السبت، 10 أكتوبر 2020

البراءة المُحتجزة

 تأليف : امل شانوحة


مراهق في سجن البالغين !


تلفّت جيمي بخوف لرؤية المحلّفين والحضور ، وهو يأمل ان تؤثّر المظاهرات خارج المحكمة (المُطالبة ببراءته) على القرار النهائيّ للقاضي 


في هذا الوقت كان محاميه يحاول إقناع القاضي بالحكم عليه كقاصر وسجنه مع الأحداث .. بينما المحامي الآخر يصرّ على محاكمته كشخصٍ بالغ ، مقدّماً أدلّته للقاضي :

- سيدي .. أعرف ان جيمي يبدو كمراهق يبلغ 13 عام ، لكن تقرير الطبيب وتاريخ ميلاده يؤكّدان أن عمره تجاوز 25 سنة ، بعد إصابته بمرض قصور الغدة النخامية ((hypo-pituitarism وهو خللٌ هرمونيّ نادر يوقف نمو الأطفال .. وهو ليس بريئاً كما يبدو لنا ، فهو ارتكب عدة جرائم : حيث طعن والده بالتبني حتى الموت ، وساهم في خطف عشرات الفتيات ، وباع المخدرات لزملائه في المدرسة .. وفعل ذلك وهو مُدركٌ جيداً لسوء افعاله .. لهذا أطالب المحكمة بالحكم عليه بناءً على عمره وجرائمه الشنيعة ، وليس على هيئته الخارجية  


فاعترض محامي جيمي : كل تلك الجرائم إرتكبها تحت تهديد والده برميه في الشارع بعد وفاة امه ..


واحتدم النقاش بين المحاميين بتفاصيل القضية .. في الوقت الذي استذكر جيمي ماضيه ، تحديداً في اليوم الذي أخذته امه لطبيب الغدد لمعرفة سبب توقف نموه .. 


وبعد خروجهما من العيادة ، أطلعته على مرضه النادر  

فسألها بقلق : يعني لن أكبر كرفاقي ، ولن أتزوج وأنجب الأطفال ؟!

امه بحزن : آسفة جيمي ، ستبقى طفلاً صغيراً .. لكن لا تحزن ستكون ولداً قوياً ، فقد قرّرت تسجيلك في نادي الكاراتيه لحماية نفسك من الملاعين الذين سيحاولون إستغلال مرضك 


ولم يفهم جيمي سبب قلقها الا بعد وفاتها ، حين أخبره والده بالتبني :

- امك التي تحميك وتدلّلك ماتت الآن .. ولكي لا أعيدك الى دار الأيتام ، عليك العمل لحسابي

- لم افهم !

فأجابه بابتسامةٍ ماكرة : سأستفيد من إعاقتك 


وكان اول جرم إشترك فيه : هو وقوفه قرب مدرسة ثانوية للبنات ، حيث طلب منه والده البكاء فور خروجهنّ .. وحين تقترب إحداهنّ لمساعدته ، يأخذها لبيته بحجّة ضياعه ، ليقوم والده بالإعتداء عليها ! والتخلّص من جثتها لاحقاً .. 

وقد حاول جيمي الهرب بعد ارتكابه اول جريمة خطف ، لكن والده قبض عليه وربطه بالسلاسل في سريره .. كما انه ضربه كثيراً لإجباره على دفن ضحاياه .. 


وتكرّرت عمليات الخطف الى ان بدأت الشرطة تحوم حول منطقتهم ، فاضطر الأب للسفر مع جيمي الى منطقةٍ بعيدة ، ليبدأ نوع آخر من الجرائم ! عقب تسجيله في مدرسةٍ متوسطة ، وإجباره على بيع المخدرات لأصدقائه 

وحين أوشك المدير على كشف أمره ، إنتقل مع والده لولايةٍ أخرى 


وفي إحدى الليالي .. وبعد انتهاء حفلة سكرٍ ومخدرات لوالده مع اصحابه .. تفاجأ جيمي بصديق والده يقتحم غرفته ، للإعتداء عليه! 

لكنه تمكّن الهرب باستخدام مهارته بالكاراتيه لإبعاد الرجل عنه ، ليُسرع الى والده الذي أخبره أنه باعه لصديقه القوّاد للعمل في مهنة الرذيلة طوال حياته ! 


فجنّ جنون جيمي.. وأخذ سكيناً حاداً من المطبخ ، وظلّ يطعن بها والده السكران الى ان قتله .. فهرب القوّاد فزعاً ، واتصل بالشرطة التي قبضت عليه وأرسلته للمحاكمة .. 

وبعد نشر قصته بالصحف ، تظاهرت الناس خارج المحكمة مُطالبين ببراءته ..


وهنا عاد جيمي الى الواقع على صوت القاضي وهو يطالبهم بالوقوف للنطق بالحكم ، والذي كان صادماً للجميع بعد ان حكم عليه 20 سنة في سجن البالغين ! 

فحاول محاميه الإعتراض : بأن وجوده مع السجناء الكبار خطراً على حياته 


لكن القاضي لم يهتم لسلامته وأنهى المحاكمة سريعاً ، مع رفضه الطعن بالحكم .. 

ليقوم الحرس باقتياده الى هناك ، وسط غضبٍ عارم للناس على الحكم الظالم

***


في السجن .. حاول جيمي التماسك خلال الإجراءات الطويلة : من أخذ بصماته وحلق رأسه ولبس ملابس المساجين الذي اضطر المسؤول لقصّ اطرافه لتناسب حجمه الصغير .. 


ثم حمل وسادته ولحافه النتنين الى داخل السجن عقب إنتشار الخبر بينهم ، والذين استقبلوه بطرق أكوابهم الحديدية على القضبان ، وصراخ بعضهم بحماس :

- هذا الصغير لي !!

- لا لي انا !!


