تأليف : امل شانوحة
المنطقة المُستهدفة
في منطقةٍ أمنيّةٍ مُشدّدة ، سكن فيها معظم المقاومين والقادة .. والتي عُدّت لسنوات مكاناً آمناً ، بسبب التفتيش الدقيق عند مدخل المجمّع..إندلعت الحرب ، لتُصبح اكثر منطقة خطرة بعد إستهداف العدوّ لمنازل المطلوبين فيها !
وفور هروب الحرس المسؤولين عن أمن منطقة الأثرياء ، تكاثر وجود اللصوص الذين يبحثون بين ركام الفلّل عن المال والذهب .. ليتفاجأوا بأن معظم البيوت خلت من الأشياء الثمينة !
وفي خُضمّ المعارك التي استمرّت اكثر من شهرين .. ذاع صيت مواطنٍ مُغترب تنقّل بين الأحياء ، لطمأنة النازحين (المشرّدين من بيوتهم) على بنائه مساكن لهم فور انتهاء الحرب ! مما جعله مُهاباً في المنطقة الأمنيّة التي سكن بها مُؤخّراً ، رغم خوف اتباعه الجدّد من إصابته بصواريخ العدوّ
***
وفي يوم ، إستهدف القصف مبنى سكنيّ من ثلاثة طوابق.. قتلت جميع سكّانه ، ما عدا رجلٍ كان ينام في الشرفة (حسين ، الضابط في الأمن العام) ..
ومن قوّة الصاروخ الفراغيّ ، سقط فوق شجرة بموقف سيارات مبناه .. جعله الناجي الوحيد هناك !
وفي المستشفى .. لاحظ حسين إختفاء عقده الذي يضع فيه خاتم زوجته المتوفاة ، والذي لم يزله من رقبته لسنوات !
فسأل الممرّضين عنه ، حتى رجال الإسعاف الذي نقلوه للطوارئ .. لكن لا احد منهم رأى العقد الذي يصعب وقوعه بالإنفجار ، لقصر طوقه ! وقد ضايقه هذا الموضوع ، اكثر من خسارة شقته ..
وبعد خروجه من المشفى ، إنتقل للعيش عند اقاربه في المبنى المجاور للعمارته المُهدّمة ، والتي تضرّرت بشكلٍ بسيط من الصاروخ المُوجّه بدقّة نحو الهدف !
***
وبعد ايام ، واثناء جلوسه بشرفة منزل قريبه .. لاحظ أمراً لافتاً : وهو رجل التوصيلات يدخل للمبنى المجاور .. وهو يشبه الرجل (مُخفياً وجهه بخوذة دارّجته الناريّة) الذي دخل عمارته قبل الإنفجار بقليل !
فقال حسين في نفسه ، بدهشة :
((يالا قوّة قلبك ! مازلت توصل الطلبات ، رغم نجاتك من الموت بإعجوبة المرّة الفائتة ؟!))
وظلّ يراقبه من الشرفة ، لحين نزول الدليفري وهو يحمل حقيبة ظهره بصعوبة !
حسين : ترى ماذا اعطوه الجيران ، ليمشي بصعوبة كأنه يحمل طوباً ؟!
وهنا شعر برغبة للنزول من المبنى وملاحقة رجل التوصيلات ، لربما يحصل منه على عنوان المطعم الذي مازال يعمل رغم القصف العنيف لهذه المنطقة بالذات !
ولحقه بسيارته ، الى أن دخل الدليفري الى منزل المغترب الشهير ! فظن حسين بأن الثريّ طلب طعاماً ، فهو بالنهاية يسكن وحده
لكنه استغرب من عدم خروج الدليفري لوقتٍ طويل !
حسين : مابه تأخّر هكذا ؟! اريد سؤاله عن رقم المطعم ، لربما أعزم اهل قريبي على استضافتهم لي
***
وبعد قليل ، قرّر حسين الذهاب للسوق..
وبعد ساعتين .. مرّ بجانب منزل الثريّ ، ليجد درّاجة رجل التوصيلات مازالت في الخارج !
حسين : هل الدليفري يعمل حارساً في منزل المغترب ؟! بدأت أشكّ بأمره!
ولأن حسين يعمل ضابطاً ، خطر بباله البحث عن ماضي الثريّ الذي ظهر فجأة ، ليصبح معشوق النازحين الذي وعدهم بإصلاح حالهم فور انتهاء الحرب !
ليكتشف امراً صادماً ..فهذا المغترب تسرّح حديثاً من سجن اوربي بعد اتهامه بعدة سرقات من سطوّ منازل ومحال تجاريّة ، حيث أمضى شبابه مُتنقلاً بين السجون ..وعاد للبلد قبل ايام من بدء المعارك ! وفور سكنه بالمنطقة الآمنة ، زادت حالات قصف منازل القادة ومقاومين..
