تأليف : امل شانوحة
لا للحوامل !
بسبب سوء الأحوال المعيشية لديانا بعد طلاقها من زوجها ، قبلت إقتراح المحامي بالسكن في المنزل الذي ورثته من جدها في القرية..
وبعد سفرها بالبرّ لأربع ساعات ، وصلت ظهراً الى هناك ..
لتتوجه مباشرةً الى مهرجانهم السنويّ الذين يقيمونه إحتفالاً بالحصاد الزراعيّ..
وأول ما لاحظته فور نزولها من السيارة : أنه مخصصّ للنساء فقط ! سواءً الباعة في الأكشاك او المتسوقات ..وحين سألتهن بصوتٍ مرتفع عن عنوان المنزل ، شخصت أعينهن بدهشةٍ ورعب فور رؤية بطنها المنتفخ ! كأنهن يرين امرأة حامل لأول مرة في حياتهن ، رغم إن هناك اولاد في المهرجان تراوحت أعمارهم بين سن 8 و14.. اما الأطفال الرضّع فلا وجود لهم !
فأعادت ديانا سؤالها اكثر من مرة ، لكنهن أصرّين على تجاهلها !
فصرخت بعصبية :
- أيعقل أن لا احد منكنّ تعرف اين منزل جدي جاك اندرسون؟!!
فأشار ولدٌ صغير الى كوخٍ قديم ، موجود خلف حواجز المهرجان :
- ذاك منزل المرحوم جاك !!
فسحبته امه من ذراعه بعنف ، كأنها تعاتبه على دلّها عليه !
فتركتهم في حالهم ، وعادت الى سيارتها متوجهة الى المنزل الذي لا يبعد كثيراً عن الساحة ..
***
في منزل جدها ، وبحلول العصر .. إنتهت ديانا من ترتيب ملابسها داخل الخزانة ، بعد تنظيف غرفتها العلويّة ..
وبعد شعورها بالجوع ، عادت للمهرجان لشراء الطعام والعصائر ..لتتفاجأ برفضهنّ بيعها ، رغم عرضها ضعف الثمن !
فصرخت غاضبة :
- أهكذا تستقبلنّ الضيوف في قريتكم ؟!! ثم انا حفيدة رجلٍ عاش بينكم اكثر من نصف قرن !
فردّت امرأة عجوز بلؤم :
- الأفضل أن تعودي الى المدينة
ديانا : انا خسرت كل شيءٍ هناك : منزلي وعملي وزواجي
- لا غرابة أن تتعسّر امورك بعد حملك المشؤوم
- ماذا تقصدين ؟!
فقالت امرأة أخرى :
- إن أردّت العيش معنا بسلام ، فانجبي ابنك خارج قريتنا
ديانا بدهشة : انا فعلاً حامل بصبيّ ! ومن الصعب عليّ الإنتقال لمكانٍ آخر في شهر حمليّ الأخير
فتهامست النساء في بينهن ، بقلقٍ واضح :
- هي في شهرها التاسع !
- يعني بقيّ اسابيع ، وربما ايام فقط
- علينا إبعادها من هنا فوراً
ديانا باستغراب : عن ماذا تتحدثنّ ؟ ولما تخافون من حملي ؟ .. ثم اين رجالكن ؟
فردّت إحداهن بعصبية وغيرة : وماذا تريدين من رجالنا ؟!!
ديانا : اريد عمّال لتصليح منزل جدي
- لا يوجد رجال في هذا القسم من القرية
- جميعهم متواجدون خلف المزراع
- وحين يكبر اولادنا ، نرسلهم ايضاً الى هناك
ديانا مستفسرة : ولما قسّمتم قريتكم الى نساء ورجال ؟!
فأجابت صبية : لتجنّب حدوث الحمل..
فشدّت المرأة التي بجانبها ذراعها ، لإسكاتها على الفور !