وكان الجميع مُحتجزاً في زنزانته ، ماعدا زعيمهم الذي اقترب من الصغير وهو يقول :

- ستكون دميتي ، ايتها الصغيرة الفاتنة

ليُفاجأ بضربة كاراتيه من الولد ، أسقطته ارضاً وسط دهشة الجميع ! ويصرخ جيمي بعلوّ صوته :

- قتلت والدي حين باعني لشواذّ ، ولن أتوانى عن قتل من يحاول منكم إيذائي ..هل سمعتم !!


وهنا أسرع الحارس بأخذه الى سجنٍ منفرد .. وقبل إقفال الزنزانة ، قال له:

- أمر المدير بحبسك منفرداً ، لحمايتك من الأشرار .. حيث ستتناول طعامك هنا .. وتستحمّ في وقت عشاء المساجين  .. كما سنُخرجك ساعتين في آخر الليل ، لتجوّل وحدك بالساحة 

جيمي بشجاعة : لست خائفاً منهم !!

الحارس : هل تظن زعيمهم سيسكت عن إهانتك له امام الجميع ؟ .. أنصحك يا ولد ان تبقى هادئاً ، والا ستُقتل قبل إكمال محكوميتك

جيمي بغضب : لست ولداً !!!


لكن الحارس لم يكترث لصراخه ، وأقفل الزنزانة .. لتبدأ اول ليلة صعبة على جيمي الذي حاول التماسك قدر الإمكان ، قبل ان يغفو والدموع على وجنتيه 

***


إستمرّ هذا الوضع شهراً كاملاً ! حيث بقيّ وحده ساعات طويلة في زنزانةٍ لا تتجاوز المترين ، لا يفعل شيئاً سوى تناول طعامه فوق السرير .. والمشي وحيداً في الساحة كل ليلة .. 


وفي إحدى الليالي ، ومن شدّة ملّله .. وجد كرة في آخر الساحة .. فأخذ يلعب بها بمهارة ، ويركلها بقوة لترتطم ببوّابة السجن الحديدية ، مما أيقظ بعض المساجين الذين صرخوا عليه من نوافذهم :

- توقف يا صغير !! نريد ان ننام

- إسمي جيمي !! واتحداكم ان تفوزي عليّ بمبارة كرة قدم


فأطلّ زعيمهم ليقول : الحرس لا يسمحون لنا بالإجتماع معك ، والا لكنا استمتعنا كثيراً  

جيمي : انت كبير السجناء ، إطلب من الحرس إخراجك مع ستة من البارعين في الكرة لتكوين فريقين : كل فريق يحوي اربعة لاعبين .. وفي حال أدخلت اهدافاً في مرماكم ، أحصل على وعدٍ منك بأن لا يؤذيني احد .. فهل تراهن ؟


وبالفعل تكلّم زعيمهم مع رئيس الحرس الذي قبل بإقامة مباراة بين الفريقين .. ليقوم بقية السجناء (الذين استيقظوا لاحقاً) بمتابعة المباراة من نوافذ سجونهم ، والتي استمرّت لساعةٍ كاملة .. إستطاع فيها الصغير إدخال هدفين في مرماهم .. وحصل على تصفيقٍ حار من الحرس والمساجين ..


وبعد انتهاء المبارة ، قال زعيم المساجين بصوتٍ عالي : 

- جيمي الآن في حمايتي !! وممنوع على أحدٍ أذيته .. هل كلامي مفهوم !!

السجناء : مفهوم سيدي !!


ورغم ذلك أصرّ مدير السجن على بقاء جيمي في زنزانةٍ منفردة ، والتي عاد اليها سعيداً بعد حصوله على حماية زعيم أكبر العصابات المتواجدة في السجن  

***


في اليوم التالي .. رفض جيمي تناول الغداء في زنزانته ، وطلب من الحارس إنزاله لقاعة الطعام .. 

وبالفعل وقف بالطابور مع السجناء .. ثم أخذ صينيته وجلس وحيداً على الطاولة ، فاعترض سجينٌ بدين على حصّته من الطعام :

- لما حصل على نفس كميتنا ؟ هو معدته صغيرة مُقارنة بمعدتي


وتوجّه اليه لأخذ بعض أطباقه ، لكن جيمي أمسك يده بقوة وهو يقول مهدّداً:

- معي حزامٌ أسود بالكاراتيه ، وأستطيع كسر يدك بسهولة ايها البدين

فاقترب منهما الزعيم ليقول : 

- معه حق يا جيمي ، فأنت لن تستطيع إنهاء اطباقك ..فلما لا تتبادلا؟ 

جيمي : ماذا تقصد ؟

الزعيم : أعرف انك شابٌ بالغ ، لكن جسدك الصغير يحرق السكريات أسرع منا .. (ثم قال للبدين) : انت !! إعطه الدونات .. وانت يا جيمي !! إعطه طبق اللحمة ، فهو بدين ويحتاج للمزيد من الطعام 

وبالفعل قاما بالتسوية بينهما ، وأكملا طعامهما دون مشاكل

***


في اليوم التالي .. ضجّت قاعة الطعام بعد رفضهم تناول الأكل المحترق ، بإهمالٍ من الطباخ العجوز ..

لكن مدير السجن أمرهم بأكله دون اعتراض ..

ليتفاجؤا بالصغير يرمي طعامه امام المدير ويقول :

- لسنا حيوانات لنأكل هذا الطعام الرديء 

فوقف الزعيم : الصبي معه حق

ورمى صحنه ايضاً ، ليقوم جميع السجناء برمي طعامهم ..


فأمر مدير السجن بجلد جيمي لإثارته المشاكل .. وقام بضربه بالحزام امامهم 50 جلدة ، لكنه ظلّ متماسكاً ولم يبكي دمعة واحدة 

 

الى ان يأس المدير منه .. وخرج من القاعة مع حرسه ، بعد إعطائه الأوامر لعمّال المطبخ بتقديم علبتيّ سردين لكل سجين بدل طعامهم المحترق ..فصفّق الجميع للبطل الصغير الذي شعر بالسعادة والفخر 

***


بعد ايام .. تكرّر الوضع ثانية ، وكانت العصيدة سيئة للغاية .. فقال جيمي للسجناء :

- سأضرب عن الطعام لحين استقالة الطباخ العجوز ، من معي؟!!

