*تأليف : امل شانوحة*
البوّابة الأثريّة
وافق تاجر ثري (وليد) على مقابلة صحفية تعمل في إحدى المجلات، بشرط قدومها وحدها دون فريق التصوير.
واستقبلها في قسم خاص للشخصيات المهمة في مطعم فاخر، داخل غرفة زجاجية مظللة، فيها طاولة أثرية من الخشب المنقوش يدوياً، والتي وصفها صاحب المطعم بأنها وُرّثت جيلاً بعد جيل ضمن عائلته.
وبعد تقديم الشاي لهما، بدأ الحوار الصحفي، حيث سجّلت الصحفية (مروى) كلامه بجوالها، وهي تُلقي أسئلتها عليه مثل: كيف كوّن ثروته؟ وما الصعوبات التي واجهته؟ وطموحه ومشاريعه المستقبلية؟ كما تطرّقا للأزمة الاقتصادية الراهنة في البلاد.
وقبل نهاية المقابلة، سمعا صوت طائرة حربية تحلق على مستوى منخفض.
فأسرع وليد بسحب ذراع مروى، وإنزالها معه أسفل الطاولة المصنوعة من الخشب السميك، قبل ثوانٍ من دوي انفجار هائل حطّم زجاج المطعم!
***
بعد دقيقتين، هدأ كل شيء وساد الصمت المقلق.
حاولا إزاحة الأنقاض الإسمنتية وشظايا الزجاج عن جانب الطاولة، حتى خرجا من تحتها ليجدا أثاث المطعم سليماً، فقط الغرفة الزجاجية المظللة هي التي تكسّرت بفعل جدار الصوت.
فخرجا من بوابة المطعم، ليلاحظا اختفاء الناس من كلا الشارعين ومن المحال التجارية التي تُركت أبوابها مفتوحة. وكان الأمر مريباً للغاية. فودّعا بعضهما على عجل، قبل صعود كل منهما سيارته للاطمئنان على أهله.
***
في الطريق، حاولت مروى الاتصال بأهلها، لكن لم يكن هناك إنترنت، كأن الاتصالات انقطعت بعد الحادثة.
وازداد رعبها بعد خلو الشوارع من المارّة والسيارات على طول الطريق الساحلي، وصولاً إلى منطقتها.
وحين صعدت عمارتها، وجدت شقتها خالية من أمها وإخوتها، فطرقت على الشقق المجاورة دون أثر للجيران. فتوجّهت إلى منازل الأقارب والأصدقاء، ومبنى الصحافة الذي كان خالياً أيضاً من الموظفين.
وحين أوشكت الشمس على الغروب، اتصلت يائسة بالثري وليد، الذي أجاب بصوت مرتجف بعد اختفاء ابنتيه وأهله وفريق عمله، واقترح عليها العودة للمطعم الذي حصل فيه الحوار الصحفي بدلاً من بقائها وحدها.
***
أمام المطعم، نزلت مروى من سيارتها مسرعة، لتجده ينتظرها هناك بوجه شاحب.
فسألته فزعة:
- ماذا حصل؟! أين الناس؟
وليد:
- لا أعرف شيئاً! بحثت في كل مكان عن ابنتيّ ولم أجدهما… أكاد أجني!
مروى:
- وأنا لم أعثر على أهلي أو عائلة خطيبي… ماذا برأيك حصل؟ هل رموا قنبلة نووية أذابوا فيها البشر؟ أو أن الطائرة التي سمعناها تقودها مخلوقات فضائية سحبتهم للفضاء؟!
وليد: لا أصدّق هذه الخزعبلات.
مروى:
- إذن ماذا سنفعل؟ سيحلّ المساء قريباً.
وليد:
- اتركي سيارتك هنا ، وتعالي معي إلى قصري.
مروى: وماذا أفعل هناك؟!
