الاثنين، 26 يناير 2026

القدر المحتوم

تأليف : امل شانوحة 

النغمة المقلوبة


كان فتىً مرحاً ، يقضي أيامه الأخيرة في الثانوية محاطاً بزملائه .. هو لم يكن بطلاً بل مجرّد مراهق يحلم بالتخرّج ، الى ان التحق متنمّرٌ بمدرسته .. لم يكترث له ، ولم يتدخل حين رآه يؤذي الطلّاب الضعفاء


لكن الوضع تغيّر ، بعد رؤيته كابوساً مفزعاً : 

((السكين بيده ، ملوّثاً بالدماء .. وبجانبه جثة المتنمّر ، في حمام المدرسة الغارق بالمياه ! ثم دخول الشرطة للقبض عليه بالجرم المشهود ، بينما اهله يبكون على شبابه الضائع))


من يومها صار يتجنّب المتنمّر قدر الإمكان .. وأحياناً يختبئ بحمام الملعب لحين انتهاء فرصة الغداء ، وكأنه يهرب من قدرٍ يطارده ! 

***


الى ان رأى كابوساً ثانياً أشدّ قسوة ، فيه ملخّص حياته : 

((فهو لم يتخرّج من المدرسة ، بعد امضائه 20 عاماً في السجن (بعد قتله المتنمّر) ليقضي بعدها 20 سنة اخرى ، بتنظيف حمامات ملعبٍ رياضي .. لحين طرده من عمله .. والعيش مُشرّداً بضعة شهور ، قبل انتحاره .. ودفنه في قبرٍ دون شاهد ، كونه مجهول الهويّة !))

فاستيقظ وهو يتصبّب عرقاً :

((لا !! لن تكون هذه حياتي))


وسارع لغرفة امه ، مطالباً بإخراجه من تلك المدرسة ، قبل تدمير المتنمّر مستقبله 

فنصحته بالتروي لحين انتقالهم للعاصمة بعد اسبوع .. فقرّر ملازمة المنزل ، رغم محاولة امه اقناعه بضرورة المداومة في سنة تخرّجه الثانويّ !

*** 


لكن بعد عودة والده من سفره ، أجبره على متابعة الدراسة .. وحين اخبره عن كابوسه ، ردّ غاضباً : 

- هل ستستغني عن شهادتك الثانوية ، خوفاً من منامٍ سخيف .. غداً تداوم ، والا عقابك عسير !!

***


فأمضى نهاره في الحديقة العامة .. وكاد ينجو بفعلته ، لولا إبلاغ مدير المدرسة والده بغيابه المتكرّر.. مما أجبره على العودة لخطته القديمة : وهي تجنب المتنمّر قدر الإمكان ، مع الإختباء بالحمام بفرصة الغداء

***


الى ان جاءت عطلة نهاية الإسبوع ، حينما أيقظته اخته لشراء دفترٍ لها من المكتبة

لكنه أصرّ بعدم الخروج من المنزل ، لأن التاريخ يُصادف يوم الجريمة (كما رآه بالمنام) 

^^^


وبعد عودة والديه من الخارج .. سألته امه عن اخته الغير متواجدة بالمنزل ، والتي لا تجيب على جوالها ! 

وأجبره والده بالبحث عنها في المكتبة 

***


في الطريق .. تلقى المراهق مكالمة من المتنمّر يخبره بخطف اخته ، بعد إجباره الحارس على إدخالهما المدرسة بيوم العطلة .. 

وهدّد بإيذائها ، ان ابلغ والده او الشرطة .. فأسرع المراهق الى هناك

***


وما ان وصل ، حتى طلب من الحارس الإتصال بالشرطة .. ثم دخل الملعب ، ليجد انوار الحمام مضاءة .. فتذكّر كابوسه ، وترددّ بالذهاب .. قبل سماعه صرخة اخته التي جعلته يركض اليها


ليجد المتنمّر يرشّها بالخرطوم ، حتى اغرق الحمام بالمياه (تماماً كمنامه)

المراهق صارخاً :

- دعها وشأنها ايها اللعين !! ماذا تريد منها ؟!