والشيء المشترك : ان جميع المنازل المُستهدفة ، خلت تماماً من المال والذهب حسب اقوال اللصوص الذين قُبض عليهم هناك !
حينها تذكّر حسين بأن خادمته فتحت الباب لشخص اثناء وجوده بالشرفة ، وبعدها لاحظ دخاناً اصفراً ينتشر في منزله .. وقبل استسلامه للنوم المفاجئ ، سمع طائرةً حربيّة تحلّق فوق المكان ، قبل دقائق من قصفها العمارة !
كما تذكّر محاولته الوقوف مترنّحاً لرؤية الخادمة التي لم تستجب لندائه ، ليلاحظ نور ليزر يتحرّك على شرفته.. كأن أحداً من الشارع يُشير للمبنى ، قبل ثواني من دويّ الإنفجار الكبير !
لهذا قرّر حسين مراقبة الثريّ بصمت دون إخبار مركزه ، كيّ لا يطردوه من العمل .. فالمغترب اكتسب مكانةً كبيرة بين الأهالي ، وبوقتٍ قياسيّ بسبب مساعداته الإنسانيّة لهم !
***
وفي إحدى الليالي ، واثناء مراقبته منزل المغترب .. شاهد خروج الدليفري (بخوذته السوداء) وهو يقود درّاجته باتجاه إحدى الفللّ ..
بعدها شاهده وهو يخرج من الفيلا ، حاملاً حقيبة الظهر الثقيلة .. ليقف بعيداً ، وهو يشير بقلم الليزر نحو المبنى مع اقتراب طائرة العدو المُسيّرة (درون) ..
ولم تمضي دقائق ، حتى قُصفت الفيلا بصاروخٍ من بارجةٍ بحريّة .. حوّلتها لأحجارٍ مُتناثرة !
حينها تأكّدت شكوك حسين من أن الثريّ هو عميل للعدو ! إستغلّ مكانته الزائفة بين الناس للتحرّك بحرّية بأرجاء المنطقة المشدّدة امنيّة ، دون قيام الحرس بتفتيشه او تفتيش منزله كبقية سكّان المنطقة!
وبسرعة أبلغ حسين قادة الحزب بما حصل ، مُرسلاً لهم فيديوهات المراقبة التي سجّلها على جوّاله.. ليسارع حرس الحزب باقتحام منزل الثريّ الذي امتلأ بالذهب والمال والحواسيب والجوّالات المسروقة من المنازل المُستهدفة قبل تفجيرها ! ومنها عقد حسين الذي فيه خاتم زوجته (الذي سرقه منه ، اثناء إغماءته في الشرفة)
***
وبعد التحقيق العنيف معه .. إعترف بأنه لصّ محترف ، عاد لوطنه للإستفادة من الإضطراب الشعبيّ مع تصاعد وتيرة الحرب.. وانه شعر بالأسى على كل المباني التي هُدمت دون سرقتها ، وإهدار الأشياء القيّمة في الشقق المُدمّرة !
لهذا خطر في باله التنكّر كرجل توصيلات .. وعندنا يفتحون الباب ، يرمي قنبلةً دخانيّة ، تخدّر الساكنين بالشقة قبل سرقته للأشياء الثمينة الصغيرة
وبعدها يُشير لطائرة درون بقلمه الليزر على المبنى الذي فيه الرجل المطلوب أمنيّاً ، ليقوموا بتفجيره !
وحاول تبرير فعلته : بأن المستهدفين ميتون بجميع الأحوال ، لكن بفضله ماتوا نياماً دون شعورهم بالخوف او الألم .. وانه باع الكثير من الذهب المسروق لمساعدة النازحين بنيّة الحصول على دعمهم ، للترشّح للإنتخابات القادمة ..
وبسبب جرمه الكبير ، قرّر القائد إعدام العميل الذي تسبّب بمقتل اهم مقاومي الحزب.. لكن حسين كان له رأيٌ آخر : وهو الجزاء من جنس العمل
وقام بربطه بإحدى المنازل المهجورة .. ثم الإتصال بالعدو من جوّال المغترب .. بعدها تنكّر حسين بزيّ الدليفري ، وهو يشير بذات قلم الليزر على المنزل .. ليسارع العدو بإرسال طائرته الحربيّة .. بينما المغترب مُقيّداً بالداخل وهو منهار بالبكاء ، كلما زاد هدير الطائرة منه .. لتتناثر اشلاء الخائن مع شظايا المبنى المُهدّم ، ويصبح عبرة لكن من سوّلت نفسه خيانة الوطن !