ديانا : لا اريد الجدال بمشاكلكم ..وأتفهم كرهكم للغرباء ، لكن لا يحقّ لكنّ منعي من الطعام .. وإن أصرّيتنّ على موقفكن ، سأذهب الى قسم الرجال لشراء حاجياتي منهم
فصرخن جميعاً بخوف : لا !!
وأسرعت إحدى البائعات بإعطائها شطيرة كبيرة ، وهي تقول :
- هذه تكفيك لهذا اليوم
فأخرجت ديانا المال من حقيبتها ، لتجد البائعة تقول باشمئزاز :
- لا اريد مالك !! فقط إبعدي شرّك عنا
ديانا باستنكار : أيّ شرّ ! انتم بالكاد تعرفونني
- ستغيب الشمس بعد قليل ، وقد حان موعد إغلاق الأكشاك
وهنا صرخت العجوز بصوتٍ جهوريّ :
- عدنّ جميعاً الى منازلكن ، فقد انتهى المهرجان السنويّ !!
وسارعت النّسوة بالخروج من الساحة .. لتعود ديانا الى منزلها ، مُكتفية بشطيرةٍ واحدة رغم جوعها الشديد
***
في الصباح الباكر .. توجهت ديانا بسيارتها الى الجانب الآخر من القرية المتواجدة خلف الحقول .. وسرعان ما تجمّع حولها الرجال ، وهم متحمّسين لرؤية امرأة في منطقتهم ، كأنهم ابتعدوا عن نسائهم لفترةٍ طويلة!
فاقترب منها رجلٌ عجوز :
- ما كان عليك القدوم الى هنا .. الأفضل الذهاب الى قسم النساء من قريتنا
ديانا : أتيت اليكم ، لإني بحاجة الى عمّال لتصليح منزل جدي
فتنافس الشباب والمراهقين على الذهاب معها :
- انا اذهب معك !!
- لا انا
- انا أجيد النجارة
- وانا السباكة
- وانا خبير في الكهرباء
- بالتأكيد انتِ بحاجة لعامل دهان ، اليس كذلك عزيزتي ؟
فرفع العجوز عصاه في وجوههم ، مهدّداً بضربهم :
- اهدأوا جميعاً !! ماذا حصل لكم ؟
ثم تكلّم معها ..
- يا ابنتي ، وجودك هنا خطرٌ عليك .. فهؤلاء الهائجين لن يهمّهم إن كنت ستلدين غداً .. رجاءً إطلبي المساعدة من النساء ، فهن خبيرات بكل شيء
ديانا : لكنهن يعاملنني بجفاء ، ولا ادري ما السبب !
فردّ الشاب : هنّ خائفات من جنينك
ديانا بدهشة : خائفات من طفلٍ لم يولد بعد !
فردّ مراهق : لأنه لن يكون طفلاً طبيعيّاً
العجوز بعصبية : إسكت يا ولد !!
ديانا باهتمام : دعه يُكمل كلامه ، اريد فهم سبب خوفكم مني !
فردّ الرجل : نحن نخشى الحمل بشكلٍ عام
ديانا : ولماذا ؟!
فلوّح العجوز بعصاه امام وجهها بعنف :
- سؤالٌ آخر وأطردكِ من هنا ، هيا عودي من حيث أتيت !!
فخافت من نظرات التهديد في عينيه ، رغم كبر سنه ! وأسرعت عائدة الى القسم الآخر من القرية ، لتستقبلها النساء بوجوهٍ مُتجهّمة
وفور نزولها من سيارتها ، سألتها إحداهن بغضبٍ وغيرة :
- ماذا كنت تفعلين عند رجالنا ؟!!
بينما سألتها الصبية بلهفةٍ وشوق :
- هل رأيتي زوجي ؟ هو وسيمٌ جداً وعينيه عسليتين ، أهو بخير ؟
- تماسكي يا امرأة ، ما بك ؟
فانهارت الصبية باكية..