لكن الجميع أكمل طعامه بصمت 

جيمي غاضباً : اذاً سأقوم بالإضراب وحدي ، ايها الجبناء .. 

وعاد الى زنزانته دون ان يأكل شيئاً

***


في اليومين التالين .. ظلّ جيمي مُعرضاً عن الطعام ، وانتشر الخبر بين المساجين .. ليعلن الزعيم إضرابه عن الطعام ايضاً .. ولم تمضي ايام حتى امتنع الجميع عن النزول لقاعة الطعام ..


وكان المدير في وضعٍ صعب : لأن لجنة حقوق الإنسان ستصل خلال ايام لتعين النظام في سجنه .. لهذا اضطر لقبول طلبهم وإقالة العجوز وإحضار طباخين مختصّين .. فأكلوا السجناء طعامهم بنهمٍ وشهية لأول مرة منذ سنوات .. وبعد إنهائهم أطباقهم اللذيذة ، حملوا جيمي فوق اكتافهم وهم يهتفون :

- يحيا بطلنا الصغير !! يحيا جيمي الشجاع !!


وهكذا بدأ جيمي بتكوين صداقات ، بعد ان أصبح محبوباً لدى الجميع .. حتى ان بعضهم شارك في صفه لتعليم الكاراتيه ..

***


بعد شهور .. تفاجأ جيمي بسجينين يقتحمان زنزانته ! ويخطفانه بعد تكميم فمه .. وإنزاله جبراً الى القبو (المكان المخصّص لغسل ملابسهم) .. 

وهناك وجد زعيم السجناء في انتظاره ، فقال له غاضباً :

- الم تعدني ان لا يؤذيني أحد ؟!!

الزعيم : لا تقلق ، اريدك بموضوع أهم


ثم قام السجينان بإبعاد الغسالة عن الحائط ، لتظهر فتحة صغيرة خلفها 

الزعيم : إسمع يا جيمي .. حفرنا هنا ، لأن المواسير الخلفية توصل لخارج السجن 

جيمي بدهشة : هل ستهربون ؟!


الزعيم : ليتنا نستطيع ..لكن الحفرة صغيرة كما ترى ، واريدك ان تهرب اولاً .. ستجد خلف الفتحة مواسير صحية تصبّ في جدولٍ صغير خارج أسوار السجن .. إسبح بداخلها الى ان يُوصلك الجدول الى غابةٍ صغيرة .. توغّل فيها باتجاه الشمال .. ستجد بنهايتها ، شارعاً يوصلك لمحطة بنزين .. (ثم أعطاه نقوداً معدنية).. هناك هاتفاً عمومياً ، إتصل على هذا الرقم .. واخبرهم انني سأكون في ساحة السجن : غداً الساعة الرابعة عصراً .. وهم سيخرجوني من هنا 


جيمي بقلق : وماذا عني ؟ 

- إبقى في المحطة لحين قدوم سيارة سوداء تأخذك الى مقرّي ، فأنا أحتاجك في عملي الجديد 

- أخاف ان تؤذيني جماعتك

- لا تقلق ، أخبرتهم انك بحمايتي .. والآن إسرع الى داخل الحفرة قبل تبديل العساكر .. 

وبالفعل مرّ من خلالها ، ليقوم بتنفيذ الخطة بإتقانٍ وشجاعة .. 


وفي اليوم التالي .. ضجّت الأخبار عن تحليق طائرة هليكوبتر فوق ساحة السجن ، وتعلّق الزعيم بسلّمها الطويل وهروبه من السجن الى جهةٍ مجهولة ! 

***


بعد سنوات .. تمّ القبض مجدداً على جيمي في ولايةٍ أخرى ..

ليرافع محاميه قائلاً : سيدي ، ما ذنب هذا الصغير اليتيم الذي خطفته عصابة مخدرات شرسة ، وأجبرته على تنفيذ اوامرها ؟ لهذا أطالب عدالتكم بفرض أدنى العقوبات على مايكل الصغير 


في هذا الوقت كان جيمي يُخفي سعادته لعدم إكتشافهم هويّته المزورة (بإسم مايكل ، 13 عام) التي على أساسها حصل على حكمٍ مخففّ بالحبس عامين في سجن الأحداث الذي خطّط لدخوله مُسبقاً : بغرض تجنيد السجناء الصغار في خدمته بعد إطلاق سراحهم ، دون علمهم بأن رئيسهم مايكل : هو نفسه جيمي بعد تجاوزه سن الأربعين ! الذي أصبح الزعيم الجديد لأخطر عصابة مهمّتها : توزيع المخدرات في المدارس لتدمير المراهقين بكل أنحاء البلاد !  


الثلاثاء، 6 أكتوبر 2020

سحرٌ وراثيّ

فكرة : محمد بيومي آل غلاب
كتابة : امل شانوحة 

سحر الأجيال


جبينٌ مُتعرّق .. رعشةٌ لا ارادية .. أنفاسٌ متقطّعة .. إستيقظت ريم من كابوسها الذي تكرّر يومياً على مدار اسبوع ..

وتساءلت بضيق : 

- لما تلاحقني العروس المشلولة في منامي كأنها تريد الإنتقام مني ؟!

***


وعلى مائدة الفطور .. لاحظت امها وجدتها نعاسها وإرهاقها الجسدي .. فسألتها امها :  

- أمازال متنمّروا المدرسة يضايقونك ؟

ريم بيأس : لا ، تعوّدت عليهم

الجدة : اذاً مابك متعبة هكذا ؟

ريم : كابوسٌ لعين لا يفارقني

الأم : قلتِ ذلك مراراً ، لكنك لم تخبرينا بما ترينه 

ابنتها : 

- نفس المشاهد تتكرّر كل مرة : رجلٌ يضرب ابنته بعنف .. عروسٌ على كرسي متحرّك .. وحبلٌ ناريّ يربطني بكما  

الأم والجدة باستغراب : نحن ايضاً ؟!