وليد:
- أفضل البقاء معاً لحين حل اللغز الغامض، فربما يتغيّر الوضع غداً أو بعد أيام.
فأضطرت للموافقة لعدم وجود حل آخر.
***
في الطريق، سألته:
- ما رأيك أن نتسوّق من المحال المفتوحة؟ أخاف أن تهجم الذباب والفئران على المنتجات المكشوفة كاللحم والأجبان.
وليد:
- لا أرى أثراً للحشرات أو الحيوانات، كأنها اختفت مع البشر. ثم لدي كل ما يلزم في بيتي، وإن احتجنا بضائع أخرى نتسوّقها غداً.
***
في القصر، اختارت مروى غرفة الضيوف بعد أن أعطاها وليد بيجاما زوجته، وذهبا للنوم بعد تناولهما عشاء خفيف.
***
في منتصف الليل، خرج وليد من غرفته، ليجد مروى تُغلق جميع النوافذ بالستائر وهي تُطفئ الأنوار.
وليد باستغراب: ماذا حصل؟!
مروى بقلق:
- أخاف أن يتحوّل الناس إلى زومبي بهذه الساعة المتأخرة، لذلك أقفلت كل شيء.
وليد:
- على فكرة، الزومبي تخاف الأنوار، وأنت أطفأتِها كلها.
مروى بخوف:
- اذاً أنت تصدّق أنهم تحوّلوا؟
- لا! أنا فقط أصحّح نظريتك السينمائية… المهم، هل شعرتِ بحركة في الخارج؟
مروى:
- لا، الوضع ما زال هادئاً.
وليد: عودي للنوم يا مروى، فغداً نذهب للحدود.
مروى:الحدود؟
- نعم، ربما اختفاء الناس حصل في بلدنا فقط.
- إذاً لنذهب باكراً كي نعود للقصر قبل حلول المساء.
وليد:
- إن وجدنا بشراً في الدولة المجاورة، لن نعود إلى هنا، لهذا سنجهّز حقائبنا قبل السفر البري. تصبحين على خير.
***
وصل وليد ومروى عصراً إلى داخل الدولة المجاورة بعد قطعهما الحدود الخالية من حرس البلديّن.
ليجدا الوضع مشابهاً لما حصل في بلدهم، فالمحال التجارية مفتوحة وخالية من المتسوّقين.
لهذا قرّر وليد العودة إلى قصره، طالما الوضع مشابه (على ما يبدو) في جميع الدول.
***
في طريق العودة، سألته مروى:
- يبدو أننا أصبحنا آدم وحوّا!
وليد ممازحاً:
- إن أصبحنا مثلهما، فعلينا الزواج في الحال.
مروى بقلق:
- لكننا مختلفان في الطائفة المسيحية!
وليد: وهل سيهم الموضوع في أزمتنا الحالية؟
- وكيف سنتزوج؟ في كنيستي أم كنيستك؟
وليد:
- سنتزوج مدنياً… لنذهب مباشرة إلى مكتب الشؤون الاجتماعية، ونأخذ ورقة لعقد الزواج، نكتب فيها أسمائنا، ثم نختمها بالختم الرسمي… وإن ظهر البشر ثانية، يكون معنا إثبات على زواجنا القانوني.
مروى: وماذا بشأن زوجتك وخطيبي؟
وليد: إن عادت للظهور سأطلّقها فوراً… فنحن لسنا على وفاق منذ سنوات.
مروى:
- وأنا أيضاً غير مقتنعة بخطيبي، فهو بعمر والدي… لكن أهلي أجبروني عليه.
وليد : إذن لا شيء يمنع زواجنا… هيا بنا.
فوافقت مرغمة على طلبه، ووقّعت معه الورقة الرسمية، ليعودا سوياً إلى القصر. ورغم إحساسهما بالذنب، إلا أنهما تزوجا تلك الليلة بعد قرار إكمال حياتهما معاً.
