الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

البستاني الصامت

تأليف : محمد بيومي آل غلاب 
تنسيق : امل شانوحة 

أبناء الجذور


انتقل الروائي الشاب (سام) إلى بلدةٍ اسكتلنديةٍ غامضة ، كان اختفى بعض سكانها قبل سنوات في ظروفٍ غامضة ! 

فاستأجر كوخاً صغيراً فوق التلّ ، يواجه قصراً مهجوراً بحديقته المسوّرة بسياجٍ صدئ ، أشبه بمتاهةٍ من الأشجار الشائكة.

***


وفي يومه الأول هناك.. سار سام بجوار سياج القصر ، وهو يُحدِّث نفسه :

- كم أحب الأجواء الكئيبة للمناظر الطبيعية المهملة ، التي تُلهم مخيّلتي الكتابية!


وشرد بأفكاره ، حتى أوشك الاصطدام بعجوزٍ يمرّ من هناك..

سام: عفواً سيدي ! لم أنتبه لوجودك.

العجوز: أأنت الغريب الذي قدم إلى بلدتنا ؟

سام : نعم ، البارحة استأجرت ذلك الكوخ.. (وأشار إلى بيته المواجه للقصر).. فأنا كروائيّ ، تُلهمني الأجواء الغامضة للقصر المهجور على كتابة قصتي الجديدة.

العجوز: أرجو لك التوفيق.. لكن بما أنك أتيتَ على موضوع القصر ، فاسمعني جيداً !! إيّاك أن يدفعك الفضول لدخول حديقة القصر أو عبور سياجه.. وإذا رأيتَ بستانيَّ القصر ، اهرب فوراً دون التحدّث معه.

سام باهتمام : لماذا ؟ ما السر وراء ذلك ؟!


العجوز بتردّد : حسناً ، سأخبرك القصة.. عائلة "ويليوود" سكنت القصر قبل عقود.. فسيدُ القصر هو الدوق "آرثر" وزوجته الدوقة "جوديث" وابنهما اللورد "جون"... وذات يوم.. اكتشف آرثر خيانة زوجته مع عشيقها ، صديق العائلة : الإيرل "سميث".. فجنَّ جنونُه.. وقام بتسميم زوجته وعشيقها الذي دعاه على العشاء.. حتى إنه لم يتردّد بوضع السمّ في صحن ابنه الوحيد ، ظناً بأنه ابنُ عشيق زوجته.. وبعدها انتحر.. وانتشرت الأقوال بأن روحه عادت ككائنٍ أثيريٍّ يجول في حديقة القصر.. فالمرحوم عُرف بعشقه للبستنة.

سام بابتسامةٍ ساخرة : أهذه أسطورة منطقتكم ؟ 

العجوز بجديّة : فعلت واجبي بنصحك ، والقرار يعود لك.


وولّى العجوز ظهره ، مختفياً في الظلام بعد غروب الشمس.. 

فتمّتم سام بامتعاض : ((العجائز يعشقون روايةَ الأساطير والخرافات.. لا يهم ، لن أدع ذلك الخَرِف يُفسِد إلهامي وأفكاري)) 

وعاد إلى كوخه.

***


في تلك الليلة.. فشلت محاولات سام المتكرّرة ، لكتابة مقدمة روايته الجديدة ! وهي المرة الأولى التي يشعر فيها بخمول أفكاره الإبداعية.. فقرّر التنزّه حول القصر المهجور ، طالما الساعة لم تتجاوز العاشرة مساءً..


وما إن اقترب من سور القصر ، حتى ازدحم عقله بالأفكار الاستثنائية.. وكأنه التقط حديث اشخاصٍ يتحاورون فيما بينهم ، عن تجاربهم المرعبة التي عاشوها منذ وقتٍ قصير!

وكان أمام قراريّن : إما العودة لكوخه ، لتدوين تلك الأفكار الغريبة.. أو استكشاف القصر المهجور الذي زاد رعباً مع عتمة المساء !


فأضاء جواله ، وقفز من فوق سوره الصدئ.. ثم مشى بين أشجار حديقته حتى وصل إلى بوّابة القصر الرئيسية التي وجدها مقفلة. 

فالتفّ حول القصر، لعلّه يجد مدخلاً آخر !


وفعلاً بعد وقتٍ قصير.. وجد في أحد جوانب القصر ، باباً خشبياً مهترئاً لمطبخ الخدم.. فدفعه ببطءٍ ، سائراً باتجاه صالة القصر. 

وهناك ، التفت يمنةً ويسرةً.. فلم يجد غير أثاثٍ فخمٍ قديمٍ ، مليءٍ بالأتربة والغبار.. 

بينما وجد في ردهة القصر الرئيسية ، لوحةً جداريةً كبيرة مرسوماً فيها : رجلٌ أربعينيٌّ وسيدةٌ ثلاثينيةٌ ومراهقٌ بعمر الخامسة عشرة.


فتمّتم سام في نفسه :((يبدو أنها عائلة ويليوود المالكة لهذا القصر، السيد آرثر وزوجته جوديث وابنهما جون)).


ووقف أمام اللوحة متأملاً فيها ، وهو شاردُ الذهن لبضع دقائق.. حتى عاد انتباهه بعد سماعه خشخشةَ الفئران في إحدى نواحي القصر.. فخرج إلى حديقة القصر.. 

ليلاحظ عدة أشياءٍ مريبة : خاصة بعد تعثّره فوق نبتةٍ عريضة ! ليشعر بحرارة أوراقها توشك على حرق قميصه ، وكأنها اسيد  

وعندما دنا منها.. سمع أنفاس ورودها المتسارعة ، كأنها غاضبة من تناثر بعضها على الأرض ، بعد سقوطه عليها.. 

وعندما قرّب نور جواله من ساق النبتة المكسور ، رأى شيئاً لزجاً أحمر اللون ينزف منها كالدماء!  


فسارع بقفزه من السور الى خارج القصر.. ليلاحظ شيئاً أشدّ رعباً : بعد بزوغ الفجر ، رغم أنه لم يمضِ بالقصر سوى بضع دقائق.. حتى ساعته توقفت طوال وجوده بالداخل !  

ورغم غرابة ما حصل ! إلا أنه قرّر كتابة تجربته المريبة ، كجزء من روايته الجديدة دون الإستغراق بالتفكير 

***


بعد أيام ، وفي إحدى الليالي المُقمرة.. بينما كان سام يُحدّق من نافذة غرفته المُطلة على حديقة القصر ، لاستلهام بقيّة أحداث روايته.. رأى شخصاً مُنهمكاً بالعمل هناك 

- أوه ! ذاك هو البستاني الذي أخبرني عنه العجوز.. أخيراً وجدتُ من يُلهِب أفكاري ، ويخبرني بحقيقة القصر وما حصل لمالكيه.


ومع ذلك فضّل مراقبة البستاني أولاً ، قبل التجرّؤ على التحدّث معه.. والذي رآه يعمل بجهد دون إنارة جواله أو حتى قنديل قديم ، مكتفياً بضوء القمر الذي يسطع فوق حديقته!


حيث لم يبدُ كرجلٍ عادي ، بل كان طويلاً ونحيلاً بشكلٍ غير طبيعي ! يرتدي بذلةَ عملٍ عتيقةً ، وقبعةَ قشٍّ مهترئةً تُخفي ملامح وجهه.. 

وكان يتحرّك ببطءٍ شديد ، حاملاً مقصّاتِ تقليمٍ ضخمةً وصدئة.. دون إصداره أيَّ صوت ! حتى حفيفَ أوراق الشجر الجافة تحت قدميه ، كان معدوماً.. 

ورغم ذلك ، كانت أغصان الشجر تلاحقه.. فتدنو منه ، كلما انحنى لزراعة شيءٍ أسفل منها.. ثم تلتفت للقمر ، كأنها تناجي ربها بخوف!


عدا عن تصرّفات البستاني التي لا تفسير لها : 

فأحياناً يقف مطوّلاً أمام الشجرة دون فعل شيء ، كأنه يتحدّث معها أو يلومها.. بينما الأشجار ترتعش أمامه ، كضحايا مذعورة! 

وحين يرمش سام عينه.. يجد البستاني انتقل لطرفٍ بعيد من الحديقة ، دون علمه كيف وصل إلى هناك بهذه السرعة!


كل هذا جعله يتردّد بمقابلة البستاني المريب.. لكن فضوله وافتتانه بالأجواء المحيطة ، جعلاه يراقب البستاني كلَّ ليلة وهو يُقلم الأغصان الميتة ويعيد ترتيبها ويجدّلها في أشكالٍ مشوهةٍ تُشبه الأطراف البشرية ! فكل زاويةٍ في الحديقة عبارة عن تمثالٍ حيٍّ من اليأس النباتيّ.


فتساءل سام في نفسه :((ترى هل ما قاله العجوز عن ذلك البستاني صحيحٌ ؟ وما سببُ جعله النباتاتِ والأشجارَ ملتوية بهذا الشكل المرعب ؟ وهل له علاقة باختفاء السكان المفقودين ؟!))

***


وفي إحدى الليالي.. استيقظ سام من نومه بعد سماعه أصواتاً قادمة من حديقة القصر.. وعندما تنصّت جيداً للريح ، سمع أسماءً تُتلى مع نسمات المساء الباردة.. فانتبه على اسمٍ منها ، قرأه سابقاً بإعلانٍ مُعلّق على إحدى دكاكين البلدة ، لشخصٍ مفقود منذ شهور! وقبل استيعابه ما حصل ، سمع اسمه بشكلٍ واضح: 

- تعال يا سام !! نحن بحاجتك يا سام !! أنقذنا يا سام !!

كل هذا جعله يخرج من كوخه باتجاه القصر ، كأنه منومٌ مغناطيسياً!


وعندما استيقظ من غفلته ، وجد نفسه واقفاً أمام لوحة العائلة المُغبرّة.. ورغم عدم حمله الجوال ، إلا أن نور القمر الذي تسلّل من النافذة المفتوحة أضاء اللوحة.. 

لكن هذه المرة تغيّرت ملامح العائلة ! فالزوجة وابنها ينظران برعب لسيد القصر الذي بدا على وشك الانفجار غضباً (كأن اللوحة رُسمت بعد معرفته بخيانة زوجته).


وعندما سمع سام خطوات أقدامٍ تتعثّر فوق الدرج ، سارع الهرب باتجاه الحديقة.. وهناك اشتمّ رائحة التربة (المُسقاة حديثاً) ثقيلة ومعدنيةً ، كرائحة الدم القديم المخلوط بالصدأ.


وعندما وصل للنافورة الرخامية الجافة وسط الحديقة.. تفاجأ بما رآه! 

وكاد قلبه يقف رعباً بعد إدراكه بأن البستاني لا يعتني بالنباتات فحسب ، بل يزرع شيئاً مقزّزاً ، أشبه ببقايا بشرية مُختلطة بالبذور والأعشاب!


وهنا تأكّد بأن البستاني المشبوه هو سبب اختفاء بعض سكان البلدة ، بعد قتلهم وزراعتهم بشكلٍ يُجبر رفاتهم على النمو بطريقةٍ مشوّهة ومرعبة! 

