلفيّ للنزول، ثم ادّعى تصليح العجلة! ومع ذلك، لا أرى دافعًا قويًّا لقتله… فهو سيستلم العمل عنه بعد هذه الرحلة، يعني بهذه السفريّة تنتهي علاقته بسلّوم ويرتاح منه… أيُعقل أنّه أراد الانتقام منه، لأنّ سلّوم هو من أقنع والده بالعمل معه، مُضيعًا بذلك مستقبله العلمي؟! الله أعلم! لكنّها تبقى معلومات مهمّة، وعليّ إخبارها للمحقّق))
لكن قبل ابتعادي عن الولد أسامة، فاجأني (وهو ما زال يلعب بلعبته دون النظر إليّ) بقوله:
- عمّو سلّوم رجلٌ شرير، وكان يجب أن يموت!!
فتذكّرتُ الفيلم وسألته:
- لو كنتَ مكان الطفل البطل (الذي كان في الفيلم)، هل كنتَ ستفعل مثله؟
فلم يجبني، لكنّه اكتفى بابتسامةٍ مريبة!
وقبل استفساري عن رأيه، صعدت أخته إلى الحافلة، وأمّها خلفها تقول لي:
- شكرًا يا ابنتي على انتباهكِ عليه، فأبوه وأخوه ما زالا نائمين.
فأجبتها بارتباك: العفو يا خالة!
ثم نزلتُ بسرعة لإخبار المحقّق بالمعلومات الجديدة.
وما هي إلّا لحظات، حتى تفاجأ الجميع بالمحقّق يأخذ الصبيّ (أسامة) للتحقيق!
فقالت أمّه بقلق:
- لكن ابني… أقصد، ألا ترى إنّه…
(فهي لا تريد أن تقول عنه: معاق، خوفًا على مشاعره)
لكن المحقّق أصرّ على أخذه، وبسرعة أيقظت الأم الأب للنزول معهما، والذي نزل وراءهما وهو ما زال مندهشًا من طلب المحقّق الغريب باستجواب ابنه!
^^^
ومرّت نصف ساعة، كنتُ أراقب فيها الأم وابنها الثاني وريم، وهم قلقون جدًّا على أسامة، فأحسستُ بالندم لما فعلت! لكن لا أحد يعرف من الركّاب أنّني أقوم بنقل المعلومات من داخل الحافلة إلى المحقّق… ربّما بسبب فضولي الزائد، أو عشقي للقصص البوليسيّة، أو بالأصحّ لأنّي أريد انتهاء القضيّة بقبضهم على الجاني، لكي نعود جميعًا إلى الوطن بعد أن أتعبنا التحقيق الطويل!
وبعد قليل، عاد الرجل مع ابنه أسامة (الذي احتضنته أمّه بقوّة)،
لكن الغريب أنّ الأب عاد وعلى وجهه علامات التعجّب والقلق!
وبعد انشغال أسامة باللعب مع إخوته، اقترب أبوه من زوجته وهمس في أذنها عمّا قاله أسامة في التحقيق، وعلى الفور اصفرّ وجهها قلقًا!
ورغم محاولتي الإنصات لهما، لكنّهما حرصا على الهمس بصوتٍ منخفض!
((فهل أخبر أسامة المحقّق بنفس الأشياء التي أخبرني بها؟ أم قال شيئًا أخطر جعل والديه مرتبكَين هكذا؟! هل يُعقل لولدٍ في مثل عمره أن… لا!! غير معقول… أصلًا ليست لديه القوّة الجسديّة لفعل ذلك، فما زال صغيرًا… ولو كان هناك احتمال بسيط لذلك، لما أعادوه إلى الحافلة!… يبدو أنّ المحقّق ينتظر ظهور نتيجة البصمات على السكّين، التي أرسلها مع الشرطي إلى المدينة المجاورة… وأظنّ نتيجتها قاربت على الوصول، بعد مرور كلّ هذا الوقت))
^^^
في المساء، حاولت إراحة عقلي من تضارب الأفكار، وكنت على وشك النوم، لكن صوت المحقق (بالميكروفون) أيقظني، وهو يطلب من الجميع العودة إلى مقاعدهم بعد وصول تقرير البصمات.
فجلس الجميع، وهم يراقبون المحقق وهو يفتح الظرف.
ثم قرأ التقرير على عجل، قبل أن يقول بضيق:
- مع الأسف! لا توجد بصمات على السكين، يبدو أن القاتل خطّط جيدًا للجريمة.