فأغلق المتنمّر المياه الباردة ، وهو يقول للمراهق:

- أنا أكره الضعفاء.. وأنت تختبئ هنا ، كفأرٍ مذعور بدلاً من مواجهتي ! لذا قرّرت تحويل الحمّام الحقير إلى حلبة نهايتك.. والآن !! هل ستختبئ خلف دموع أختك أيضاً ؟

المراهق غاضباً : دعها تخرج من المدرسة ، وسأواجهك رجلاً لرجل !!

المتنمر بابتسامةٍ صفراء : 

- أحسنت !! اريدك قوياً هكذا.. (ثم نظر للفتاة المبلولة) .. هيا اغربي عن وجهي

فأمسكها أخوها وهو يهمس لها :

- اركضي بأسرع ما يمكنك الى المنزل ، هل فهمتي ؟

وسارعت الخروج من الحمام ، وهي تبكي خوفاً على مصير اخيها !


المراهق : والآن اصبحنا لوحدنا ، ماذا تريد مني ؟

المتنمر : أتعرف انني بالآونة الأخيرة ، اشاهد كابوساً يتكرّر كل ليلة ، بأنك قاتلي 

المراهق بصدمة : انت ايضاً شاهدت ذات الكابوس !

- هل تظن فعلاً انه بإمكانك قتلي ، وانا حاصل على الحزام الأسود بالكاراتيه ؟ 

ثم وقف المتنمر بوضعيةٍ رياضية ، فسارع المراهق بالقول :

- حسناً انت الفائز !! دعنا نذهب من هنا ، قبل ان نؤذي بعضنا

المتنمر : يبدو خطف اختك لم يغضبك .. اذاً قريباً سأخطف امك .. فكبار السن خبيرات ب..

وقبل ان يكمل جملته ، لكمه المراهق بقوة على فكّه .. تسبب بنزيف في فم المتنمر الذي قال : 

- ممتاز !! هذا ما اريده بالضبط


وصار يضربه بركلات كاراتيه محترفة ، أوقعته ارضاً .. ولم يكتفي بذلك ، بل وضع سكينته الحادة على رقبة المراهق ..وهو يقول بحنق:

- في طفولتي ، ضربني زوج امي كثيراً .. لكن بعد تدرّبي بالنادي ، حلفت ان لا يؤذيني احد.. لهذا سأقلب الكابوس ، وأقتلك اولاً 


وتعاركا الى ان تمكّن المراهق من سحب سلاحه .. مما اربك المتنمر الذي تعثر بخرطوم الماء ، مُنغرزاً السكين بصدره .. بلحظة دخول الشرطة الى الحمام ، ورؤيتهم المراهق يقف مذهولاً بجانب جثة المتنمر !

***


لم يصدّق أحد روايته.. ورسومات كابوسه ، صارت دليلاً ضده .. ولونه الأسمر جعله مذنباً في نظر القضاء.. وحُكم عليه بعشرين عاماً ، تماماً كحلمه !

فالحارس لم يُصرّح بما حصل ، بعد تهديد عائلة المتنمر الذين ارادوا معاقبة المراهق بأقصى العقوبات .. كما رُفضت شهادة اخته ، لصغر سنها!

***


في السجن.. كتب قصته كاملة ، ثم فكّر بالانتحار (قبل تحقّق كابوسه الثاني).. لكن دخول سجينٌ جديد ، أنقذه من حبل الملاءة.. الغريب انه ايضاً شاهد كوابيس مفزعة ، جعلت طباعه سيئة !


وخلال حديثهما ، إكتشفا متابعتهما لنفس المطرب الصاعد ! حيث اعتادا سماع اغانيه اثناء نومهما .. لهذا شكّ المراهق بالمغني الذي نال شهرةً واسعة بين المراهقين


وفي زيارة لأهله .. طلب من اخته سماع أغانيه المفضلة بعناية وتركيز  

***


وبالفعل ! اكتشفت اخته كلمات غريبة ، بعد سماع الأغنية معكوسة: 

((انت فاشل !! انت مجرم !! انت منحرف !! انت قاتل !! انت عبدٌ للشيطان!!))