فقال سام بخوف : عليّ الهرب سريعاً ، قبل شعوره بوجودي.. وإلا سيصبح مصيري مثل هؤلاء المساكين 


وحينما استدار للهرب ، وقبل أن يُسلِم ساقيه للريح ، شعر بلمسةٍ باردةٍ على كتفه! فتوقف سام متجمداً ، ملتفتاً للخلف ببطءٍ.. ليرى وجه البستاني تحت قبعته المهترئة. 

فجحظت عيناه من هول ما رآه ! إنه الدوق آرثر بعينين مجوّفتين مليئتين بالتراب والدود ! 

بينما ابتسم البستاني آرثر ابتسامةً مرعبةً ، وفاحت من فمه (الخالي من الأسنان) رائحةُ الموت الأقوى من رائحة التربة الملوّثة بدماء المفقودين!

- نجحتُ بجذبك إليّ يا سام ، فأنا بحاجة لروائيّ يدوّن إنجازاتي.

***


في صباح اليوم التالي.. لاحظ بعضُ سكان البلدة (ممن مرّوا بجانب القصر أثناء ذهابهم إلى أعمالهم) أن شجرةً جديدةً وغريبةَ الشكل ، نمت سريعاً قرب نافورة القصر.. أغصانُها ملتفةٌ حول بعضها ، ككتابٍ مغلق!


وعندما وجد العجوز كوخ الروائي مفتوحاً وأوراقه مُبعثرة ، لا تحوي روايةً بل جداول دقيقة لمواعيد الريّ والزراعة بعد منتصف الليل.. سارع لإخبار رئيس بلدته بعودة اللعنة ، بعد الاختفاء الغامض للكاتب الشاب ! 

***


لاحقاً ، أحاطت السلطات التلّ بأسلاكٍ شائكة ، بعد تطاير أوراق مكتوبة بالدم تحكي طرق موت المفقودين.. ورغم عدم جرأة أحد على الاقتراب من التلّ الملعون.. إلا أن البستاني الصامت عاد أكثر شباباً وحيوية ، لمواصلة عمله كل مساء دون كللٍ أو ملل!


الأحد، 28 ديسمبر 2025

قفص الاتهام

تأليف : امل شانوحة 

ذاكرة القضبان


أنا قفص الاتهام.. الشاهد الوحيد على جرائم القضاء ، والعدالة النادرة. استمعت لآلاف القضايا ، منها ما جعلني أصدأ قبل أواني من قسوتها وحقارتها ! 

ابنٌ يقتل والديّه.. امرأة تُقطّع زوجها.. صديقٌ يخون ثقة شريكه.. وغيرها من القضايا البائسة.


ورغم ثباتي ، إلا أنني ارتجفت مع نبضات قلوبهم المتسارعة أثناء تشبُّث أيديهم المُتعرّقة بقضباني ، كأني الأمل الأخير للحرّية ! 


صحيحٌ أنَّ معظم من احتُجز داخلي كان مذنباً ، لكن بعضهم لم يهبِ الحكم النهائي ! فهو لم يكتفِ بإرشاء المحامي ، بل تجرّأ على إفساد السلك القضائيّ الذي رضخ لضغط عصابةٍ أو تهديداتٍ سياسية ، لحصول الجاني على حكمٍ مُخفّف لا يناسب حجم جريمته ! 


حتى بات بعض المجرمين يعرفني ، لدرجة ابتسامهم المُستفزّ فور احتجازهم داخلي! بعد اعتيادهم على المعتقلات أكثر من حياتهم الطبيعية ، كأنهم شياطين متجسّدون بجسمٍ بشريّ.


لكن لكل قاعدة شواذُّ ، خاصة بزمنٍ يُجرّم فيه الأبطال الشجعان.. حيث شهدت على محاكماتٍ جائرة ضدّ صحفيين ، حاولوا إيصال وجع الشعب للحاكم.. وغيرهم من الثوّار الذين فشلت مظاهراتهم لتخفيف قمع السياسيين الفاسدين.. وبعضهم حُكم بالإعدام لمحاربته فساد الدين ، بتهمة إرهابيٍ خطير!


وخلال سنوات عملي : قابلت الكبير المُسن وهو يرتجف داخلي كورقة خريف.. وبعضهم كانوا صغاراً ، لم يفهموا ما قيل بالمرافعات.. والذين من شدّة رعبهم لوّثوا أرضيتي خلال مراقبتهم أهاليهم بالقاعة ، وألسنة أمهاتهم تلهج بالدعاء.. بينما آباؤهم يصطنعون القوة ، لفخرهم بأولادهم الذين نطقوا الحق بزمن الظلم والاستبداد! 


ورغم كوني حديداً ، لكني شعرت بالظلم يخترقني بعد إعلان القاضي حكمه الأخير بالإعدام على بعض الأبرياء الذين ضجّت القاعة بتكبيراتهم ، فرحاً بلقاء ربهم القريب ! 


وفي المقابل قابلت محامين أصرّوا على الاستئناف والتمييز ، للحصول على أقل العقوبات لموكليهم.. كما استمعت للمراوغين منهم ، الذين حفظوا خبايا القانون وعثراته ، فاخترقوه غير آبهين بهزيمتهم للعدالة !


لكن لا أنسى فخري بقضاةٍ نبلاء قرّروا تطبيق العدالة ، رغم الخطر الذي ينتظرهم عند بوّابة المحكمة ! 


أنا قفص الاتهام الغير مذكور بنصوص القانون وجلسات المرافعة ، كنت وسأبقى الشاهد الوحيد على عدل وظلم الحياة ، دون تمكّن أحد من لجم لساني الذي سيروي الحقيقة التي عجز البشر عن قولها ، ولوّ كان ثمنها قطع أنفاسهم الأخيرة !


الجمعة، 26 ديسمبر 2025

العشق المؤجل

 تأليف : امل شانوحة

 

الصدفة الرومنسيّة


- هل ستقابلينه اليوم ؟

سألتها صديقتها ، اثناء تصفيف شعرها بارتباك امام المرآة : 

- نعم ، سنتغدى في المطعم 

ثم ابتسمت بخجل ، وأردفت قائلة : 

- رغم تحدّثنا بالإنترنت لثلاثة أشهر ، الا انني أشعر كأني أعرفه منذ مدةٍ طويلة ! رجلٌ متفهّم وحنون ، ولديّ رغبة لرؤيته..

صديقتها : ألم يرسل صورته طوال تلك المدة ؟!

- وهو ايضاً لم يراني ، ولا يعرف اسمي الحقيقيّ .. فنحن اتفقنا على التعرّف على طبائعنا اولاً 

- وماذا لوّ لم يعجبك شكله ؟

- لا يهم ، فأنا مُعجبة بعقله وقلبه..

فحاولت صديقتها تنبيهها : 

- كوني حذرة يا جيمري ، فأنت تعرفين عاداتنا التركية.. المُطلّقة لا يرحمها المجتمع إن فشلت ثانية

- وهو مطلقٌ أيضاً.. ولا تسأليني عن التفاصيل ، لأني تأخّرت على الموعد .. إدعي لي بالتوفيق ..

***


وكانا اتفقا على علامةٍ بسيطة : هو سيضع باقة ورود بيضاء على الطاولة ، وهي سترتدي قبعة صوفيّة حمراء.


وفور دخولها المطعم ، لمحته من بعيد ! فتسارعت أنفاسها ، وأوشكت على المغادرة .. لولا وقوفه ، والدهشة واضحة في عينيه !

فاقتربت منه غاضبة : 

- أهذه مزحة ؟!! هل كنت تتلاعب بمشاعري ثانيةً ، يا جوك ؟!!

فقال مصدوماً : 

- انا ايضاً لا اصدّق ما حصل ! فبالكاد تجاوزت الماضي .. ولهذا اشتركت بموقع التعارف ، بإسمٍ آخر.. ولوّ علمت بمصاحبة طليقتي ، لما قابلتك هنا 


وهنا اقترب النادل منهما : 

- من فضلكما ، إخفضا صوتكما لأجل الزبائن 


مما أجبرها على الجلوس ، لإنهاء الموقف الغريب : 

- مرّت خمس سنوات على طلاقنا ، فلما تعيد كابوسنا من جديد ؟!

فقال بنبرةٍ حزينة :

- لم يكن كابوساً بالنسبة لي ! بل أجمل سنتيّن في حياتي ، لولا تدخل أهلك.

فردّت بتهكّم :

- اهلي هم المشكلة اذاً ، وليس تعلّقك المرضي بوالديّك ؟

فتنهّد بقهر :

- ترحمي عليهما ، يا جيمري .. فقد رحلا  

فقالت بصدمة :

- آسفة يا جوك ! لوّ علمت ، لحضرت العزاء.. فهما بمقام والدايّ اللذيّن انفصلا منذ عامٍ تقريباً 

جوك بصدمة : هل تطلّقا فعلاً ؟!

فتنهّدت بقهر : أبي خان أمي مع السكرتيرة التي تزوّجها في الغربة .. وامي عادت للقرية ، للعيش مع جدتي .. اما انا ! فبقيت وحدي هنا ، لمتابعة عملي في الشركة 

- اذاً كلانا اشترك بموقع الزواج ، لشعورنا بالوحدة 

فأومأت بصمت..


جوك : غريبٌ أمرنا .. وكأن القدر خطّط للقائنا دون علمنا ! 

فابتسمت بحزن :

- ربما لهذا انجذبت اليك بسهولة ، وكأني اعرفك من قبل ! 

جوك : يبدو ان الفراق أجبرنا على النضج سريعاً 

جيمري : أتدري يا جوك .. حين طلبت الإنفصال ، لم ادرك قساوة المجتمع مع المطلّقة !

- وانا وجدتُ صعوبة بالعودة لحياة العزوبيّة ، بعد ان كنتُ مسؤولاً عن زوجة وبيتٍ وأهل ! .. (ثم تنهد بحزن) .. مازلت اذكر تفاصيل شهر عسلنا الجميل

جيمري بقهر : كم اشتاق لتلك الأيام البريئة

جوك : وانا لم أنسها يوماً


ثم فاجأها بمسك اصابعها :

- مازالت يدكِ باردة ، كأيام الخطوبة

- انا لا اشعر بالدفء الا معك 


فسكتا لبعض الوقت ، وهما يتأمّلان عينيهما التي امتلأت بدموع الشوق .. قبل ان يتجرّأ بالقول : 

- طالما طباعنا متشابهة ، وتفكيرنا متقارب .. ونستطيع احتواء بعضنا .. والشي الذي كان يعيقنا ، ازاله الله من دربنا.. فلما البعد بيننا ؟ 

جيمري بخجل : اساساً لم ارتح لرجلٍ غيرك

جوك : وانا طوال فترة إنفصالنا ، لم ارغب التقرّب من فتاةٍ اخرى ! رغم الحاح والدايّ بالإرتباط والإنجاب

- رحمهما لله

- سلمتِ حبيبتي

بصدمة : هل قلت...