ريم : نعم .. وأكثر ما يخيفني : نظرات العجوز وهو يراقبني طيلة المنام  

الجدة : أيّ عجوز ؟

وهنا سمعت بوق حافلة مدرستها.. فوقفت ريم وهي تقول :

- عليّ الذهاب ، نُكمل كلامنا لاحقاً 

***


مرّ الوقت ببطء في مدرستها ، فالمعلمون لا يسمحون لها المشاركة في الحصص ، كأنهم لا يرونها ! 

كما عانت ايضاً من الوحدة ، فلا احد يريد مصاحبتها بعد تلقيبها بالفتاة المنحوسة لكثرة تعثّراتها ، وضياع اغراضها وسقوط طعامها دون سبب ، وتلوّث ملابسها من مطرٍ وطين وغيرهما ، كأن هناك شيءٌ خفيّ يريد جعلها محطّ سخرية الآخرين !

***


في نهاية المدرسة ، توجهت للحافلة .. وقبل صعود درجاته ، لمحت عجوزاً يختبأ بين الأشجار ويشير لها بالقدوم اليه ! 

المخيف في الموضوع انه نفس العجوز الأعور الذي تراه في كوابيسها المتكرّرة ! 

فأسرعت بركوب الحافلة وقلبها ينبض بقوة .. وحين نظرت من النافذة كان اختفى تماماً ! رغم كبر سنه وعرجته الواضحة  

***


حين وصلت المنزل .. وجدت جدتها نائمة وامها في عملها الوظيفي ، ولا غذاء كالعادة .. فأكلت شطيرة جبن على عجل ، ودخلت غرفتها .. وما ان استلقت على سريرها ، حتى غفت من إرهاقها النفسي والجسدي 


لترى ذات الكابوس ، لكن هذه المرة عاتبها العجوز لأنها لم تلحقه !

ولأول مرة لم تهرب منه ، بل تجرّأت على سؤاله عمّا يريده منها .. فأجابها :

- فكّي رباطي لأعود لعائلتي

لتنتبه بأن الحبل الناريّ الذي يجمعها بجدتها وامها مُقيدٌ ايضاً بقدم العجوز الذي أراد الشرح لها طريقة فكّ الرباط ، لكنه التزم الصمت بعد رؤيته العروس المشلولة تراقبهما من بعيد ! 

واستيقظت ريم من نومها وهي تتصبّب عرقاً..

***


في المساء .. سألتها امها :

- لما لا تأكلين ؟

ريم بنبرةٍ حزينة : شبعت

الجدة : وضعك يزداد سوءاً كل يوم ، ما السبب ؟ 

ريم : أرهقني الكابوس اللعين  

الأم : آه صحيح ، لم تكمليه لنا .. فماذا ترين بالضبط ؟ 

فأخبرتهم عن عجوز الكابوس الذي رأته يراقبها خارج المدرسة .. 

الجدة : صفيه لنا ؟


ريم : عجوزٌ أعور ، بلحيةٍ بيضاء خفيفة ..ومسكة عكازه على شكل أفعى

الأم بدهشة : أهو أعرج وأسمر اللون ؟

ريم باستغراب : نعم ! 

الجدة : وأصلع ايضاً ؟ 

ريم : هل رأيتماه في منطقتنا من قبل ؟

فسألت الأم الجدة : لحظة ! هل شاهدته انت ايضاً ؟ 

الجدة : نعم بعد ترمّلي بشهر ، صار يلاحقني كلما ذهبت للسوق .. ثم اختفى فجأة  

الأم : يعني رأيته بعد وفاة والدي ؟ أيّ بعد انتقالنا للمدينة 

الجدة : نعم .. ماذا عنك ؟

الأم : رأيته بعد ايام من طلاقي ، وكنت حاملاً بريم 

ريم : تقصدان انه بدأ اولاً بمراقبة جدتي قبل ثلاثين سنة ؟!

الجدة : نعم ، وكان عجوزاً ايضاً 

ريم باستغراب : وكيف لم يمت بعد ؟!


الجدة بتردّد : أظنه جني تربّص بعائلتنا جيلاً بعد جيل ، كسحرٍ متوارث أصابنا جميعاً بسوء الطالع 

ريم بخوف : جني !

الأم : امي !! لا تخيفيها رجاءً 

ريم : وهل كنتما منحوستان مثلي ؟

الأم : أذكر ان مصائبنا زادت بعد انتقالنا للمدينة .. فجدتك ترمّلت .. وانا تطلّقت بعد أشهر من زواجي .. كما عانيت من التنمّر طوال مرحلتي الدراسية والوظيفية ايضاً

الجدة : وانا تأذّيت كثيراً من الجيران ، لهذا تنقّلنا بين العديد من المنازل


ريم : اذاً لما لا نعود للقرية ، فربما تتحسّن احوالنا

الجدة بفزع : لا !! فالساحرة تعيش هناك

ريم : هل تقصدين العروس المشلولة ؟

الجدة : بل خالتها 

ريم : اذاً انت تعرفين الصبية جيداً ! من تكون ؟ وهل فعلاً تقدّم أحد للزواج منها وهي مشلولة ؟!

الجدة بحزم : ريم !! إذهبي الى غرفتك واكملي دراستك ، فالقصة قديمة ولا اريد التحدّث فيها ..

ريم : لكن جدتي ..

وهنا فضّلت الأم والجدة دخول غرفتهما دون الإجابة عن اسئلتها ! فعرفت ريم انهما يخفيان سراً عنها ، ولن تهدأ قبل ان تعرفه ..