- لم يعد باستطاعتي تحمّل المزيد ، اريد العودة الى حبيبي
- جميعنا ضحيّنا بسعادتنا وعائلاتنا ، ولست وحدك من تعانين من هذا الفراق المؤلم
ديانا : ولماذا فرضّتن على أنفسكن هذا العقاب القاسي ؟! برأيّ أن تعدن سريعاً اليهم ، قبل أن يخونكنّ
- يخونونا ؟!
ديانا : نعم ، بالكاد هربت منهم قبل هجومهم عليّ
- اللعنة على الرجال ، تُغريهم أيّ سيدة حتى لوّ كانت حامل !
الصبية : رجاءً دعوني اعود الى زوجي ، فأنتم فرّقتم بيننا بعد شهر من زواجنا ، ولم أشبع منه بعد
عروس أخرى : وانا ايضاً احلم أن اكون أماً مثلكن
العجوز بعصبية : لا احد سينجب في هذه القرية !! وهذه السيدة ستخرج من هنا قبل موعد ولادتها
ديانا باستنكار وتحدّي : ومن قال ذلك ؟
- هذا قرارنا جميعاً
ديانا : قلت لكم بأنه لا يوجد مكان آخر اذهب اليه .. كما انني لا أتحمّل مصاريف المستشفى .. لهذا اردّت سؤالكن إن كانت بينكن قابلة
- انا ولّدت معظم اطفال القرية
العجوز بحزم : قلت لا احد سينجب في قريتنا !!
ديانا بإصرار : وانا لن اخرج من هنا في الوقت الراهن !! فأنا ورثت منزل جدي ، ويحقّ لي التواجد في قريتكن غصباً عنكن
العجوز : أهذا قرارك النهائي ؟
ديانا : نعم !!
العجوز مهدّدة : اذاً تحمّلي نتيجة قرارك الطائش ..وانتن !! عدن فوراً الى بيوتكن
وتفرقن عنها ، وهن ينظرن اليها شزراً .. لتعود ديانا الى منزلها ، دون أن تفهم سبب كرههن الشديد لحملها !
***
ونامت ديانا تلك الليلة ، دون علمها بإجتماع النّسوة الطارىء الذي أقيم في منزل العجوز التي اتفقت معهن على خطط وحيل متعدّدة لإسقاط جنينها ، قبل حدوث الفاجعة التي ستدمّر قريتهم ، كما حصل قبل سنوات !
***
ليبدأ كابوس ديانا في الصباح التالي ، حين أوشكت على السقوط من فوق الدرجتين المتواجدتين خارج منزلها ، بعد أن سكبت إحداهن الزيت عليهما .. لكن ديانا استطاعت التمسّك بالسوار في آخر اللحظة .. لتلمح المرأة التي راقبتها من بعيد ، والتي هربت باتجاه الغابة بعد فشل خطتها !
وكانت هذه الحادثة الأولى .. ومن بعدها حاول الأولاد رميّ بطنها بالحجارة والكرة وبعض العابهم القاسية ! قبل صراخ ديانا عليهم ، مما جعلهم يفرّون من امام منزلها
وتوالت الأحداث اللاّ انسانية في الأيام التالية .. حين حاولت بعضهن إقتحام منزل ديانا مساءً .. وعندما عجزنّ عن فتح قفل الباب الخارجيّ ، قمن برشق الحجارة على نوافذ الطابق الأرضيّ ، لتحطيم اكبر عددٍ من النوافذ!
ومن سوء حظ ديانا انه لا يوجد إنترنت في القرية للإتصال بالشرطة من جوالها .. اما هاتف المنزل ، فقد قطعن اسلاكه من الخارج .. ولم يتوقف إعتدائهن ، حتى تباشير الصباح
***
بعد شروق الشمس ..عاينت ديانا حجم الكارثة ، بانتشار شظايا الزجاج في كل ارجاء الطابق السفليّ لمنزلها .. وعجزت عن تكنيس الفوضى بسبب الأمغاص التي شعرت بها بعد توترها الشديد ليلة امس ، وخوفها من تأثيره السلبي على جنينها
***
في اليوم التالي .. تفاجأت بشاب يركّب لوحاً زجاجيّ ، من داخل منزلها !