التي بُثّت ضمن الحان المغني المشبوه .. وهي ما تسببت بكوابيس له ، ولزميله بالزنزانة .. وربما لغيره من المراهقين (ومنهم المتنمر القتيل) 

***


لاحقاً ، أجرى القضاء تحقيقاً شاملاً عن الموضوع .. ومنعت نقابة الفنانين اصدار اغاني جديدة للمغني القوطيّ ! 


ومن جهةٍ اخرى .. تقدّم حارس المدرسة بشهادته ، بعد تأنيب ضميره.. مُخبراً الشرطة باستدراج المتنمر للمراهق ، بعد خطف اخته لداخل المدرسة .. 

وبذلك أُعيدت محاكمته ، للحصول على السجن لسنةٍ واحدة (كدفاعٍ عن النفس) امضاها المراهق بإنهاء ثانويته مع زميله بالزنزانة.. وتخرّجا معاً بنتيجةٍ مشرّفة 


اما المغني فاعتذر عن اغانيه السابقة ، التي تسبّبت بكوابيس للعديد من المراهقين .. ادّت لانحراف بعضهم ، وترك الآخرين لدراستهم .. الا ان بطل قصتنا كان اسوأهم حظاً .. لكنه خرج من السجن وهو مصرّ على النجاح بحياته ، كيّ لا يتحقق كابوسه الثاني ابدا !


هناك 10 تعليقات:

  1. املانو
    قصه رائعه حبكتها حلوه ...

    ريتك لم تخبرينا قط ان حلمك توصلين للالف قصة وبعدها تتفرغين لتحويلها كتب ويوتيوب ..تصدقين صرت اعيش القلق والتوتر كلما اقترب وصولك للالف قصه ...




    ل ا ف ي ك ي ا س ن ي ر ا "

    ردحذف
    الردود
    1. اذا اكرمني الله بأفكار فوق الألف ، سأنشرها ايضاً بالمدونة ..لكن لن تكون كل يومين ، كما هو الوضع الحالي .. ربما مرة بالإسبوع او الشهر .. الله اعلم .. سأحاول ان لا اتوقف عن الكتابة ، الى ما شاء الله ان تصل اعداد قصصي بنهاية عمري
      لافيكا سنيورا ، ابن اليمن

      حذف
    2. إذن.. لابد بعد الانتهاء من الألف قصة
      أن تجعلي قسماً لقصص القراء كموقع كابوس

      حذف
    3. ربما انشر لكتّاب آخرين ، ان اعجبتني فكرتهم .. لكن تخصيص قسماً لذلك في مدونتي ، يحتاج جهداً اضافياً .. وانا حقاً لا املك الوقت لذلك

      حذف
    4. إذن.. الفكرة انك تنشرين قصص القراء والكتاب الآخرين كما فعلتي معي ومع بعض قراء المدونة

      حذف
    5. اذا كان وقتي يسمح لذلك .. وافكار المتابعين جديدة .. لما لا

      حذف
  2. نهاية غير متوقعة
    كنت أتوقع الأسوء لكن كانت النهاية جيدة للمراهق
    تحياتي أستاذة أمل

    ردحذف
  3. قصه رائعه يا كاتبتي المفضله
    ولكن احد التعليقات ذكرت موقع كابوس وقد تذكرت لماذا لا ترجعين تنشرين في موقع كابوس ام هل لديكي اشكالا مع السيد اياد واسفه على تطفلي لكن ارجو الاجابه يا كاتبتي العظيمه لانك دائما تذكرين بفضل السيد اياد عليكي ونادرا ما نجد ان احد الكتاب يحفظون المعروف ودائمه ينكرون الا انتي حفظتي معروفه وهذه من قيم الكتاب الناجحون وحتما سنرى نجاحك قريبا ان شاءالله

    ردحذف
    الردود
    1. لا مشاكل مع الإستاذ اياد .. بالعكس ، هو له فضل كبير عليّ .. لكن ليس لدي الوقت لمتابعة تعليقات متابعين كابوس على قصص جديدة انشرها هناك .. بالكاد اجد الوقت لمدونتي .. شكراً لسؤالك

      حذف

جنة أنتاركتيكا

تأليف : امل شانوحة  لغز الحدود الجليديّة التقطت كاميرات المراقبة (الموجودة على حدود القطب الجنوبي) قارباً صغيراً يقترب من جبالها الجليديّة ا...