مقاطعاً بابتسامةٍ حنونة : نعم ، فأنت مازلتي حبي الأول والأخير.. وربما القدر أجبرنا على التحدّث معاً ، دون معرفة هويّتنا .. لكيّ ندرك مدى تشابه أفكارنا وأحلامنا ، كأننا روحاً واحدة


ثم نظر الى ساعته :

- على فكرة ، سينتهي دوام موظفي الأحوال المدنية بعد ساعة 

جيمري بقلق : وغداً تبدأ الأعياد ، وتُغلق الدوائر الرسميّة طوال الأسبوع القادم

فوقف جوك وهو يقول :

- لن انتظر اسبوعاً .. هل هويّتك معك ؟

فأومأت برأسها ايجاباً ، وقد رُسمت على وجهها ابتسامة الرضا

***


في تلك الليلة ، أجرت جيمري إتصاليّن: (واحدة لوالدها في الغربة ، والآخر لوالدتها في القرية) 

وللمرة الأولى ، لم يعترضا ! بل العكس ، إعتذرا من زوجها على تدخلهما السابق الذي أفسد علاقتهما .. وتمنّيا لهما حياةً سعيدة 

***


واليوم كبرت عائلتهما مع أولادهما الثلاثة.. 

فالحب الحقيقي وإن تعثّر لبعض الوقت ، لكنه لا يموت أبدا.. بل يعود حين يشاء القدر ، في التوقيت الإلهي الصحيح ! 


الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

مدينة بلا عواطف

تأليف : امل شانوحة 

المشاعر المُحرّمة


إنحرفت سيارته عن الطريق العام إثر غفوةٍ خاطفة ، أوصلته الى قريةٍ صحراوية بعد نفاذ وقوده .. فنزل مُتذمّراً ، للسؤال عن محطّة بنزين.. 


ووصل للسوق .. ليرى عجائز يصرخون عالياً ، كأنهم يُفرّغون همومهم بالهواء ، دون أن يلتفت أحدٌ لهم ! 

واطفالٌ يلهون بقسوة وهم يقذفون قطةً مذعورة ، بينما أصحاب الدكاكين يراقبونهم بلا اعتراض ! 

وشابٌ بلحيةٍ طويلة وملابس مُهملة يغني قصيدةً حزينة ، دون اهتمام احد بمصابه ! حتى من يأكل في المطعم شارد بفكره ، دون ردّه السلام على الغريب الذي دخل قريتهم ! 

وقد بدت قريةً كئيبة .. كأن هناك قانوناً خفيّاً يُجرّم المشاعر بينهم ، ويجعله عاراً ! 


الى ان وجد فتاةً صغيرة تقفز الحبل ، وهي تشعر بالمللّ من لعبها بمفردها!

فسألها المسافر :

- مرحباً ايتها الصغيرة .. هل تدلّيني على محطّة البنزين في مدينتكم ؟

فأجابت بتهكّم : ليس لدينا سيارت ، فلما المحطّة !

المسافر باهتمام : وكيف تتنقلون بين المناطق ؟

- نحن لا نبتعد كثيراً عن هنا .. وان اردنا التنقّل ، فبواسطة الأحصنة والحمير

- الا يوجد كهرباء لديكم ؟

- مازلنا نستخدم القناديل والحطب والفحم

المسافر بدهشة : تبدون من القرن الماضي ، لما لا تنتقلون لمكانٍ أفضل؟! 

- معظمنا فقراء ، كما تلاحظ من اكواخنا المتهالكة .. فرجالنا غائبون في المنجم ..(وأشارت لجبلٍ ، خلف مدينتهم الخشبيّة).. بينما تغرق نساؤنا في أحواض الغسيل ودخان المطابخ

- الا توجد مدارس لديكم ؟

- رئيس بلديّتنا تطوّع لتدريسنا القراءة والكتابة ، مرة في الإسبوع .. فهو المتعلّم الوحيد بيننا .. اما كبارنا ، فيرفضون التعلّم .. فحسب رأيهم : سيموتون هنا ، كما حصل مع اجدادهم الجهلاء !


المسافر : اذاً إخبريني عن عجائزكم ، لما يتحدثون بصوتٍ عالي ؟

- رغبةً بأن يسمعهم احد.. فقانونا يمنع التدخل بشؤون الآخرين.. لهذا يرفعون اصواتهم كيّ لا تنفجر صدورهم بهمومهم المكبوتة ، هذا ما قالته امي !

- وماذا بشأن الشاب الذي يلقي القصيدة باكياً ؟

الفتاة : كان شاعرنا ، وموهوب القرية .. عشق فتاةً ، هربت بإحدى الليالي بشاحنة نقل ! ولا نعرف مصيرها حتى اليوم .. البعض يقول ان سائق الشاحنة قتلها ودفنها بالصحراء .. بينما يؤكّد شخص على رؤيتها ترقص بحانة في المدينة ! بكلا الاحوال ، فقد العاشق عقله بعد خسارتها.. (ثم أخفضت صوتها) .. بصراحة لا الومها على الهرب ، لأني مثلها أتوق للحرية.. وأفكّر عندما اكبر ، بالإنتقال للعاصمة .. فالحياة هنا مملّة للغاية ، بعد تحريم العواطف ! فالكبير يتعامل بقسوة مع الصغير الذي يتمرّد بعصيان اوامر البالغين .. وكل هذا يحصل بلا شكوى او لوم ! فقد اعتدنا الأكل والنوم بصمت .. فلا رومنسية بين الأزواج ، ولا تعاطف مع الصغار .. كأننا خلقنا دون مشاعر ! فجنائزنا دون دموع ، وأعراسنا صامتة.. بسبب قانوننا الصارم بعقاب من يضحك بصوتٍ عالي او يبتسم بغباء !  


الرجل باستغراب : ماهذا القانون الجائر ؟! .. ماذا عنك ؟ هل لديك صديقات بمثل عمرك ؟ 

- بالتأكيد يوجد فتيات من جيلي .. لكن عندما نجتمع ، تنشغل كل واحدة بدميتها الصوفية دون التحدث مع الأخرى ! اما الأولاد فلا توجد مباريات كرة قدمٍ بينهم ، بل يتنافسون على اذيّة المارّة برميّ الحجارة او ضرب الحيوانات ! .. (ثم تنهدت بضيق) .. نحن حقاً نعيش في الجحيم.. والأفضل خروجك سريعاً من هنا ، قبل فقد شعورك الإنسانيّ

^^^


لم يكن المسافر الغريب رجلاً عادياً ، بل طبيباً نفسيّاً بارعاً .. والقدر اوصله اليهم ، لتصبح مشكلتهم مادةً دسمة لكتابه الجديد .. لهذا قرّر امضاء الصيف معهم ، بعد استئجاره كوخاً صغيراً .. حوّل إحدى غرفه لعيادة ، لعلاج نفسيّتهم المتدهورة

لكن الأكثرية رفضوا إطلاع غريب على أسرارٍ لم يشاركوها مع ازواجهم وأهاليهم!


بينما وافقت ام الشاعر المجنون على جعل ابنها اول مرضاه.. والتي كشفت للطبيب سرّ قريتها : 

- قبل سبعين عاماً ، قُتل ابن رئيس بلديتنا السابق في انفجارٍ بالمنجم .. ومن شدة ألمه على فقدان ابنه الوحيد ، أصدر قراراً بمنع مظاهر الفرح العلنيّ.. ومع الوقت صار وجعنا عادة ، وصمتنا قانوناً جبريّاً ! .. المهم الآن هو علاجك لأبني ، العاشق الحزين

فوعدها الطبيب بذلك 

^^^


وبعد ذهابها ، وافق ابنها على الإستلقاء على الأريكة .. وما ان طلب منه الطبيب وصف حبيبته ؟ 

حتى انهار الشاب باكياً .. مُخرجاً من جيبه : صورة قديمة لطفليّن سعيديّن ، واصفاً الفتاة بحبه الأول والأخير  

الطبيب : اذاً لما هربت ، طالما تحبها هكذا ؟ 

- هي لم تعلم مشاعري نحوها .. فالبوح عندنا ، يكسر هيبة الرجولة .. (ثم تنهّد بقهر) .. ليتني أعرف مصيرها.. حتى لو ماتت ، اريد عنوان قبرها لزيارته على الدوام 


فوعده الطبيب بالبحث عنها بعد عودته للمدينة ، بنهاية العطلة الصيفية .. لكن بشرط !! تحسين مظهره ، في حال وافقت الإرتباط به 


فسارع الشاب الى منزله ، وهو مُتحمّس لتغير هيئته .. مما صدم امه ، التي نقلت خبر تحسّنه لبقية النسوة ! 

^^^


وسرعان ما انتشر خبر شفاء المجنون بين اهالي القرية الذين انبهروا من قدرات الطبيب العلاجية !

وبدأ الناس يتوافدون لعيادته : العجائز بفضّفضتهم عن مشاكلهم الصحيّة.. والنساء بدموعهن المكبوتة من جفاء ازواجهن.. والرجال بتذكّر مصاعب العمل بالمنجم الذي تسبّب بوفاة بعض اصدقائهم .. والأطفال بألعابهم القاسية ، للفت انتباه آبائهم الذين تجاهلوا تربيتهم وتقويم سلوكهم ! 

شيئاً فشيئاً ، انكسر جدار الصمت .. وبدأت القرية تستعيد شعورها الإنسانيّ.  

***


ثم أقام الطبيب بالتعاون مع رئيس البلدية (الجديد) حفلة للعزّاب ، أحيوه بالأغاني والرقص لأول مرة منذ سنواتٍ طويلة 

لينتهي الحفل بإعلان خطوبة بعضهم ، وسط فرحة الأهالي بهذه المناسبة السعيدة


بنهاية الصيف .. تجمّع الأهالي لتوديع الطبيب الذي وعد شاعر (المجنون سابقاً) بإيجاد حبيبته الضائعة  

***


بعد اسبوعين ، وجد الفتاة الهاربة تعمل نادلة في إحدى المطاعم .. 

فأخبرها عن عاشقها الذي فقد صوابه ، بعد رحيلها المفاجئ عن القرية .. فردّت باستغراب : 

- هو لم يجرؤ يوماً على محادثتي او التقرّب مني ، لهذا تجاهلته !

فسألها الطبيب عما حصل يوم هروبها ؟ 

فأخبرته بأن سائق الشاحنة حاول استغلالها ، كونها مراهقة جميلة .. لكنها استطاعت إجباره بتوصيلها للمحطة .. وهناك ارسلها العامل الى هذا المطعم ، الذي تعمل فيه منذ ثلاث سنوات 

الطبيب : وهل ستبقين هنا ، بينما حبيبك ينتظرك بشوق في القرية ؟

- كنت اعشق اشعاره ، فهو احد شبابنا الموهوبين .. وأشعر بالحزن لما حصل له بسببي 

الطبيب : اذاً ماهو قرارك بشأنه ؟ 

ففكّرت قليلاً ، قبل ان تقول : 

- اوافق الإرتباط به ، في حال قدم الى هنا .. فأنا لن اعود لتلك القرية التي تُحرّم المشاعر الإنسانيّة !  

***


وبالفعل اتصل الطبيب بالشاعر ، وأخبره بقرار حييبته .. فلم يتردّد بالموافقة


وعاد إليها ، هذه المرة بلا خوفٍ او قيود.. وعانق حبيبته أمام الملأ ، وهو يعلن خطبته لها .. 

وبسبب حبه لعروسته ، إشتعلت قصائده من جديد .. التي غنتها بصوتها العذب.. وسرعان ما اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي ، ليتحوّلا لأيقونتيّن للفن الريفيّ 


ورغم الشهرة والمال ، لم ينسيا قريتهما التي أوصلاها بالكهرباء والإنترنت ، ورصّفا طرقها الرملية .. لتزدهر لاحقاً بالزوّار والسوّاح ، الذين قدموا لزيارة مسقط رأس الفناّنين الصاعديّن 

^^^


وهكذا تحوّلت القرية المنسيّة الى وجهةٍ سياحيّة ، بفضل طبيبٍ تائه ساقه القدر لتحرير مجتمعٍ من سجن العواطف المكبوتة ! 