فقالت ديانا بخوف ، وهي ترفع عصا المكنسة دفاعاً عن نفسها :
- من انت ؟! وكيف دخلت بيتي دون استئذان ؟!
فقال الشاب وهو يتابع تركيب الزجاج :
- دخلت من إحدى نوافذك المحطّمة .. وأصلحت عدداً من النوافذ ، فالجوّ بارد مساءً وسيؤذيك انت والجنين
ديانا : لكني لا املك المال لكيّ..
مقاطعاً : تدفعين لي لاحقاً
- وكيف وصلت الى هنا ؟
- ماذا تقصدين ؟
- الم تقسّموا قريتكم الى رجالٍ ونساء ؟
الشاب : هي مقسّمة قبل قدومي من المدينة.. وليتني لم أعدّ ، فالعقليّة المتخلّفة لأهل القرية أتعبتني كثيراً ، لكني لا استطيع عصيان والدي فهو صارمٌ جداً
ديانا : وكيف سمحت لك النساء الإقتراب من منزلي ؟
- وصلت هنا فجراً ، وأظنهم نائمات بعد سهرن طوال الليل في محاولة إخافتك .. فهل اكتفين بتكسير الزجاج ؟
ديانا : فعلن ذلك وهن يصدرن اصواتاً مزعجة كعواء الذئاب ونباح الكلاب!
فقال مبتسماً : توقعت ذلك
- ولما يفعلن ذلك ؟
- لتهربي من القرية
ديانا : ولماذا يعادونني ؟ فلا أحد منهن تعرفني جيداً !
- يكفي إنك حامل ، ليكرهك الجميع
- لكن معظمهن امهات ، فلما الإستغراب من حملي ؟!
فسكت الشاب قليلاً ، قبل أن يقول بقلق :
- حسناً سأخبرك الحقيقة ، لكن عديني أن لا تخبري احداً بأني أفشيت السرّ ..
- حتى لوّ أخفيت أمرك ، ستلمحك إحداهن اثناء خروجك من منزلي ، فهن يراقبنني على الدوام
الشاب : خبّأت سيارتي في الغابة ، وسأحاول التسلّل اليها دون لفت انتباههن
- اذاً رجاءً إخبرني بالحقيقة كاملةً
فتنهّد مطوّلاً ، قبل أن يقول :
- القصة باختصار : إن رجلاً من أهل القرية قتل زوجته فور عودته من السفر
ديانا : ولماذا قتلها ؟
- لأنه وجد رضيعاً في منزله ، وهو مسافر منذ سنتين
ديانا : وهل قتل عشيقها ايضاً ؟
- لا مستحيل ، فوالد ابنها هو الشيطان
- لم أفهم شيئاً !
الشاب : رغم ضربه العنيف لزوجته ، الا انها أصرّت إنها حملت من كائنٍ مخيف يشبه الشيطان .. وأخبرته قبل وفاتها : إنها ضاعت في الغابة بعد عودتها متأخرة من الحقول ، وسقطت في بئرٍ مهجور .. ولم يسمع احد صراخها ! إلى أن خرج لها آخر الليل شيطانٌ من تحت الماء .. وخيّرها بين سحبها الى عالمه ، او قضاء ليلته معها ..وفي المقابل وعدها بإخراجها آمنة من البئر ..
- وهل وفّى بوعده ؟
- نعم استيقظت في فراشها في الصباح التالي ، لتجد بطنها منتفخٌ للغاية ! واستعدّت للذهاب الى الطبيب .. إلا أنها أنجبت (قبل خروجها من المنزل) طفلاً على جبينه وحمة برقم 666 ، تأكيداً أنه ابن الشيطان !