وفور قوله ذلك، أُصيب الركّاب بخيبة أمل، فقد كنا نأمل بمعرفة القاتل، للانتهاء من هذه المشكلة.
وفجأة! دخل شرطيّ إلى الحافلة بوجهٍ مصفّر، وهو يتلعثم بالكلام، دون أن نفهم ما يقوله!
فصرخ المحقق في وجهه، لإخباره القصة بوضوح.
لكن القصة أتت بنفسها!
بعد دخول رجلٍ إلينا، بالكاد يستطيع الوقوف… والظلام لم يجعلنا نتبيّن من هو؟… إلا أنه مع تقدّمه خطوةً بخطوة، أظهر الضوء الخافت (في الحافلة) وجهه، فإذا هو سلوم!
صُدم الجميع! وكان بعضنا على وشك الإغماء، فسلوم لم يمت بعد!
ورغم تعجّب المحقق بنجاته بعد فقده الكثير من الدماء، إلا أنه تمالك نفسه، مساعدًا سلوم الجريح على الوقوف.
فنظر إلينا (سلوم) بعينيه الغائرتين، كأنه خرج من المقبرة، قائلًا بصوتٍ مرهق:
- القاتل الجبان!! لم يجرؤ على كشف اللحاف، ويبدو أن سماكة الغطاء خفّفت من قوة الطعنة، لكن الحقير لا يعلم بأنني رأيته… آخ!!! كم الألم شديد!
وقبل سقوطه مغشيًّا عليه، طلب المحقق منه الإشارة إلى قاتله، فوجه إصبعه إلى الأمام، والتفت الجميع نحو الشخص المُشار إليه… فإذا هو أنا!
فوقفت وأنا أضحك بهستيريا، قائلةً له باشمئزاز:
- ألم تمت بعد، أيها العجوز اللعين؟!!
وصُعق المحقق، الذي سألني بدهشة:
- أكان أنتِ؟!
فأجبت بحقدٍ وكره:
- نعم، أنا!! فغرور ذلك اللعين وعناده على قيادة السفرية لوحده، حرمني من أمي وأبي!! لكني حفظت اسمه جيدًا… سلوم عيسى!! وقد حاولت جاهدة العثور عليه طيلة السنوات الماضية، وقبل أن أيأس، جمعني القدر مع قاتل والديّ! وما إن عرّف عن نفسه في بداية الرحلة، حتى بدأت أخطّط للانتقام منه!! وانتظرت المساء لحين نوم الجميع، ولبست قفازيّ… ومن حسن حظي أن جمال نزل من الحافلة، فمشيت بخفّة، كي لا يلاحظ أسامة وجودي (الوحيد المستيقظ)… وأخذت السكين التي نبّهتني عليها ريم من حقيبة أحمد، ومشيت حتى وصلت إلى المقاعد الخلفية… لكن الخوف تملّكني وأصابني الذعر، فلم أكشف اللحاف عنه، وطعنته بكل قوتي… وقد أربكني الموقف، لدرجة فتحي الباب الخلفي للهرب من الرحلة، خاصة بعد دخولنا هذه المدينة… لكني لمحت جمال يعود إلى الحافلة، فأسرعت إلى مقعدي، ونسيت إغلاق الباب من جديد! ثم أزلت قفازاتي وتظاهرت بالنوم… وبعد بدء التحقيقات، سارعت في تشكيك أيها المحقق بكل شخصٍ هنا، كي أبعد التهمة عن نفسي… وكنت على وشك الإفلات من العقاب، لولا ذاك اللعين الذي لديه أرواح العفاريت!
وصرت أضحك بهستيريا بصوتٍ عالٍ… فأمسكني المحقق من يدي غاضبًا، وأنزلني بعنف من الحافلة.
***
وها أنا ذا أكتب قصتي في زنزانتي المقرفة، التي سأمضي فيها عشر سنوات بتهمة الشروع في القتل وتضليل العدالة… وقد كلّفتني أتعاب المحامي الكثير من المال، للحصول على هذا الحكم المُخفَّف… أتمنى أن أستردّ بعضًا من ذاك المبلغ، بعد نشر قصتي هذه!
******
ملاحظة :
أحدهم سرق قصتي هذه ، ونشرها باليوتيوب ، بعد تغيره عنوانها الى (رحلة الإنتقام) ..وهذا هو الفيديو
وكتبت له تعليقاً انني نشرت القصة بكابوس قبل ثلاث سنوات من نشره قصتي باليوتيوب ، لكنه لم يعتذر حتى !
ما احزنني انه سرق اول قصة كتبتها بحياتي !

��good
ردحذفروعه🙂
ردحذف