الاثنين، 22 ديسمبر 2025

الأميرة المُهمّشة

تأليف : امل شانوحة 

الظلّ الملكي


بعد بلوغي سن السبعين ، تجرّأت أخيراً على كتابة مذكّراتي :

((انا صوفيا ، ملكة اسبانيا .. الطفلة التي لم ترغب عائلتها في إنجابها ! 

فأبنتهما البكر (ليونور) تملك كل المواصفات المطلوبة ، لتصبح الملكة القادمة 

أما أنا ، فكنت النسخة الإحتياطية التي لا يُفترض استعمالها !


فهم أخبروني أن الدستور يفرض التفرقة..

لكني كطفلة ، لم أفهم قانوناً يمنع والدان من احتواء طفلتهما الثانية التي أجبروها على الوقوف طويلاً أمام عدسات المصوّرين ، بظهرٍ مستقيم وابتسامةٍ جامدة دون حركةٍ زائدة أو كلمةٍ عفوية.. بعد وصف أمي لضحكاتي الطبيعية بـأفعالٍ شائنة ، وعلّمتني الصمت وعدم الجدال باكراًً ! 


فأنا لا اذكر قبلةً دافئة من والدايّ ، بعكس اختي التي لا تفارق حضنهما ! حتى اللعب معها كان ممنوعاً.. فدخول غرفة اختي يحتاج اذناً مسبقاً ، كأني غريبة عن قصرهم 


رغم انني لم أحسد ليونور على تسلّط الأضواء عليها ، بعد تحمّلها فوق طاقتها ..وإلزامها بمسؤولياتٍ ضخمة ، وحفظها لبروتوكولاتٍ مُعقّدة ! 

في المقابل لم يكترثوا بتعليمي سوى سلوك النبلاء ، دون الطموح بالملك يوماً  


لهذا قضيت معظم وقتي مع مربيتي الحنونة التي رأتها امي يوماً تحتضنني بغرفتي ، فطردتها على الفور ! غير آبهة ببكائي وتوسّلاتي لإعادتها للقصر .. وبذلك خسرت الحضن الوحيد الذي اكترث بأمري !


اما موضوع المناسبات الوطنية .. فقد اعتدّت الوقوف خلفهم ، كالمنبوذة.. لأعاني من تجاهلهم بصمت ، كشمعةٍ تذوب في وضح النهار .. حتى انهم اجبروني على حضور مناسبات تخصّ اختي ، رغم مرضي وارتجافي من الحمّى .. واكيد لن يحدث هذا ، لوّ حصل العكس !


وبسن المراهقة .. طالت قامتي أكثر من اختي ، فمنعوني من الكعب العالي .. ولبس الفساتين الزاهية ، حتى لا الفت الأنظار اليّ .. ورفضوا قصّ او تصفيف شعري بموديلاتٍ جذّابة ، مع إجباري على إسداله كفتاةٍ مُهملة .. فأنا مُلزمة بالبقاء ظلّاً لأختي ، ملكة البلاد المستقبليّة ! 


وحين كسرتُ قدمي ، لم يمدّ والدايّ أيديهما لمساعدتي.

فعلتها ليونور بدلاً عنهما.

ففرح قلبي… قبل أن تُطفئه كلماتها الباردة : 

- لن أبدو متعالية أمام الصحافة 

حينها فهمت أن الشفقة في عائلتنا ، أمراً محسوباً !


فهل خاب املي ؟ بالحقيقة لم يعد شيء يفاجأني من جفاء عائلتي .. لدرجة انني تخيّلت نفسي : كلقيطة على باب قصرهم في ليلةٍ مظلمةٍ وباردة.. لهذا عليّ الإمتنان لضمّي الى عائلتهم الملكيّة ، دون المطالبة باهتمامهم ومحبتهم او مقارنتي بإبنتهم الحقيقية ! 

هكذا اوهمت نفسي ، مُتجاهلةً صور حمل امي بي ! كيّ أحمي قلبي من قسوتهم الغير مبرّرة 


وذات مساء ، سمعتهم يتحدثون عن جولةٍ أوروبية.. لكنهم مُتردّدين في اصطحابي ، لجهلي بالبروتوكولات.

وصادف تلك الليلة ، قراءتي إعلاناً عن مخيّمٍ لتعلّم الفروسية والإنضباط العسكري لأبناء الطبقة المخملية..


فدخلتُ الصالة بحماسٍ مُصطنع .. فتنفّسوا الصعداء ، لأنه الحل الأمثل لتخلّص مني صيفاً كاملاً..


وكم بكيتُ في ليلتي الأولى بالمعسكر... لأني كنت آمل رفضهم اقتراحي ، للبقاء معهم .. لكنهم ارتاحوا من همي !


لأعلم لاحقاً بأن ذلك المخيّم كان اجمل شيءٍ حصل بحياتي ، ففيه التقيت بزوجي المرحوم ..

وكان شاباً يافعاً من طبقة الأمراء.. عانى مثلي من الإهمال ، لأنه الإبن الأوسط لعائلته .. لهذا لم يكن صعباً التفاهم بيننا ، فلدينا الجروح ذاتها ! 


في البداية خفتُ من لطفه ، ظناً ببحثه عن الأضواء

لكنه طلب زواجاً بعيداً عن الإعلام .. على الشاطئ ، بحضور كاهنٍ والأصدقاء المقرّبين فقط ! فأحببتُ الفكرة.


تزوّجنا سرّاً ، لكن الخبر تسرّب لعائلاتنا .. فهدّدوا بحرماننا من ألقابنا والصلاحيّات الملكيّة ، لكننا لم نكترث .. وانتقلنا إلى بيتٍ صغيرٍ في الريف.. حيث عمل زوجي بالتجارة ، بينما اعتنيتُ بمنزلي رغم حملي .. 


وأنجبتُ ابني على يد قابلةٍ قروية. .واستدعيتُ مربيتي القديمة التي اعادت الدفء الى عائلتي.. وحرصنا جميعاً بعدم إظهار الطفل للعلن 


لكن ببلوغ شهره الثالث ، صوّرني احد الصحفيين وانا احمله في حديقة منزلي بطائرة درون ! 

مما احدث ضجةً اعلامية .. أجبرت والدايّ على دعوتنا للقصر ، لأخذ صورةً عائلية .. 


وهناك رأيتُ الشوق في عيني أبي وهو يحمل حفيده. .لكن أمي اعادت الطفل لي ، فور انتهاء التصوير ! 

بينما همست ليونور بحقد :

- ما كان عليك ان تسبقيني بالزواج والإنجاب 

فحاولت امي تهدئة غيظها : 

- لا تقلقي يا ليونور ، عرسك سيُخلّد بالتاريخ … ليس كعرس اختك السوقي ! 


فعدتُ إلى بيتي مكسورة ، واحتواني زوجي الحنون الذي وعدني بعدم التفرقة بين ابنائنا ، مهما كان عددهم 


بعد عام ، أنجبت طفلتي .. لكن هذه المرة حرصت عائلتي بعدم إشغال الإعلام بي ، بعد مسارعتهم بتزويج اختي من اميرٍ وسيم لا تطيقه ! 

لهذا بالكاد ابتسمت بعرسها الذي لم أُعزم عليه ، مُتحججين امام الصحافة : بمضاعفاتٍ مؤلمة بعد ولادتي ! 

وهو شيء لم يحصل .. لكني التزمت بيتي ، كيّ لا اظهر كذبهم للعلن


وبعد زواج اختي الضخم .. ودّع والدايّ العريسيّن في المطار ، للذهاب بشهر عسلٍ فاخر حول اوروبا.. 

لكن شاء القدر ان يحدث خللاً بطائرتهما الخاصة ، أدّت لوفاة اختي مع عريسها !

وجاء الخبر صادماً على الجميع .. حتى عليّ ! فهي بالنهاية اختي الوحيدة.. 


وبكيت امام تابوتها ، لحرماني التقرّب منها طيلة حياتي ! كما شعرت بظلمهم لها ، بعد إجبارها على النضوج باكراً .. وزواجها التقليدي دون حب ، بعكسي انا.. لهذا بكيت على شبابها الضائع ، بينما والدايّ تجمّدا في حالة صدمةٍ واضحة .. 

وحين حاولت احتضان امي لتخفيف المها ، همست في اذني :

- هل انت سعيدة الآن ، لحصولك على العرش بدلاً منها ؟!!


وقد صدمني كلامها ، فالمُلك لم يكن يوماً غايتي بالحياة ! 

كل ما اردّته هو الشعور باحتواء اختي الكبرى التي يبدو أن امي أفهمتها بأني منافستها على العرش ، وأغار منها ..لهذا تجنّبتني المرحومة طوال حياتها ! 


اما ابي ، فكنت قلقة عليه... فهو بدا مشوّش التفكير ، كأنه محتار بمن سيرثه بعد وفاة ابنته المفضّلة التي علّمها كل شيء عن السياسة .. فهو لم يهتم بتثقيفي من هذه الناحية.. وسيكون صعباً فعل ذلك ، بعد انشغالي بعائلتي.


ويبدو ان همه كبير ، لدرجه انتحاره بعد وفاة اختي بأسبوع ! 

وكانت تلك الصدمة الثانية للشعب ..ولأمي التي انهار جبروتها اخيراً ، بعد فقدان سندها الوحيد بالحياة 

وماهي الا ايام ، حتى لحقته امي بعد مرضٍ ألمّ بها


وبعد انتهاء العزاء .. زارني الوزير في بيتي الريفيّ ، لنقلي الى القصر ..لحفلة تتويجي ملكة البلاد ! وهو شيء لم يخطر ببالي ، حتى بأحلامي المتفائلة


وبالفعل تم تحضيري للمناسبة الضخمة التي حضرها الشعب الذين اصطفّوا بالآلاف خارج القصر ..وهم يشاهدون عبر شاشةٍ ضخمة ، لحظة وضع التاج فوق رأسي.. 


وبعد تلاوتي للقسم الملكي ، أخرجوني للشرفة ..لأكن في الواجهة هذه المرة ! بدل وقوفي طوال حياتي مع الحرس ، خلف عائلتي 


حيث لوّحت للشعب والدموع في عينيّ .. بينما زوجي يدعمني بابتسامته الحنونة وهو يحمل طفلتنا ، وبجانبه ابننا الذي كان سعيداً بالحدث 


ثم اعطاني المسؤول الميكروفون للتحدث مع الشعب الذي التزم الصمت ، لسماع كلمتي المكتوبة بعناية من قبل نائبي .. الذي فاجأته بطيّ الورقة ، والتحدّث إرتجالاً مع الجمهور :

((جميعكم يعلم بقصتي مع عائلتي ، وكيف كنت الخروف الأسود طوال حياتي.. لم اكن احلم يوماً بأن اصبح مليكتكم .. ولا انكر شعوري بالخوف من هذا المنصب الذي لم يحضّرني اهلي له ، كما فعلوا مع اختي المرحومة.. والآن اقف امامكم وقلبي حزين على فقدانهم .. فقد كنت آمل بوجودهم معي ، لمساندتي.. رغم يقيني بأنهم لن يفعوا ذلك ابداً ! .. لا اعتقد انني سأكون ملكةً تقليدية ، لكرهي للبروتوكولات المعقّدة .. فما يهمّني هو انتم !! فأنا اشعر بآلامكم ، واعرف شعور الشخص المُهمّش بالحياة.. لذلك لا اعدكم بالكمال ، بل بالإنسانية والعدالة .. كل ما اريده منكم هو دعمي بحنانكم وعطفكم.. وان اخطأت بحقكم ، فعاتبوني بلين..