***


في ظهر اليوم التالي .. وقبل صعودها الحافلة للعودة الى منزلها ، تلفتّت في جميع الإتجاهات بحثاً عن العجوز .. لكنها لم تره ..

فصرخ عليها السائق : هل ستركبين ام ماذا ؟!!

فصعدت لتجلس على كرسي بجانب النافذة .. وقبل تحرّك الحافلة ، لمحت العجوز يشير لها من بعيد ..


فأوقفت الحافلة وأسرعت باتجاهه .. لكنها تجمّدت حين رأت نظراته الحادّة ، وسألته بارتباكٍ وخوف :

- هل انت جني بالفعل ؟!

وتمنت ان يجيبها بالنفي او يضحك ساخراً من سؤالها ، لكنه اكتفى بالإشارة لها أن تلحقه دون التفوه بكلمةٍ واحدة مما زاد من رهبة الموقف


وظلّت تمشي خلفه قرابة ساعة دون ان يلتفت لها او يحدّثها ، الى ان ابتعدا كثيراً عن المناطق التي تعرفها .. فسألته بخوف :

- الى اين تأخذني ؟! 

لكنه لم يجيبها ، وتابع سيره ببطء (بسبب عرجته) .. الى ان صعد تلّة مرتفعة ، فلحقته .. وتوقف عند الحافة وهو يشير الى قريةٍ بعيدة 


ثم التفت اليها بعد تحوّل عينيه لحمراواتين مضيئتين ، أوقفت الدم في عروقها .. قائلاً بنبرةٍ حانقة : 

- سحركم مدفون هناك !!

واختفى فجأة ! لتُصاب بنوبة فزعٍ جعلتها تركض بأقصى سرعتها في نفس الإتجاه الذي أتت منه ، لكنها تاهت في الطرقات ..ولساعاتٍ طويلة


الى ان وصلت عصراً قرب منزلٍ قديم ، تصطفّ النسوة امامه ..

وحين اقتربت منهنّ ، سمعت إحداهنّ تقول للأخرى : 

- لا تقلقي ، الشيخ أحمد يفكّ جميع الأسحار 

فلم تجد ريم نفسها الا وهي تمرّ بين الجموع ، حتى وصلت الى ساحة المنزل .. وحين رآها حارس الشيخ ، أدخلها اليه اولاً ! رغم وجود نساءٌ كثيرات يقفن بالدور قبلها 


فوجدت نفسها في غرفةٍ صغيرة ، وشيخٌ هرم يفترش الأرض .. فجلست امامه ، ليبادر هو بسؤالها :

- لماذا ترتجفين يا ابنتي ؟

- رأيت جني قبل قليل 

- أحقاً ! إخبريني القصة منذ البداية

فأخبرته بشأن الكابوس والعجوز الأعرج ..


الشيخ باهتمام : هل أشار الى القرية المجاورة ؟

ريم : نعم ، يبدو ان سحرنا مدفون هناك 

- سحر الأجيال هو أخطر الأسحار ، ينتقل من فردٍ لآخر ..ومن الصعب فكّه ..

ثم أخذ يتمّتم جانباً ، وكأنه يتحدث مع الجني الذي يخاويه .. 


وبعد دقائق ، قال لها :

- اسألي جدتك عن ذنبها مع العروس المشلولة 

- ذنبها ؟!

الشيخ : نعم .. إحضريها غداً مع امك بنفس الموعد ، وسأحاول مساعدتكن .. الآن عودي الى منزلك

- لا أعرف كيف ! فالعجوز توّهني في الطرقات

- اذاً أوصفي الشارع الذي تعيشين فيه لحارسي فهو يعرف المنطقة جيداً ، وسيوصلك سالمة الى بيتك .. اراكِ غداً مع عائلتك

***


وبالفعل أعادها الحارس الى بيتها ، لتجد امها وجدتها تنتظرانها بقلقٍ شديد بعد تأخر موعد عودتها من المدرسة .. فأخبرتهما بما حصل

الأم معاتبة بعصبية : هل جننت ؟! كيف لحقتي الجني ؟

- لأني تعبت من النحس الذي رافقني طوال حياتي ، واريد فكّ سحرنا .. ولن أتوقف عن سؤالكما حتى تخبراني بقصة الفتاة المشلولة ، فماذا فعلتي بها يا جدتي ؟ 


فتنهدت الجدة بضيق ، قبل ان تخبرهما القصة التي كانت ابنتها تجهل بعض تفاصيلها .. حيث بدأت الحكاية بعودة رجلٍ من اهل القرية ثرياً من غربته ، طالباً عروساً لإبنه الشاب .. فعرضت الأمهات بناتهنّ من عمر 12 حتى اواخر العشرينات .. وبعد عدة لقاءات بين الوالد والأهالي ، إحتار ابنه بين عروستين : منال (ام ريم) وهي بعمر 13 .. والصبية جواهر بعمر 25 ، أجمل بنات القرية .. 


ولرغبة الجدة أن تحظى ابنتها بعريسٍ مثالي قامت بنشر إشاعةٍ عن علاقة محرّمة تجمع جواهر بشابٍ مزارع يعمل في ارض والدها.. وانتشرت الإشاعة بين اهالي القرية كالنار في الهشيم ، الى ان وصلت لأسماع والدها الذي انهال ضرباً عليها دون رحمة .. واثناء محاولتها الهرب منه ، دفعها بغضب وهي تنزل الأدراج .. لتسقط بعنف على ظهرها ، وتُصاب بشلل قدميها ... وبعد ايام سافر والدها للخارج نادماً ، بعد ان أخبرته طبيبة المشفى ان ابنته شريفة .. وهربت الجدة للمدينة خوفاً من غضب عائلتها ، خاصة ان خالتها تمتهن الشعوذة والتي يبدو انها انتقمت لشرف (ابنة اختها) بسحر الجدة وابنتها ، لينتقل السحر لريم بالتوارث  


الأم بصدمة : لا أصدق يا امي انك انت من نشرتِ تلك الإشاعة القذرة ؟!