***
وقبل نومها، أمسكت مروى بيد وليد باكية:
- عدّني ألا تمتّ قبلي… سأجنّ إن بقيت وحدي في هذه الدنيا.
وليد: دعينا لا نفكّر بالأيام القادمة، ولنعشّ كل يوم بيومه.
***
ومرّت الأيام، وتسوّقا فيها ما يشاءان من السوبرماركت والمولات المفتوحة، لابسين أغلى الملابس ومع أفخم العطور.
إلا أن قلقهما من فساد المأكولات والمعلبات في الأسواق بمرور السنوات جعلهما يزرعان في حديقة القصر الخضراوات والفواكه التي نقلاها من إحدى المشاتل، فهما متفرّغان للاهتمام بها بعد تعطّل عمليهما: كصحفية وتاجر استيراد وتصدير.
***
وفي أحد الأيام، استيقظ وليد ليجد زوجته مروى تبكي في المطبخ. وحين سألها، أخبرته أنها حامل.
فحضنها بسعادة:
- هذا أجمل خبر سمعته منذ شهور!
مروى بقلق:
- وكيف سألدّ دون وجود أطباء؟
وليد: سأقوم أنا بتوليدك.
مروى: وما يدريك بهذه الشؤون؟!
وليد:
- أنا من عائلة ريفية، لطالما ساعدت والدي بتوليد الخراف.
فانهارت مروى باكية:
- أنا لست نعجة!
فحضنها بحنان: رجاءً لا تبكي.
مروى بخوف:
- ماذا لو ولدت قبل أواني؟ ماذا لو مرض طفلي، كيف سنعالجه؟
وليد:
- لا تقلقي بشأن مستقبله… سيعيش معنا، وسنهتم به قدر المستطاع.
- المسكين… سيكبر دون معرفة البشر.
- برأيي سيكون أسعد طفل في العالم، لأنه يستطيع اختيار اللعب والحلويات التي يريدها.
مروى بحزن:
- سيشعر بالوحدة دون أطفال في مثل عمره.
وليد: سنلاعبه ليل نهار، ونعلّمه القراءة والكتابة… لا تقلقي عزيزتي، فهو سيؤنس وحدتنا.
***
ومرّت الشهور، وجاء يوم ولادتها، وساعدها وليد بعد قراءته كتباً عن التوليد والعناية بالطفل من المكتبة العامة، لتنجب ولداً معافى. أسعد وليد كثيراً بعد تحقّق حلمه بإنجاب صبي.
وقاما بالاهتمام به ورعايته على مدار الساعة، فلا توجد أعمال أو علاقات اجتماعية تشغلهم عنه.
***
وفي إحدى الأيام، رسمت مروى لإبنها لؤيّ (5 سنوات) بعض الحيوانات، فسألها:
- وأين اختفت القطط والكلاب؟
- هذا لغز لم أستطع أنا ووالدك حله حتى الآن!
***
وكبر الصبي إلى أن بلغ سن 9 سنوات.
وفي ذلك الصباح، تنزهوا بجانب الشاطئ، وحين مرّوا قرب المطعم، قال والده:
- لؤيّ!! هناك تعرفت على أمك.
لؤيّ: أين بالضبط؟
فأوقف وليد السيارة، ودخلوا جميعاً إلى المطعم، ووقفوا أمام الغرفة الزجاجية المحطمة.
وأخذت أمه تخبره كيف أن جدار الصوت جعلهما يحتميان أسفل الطاولة الأثرية.
فأراد الصبي تجربة ما مرّا به، ونزل أسفل الطاولة وهو ينادي والديه للّحاق به.
^^^
وما إن جلس الثلاثة أسفل الطاولة، حتى تغيّر كل شيء بعد سماعهم صراخ الناس خارج الغرفة، وهم يتكلّمون عن الطائرة التي مرت فوقهم قبل قليل.