دعونا معاً نقدّم أفضل ما لدينا ، لبناء بلدنا الحبيب .. وجعله في مصاف الدول العالمية ، فهو حلمنا جميعاً .. بالنهاية انا منكم ، وانتم مني !! ..عشتم وعاشت اسبانيا !!))


وما ان انهيت كلمتي ، حتى ضجّت الشوارع بالهتافات المؤيدة لحكمي المتواضع ! وهم يردّدون : 

- تحيا ملكة اسبانيا !! تحيا الملكة الحنونة !!


ومن يومها ازدهرت بلادي اقتصادياً بشكلٍ لم يحدث من قبل ، بعد اعتياد شعبي على زيارتي لشركاتهم ومصانعهم دون حرسٍ او بروتوكولات خانقة.. حيث سلّمت على الصغير قبل الكبير.. واهتمّمت بسماع مشاكلهم ، والسعيّ بحلها بكل الطرق الممكنة 


وهآ انا أتفرّغ أخيراً للكتابة بعد قيامي قبل ايام ، بتسليم تاجي لإبني الذي ربّيته على التواضع مع الشعب ومحبة الوطن .. والأهم من ذلك ، علّمته الإهتمام بأخته بعد حرصي انا وزوجي على عدم التفرقة بينهما.. وهو شيء جهله والدايّ اللذيّن تسبّبا بجروح الثقة ، وقيمتي امام نفسي لفترةٍ طويلة من حياتي.. لولا زوجي الحبيب الذي دعمني في كل خطوة.. كما لا انسى محبة الشعب الذين عاملوني باحترامٍ وتقدير ، لم اجده بعائلتي الراحلة 


وصيّتي الأخيرة : لا تجعلوا ابنائكم ظلالا ، فكل فردٍ مهم بهذه الحياة .. عشتم وعاشت اسبانيا !!))


*الظلّ الملكي* 

مذكّرات : الخروف الأسود

*****

ملاحظة : 

هذه القصة استوحيتها من احداثٍ حقيقية لأميرتيّ اسبانيا .. شاهدوا الفيديو الذي استلهمت منه القصة:

https://www.tiktok.com/@britishroyaltypulse/video/7585889489193536798?_r=1&_t=ZS-92QpMRkHfI9



السبت، 20 ديسمبر 2025

مزرعة الأحفاد

تأليف : امل شانوحة 

ميراث الجد


في قريةٍ ريفيّةٍ تركيّة .. استيقظ مراد (22 سنة ، اكبر الأحفاد) وهو يشعر بالدوار :

- اين انا ؟!

ونظر للأسرّة التي بجانبه في الغرفة الخشبيّة ، ليتفاجأ بأولاد عمه وعمّاته نائمون كلاً على سريره !


وقبل إيقاظهم ، سارع للخارج .. ليجد غرفةً اخرى مجاورة ، فيها ايضاً اسرّة متلاصقة ، تنام عليها بنات عمّه وعمّاته !

- مالذي يحصل ؟! اين اهلنا ؟!


((وكان آخر شيءٍ يتذكّره : هو طلب محامي جده (الثريّ الذي يحتضر بالمشفى) قدوم الورثة للقصر ، لقراءة الوصية باكراً.. 

ثم اجتمع مع والديّه وأعمامه الخمسة وعمّاته الثلاثة مع الأصهار والكنائن ، بالطابق العلويّ 


بينما جمع رئيس الخدم (بناءً على اوامر الجد) الأحفاد العشرين بقبو القصر الذي فيه صالةً ضخمة.. حيث انشغل كل واحدٍ منهم بجواله ، لحين انتهاء الإجتماع العائلي التي اعتادت اللقاء بالأعياد والمناسبات فقط .. لكن هذه المرة ، اجتمعوا مع بداية العطلة الصيفية !)) 


وبعد تأكّد مراد بأن الكوخ الكبير ليس فيه سوى الأحفاد (بعد بحثه بجميع الغرف) تساءل بقلق : 

- ترى أين اختفى الكبار ؟ ومن نقلنا الى هنا ؟! وكيف غفونا دفعةً واحدة؟!


ثم نظر من النافذة ، ليجد بالخارج : ارضاً زراعية صغيرة الحجم ، مع كوخٍ صغير يبدو كالزريبة ! 

مراد : اذاً نحن في مزرعةٍ ما ! لكن لا اذكر كيف وصلنا الى هنا؟!  


وقطع تفكيره صوت زينب (ابنة عمه ، وهي اكبر الحفيدات بعمر 19) وهي تقول بقلق :

- انت هنا ايضاً ! 

مراد : جيد انك استيقظتي .. هل تعلمين كيف وصلنا لهذه المنطقة الريفية ؟

- كنت انوي سؤالك الشيء ذاته ! 


وهنا سمعا ضجّةً قادمة من غرفتيّ النوم بالطابق العلوي ، فركضا الى هناك.. ليجدا أقربائهما يصرخون بفزعٍ شديد ، لعدم تذكّرهم المكان ! 


مراد بصوتٍ جهوري : 

- إهدأوا جميعاً !! يبدو ان خدم جدي وضعوا منوّماً بعصيرنا !

زينب بفزع : أتقصد انهم خدّرونا ، لاختطافنا الى هنا ؟!


وإذّ بهم ينتفضون رعباً ، بعد سماعهم رجلاً يتحدّث من ميكروفونٍ مُعلّق بالسقف :

- احسنتم !! بدأتم تفهمون الموضوع

مراد بعصبية : من انت ؟!! واين اهلنا ؟!

زينب بخوف : ماذا فعلت بهم ؟!

الصوت : انا سكرتير القصر .. اما آبائكم ، فيستمتعون حالياً بجولةٍ سياحية في البلاد الأوروبية ، كهديّة من جدكم 

زينب بصدمة : هل سافروا دوننا ؟!

السكرتير : لم يستطيعوا الرفض ، بعد تعهّدي التكفّل بكم  

فحصل هرجٌ ومرج بين الأحفاد العشرين..


السكرتير بحزم : توقفوا جميعاً !! اريدكم النزول للصالة .. فهناك تلفاز كبير ، سأعرض عليه تسجيلاً لجدكم قبل مرضه ، كيّ تفهوا الغاية من وجودكم هنا .. وعلى فكرة ، بعد انتهاء التسجيل .. سأقفل التلفاز نهائياً !! كما احتفظ رجالي بجوالاتكم.. فطوال مكوثكم هنا ، ستمنعون من استخدام الأجهزة الإلكترونية ووسائل التواصل الإجتماعي 

مراد بعصبية : لا يحق لك حرماننا من حواسيبنا وجوالاتنا !!

السكرتير : الأفضل ان تسمعوا وصية جدكم اولاً 

^^^


فسارعوا النزول للأسفل .. حيث جلسوا على الأريكة وفوق السجادة السميكة ، وهم ينتظرون بدء التسجيل


وبعد هدوئهم .. ظهر الجد وهو يحدّثهم ، بفيديو صوّره قبل مرضه :

((احفادي الأعزاء !! طالما تشاهدوني الآن ، فهذا يعني ان سكرتيري نفّذ وصيّتي الأخيرة : بحبسكم داخل مزرعتي 


فنظر الأحفاد لبعضهم بقلق ، قبل ان يتساءل مراد :

- هل نحن مسجونين هنا ؟!


وقبل ان يستوعبوا ذلك ! اكمل الجد حديثه المُسجّل سابقاً : 

((اكيد تتساءلون الآن : ان كنتم محبوسين بالمزرعة ؟ والإجابة : نعم !! ستبقون هنا حتى نهاية العطلة الصيفية ، ايّ ثلاثة اشهر.. بعد ابعادي اهلكم الذين لا يعلمون شيئاً عن امتحانكم صعب.. حيث اوهمهم السكرتير بتسجيلكم في كشافةٍ ترفيهية طوال الصيف.. ربما تتساءلون عن السبب ؟ بالحقيقة لا يعجبني وضعكم.. فكلما اجتمعنا بالأعياد ، تنشغلون بجوالاتكم دون التحدث فيما بينكم ، رغم انكم من جيلٍ متقارب ! هذا بالنسبة لليافعين منكم.. اما احفادي الصغار ، فيضيّعون طفولتهم بالألعاب الإلكترونية ، دون الركض والمشاغبة مع الأقارب والأصحاب ! حتى لو اذوا بعضهم ، فهو شيءٌ ضروريّ لنضجهم الإجتماعي .. عدا عن شكاوي اهلكم من عدم تحمّلكم المسؤولية ، ورفض بعضكم العمل بعد الجامعة .. بينما اوشك البعض على الطرد من المدرسة لإهمال مذاكرته ! اما في مزرعتي : سيتوجّب عليكم تحضير الطعام من حصاد الأرض ، مع الإهتمام بالمواشي المتواجدة في الزريبة.. وستكون البوّابة الخارجية للمزرعة مقفلة ، مع وجود حارسيّن مسلحيّن بالخارج.. لهذا لا تحاولوا الهرب .. ولا حتى الصراخ ، لأن مزرعتي بعيدة عن منازل القرية.. وبنهاية العطلة ستقوى الروابط بينكم ، ربما أفضل من علاقة اعمامكم ببعض .. والآن انطلقوا لاستكشاف عالمكم الجديد !! وحاولوا تقسيم العمل على حسب مهاراتكم اليدوية وأعماركم وقوتكم الجسدية .. اتمنى ان اكون حياً لرؤية النتائج الأخيرة.. آخر ما اريد قوله : هو انني افعل ذلك لصالحكم .. ويوماً ما ستترحمون عليّ ، بعد فهم حكمتي من إجباركم على التجمّع في مزرعتي .. فأنتم بالنهاية ثروّتي الحقيقية ..احبكم كثيراً ، يا احفادي الأعزّاء))


وانتهى الفيديو ، وسط صدمة الأحفاد الذين سيُمنعوا من التواصل مع اهاليهم لثلاثة أشهر .. عدا عن شعورهم بالضياع دون جوالاتهم التي اعتمدوا عليها معظم حياتهم!


وهنا ظهر صوت السكرتير من جديد :

- هيا يا ابطال ، ماذا تنتظرون ؟!! المواشي بحاجة لطعامٍ ورعاية .. كما عليكم ريّ المزروعات.. وأنصحكم بقطف الخضار الناضجة ، لطبخها لاحقاً.. فالساعة 12 ظهراً ، وعليكم البدء بتحضير الغداء 

مراد : لما لا تأتي الينا ، لتقسيم الأدوار بيننا ؟

السكرتير : ممنوع اقتراب الكبار منكم ، حتى نهاية الإمتحان.. هذه وصيّة جدكم .. لذا انتم من ستحدّدون اعمالكم بالمزرعة .. والآن عليّ الذهاب .. سأكتفي بمراقبتكم مع بقية الموظفين ، ولن نتدخل الا لضرورة القصوى .. وبدوري سأنقل اخباركم لجدكم ، كلما سمحت صحته بذلك .. واريد التنبيه على وجود عشرات الكاميرات الموزّعة في انحاء المزرعة ، لذا انتبهوا على كلامكم وتصرّفاتكم.. فعائلاتكم سترى ملخصاً لتجربتكم ، بعد انتهاء عطلتهم .. ولوّ كنت مكانكم ، سأفاجئهم بنضوجي الفكري والجسدي خلال مدةٍ وجيزة .. بالتوفيق للجميع !!