الجدة بندم : أردّت فقط ان يختارك العريس بدلاً منها

الأم بعصبية : وبالنهاية تزوج العريس أجنبية ، وجواهر المسكينة شُلّت للأبد ..وانا وابنتي سُحرنا بذنبك ، هل أنت سعيدة الآن ؟!!

ريم : رغم صدمتي بجدتي ، الا ان علينا الذهاب غداً للشيخ لفكّ سحرنا .. فجدتي ترمّلت .. وانت يا امي تطلّقتي .. وأخاف ان يكون نصيبي من السحر ان أصبح عانساً ، فالناس لا تراني ولا تنتبه لوجودي .. لذا رجاءً فكّا السحر لأجلي

فوافقتا مرغمتين 

***


في عصر اليوم التالي .. إجتمعنّ في بيت الشيخ الذي دلّهم على منزلٍ مهجور بالقرية ، حيث سحرهم مدفون اسفل شجرة مزروعة في ساحته .. 

فتطوّعت الأم بالذهاب وحدها الى هناك ، لأنها تركت القرية بسن المراهقة ولن يتذكّرها احد 

***


بعد يومين .. توجّهت الأم للقرية التي تغيرت كثيراً عن ايام طفولتها .. وفي طريقها للمكان المنشود ، حاولت جاهداً عدم لفت انظار السكّان اليها ، وتجاهلت شوقها لزيارة بيتها القديم .. وظلّت تمشي بجانب الأراضي الزراعية ، الى ان وصلت لبيتٍ مهجور ببابٍ صدئٍ مكسور ، تماماً كما وصفه الشيخ .. 

ودخلت ساحته من بابه المخلوع ، ووقفت قرب الشجرة المُعمّرة .. وظلّت تحفر اسفلها الى ان أخرجت صندوقاً نحاسياً صغيراً ، إكتفت بوضعه داخل حقيبتها دون فتحه ..

ثم خرجت من هناك ، مُتوجهة لمكان تجمّع الحافلات للعودة الى مدينتها بأسرع وقتٍ ممكن ..


ولأنها كانت تمشي مُخفضة الرأس (كي لا ينتبه اليها احد) لم تلاحظ مرورها بجانب منزل جواهر التي رأتها من نافذة غرفتها ، لتناديها بعلوّ صوتها : 

- هاى انت !! انا أتكلّم معك

فالتفتت منال الى مصدر الصوت ! لترى جواهر وقد كبرت في العمر ، وهي تجلس على كرسيها المتحرّك وتسألها :

- انت منال ابنة اللعينة هند ، اليس كذلك ؟ عرفتك من وحمة وجهك القبيح .. كنت متأكدة انك ستعودين الى هنا .. أمازالت امك ذات اللسان الطويل حيّة ؟!!


فهربت منال بسرعة ، قبل سماع المارّة إتهامات جواهر التي ظلّت تصرخ بغضبٍ شديد :

- أتمنى ان تُشلّي انت وجميع عائلتك .. يا ظلمة !! يا فسقة !!!

وتنفّست منال الصعداء بعد تحرّك الحافلة مُبتعدةً عن قريتها القديمة 

***


وصلت منال الى بيتها بحلول المساء .. لتستقبلها ابنتها بلهفة :

- أخيراً عُدّتِ !! خفنا عليك 

وخرجت الجدة من غرفتها لتسألها : هل استخرجت السحر ؟

منال وهي تريهما الصندوق النحاسيّ : نعم ، غداً نوصله للشيخ احمد

ريم بارتياح : ممتاز !! سنتخلّص من نحسنا أخيراً


وهنا لاحظت الجدة ضيق ابنتها ، فسألتها بقلق :

- هل قابلتِ أحداً من اهل قريتنا ؟

- فقط العزيزة جواهر

الجدة بقلق : ماذا ! هل قالت شيئاً ؟

الأم : لولا لطف الله لتجمّع الأهالي حولنا وهي تشتمنا وتدعي علينا ، لكني تمكّنت الهرب قبل سماعهم إتهاماتها وصراخها الغاضب .. وبصراحة يا امي لا ألومها ، فأنت أضعتِ شبابها وشرفها بإشاعتك الظالمة .. وبرأيّ خالتها لم تظلمنا بسحرها لنا

ريم بحزن : وما ذنبي انا يا امي ؟

فربتّت امها على ظهرها وهي تقول : نعم لا ذنب لك ، لهذا سنذهب غداً للشيخ لإنهاء شقائك

***


في اليوم التالي .. إجتمعنّ عند الشيخ الذي استطاع بصعوبة فكّ العقد الأربعة للحبل الصغير الموجود في الصندوق النحاسيّ

الشيخ : مبروك !! أخيراً تحرّرتم من نحسكم 

ريم : كانت هناك اربعة عقد في الحبل ، ونحن ثلاثة فقط ؟!

الشيخ : لوّ أنجبت طفلة ، لانتحست هي الأخرى .. فالسحر معمول لأربعة اجيال من الإناث 

فتنهدت امها بارتياح : اذاً الحمد الله انك فكّكت السحر قبل زواج ابنتي..


الجدة : بماذا تنصحنا يا شيخ ؟

الشيخ : لوّ كنت مكانك لاعتذرت من جواهر ، فأنت ظلمتها بقسوة

الجدة : أخاف العودة للقرية فتراني خالتها وتسحرنا من جديد 

الشيخ : اذاً تصدّقي دائماً للفقراء ، عسى ربك ان يسامحك عن ذنبك الكبير 

وبعد دفع أجرته ، عدنّ الى بيتهن وهن يشعرن بارتياح على انتهاء أزمتهن

***


في تلك الليلة .. حلمت ريم بالرجل العجوز وهو يفكّ الحبل الناريّ عنها وعن جدتها وامها .. ليعود فرحاً الى عائلته الجنية الذين استقبلوه بشوقٍ كبير ، بعد ان قُيّد معهنّ لسنواتٍ عديدة 


ومنامها هذا أسعد امها وجدتها ، لتأكّدهما من انتهاء مرحلة العذاب والقهر الذي رافق عائلتهم لأعوامٍ طويلة 

***


في ظهر اليوم التالي .. خرجت ريم سعيدة من مدرستها بعد قضائها يوماً رائعاً : شاركت فيه بجميع الحصص ، ومدح المعلمون ذكائها ونشاطها لأول مرة طيلة سنوات دراستها .. وحظيت بالعديد من الأصدقاء دفعةً واحدة ، شاركوها الأحاديث والطعام في فرصة الغداء .. كما تغاضى المتنمرون عن مضايقتها على غير عادتهم ! 