فخرج وليد أولاً، ولحقته مروى بعد صعودها من تحت الطاولة، وهما ينظران لبعضهما بدهشة.
مروى بصدمة:
- كل السنوات التي عشناها كانت مجرّد حلم؟!
وليد مذهولاً:
- يبدو أنه مرّت دقيقة واحدة على الحادثة!
مروى:
- والآن ماذا؟ هل سنعود لحياتنا السابقة، كأن شيئاً لم يكن؟!
وليد بضيق:
- لا أريد العودة إلى زوجتي النكدية.
- وأنا لا أريد الزواج بعريسي العجوز!
- إذن لنخبرهم بزواجنا.
- لن يوافقوا، فنحن من طائفتين مختلفتين… أليس كذلك؟!
وفجأة ! خرج ابنهما لؤيّ من تحت الطاولة، وهو يرتجف خوفاً:
- أمي، أبي! من هؤلاء؟ ومن أين أتوا؟! أنا خائف جداً.
فصُعق وليد ومروى برؤية ابنهما، فوجوده يؤكد أنهما عاشا معاً لعشر سنوات كاملة.
وليد: يبدو أن هناك تحت الطاولة الأثرية بوابة للعالم الموازي!
مروى:
- أتذكر حين أخبرنا صاحب المطعم أن جده وصّاه بعدم تحريك الطاولة من مكانها… أظنه الوحيد الذي علم بالسر. فهل نخبر العالم بذلك؟
وليد: لا رجاءً… لا تنشريه في الصحافة، سيظنّوننا مجانين.
فهمست له بقلق:
- وماذا بشأن الصبي؟!
وليد بضيق:
- لا أستطيع أخذه إلى زوجتي، فهو أكبر من بناتي.
مروى بصوت منخفض:
- وكيف آخذه إلى أهلي، وأنا ما زلت مخطوبة؟!
وهنا شدّ لؤيّ ملابس أمه بخوف:
- أمي، لنعدّ إلى منزلنا… أنا خائف من هؤلاء البشر، ضجيجهم يُرعبني!
فنظر الوالدان لبعضهما بحيرة وارتباك، وهما يتساءلان:
((كيف سيفسران للأهل والأصحاب ظهور ابنهما من العدم؟ هل يخبروهم بالحقيقة، أم يكتفون بنسب الولد لهما، معرضين أنفسهما لتهمة الخيانة، أم ينزلا مع ابنهما أسفل الطاولة للعودة إلى عالمهم الهادئ، وإكمال حياتهما دون بشر لبقية عمرهم؟))
***
وانتم أيها القراء، ماذا ستفعلون لو كنتم مكانهما ؟!
سأخبر الناس بالحقيقة وأثبت ذلك بالصور والفيديوهات التي التقطناها خلال سنوات العالم الموازي وليحصل ما يحصل
ردحذفنرجع للعالم الثاني ونكمل حياتي بلا بشر
ردحذفكنت راااح ان لم انتحر فسوف اجن مابقا من عمري
ردحذفانا ارى ان هم سوف يرسلونه إلى الميتم وعدم الاعتراف به أو سوف يربونه في العالم الموازي بدون بشر ولامستقبل ويزورونه من فترة لفترة لأن كل واحد رجع لحياته الحقيقية ولا أحد يريد ان يخسر سمعته ووظيفته من أجل طفل لا وجود له ولا اثباتات له اما الطفل يبدو غير طبيعي لأن لم يعتد رؤية البشر والكثير من الأشياء في الحياة الواقعية اذا الاختيار الثاني انسب ملاحظة انا لا احب موضوع العالم الموازي لأن لا وجود له لكن اخترعوها بعض الأشخاص الغير المؤمنين بالله حتى يقنعون أنفسهم بعدم وجود الجنة والنار والحساب والحياة الأخرى يمكن أن نطلق على الحياة الموازية (الحياة مابعد الموت) لكن أعجبتني القصة كثيرا
ردحذف