وانقطع الإتصال !


وهنا وقف مراد ، وهو يقول بحزم :

- سأبدأ بتقسيم الأعمال عليكم !!

فردّ مراهق بضيق : ولما انت بالذات ؟!

مراد : لأني كبيركم 

زينب معترضة : وانا اكبر الحفيدات ، ومن حقي قيادة الفتيات الأصغر سناً 

مراد : سأترك لك مسؤولية الأمور النسائية 

زينب بتهكّم : ماذا تقصد ؟! 

مراد : يعني الطبخ والغسيل..

فردّت مراهقة بعصبية : ليس لأننا فتيات ، علينا التكفّل بغسيلكم القذر !! 

مراد بسخرية : وهل تفضّلين تنظيف الزريبة مثلاً ؟

فسكتت بامتعاض !

فأكمل مراد كلامه : 

- على كلٍ لن ابدأ بتقسيم الوظائف ، الا بعد معاينتنا للمزرعة والمواشي ..فهيا نخرج معاً ، لرؤية المصيبة التي حبسنا فيها جدنا 

^^^


وتوجهوا اولاً للمزرعة التي رغم صغرها ، الا انها تحوي الخضار الطازجة المتنوعة ! بينما لم يجدوا سوى الفراولة البرّية ، من صنف الفاكهة


ثم انتقلوا للزريبة التي فضّلت الصبايا الوقوف عند بابها ، بعد اشمئزازهن من رائحتها النفّاذة .. بينما رافق الأولاد ، مراد للداخل 


وبعد قليل .. خرجوا لإخبار الفتيات بوجود : بقرة واحدة وخروف ونعجة ، وقنّ به اربع دجاجات وديك !

مراد : يعني ضمنّا الحليب والبيض

فسأله المراهق : وماذا بشأن اللحم ؟

مراد : اكيد لن نذبحهم ، ونجازف بما يوفّروه لنا من طعام !

زينب : اساساً من لديه الجرأة لذبحهم !

المراهق بضيق : اذاً اكلنا سيكون بيضٌ وحليب فقط !

فتاة : وسلطة ايضاً 

زينب : ومعجنات 

مراد : ومن اين ستأتي المعجنات ؟!

زينب : اثناء مشاهدتكم فيديو جدي ، ذهبت للمطبخ ..ووجدت شوالاً من الطحين والسكر ..وجالون زيت ، وبعض المؤونة الكافية لصنع المخبوزات

ولدٌ صغير بحماس : وبيتزا !!

زينب بابتسامة : نعم ، يمكنني صنعها لك

مراد : كنت سمعت من والدتك ، انك تحبين الطبخ ؟

زينب : كثيراً ، وأردّت التخصّص بهذه المهنة.. لكن والدي يصرّ على دراستي المحاسبة ، لمساعدته في شركته .. مع اني لا اطيق الحساب ! 

مراهق : جميع الإختصاصات لن تنفع هنا .. لكن هوايتك بالطبخ ، ستفيدنا جميعاً 

زينب : لا اظن باستطاعتي إطعام عشرين شخصاً لوحدي !

فقال الحفيد البدين (13سنة) بحماس : انا اساعدك !! 

المراهق : انت ستأكل ما تصنعه زينب ، وتحرمنا طعام

فضحكوا ساخرين منه..


فردّ البدين غاضباً : صحيح احب الأكل ، لكني بارع في اعداد الحلويات.. وطالما يوجد بيض وطحين وزيت ، سأصنع لكم كيك لذيذ بالفراولة ، فهي الفاكهة الوحيدة المتواجدة بمزرعتنا

الحفيد الصغير : لكن كيك الشوكولا ألذّ بكثير

البدين : آسف يا ابن عمتي ، لا يوجد شوكولا هنا

زينب : علينا التعوّد على الأكل الصحي

مراد بحزم : اذاً لنبدأ العمل !! فالمواشي جائعة ، ونحن لا نريد نفوقها قبل انتهاء الإمتحان!  

المراهق : انا سأرافقك بهذه المهمة ، فأنا اعشق الحيوانات

مراد : سأختار البالغين منا ، لهذه الوظيفة الشاقة .. اما الصغار : سيهتمون بريّ المزرعة ، وقطف الخضار وإزالة الأعشاب الضارّة من حولها .. (ثم نظر للصغار).. لكنكم ستعملون ، تحت قيادته هو!!


وأعطى قيادة الصغار في المزرعة ، للحفيد الثالث للعائلة (17سنة) 

فوافق المراهق ، لأن العمل في المزرعة افضل من الزريبة القذرة


بينما اختارت زينب صبيّتين يصغرانها بقليل ، لمساعدتها بالطبخ والجلي

بينما فضّلت المراهقة (14عام) الإهتمام بنظافة المنزل

والأخرى (13 عام) ستتكفّل بالغسيل .. بعد ان وجدوا في خزائنهم ، ملابس مريحة تناسب اعمارهم ، وعملهم المرهق بالمزرعة.. لهذا بدّلوا ملابسهم الفخمة ، بجينزاتٍ وتيشيرتات لبدء العمل فوراً ، بعد توزّعهم في المكان 


اما اصغر الأحفاد (من 6 الى 8 سنوات) فسمح لهم مراد باللعب بالدرّاجات التي وجدوها في عليّة الكوخ ..

ويبدو ان الجد حرص على وجود بعض الألعاب الترفيهية القديمة بالقبو ، لتقوية الروابط بينهم ، بعيداً عن الألعاب الإلكترونية المدمنين عليها ..مثل (شطرنج وكرة قدم ومونوبولي واوراق الشدّة وليغو وصور التركيب (البازل) وبعض الدمى للفتيات الصغار) التي وعدهم مراد بلعبها كل مساء ، بعد الإنتهاء من اعمالهم النهاريّة 

***


ومرّ الأسبوع الأول بصعوبة عليهم ، خاصة لمشاركتهم دورتا مياه مع تسخين المياه بالحطب قبل الإستحمام والغسيل ! حتى ان بعضهم انهار باكياً ، شوقاً لحياة الرفاهية السابقة وحنينه لأهله ..

***


لكن بمرور الوقت ، بدأت مواهبهم في الظهور .. فمراد برع بقيادة اقاربه بحكمةٍ ومسؤولية .. وزينب ازداد طعامها لذّة واحترافية .. والولد البدين : بدأ يضعف وزنه ، رغم استمراره باعداد الحلوى كل يوم .. اما المراهق : فاكتشف موهبته بنحت الخشب ، لصنع تماثيل صغيرة للأحفاد الصغار الذين يلعبون معاً طوال النهار .. 

اما المراهقة : فقرّرت دراسة التمريض بعد اعتنائها بالصغير الذي تسمّم بالغذاء ، فسهرت معه لعلاجه .. وبذلك اكتشفت موهبتها الشفائيّة .. 


وكذلك ازدادت اواصر المحبة بين جميع الأحفاد ، بعد امضائهم كل ليلة بتبادل الأحاديث والذكريات معاً ، مكتشفين التشابه الكبير بتفكيرهم واحلامهم .. وهم في السابق ، نادراً ما تحدثوا معاً بالمناسبات العائلية ! 

حتى الصبايا : بدأن باختراع وصفاتٍ طبيعية ، للإهتمام ببشرتهن وشعورهن .. 

اما الشباب : فتشاركوا هموم الدراسة وعلاقاتهم العاطفية السابقة مع زميلاتهن بالدراسة 

***


لكن مع نهاية الشهر الأول ظهرت أولى الأزمات : فتحدثت زينب مع المحامي عبر الكاميرا ، عن حاجات نسائية ضرورية.. 

فكان الحل بالمقايضة : بعض البيض والحليب ، مقابل المناديل والصابون.. 

وهكذا تعلّموا أن لا شيء مجاني في هذا العالم.


ثم أصيب أحد الصغار بالحصبة، فأُعيد إلى القصر للعلاج.. 

وبعد عودته، استقبلوه بالأحضان. 

***


لكن الوضع ساء ، بعد حمى اصابت قائدهم مراد .. ورغم ان المراهقة تطوّعت لمساعدته (بعد قرارها بدراسة التمريض) 

لكن زينب الغيورة أصرّت على الإهتمام به وحدها ! حيث بقيت معه في الصالة ، وهي تغيّر الضمادات الباردة له طوال الليل 


وأكملا السهرة وهما يتحدثان عن ذكريات طفولتهما .. فهما كانا متعلّقان ببعضهما قبل انشغالما بالدراسة !  

ورغم مرض مراد الا انه كان سعيداً بالليلة التي قضاها وحده مع حبيبته الأولى التي سألته بقلق :

- هل صحيح ما قالته امك ، عن نيّتك الزواج من فتاةٍ اوروبية تعرّفت عليها بالإنترنت ؟

مراد : كنت سأفعل ذلك ، الشتاء القادم .. لكني راجعت تصرّفاتها اثناء وجودي هنا .. وتذكّرت انانيتها ، وتعلّقها بي بعد معرفتها بثرائنا ! وأظنها ستغيّر رأيها إن علمت بأن جدي من اصولٍ قرويّة .. ماذا عنك ؟ سمعت من والدك .. أقصد عمي ، انك ترفضين الزواج تماماً ! .. لماذا يا زينب ؟ فأنت فتاةٌ جميلة وبارعة بالطبخ ، ولديك الكثير من المواهب التي تعجب ايّ رجل ! 

فردّت بعصبية : بسببك انت !!

مراد بدهشة : انا !

فقالت بتردّد وارتباك : انت كنت حبي الأول .. لكنك تصرّ على تجاهلي في كل مناسبة تجمعنا ! مما كسر قلبي ، وجعلني لا اثقّ بالرجال

- أحقاً مازلتي تفكّرين بي ؟!

- الم تعدني بالزواج حين كنت بالعاشرة ؟ 

مراد : يبدو لا شيء اصدق من حب الطفولة !

وغمزها بدلال ..

***


منذ تلك الليلة ، عادت المحبة بين اول حفيديّن (مراد وزينب) .. ورغم احاديثهما السرّية ، الا ان بقية الأحفاد لاحظوا نظراتهما اللطيفة لبعضهما !

لكن العاشقيّن فضّلا كتم مشاعرهما ، للإهتمام بأقاربهما لحين انتهاء امتحان جدهم  

***


وفي يوم ، استيقظوا على صوت السكرتير يقول :

- أسف لإيقاظكم باكراً !! لكن اهاليكم علموا من أحد الخدم ، بوجودكم هنا .. فقطعوا عطلتهم على عجل .. وهم الآن في طريقهم للمزرعة

مراد : لكن بقيّ اسبوعين على انتهاء الشهر الثالث !

