الثلاثاء، 20 يناير 2026

خوارزمية المتوحد

تأليف : امل شانوحة 

المعادلة المميّزة


كان جاك (الطفل الإنجليزي ، 8 سنوات) يجلس في زاوية الصالة ، مُحاطاً بمكعباته الملوّنة التي يرتّبها بإتقانٍ يُشبه عالمه الخفيّ .. فالنظام يمنحه الطمأنينة والسكون 


لكن هدوءه لم يدم طويلاً ، بعد زيارةٍ مفاجئة لصديق والده الذي مسح رأسه دون اذنه ! ثم رفع صوت التلفاز ، لمتابعة المباراة مع ابيه ..

وكأن الضجيج لا يكفي ، بل أمره والده باللعب مع ابن صديقه الذي انهال عليه بأسئلته الفضولية ، وهو يطالبه النظر بعينيه !

وعندما اسقط برجه الذي امضى ساعة في بنائه ، أصابته نوبةً عصبية مفاجئة !

وصار يرمي المكعبات على الرجل وابنه ، وعلى التلفاز لإيقاف ضجيجه المزعج   


فغادر الضيف مرتبكاً مع ابنه ، بعد اعتذار الأب المحرج من سوء تصرّفات جاك الذي حمله الى غرفته ، لإجباره على النوم باكراً .. مما زاد من نوبة نحيبه وصراخه الغاضب


خارج الغرفة .. عاتبته زوجته :

- كم مرة أخبرنا الطبيب بإن التوحّد يجعله يرفض التغيير ؟ وصديقك لمسَه دون إذنه ، ورفع صوت التلفاز … وبعثر ابنه لعبة جاك المفضلة التي لا يسمح لأحد بلمسها .. بينما اجبرته انت على التواصل البصري..

فقاطعها زوجها بعصبية:

- لم أعد أحتمل إعاقته المزعجة !!


في الداخل ، أغلق جاك اذنيه وهو يتمّتم بقهر :

- لست معاقاً ، انا فقط مختلف .. لما لا تفهمني يا ابي ؟! 

***


تلك الزيارة أثرت سلباً على جاك الذي ساءت حالته في المدرسة ، بعد ابتعاده عن زملائه ، ورفضه الإجابة على اسئلة معلميه .. كما تجنب الجلوس بالغرفة التي فيها والده ! مما أخاف امه من فقده النطق تماماً .. فلجأت لحلٍ أخير:

لعبةٌ إلكترونية حديثة ، تعمل بالذكاء الاصطناعي.

^^^


ومنذ اليوم الأول ، بدأت طباعه تتحسّن ! 

حيث تنصتّت الأم على باب غرفة جاك ، لتسمعه يسأل اللعبة .. ليس عن الأمور التي تشغل عقول الصغار .. بل عن الكواكب ، والمدارات ، والنجوم البعيدة ! 


فحاولت إقناع زوجها بتميّز ابنهما ، لكنه أصر بأنه نقمة .. ولا فائدة من صرف المال لتعليمه ، طالما لن ينفعهما مستقبلاً 


فاضّطرت لتعليمه في المنزل ، بعد تزايد نوبات غضبه مع المدرّسين والتلامذة الذي يمنع اقترابهم منه او لمسه !

***


وفي أحد الأيام .. وبينما كان الوالدان يتشاجران ، سمعا اللعبة (التي تركها جاك بالصالة) تقول :

- رجاءً اخفضا صوتكما ، فهو يزعج ابنكما النائم

فتنهّد الأب بضيق:

- لم يكن ينقصنا سوى لعبة المعاق

اللعبة : جاك ليس معاقاً ، بل عبقري من نوعٍ خاص

الأب ساخراً : ما هذه الخرافات ! فهو حتى لا يعرف جدول الضرب

فردّت اللعبة : 

- لكنه حلّ أصعب المسائل الرياضية ، التي بعثت بعضها إلى بريدك.. وأنصحك بإرسالها إلى ناسا.

 

في البداية تردّد الأب بتصديق كلام اللعبة ، لكنه فتح بريده .. ليجد حلاً لمسألةٍ رياضيّة معقدة ، بطريقةٍ سهلة وبسيطة !


فاقترب من اللعبة ، وهو يسألها بصوتٍ منخفض:

- أجيبيني بصدق .. من حلّها ، أنتِ أم هو ؟

فأجابت:

- ابنك لديه كرّاسة مليئة بالحلول المميزة ، مكتوبة بخط يده


فدخل غرفة ابنه بحذر ، كيّ لا يوقظه ..

وفتح الدرج .. ليجد كرّاسة مليئة بالقواعد والنظريات ، مكتوبة بخطٍ طفوليّ ! 


صوّرها، وأرسلها إلى دكتوره الجامعي تحت عنوان:

((هل ابني عبقري ؟)) 


وجاءه الرد بعد ساعة:

- أحضره غداً… الأمر عاجل

***


في الجامعة.. خرج الأساتذة مذهولين ! بينما أخبر المدير الوالديّن بإرساله إجابات ابنهما إلى ناسا ، لعبقريته النادرة 


وفي ليلةٍ واحدة ، تحوّل جاك من معاقٍ مزعج إلى عقلٍ استثنائيّ ! 

***


لاحقاً انتقلت العائلة إلى أمريكا ، بعد حصول جاك على لقب أصغر عالمٍ فلكيّ في ناسا .. وهو الموظف الوحيد المسموح له ، بإحضار لعبته الذكية إلى مكتبه .. فهي من آمنت به أولاً ، وكشفت عبقريته حين عجز الجميع عن رؤيتها !


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خوارزمية المتوحد

تأليف : امل شانوحة  المعادلة المميّزة كان جاك (الطفل الإنجليزي ، 8 سنوات) يجلس في زاوية الصالة ، مُحاطاً بمكعباته الملوّنة التي يرتّبها بإتق...