ديانا مستنكرة : وهل صدّق زوجها تلك الخرافة ؟
- لا طبعاً ، وظلّ يضربها حتى ماتت بين يديه
- وهل قتل الطفل ايضاً ؟
الشاب : توجه به للغابة ، لإعادته الى والده المزعوم .. لكن هواءً منعشاً خرج من البئر ، جعله يشعر بحنانٍ قويّ اتجاه الطفل ، كأنه ابنه بالفعل !
- أتظن إن لشيطان أوهمه بذلك ، ليربيه في منزله ؟
- ربما .. لكن معاملته لإبنه تغيرت بعد بلوغه سن 6 ، والسبب وراء ذلك هو تشاؤم اهل القرية منه الذين اخبروا والده : بأن الحرائق المتفرّقة في حقولهم ، حصلت بعد تواجد ابنه هناك .. وعندما يلمس خرافهم ، تنفق في اليوم التالي .. وحين رقص تحت المطر ، توقفت الأمطار لشهورٍ طويلة .. وهدّدوا والده بالطرد من قريتهم إن أصرّ على الإحتفاظ باللقيط .. مما اضّطر لحجزه في قبو منزله ، لحين بلوغه 9 سنوات ..وفي يوم تفاجأ الأهالي بالصبي يقف وسط الساحة وثيابه ملطخة بالدماء ، ويخبرهم ضاحكاً انه قتل والده ! ولم يصدقوه الا بعد اقتحامهم المنزل ، ورؤية اشلاء ابيه متناثرة في كل مكان
ديانا : وماذا فعل اهل القرية به ؟
- احرقوه حتى الموت وسط الساحة
- أتقصد ربطوه في الصليب المحروق الذي رأيته هناك ؟
الشاب : نعم ..وقبل موته صرخ مهدّداً أنه سيعود للإنتقام منهم ، مع اول حملٍ في القرية .. لهذا قرّر الرجال الإبتعاد عن زوجاتهم ، وحصل هذا قبل 8 سنوات
- الهذا يريدون إجهاضي ؟
- الجميع خائف من عودة الشيطان ، فهو لن يرحمهم هذه المرة ..وأنصحك بالخروج من هنا بأسرع وقتٍ ممكن
في هذه اللحظات ، سمعا صوت النسوة تقترب من المنزل
الشاب بقلق : عليّ الذهاب الآن ، مع اني لم أصلح كل النوافذ
ديانا : على كلٍ ، شكراً على شوال البطاطا الذي احضرته لي .. والآن إهرب قبل أن يرونك هنا
وخرج من النافذة الخلفية ، باتجاه سيارته التي أخفاها في الغابة
ثم سمعت ديانا احداهن تهدّدها بصوتٍ عالي :
- ديانا !! معك اسبوع واحد للخروج من قريتنا وإلاّ سنخرجك بالقوة ، هذا قرارنا بالإجماع !!
فنظرت ديانا من النافذة ، لتراهم يحملنّ العصيّ والسكاكين الحادة .. فصرخت بفزع :
- انا لست حاملاُ بالشيطان
فشهقنّ برعب :
- من اخبرك عن الحادثة ؟!
ديانا : الولد الذي احرقتموه كان ابن حرام ، اما ابني فمن زواجٍ شرعيّ .. وربما ولادته تُنهي لعنة قريتكم ، وتجتمعون مجدداً مع أزواجكم
العروس : أحقاً !
العجوز بعصبية : إسكتي انت !! .. اسمعي يا ديانا ، نحن لن نخاطر بحقولنا ومواشينا لأجلك .. عليك الخروج من قريتنا خلال اسبوعٍ فقط .. مفهوم !!
وابتعدن عن منزلها ، تاركين ديانا تشعر بضيقٍ شديد
***
في الصباح الباكر ، أسرعت ديانا الى قرية الرجال .. لتسأل مراهقاً عن عنوان مصلّح الزجاج .. فتردّد قليلاً ، قبل أن يدلّها على منزله
وفتح الشاب الباب وهو يتثاؤب بنعاس :
- ديانا ! مالذي احضرك الينا في هذا الوقت المبكّر ؟!