السكرتير : هم يصرّون على اعادتكم للمنزل ..وأظنهم غاضبين مني ، لتنفيذي وصيّة جدكم 

صبية بضيق : لكننا سعداء هنا ، ولا نريد الرحيل !!

الصغير : هذا صحيح !! فأنا تعوّدت على اللعب مع اولاد عمي 

المراهق : وانا احب امضاء الوقت بالزريبة مع الخراف والدجاج

المراهق الآخر : وانا لا استطيع ترك المزرعة الآن ، فقد اوشكت الثمار على النضج ! 

زينب بضيق : امي ستعود لمنعي من دخول المطبخ ، فهو خاص بالخدم (حسب رأيها) رغم معرفتها بعشقي لطبخ !

البدين : وانا صار جسمي رشيقاً لأول مرة بحياتي ، بعد لعبي الكرة مع اقاربي الصغار.. وان عدت مع اهلي ، سيتركوني مع الخادمة التي تطعمني الحلويات طوال الوقت ، لأكفّ عن مضايقتها

ولد بحزن : وانا كنت انطوائياً جداً ، والآن لديّ ١٩ صديقاً رائعاً .. حتى لم اعد اشتاق لجوالي التافه .. (ثم بقهر) .. كل ما اريده هو البقاء مع اولاد عمي ، فهل ما اطلبه كثير !


فاحتضنوا بعضهم ، وهم متضايقين من رحيلهم الباكر عن المزرعة التي عشقوها كثيراً

^^^


ولم تمضي ساعة .. حتى قدم الأهل وهم يحتضنون اولادهم ، ويعتذرون عن جهلهم بالحياة الصعبة التي عاشوها بالشهريّن والنصف ، اثناء عطلتهم الأوروبية 


وبعد هدوء الوضع .. بدأ كل ولدٍ بإخبار عائلته ، عن الأمور التي استفادها من تجربته بالمزرعة.. 


والأهل بدورهم لاحظوا التغيرات الإيجابية بشخصيّة ابنائهم بعد تحمّلهم المسؤولية التي زوّدت حماسهم لإكمال علمهم ! ورغبتهم بإيجاد وظيفة بعد تخرّجهم ، عقب إعتمادهم على نفسهم .. وتعوّدهم على الإستيقاظ باكراً ، وتناولهم للأكل الصحي ..مع تقوية روابط المحبة والصداقة بينهم ، حتى اصبحوا عائلةً متماسكة !


لينهي مراد الإجتماع بمفاجأته الكبرى : عن رغبته الزواج بزينب ، حبه الأول والأخير (كما وصفها) 

ففرح والديه بقراره .. لخوفهما السابق من هجرته للغربة ، والزواج بالفتاة الأجنبية 

كما سعد اهل زينب بموافقتها اخيراً على الإرتباط ، بعد كرهها السابق للرجال ! 


كما عبّرت ام البدين عن فرحتها برشاقته ! ووالدة الصبي المتوحد : بطلاقته بالحديث بعد انطوائيته السابقة (إثر تعلّقه المرضي بجواله) ..حتى تلعثمه بالكلام اختفى ، بعد مصاحبته اقاربه !

اما الولد المراهق : فتحسّنت مشيته بعد اختفاء تقوّس قدميه ، إثر تعرّضه للشمس وحصوله على الفيتامين د (بعد ان كان سابقاً ، حبيس غرفته طوال فصول الصيف)

ومراهقٌ آخر : قرّر اكمال دراسته بالمعهد ، بعد اختراعه العديد من الأدوات التي سهّلت حياتهم بالمزرعة ، مما أظهر براعته بالمهن اليدوية


وبينما الجميع منشغلاً بالحديث مع اهله .. أُضيء تلفاز الصالة ! ليظهر الجد وهو على سرير المشفى ، قائلاً بتعب :

((إذا شاهدتم الفيديو، فهذا يعني وفاتي.. وقد عشت تسعين عاماً من النجاحات المتتالية ، وهذا يكفي .. الشيء الوحيد النادم عليه ، هو انشغالي بالعمل عن اولادي الذين رغبت بترك ثرّوة لهم بعد رحيلي .. لكني علمت متأخراً : بأن اعظم ميراث ليس المال ، بل عائلة مترابطة .. لهذا أوصيكم بالإجتماع كل صيف في المزرعة التي سأهديها للعريسيّن مراد وزينب .. ورجاءً سامحوني على الإمتحان الذي خطّطت له ، لصالح أحفادي.. أستودعكم الله ، يا احبابي الأعزّاء)) 

وانتهى الفيديو بدموع الورثة.. 


وبعد العزاء الذي أقيم في المزرعة .. عاد الأحفاد الى منازلهم بعد تحسّن شخصيّاتهم للأفضل ! 

***


ولم ينته الشهر إلا بحفل زفاف مراد وزينب في المزرعة التي رقص الأهل والأحفاد بين أشجارها .. بعد تعهّد العريسان بجمع اقاربهم كل صيف ، تحقيقاً لوصية الجد الراحل.


الخميس، 18 ديسمبر 2025

المغني الصاعد

تأليف : امل شانوحة 

الشهرة الوعرة


في نُزلٍ رخيص على أطراف المدينة ، وفي ساعة العصر .. تجمّعت عصابة الدرّاجات النارية بملابسهم الجلدية وضحكاتهم الصاخبة ، مما أزعج الجميع.. لكن لم يجرؤ أحد من النزلاء على الإعتراض ، إلا شاباً توجه إليهم بعينين متعبتين وصوتٍ غاضب:

- ألا يمكنكم خفض أصواتكم ؟! لديّ حفلة مساءً ، وأحتاج لبعض الراحة 


فأرادوا ضربه لجرأته ، لكن رئيستهم (جاكلين التي ورثت القيادة عن أبيها الراحل) منعتهم ، وهي تسأل الشاب الوسيم باهتمام:

- هل أنت مطرب ؟ 

فأجاب دون النظر إليها:

- مغني صاعد ، وأحتاج إلى الهدوء 

جاكلين: كما تشاء، اذهب واسترح 


فعاد جاك إلى غرفته ، بينما سألها أحد أفراد العصابة باستياء:

- لما لم تسمحي لنا بتأديبه ؟! 

فابتسمت بمكر:

- لأننا سنستمتع بحفلةٍ مجانية 

***


في المساء.. غنى جاك بحماس في مطعمٍ متواضع ، قبل اقتحام أفراد العصابة المكان! فهرب الزبائن مذعورين ، بينما أُجبر جاك على غناء أغنية صاخبة تناسب ذوقهم. 


وبعد ساعات من مواصلة الغناء، غادروا المكان دون دفع ثمن مشروباتهم ! مما أغضب صاحب المطعم الذي طرد جاك ، دون منح أجرته.

^^^


في موقف السيارات، وجد العصابة بانتظاره.. فصرخ عليهم:

- هل أنتم راضون الآن؟! خسرتُ عملي بسببكم !! 

فردّ أحدهم بامتعاض : أهذا بدل شكرنا على تشجيع موهبتك السخيفة! 

جاك غاضباً: لا أريد شيئاً منكم ، فقط اتركوني وشأني !! 

فاقتربت منه جاكلين : 

- لا تقلق عزيزي ، سنجعلك مشهوراً.. فمنذ اليوم ، ستصبح المغني الأول لعصابات الشوارع   


ولأن جاك لا يملك مالاً لهذه الليلة.. ركب مُرغماً خلفها على الدرّاجة ، وهو يشعر أنه يمضي نحو مستقبلٍ مجهول العواقب.

***


أمضى جاك بضعة أسابيع يغني في أوكار العصابات ، وسط السُّكر والقمار .. ورغم كسبه الوفير ، إلا أن اكتئابه ازداد كل يوم 


وفي إحدى الليالي.. خرج لتدخين سيجارة، فلحقته جاكلين وهي تسأله:

- لم أركَ تبتسم يوماً !

فرد بصوتٍ مخنوق:

- لأني لم أحققّ حلمي بعد! تركت شركة والدي لأصبح فنان الأجيال القادمة ، لا مُهرّجاً للعصابات.. وهآ أنا أُجبر على أغاني الروك الصاخبة ، رغم تفضيلي للأغاني الراقية ! 


ففكّرت قليلاً ، قبل أن تقول:

- برنامج (سوبر ستار) سيبدأ قريباً .. سأرسلك إلى العاصمة ، للإلتحاق بتجارب الأداء 


فابتسم لأول مرة ، بعد عودة الأمل إلى قلبه .. لكنه اشترط إخفاء الأمر عن بقيّة أفراد العصابة ، فوعدته بذلك.

***


وبالفعل ، نجح جاك في المرحلة الأولى.. لكن في المرحلة الثانية ، تفاجأ بأفراد العصابة يحضرون المسرح ، حاملين زجاجات البيرة ! 

وبسبب ضجيجهم الذي ضايق الجمهور ، وإفسد أداء جاك لأغنيته الهادئة .. تمّ إقصاؤه من البرنامج!


مما أغضب جاك الذي لام جاكلين على إفشائها السرّ ، فحاولت الإعتذار له:

- لم أستطع منعهم بعد أن شاهدوك في التلفاز   

فصرخ عليها : إذاً أنتِ لا تعرفين كيف تقودينهم !! 

فردّت بعصبية : جاك !! لا تتجاوز حدودك.. فأنا لا أقيّد حريّتك ، لأني مغرمةٌ بك 

فأجابها بلؤم: لا يهمّني أمركِ ، او أمر عصابتكِ.. انتهى كل شيءٍ بيننا ، ولا أريد رؤيتك ثانيةً !! 

وتركها ورحل ، بعد أن كسر قلبها ! 

***


وعاد جاك للغناء في مطعمٍ جديد .. وسارت الأمور على ما يرام ، إلى أن قابل رجلٌ عجوز طلبه على انفراد : 

- إن وقّعت هذا العقد ، أجعلك أشهر مغنٍ في أمريكا 


وما إن قرأ جاك السطور الأولى ، حتى انتفض رعباً:

- أتريدني أن أبيع روحي للشيطان ؟! 

فابتسم العجوز بمكر: الجميع فعلوا.. كيف تظنهم اشتهروا في يومٍ وليلة ؟ 

جاك بتهكّم : هذا صحيح ، لكنك نسيت ذكر حياتهم التي انتهت كمُشرّدين أو مفلسين ومدمنين .. والكثير منهم يعانون حتى اليوم من أمراضٍ نفسيّةٍ مُعقّدة.. لا شكراً ، لا أريد مالك القذر !! 

العجوز بنبرة تهديد : تأكّد أنني سأجعلك تندم على قرارك الغبي 


وبسبب رفض جاك للعرض ، خسر عمله مجدداً ! 

كما رفض بقيّة أصحاب المطاعم تعيينه ، خوفاً من العجوز الغامض المُنتمي لمنظمةٍ سرّية.

***


بعد منعه من العمل في كل مكان ، انتهى به المطاف مُشرّداً يغني في الشارع.. إلى أن قابله أحد أفراد العصابة ، الذي سارع بلكمه على وجهه ! 

وآخر شيءٍ سمعه جاك ، قبل إغمائه:

- هذا لأنك كسرت قلب زعيمتنا، أيها التافه !! 

***


استيقظ جاك في النزل القديم .. وجاكلين بجانبه ، تضع كمّادةً باردة على عينه المصابة.. فانتفض رعباً:

- ماذا تفعلين في غرفتي ؟! 