وقبل صعودها درجات الحافلة .. لمحت العجوز الأعور من بعيد وهو يُجرّ كرسياً متحرّك ، ويشير لها بالجلوس عليه .. 

وقبل ان تستوعب ما تراه ! سمعت صرخات صديقاتها اللآتي أشرنّ لها فزعين بالإبتعاد عن الحافلة ، لتتفاجىء بسيارةٍ مُسرعة تصطدم بها بعنف ، وتفقدها الوعيّ

***


إستيقظت ريم مساءً في المشفى على بكاء امها وجدتها ، بعد ان أخبرهما الطبيب بشللها الرباعيّ ..

في هذه اللحظات تذكّرت انها داست شيئاً لزجاً وكريه الرائحة عند عتبة منزلها قبل ذهابها الى المدرسة ، لكنها لم تستطع النطق بشيء لأنها لا تستطع تحريك سوى عينيها اللتين لمحتا سيدة مشلولة تبتسم بشماتة عند باب غرفتها بالمشفى ، قبل ان تجرّ كرسيها مُبتعدة .. 

فعلمت ان خالة جواهر عرفت من الجن : إنهن فكّكن عقد الحبل .. لذا قامت بسحرٍ أقوى ، أصاب ريم بشللٍ دائم كعقوبة لذنبٍ لا يد لها فيه .. ليكون في انتظارها حياةٍ بائسة كئيبة ، ومملّة للغاية !


الجمعة، 2 أكتوبر 2020

تسونامي

 *تأليف : امل شانوحة*

النجاة من الطوفان


استيقظ سمير عصراً على صرخات جيرانه! فأطلّ من النافذة، ليرى مشهداً مروعاً، بعد أن اجتاح تسونامي مفاجئ البلاد دون سابق إنذار، مترافقاً مع هطول غزير للأمطار، ساهم في رفع مستوى مياه البحر التي غمرت ثلاثة طوابق من مبناه، وأوشكت على الوصول إلى الطابق الخامس الذي يسكن فيه.


وحين نظر للمباني المجاورة، شاهد بعض السكان فوق الأسطح وهم يراقبون الكارثة برعب، فمعظم مباني منطقته لا تتجاوز الثمانية طوابق.

وكان أمام سمير خياران: إما الصعود إلى السطح مثلهم، أو الإسراع ببناء قارب نجاة.


لذا كان عليه التفكير بسرعة بالأشياء التي يحتاجها للبقاء حياً في ظل هذه الظروف الاستثنائية الصعبة. فتوجه إلى الصالة لجرّ طاولة السفرة المصنوعة من الخشب الأصلي، بطول مترين تكفيه لتمدد بداخلها.


وبعد إخراجها للشرفة، قلبها على ظهرها لوضع الأغراض بداخلها، ليلاحظ أن حوافها قصيرة ولن تحميه من الأمواج الهائجة.


فدخل المطبخ لأخذ نيلون تغليف الطعام، ولفّه حول الأرجل الأربعة لطاولته في محاولة لرفع جوانب سفينته الافتراضية. كما وجد ورقاً لاصقاً سميكاً (اشترى منذ فترة لتغطية تسربات خزان الماء)، وضعه فوق النيلون زيادةً في الحرص.


وبعد إنهاء مهمته الأولى، كان عليه إيجاد مجذاف لسفينته، فعاد لتفتيش خزائن المطبخ بحثاً عن الملعقة الخشبية الضخمة التي استخدمتها والدته المرحومة بعمل عصائد الأعياد. وظل يبحث عنها إلى أن وجدها، وكان رأسها عبارة عن لوح عريض من الأسفل، مع ذراع بارتفاع متر، ورغم صغرها إلا أنها تنفع بحل أزمته، فربط طرفها بحبل في إحدى أرجل الطاولة كي لا تفلت من يده مع تلاطم الأمواج العنيفة.


ثم نظر نظرة سريعة من الشرفة لمعاينة الوضع في الخارج بعد تزايد صرخات الجيران، ليرى المياه غمرت الطابق الرابع! وهذا يعني أنه عليه الإسراع بتجهيز سفينته، فهو لا يعرف متى سيتوقف المطر أو تنحسر مياه البحر.


وعاد إلى المطبخ لحمل جالون مياه الشرب ووضعه داخل الطاولة بعد ربطه جيداً بالحبل، خوفاً من فقدان أهم أسباب النجاة. ثم فتح الثلاجة لأخذ معلبات الفاصوليا والفول والسردين، مع ربطتي خبز، بالإضافة إلى ملعقتين وشوكة وسكينتين حادّتين وكوب بلاستيكي. كما أخذ طنجرة كبيرة وموقد غاز صغير في حال بقي تائهاً لأسابيع، لاستخدامها في طبخ السمك الذي يصطاده، لأنه يعلم مسبقاً أن قوة الجزر ستسحبه إلى وسط البحر.


كما أخذ منشفة وبعض المناديل الورقية وغياريْن من الملابس، ووضع جميع أغراضه داخل أكياس نيلون لحمايتها من البلل. ثم أسرع إلى غرفة والدته لأخذ مرآتها وكشاف الضوء لإرشاد السفن إليه.