- ارجوك ساعدني
وأخبرته بتهديد النسوة لها ..
الشاب : رجاءً لا تورطيني معهن ، والا سيطردونني ايضاً من القرية
ديانا : وهل ستبقى طوال حياتك محتجزاً في قسم الرجال ؟ ألا تفكّر بالزواج وإنجاب الأطفال ؟
- سأفعل حين تنتهي اللعنة
ديانا : ستنتهي إن سمحتم لي بإنجاب طفلي الذي لن يؤثّر سلباً على حقولكم ومواشيكم ، وحينها تتوقفون عن الخوف لتعود حياتكم كما كانت
وإذّ بها تسمع صوت العجوز من خلفها يقول بعصبية :
- الم آمرك أن لا تعودي الينا ؟!!
فهمست للشاب : ارجوك ، فكّر بالأمر
ثم أسرعت الى سيارتها ، عائدةً الى قسم النساء .. لتلتقي بإحداهن في الساحة ، والتي قالت بقسوة :
- بقيّ 6 ايام لتختاري اما الرحيل او الموت !!
فعادت ديانا مسرعة الى منزلها ، وأقفلت بابها بإحكام
***
واضّطرت ديانا لحجز نفسها في المنزل ، لعدم وجود مكانٍ آخر تذهب اليه .. ولم تتناول على مدى ايام سوى البطاطا المسلوقة التي اهداها لها عامل الزجاج المرة الماضية ، رغم جوعها الشديد بسبب الحمل
***
في نهاية الإسبوع وقبيل الفجر ، إستيقظت ديانا من نومها على صراخ امرأة خارج منزلها :
- إنتهت المهلة !! وسنُخرجك من منزلك بالقوة
ثم عمّ الصمت المُقلق ، لتشتم بعد قليل رائحة حريق ..وتتفاجأ بالدخان الأسود يصعد الى غرفتها !
فنظرت من النافذة ، لترى النّسوة يرمين شعلات النار على الطابق السفليّ..
فصرخت ديانا بفزع :
- يا ملاعيين !! اليس في قلوبكن رحمة ؟
الصبية : أخرجي فوراً من الباب الخلفيّ ، وقودي سيارتك الى خارج قريتنا
العجوز بلؤم : او إبقي لتحترقي انت وجنينك الشيطانيّ
فأسرعت ديانا الى القبو التي اكتشفت فيه قبل يومين سرداباً يوصلها الى وسط الغابة ، يبدو إن جدها أخفاه عن الجميع !
فأضاءت كشّاف جوالها ، ومشت فيه محاولةً تجنّب الفئران والحشرات .. إلى أن وصلت بعد نصف ساعة الى عمق الغابة ..
وهناك سمعت تهليل النسوة من بعيد بعد إحراقهن منزلها بالكامل ، لظنهن انها ماتت في الداخل ! خاصة ان سيارتها ظلّت مركونة هناك
وركضت ديانا باتجاه قسم الرجال ، لطلب المساعدة من العامل اللطيف لتوصيلها الى محطّة الباصات والعودة الى المدينة
لكنها لم تستطع المشي أكثر بعد وصولها الى الساحة ، ونزول ماء رأس الطفل امام الصليب المحروق المتواجد هناك !
وحاولت تحمّل آلامها قدر الإمكان ، قبل إطلاقها صرخة مدويّة ..وإغمائها فور ولادة الطفل
***
إستيقظت مع شروق الشمس .. لتجد النّسوة مجتمعات حولها ، وهن ينظرن بفزع للطفل الذي يبكي بجانبها !
فسارعت ديانا بضمّه الى صدرها ، خوفاً من السكاكين والعصيّ التي يحملنها ! لتلاحظ على الفور الوحمة المخيفة على جبيبن الطفل بالرقم 666
وقبل أن تستوعب ما تراه ! صرخت العجوز بفزع :
- لقد عاد الشيطان ، إهربوا !!