فسكتت جاكلين مطولاً ، قبل ان تقول : 

- سأكون صريحةً معك.. سأبلغ الأربعين قريباً ، ورغم أنك تصغرني بعشر سنوات ، لكني أرغب بإنجاب طفلٍ منك.. وعلى فكرة ، أفراد عصابتي بالخارج، لذا لا يمكنك الهرب من ليلتنا الأولى 


فلم يكن أمامه سوى التحجّج بعذرٍ واهي:

- في الحقيقة يا جاكلين ، أنا معجبٌ بك منذ البداية رغم فارق العمر 

فسألته بصدمة: أحقاً يا جاك ؟! 

فأكمل كذبته: 

- بالتأكيد !! لكني من عائلة محافظة ، لذا لا يمكنني الإقتراب منكِ.. 

فقاطعته بحماس : موافقة !! لنتزوّج في الحال 

فردّ بارتباك: ليس سريعاً.. أقصد ، لنجعله ضمن حفلٍ يجمع أفراد العصابة في نهاية الأسبوع 

جاكلين : ولما لا يكون غداً ؟! لما علينا الإنتظار ثلاثة أيامٍ أخرى ، طالما نحن مغرميّن ببعض ؟! 

- رجاءً عزيزتي .. هذه الأمور تصبح أجمل بالترويّ والهدوء 

فردّت بابتسامةٍ حنونة : كما تشاء حبيبي  


وحاولت تقبيله ، فابتعد قائلاً: 

- فلتكن قبلتنا الأولى شرعيّة 

فردّت ساخرة : هل أنت من طائفة الأميش ؟ 

- لا، لكن عائلتي متمسكة بالتعاليم المسيحية

- وهل سيحضرون عرسنا ؟ 

- هم يعيشون بعيداً   

جاكلين باهتمام: أنت لم تخبرني عنهم ، في أيّ منطقة يعيشون ؟ 


لكنه لم يرغب الإفصاح عن المزيد ، فتحجّج بإرهاقه الشديد وحاجته للنوم.. فخرجت من غرفته ، لتزفّ الخبر السعيد لعصابتها.. 


وبينما كانوا يحتفلون بصخب في الخارج ، كان جاك يخطّط للهرب من ورطته المرعبة.

***


في الصباح الباكر.. تسلّل جاك من غرفته بخفّة ، ليتفاجأ بمراقب من العصابة يجلس بالخارج:

- الى أين يا عريس ؟!! 

فردّ بارتباك: سأستنشق بعض الهواء.. لا تقلق، سأعود بعد ساعة 

- أتريد أن أوصلك بدرّاجتي ؟ 

- لا داعي، لن أبتعد كثيراً.. ثم جميع أغراضي هنا، وبالتأكيد لن أهرب دونها 


وتمشّى بهدوء وهو يدخن سيجارته .. إلى أن وصل للطريق العام، وهناك سارع بإيقاف السيارات.. لكن الجميع رفض التوقف لغريب ، ما عدا سائق شاحنة وافق مقابل سيجارتيّن على توصيله لمحطّة وقود.. ومن هناك طلب سيارة "أوبر" لتوصله إلى المطار.


ورغم أن الطائرة المتجهة إلى كندا (حيث تعيش عائلته) ستنطلق بعد ساعتين ، إلا انه وافق على الإنتظار بقلقٍ شديد ..  

^^^


وفي الوقت الذي بحث فيه أفراد العصابة عنه في الجوار ، لم يتوقع أحد رحيله دون هويّته التي استولوا عليها .. لكنهم لم يعرفوا بحمله لجواز سفرٍ كنديّ.. 


وبعد أن يأسوا من إيجاده ! اتفقوا على مراقبة جميع المطاعم ، للقبض عليه اثناء غنائه .. وإجباره على الزواج من زعيمتهم التي انكسر قلبها بهروبه المفاجئ.


بينما شعر جاك بعد إقلاع طائرته ، انه غادر جحيم العصابة وتهديدات المنظّمة السرّية معاً.. 

***


وعند وصوله إلى كندا ، ارتمى في حضن والده باكياً:

- كنت على حق يا أبي ، لن أغني بعد اليوم.. وسأعمل محاسباً في شركتك ، كما نصحتني دائماً


لم يعرف أهله شيئاً عن الجحيم الذي نجا منه ، لكنهم فرحوا بعودته.. بينما حمد جاك ربه على سلامة روحه دون بيعها ، ثمناً لشهرةٍ زائفةٍ قذرة.

*** 


وبينما كان جاك يعتاد على حياته كموظفٍ عاديّ .. كان العجوز الغامض يجري محادثة من مكتبه في اميركا : 

((إذاً هرب الفاشل إلى كندا ! ألا يعلم ان لدينا اتباع في كل العالم ؟ سأجعله يندم على اليوم الذي رفض فيه عرضي المغري .. وانتم !! تابعوا البحث.. أريد جميع المعلومات عنه .. وحدّدوا حجم شركة والده ، وعدد حرّاسه وموظفيه.. لنرى إن كان جاك العنيد سيخضع لنا ، أم يُفضّل رؤية تعب عائلته يحترق أمام عينيه)) 


وانتهى الاتصال بضحكةٍ مجلّجلة ، تردّدت صداها في ارجاء المكتب الفخم للعجوز الذي اعلن الحرب على الشاب الموهوب الذي سيظلّ مستقبله عالقاً بين النجاة والهاوية ! 


الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

اختلاف التوقيت

تأليف : امل شانوحة 

بين شرفتيّن


في مبنيين متجاورين ، تتقابل شرفتان .. إحداهما للشاب احمد (الثلاثيني) صاحب الفرن صغير الذي يفتحه مع بزوغ الفجر.. والثانية للممرّضة سهى (العشرينية) التي تعود مُنهكة ، بعد نوبات الليل الطويلة في المشفى.

كان لقاؤهما يقتصر على لحظاتٍ عابرة : فعندما يخرج إلى عمله ، تكون في طريقها الى عمارتها .. فيكتفيا بتحيةٍ سريعة وابتسامةٍ خجولة ، قبل ابتعادهما لإكمال يومهما المعتاد !

***


وذات صباح .. تجرّأ احمد على كتابة ورقة ، ارسلها على شكل طائرةٍ ورقيّة نحو شرفتها.. والتي لم ترها سهى إلا بعد الظهر ، حينما خرجت لنشر الغسيل ! 

وكان فيها : ((شاهدت البارحة فيلماً رومنسياً لبطليّن ، لا يلتقيا الا من وراء النوافذ))  

وكتب اسم الفيلم ، في محاولة لفتح الحوار بينهما 

***


في المساء التالي ، عاد أحمد متعباً بعد اغلاق محله مع غروب الشمس .. وقبل اغلاق نافذته للنوم ، انتبه لشيءٍ في شرفة سهى ! 

لوحٌ صغير (خاص بالأطفال) كتبت عليه بالطبشور : 

((شاهدت الفيلم ، وكان جميلاً فعلاً.. يمكننا التحدّث عنه إن أردّت)) 

وكتبت رقم جوالها بخطٍ صغير ، خوفاً من فضول الجيران ..  


فصوّر أحمد اللوح ، وكبّر الصورة.. ثم حفظ الرقم بجواله ، تحت اسم : ((جارتي الجميلة)) 

مُرسلاً رسالةً قصيرة : 

((شاء القدر ، إختلاف ساعات عملنا ! أتمنى حصول معجزة تسمح لي بلقائك)) 


ووصلتها الرسالة خلال وجودها في المشفى .. فاكتفت بإرسال إيموجي لوجهٍ خجول 


هكذا بدأت علاقتهما ، برسائل تُقرأ متأخرة .. وبمكالماتٍ تؤجّل حسب انشغالهما بعملهما الروتينيّ 

***


وذات يوم .. طُلب من سهى تجهيز مريض ، لتجبير قدمه..

وما ان دخلت غرفة الطوارئ ، حتى تفاجأت بأحمد بعد وقوعه عن درّاجته الناريّة اثناء ذهابه لشراء المؤونة ! ورغم ألم قدمه ، الا انه كان سعيداً بوجوده بذات المشفى الذي تعمل فيه سهى (فهو لم يسألها يوماً عن مكان عملها) 


وللمرة الأولى جمعهما القدر في المكان ذاته ، دون نوافذ أو شرفات! 

فأصرّ أحمد على المبيت في المشفى على حسابه..

بينما بدّلت سهى نوبتها مع زميلتها ، للبقاء قرب غرفته..


حيث قضيا الليل في التحدّث بأمورٍ عدّة .. بينما يقاوم احمد النعاس ، بعد اعتياده على النوم في اول المساء.. لكنه لم يردّ تفويت فرصة الحديث مع حبيبته التي أصرّت على ترك جسده يرتاح قليلاً.. 


وقبل خروجها من غرفته ، امسك يدها .. وبصوتٍ متلعثم ، سألها بارتباك:

- هل تتزوجينني يا سهى ؟

فعاتبته بلطف :

- هذه أول مرة نلتقي فيها وجهاً لوجه ، ومع ذلك تقرّر أمراً مصيرياً بهذه السرعة ؟!

فردّ بابتسامة : 

- صحيح هو أول لقاء بيننا ، لكنه ليس أول معرفة .. فأنا سألت عنك جارتك الفضوليّة .. وأخبرتني عن عصاميّتك بالدراسة في المعهد ، للصرف على نفسك ، بعد انشغال إخوتك بحياتهم الزوجيّة .. وكذلك راقبتك جيداً طوال العام .. فأنت لا تخرجين الا لعملك .. اما ايام العطل ، فتقضينها بترتيب منزلك .. حتى طبق الطعام الذي أرسلتِه لي ، يكشف مهارتك بالطبخ .. 

فضحكت بدلال : أكنت تحقّق ورائي ؟! 

- بالطبع سأفعل !! فأنت ستكونين ام أولادنا التسعة 

فقالت بسعادة : التسعة ! .. على فكرة ، انا ايضاً سألت عنك بوّاب عمارتك الذي اخبرني عن برّك لوالديك قبل رحيلهما .. وهذا يكفي للوثوق بأخلاقك 

- طالما اهتمّمنا بماضينا ، فهناك أمل ان يكون لدينا مستقبلاً معاً .. هذا إن وافقتي على الإرتباط بي ؟ 

***


وتزوّجا بعدها بأسبوعيّن ، ضمن حفلٍ بسيط جمع الأهل والأصحاب.. 

وانتقلت سهى الى شقته ، بعد تغيير نوبة عملها الى الدوام النهاريّ ، رغم اعتيادها على السهر منذ تخرّجها.. لكن النوم على صدره الدافئ ، أعاد ضبط توقيتها خلال أيامٍ معدودة ! 

***


وهاهما اليوم يُعرفان بالزوجيّن المثاليّن مع أولادهما الثلاثة ، ، في بيتٍ يملؤه التفاهم والطمأنينة .. حيث لم يعد اختلاف التوقيت سوى ذكرى جميلة ، لقصة حبٍّ صادقة بين جاريّن يافعيّن !


البستاني الصامت

تأليف : محمد بيومي آل غلاب  تنسيق : امل شانوحة   أبناء الجذور انتقل الروائي الشاب (سام) إلى بلدةٍ اسكتلنديةٍ غامضة ، كان اختفى بعض سكانها قب...