وانطلقن جميعاً الى بيوتهن ..ووصل الخبر الى الرجال الذين عادوا سريعاً الى زوجاتهن اللآتي افترقوا عنهن لسنواتٍ طويلة ، لأنه لم يعدّ هناك ضرورة للإنفصال بعد تحقّق اسوء كوابيسهم
وحاول الكثير منهم الهرب من القرية التي عادت اليها اللعنة ، الا ان سياراتهم توقفت عن الحركة .. ومن استطاع منهم الوصول الى الغابة ، تساقطت الأشجار من امامهم وخلفهم لمنعهم من الهرب .. ومنهم من اعترض طريقه قطيعاً من الذئاب والكلاب السوداء بعيونها الحمراء المخيفة .. ومن ركب حماره لم يستطع حثّه على الحركة ، رغم ضربه الشديد له ..بينما فضّلت الأحصنة رميهم بقسوة على الأرض ، وفرارها وحدها خارج القرية ..
اما كبار السن (الذين خطّطوا في الماضي لحرق الولد ، بعد نصبهم الكمين للشيطان وربطه بالصليب) فقد حاولوا الإنتحار خوفاً من عقابه .. الا إن حبال مشانقهم انقطعت دون سببٍ منطقيّ ! وأسلحتهم فُرغت من رصاصاتها التي لم يجدوها في أيّ مكان ! ومن حاول قطع شريانه ، إنكسر السكين في يده .. حتى من حاول حرق نفسه لم يستطع إشعال النار ، كأن شيءٍ خفيّ يُطفأها له !
فعلم الجميع انهم علقوا مع الشيطان ، وعادوا بخطواتٍ متثاقلة وخائفة الى الساحة .. ليجدوا جثة ديانا مضرّجة بالدماء ! وبجانبها ابنها الذي أصبح عمره 9 سنوات (وهو العمر الذي قتل فيه الشيطان سابقاً) والذي ناداهم بصوتٍ جهوريّ غاضب :
- هآقد عدت اليكم ، كما وعدتكم يا ملاعيين !! فلا تحاولوا الإنتحار ، لأني حضّرت طرقاً إستثنائية للقضاء عليكم .. لكن دعوني اولاً إبهركم بقدراتي الخارقة
وأشار بيده الى حقولهم ، ليروها تحترق من بعيد .. ثم أشار بيده الأخرى الى زرائبهم ، ليسمعوا أصوات حيواناتهم وهي تحتضر !
فبكوا وهم يترجونه أن يسامحهم ، حتى إن بعضهم سجد له !
لكنه أخبرهم :
- هذه المرة لن ارحم كبيركم ولا صغيركم ، وسأحوّل قريتكم الى جحيمٍ حقيقيّ !!
***
بعد سنواتٍ عديدة .. وصلت مجموعة كشّافة ومغامرين لرؤية القرية الملعونة ، وتصوير منازل سكّان القرية المهجورة الذين أبيدوا بطريقةٍ غامضة ! ولم يبقى من أثرهم سوى جماجمٍ رُكّزت فوق اعمدةٍ صدئة لأسوار القرية ..
وحين وصلوا لوسط الساحة ، وجدوا شاباً يسقي الورود حول الصليب المحروق ..فسألوه باهتمام :
- مرحباً ، هل انت سائحٌ ايضاً ؟
فابتسم بلطف : اهلاً بكم في قريتي الملعونة
فسأله الرجل بدهشة : هل انت حقاً من السكّان القدامى ؟!
فأومأ الشاب برأسه موافقاً ..
فقالت إحدى الفتيات بحماس : إذاً إسمح لنا بصورةٍ معك
وتجمّعوا حوله لأخذ صورة جماعيّة ..
فأزال الشاب القبعة عن رأسه ، دون انتباههم على الوحمة 666 على جبينه .. ودون علمهم انهم لن يخرجوا احياءً من القرية ، كما حصل مع الكثير من الفضوليين على مدى سنواتٍ متعاقبة !