وبعد سماعه صوت تسرب المياه من حواف شرفته باتجاه طاولته، عرف أنه عليه الاستعجال بأخذ ما تبقى من حاجياته الضرورية لرحلة مجهولة العواقب. فأخذ وسادة ولحافاً سميكاً، فالجو بارد مساءً مع بداية فصل الخريف.


ومن بعدها جلس داخل الطاولة، وكان آخر ما قام به: تمزيق ستارة الشرفة البلاستيكية وربطها بأرجل الطاولة الأربعة، لحمايته هو والأغراض من المطر.


ثم جلس يراقب بحسرة المياه وهي تتسرّب إلى داخل بيته، والتي أدت لارتفاع طاولته شيئاً فشيئاً إلى أن وصلت حافة الشرفة.


فدفع سفينته بالمجذاف الصغير مبتعداً عن شقته، في محاولة للوصول إلى منتصف الشارع، خوفاً أن يسحبه التيار مجدداً إلى نوافذ وشرفات الطوابق العلوية.


وصار يجذف بكل قوته للخروج من الحي نحو الشاطئ الذي لا يبعد كثيراً عن مبناه. وآخر ما شاهده قبل ابتعاده عن المنطقة: جيرانه الذين أشاروا له من فوق سطح مبناه لأخذهم معه، لكن قاربه صغير ومليء بالأغراض المهمة التي لا يمكنه الاستغناء عنها، فلم يكن بيده سوى الدعاء بعدم وصول مستوى الماء إليهم.


وظل يجذف بقوة حتى وصل إلى الشاطئ الذي اختفى تماماً مع امتداد البحر الهائج أمامه.


ليبدأ كابوس آخر مع عملية الجزر المخيفة، كتسونامي جديد باتجاه عكسي، فربط سمير نفسه بالحبل بإحدى أرجل الطاولة التي سُحبت بعنف وبسرعة مهولة نحو البحر الذي ابتلع كل شيء. وفي نفس الوقت كان عليه إبعاد النفايات وأغصان الأشجار وبقايا السيارات المحطمة عن الارتطام بسفينته الصغيرة بواسطة مجذافه الصغير.

^^^


ومرّت نصف ساعة كالجحيم، حتى هدأ الوضع أخيراً، ليجد نفسه وسط البحر، بينما بدت بلدته من بعيد كجزيرة مهجورة، لا يُرى منها سوى الجبل بعد غرق العاصمة الساحلية بمن فيها.

فحمد ربه لأنه الابن الوحيد لوالديه المتوفين، رغم حزنه على الأقارب والأصدقاء الذين لن يراهم ثانية.

^^^


في تلك الأثناء، كانت الشمس على وشك الغروب، فأراد الاستفادة من الضوء المتبقي لتنظيم سفينته، فقام بإزالة الستارة البلاستيكية بعد توقف المطر، وربطها على هيئة شراع. وبعد تجفيف أرضية الطاولة بالمنشفة، فرش بطانيته ووسادته بعد ترتيب علب الطعام في آخر الطاولة، التي حفظها بأكياس مربوطة بالحبال بأرجل قاربه.


وفور انتهائه من تناول علبة فاصوليا وشربه القليل من مياه الجالون، عم الظلام المرعب. استلقى في سفينته وهو يفكر بما حصل، حامداً ربه على النجاة من غرق محتّم، مع خوفه من البقاء طويلاً في عرض البحر حتى انتهاء طعامه وشرابه، متمنياً أن يصادف قريباً سفينة تنقذه مما هو فيه، وظل يفكر حتى غفى من التعب، فقد كان يومه عصيباً للغاية.

^^^


ومرّت الأيام ومازال سمير تائهاً بعد اختفاء بلاده عن الأنظار إثر تعمقه وسط البحر. وما كان يخشاه حصل: فطعامه انتهى، ولم يبق في الجالون سوى القليل من مياه الشرب.


فبحث مطولاً في طاولته حتى وجد مسماراً غير مثبت جيداً بالخشب، فهزه بقوة حتى أزاله، ثم ربطه بطرف الحبل. وكانت ما زالت معه علبة ذرة صغيرة، غرز حبتيّن بطرف المسمار ورماه بالبحر لاصطياد السمك.


وماهي إلا دقائق حتى اهتز الحبل، فشده سمير بقوة، ليرى سمكة متوسطة الحجم تتجه نحوه. لكن فرحته لم تكتمل بعد رؤيته زعنفة سمكة قرش تلاحق صيده، فما كان أمامه إلا التخلّي عن الحبل، ليلتهم القرش السمكة.


ثم استلقى سمير فزعا داخل سفينته دون حراك، على أمل أن يبتعد القرش عن جوانب سفينته المنخفضة. وبعد دوران القرش أكثر من مرة حول الطاولة، ابتعد لعدم شعوره بذبذبات تدل على وجود كائن حي فوق الخشبة.

^^^


وبعد هدوء الوضع، رفع سمير رأسه ليلمح سفينة صيد من بعيد، لكنه كان خائفاً من إصدار صوت يعيد القرش إليه من جديد. فاكتفى بعكس أشعة الشمس على مرآته التي وجهها على الصياد العجوز المشغول برفع شبكته، والذي ما إن أنهى عمله حتى أدار محرّكه الكهربائي مبتعداً عن المكان، لينهار سمير باكياً من شدة يأسه.

^^^


في المساء، استيقظ من نومه بعد تبلل ملابسه بالماء المتسرب من جوانب الطاولة، ليلاحظ أنوار سفينة شحن من بعيد. فأخرج الكشاف من كيس الأغراض، وصار يلوّح لهم دون فائدة، ثم أخذ يضيئها ويطفئها كإشارة مورس التي تعلّمها بالكشافة. ويبدو أن خطته نجحت، لأن نور السفينة العملاقة بدأ يقترب منه أكثر فأكثر.

وهنا سمع صوت امرأة تصرخ بعصبية:

- كم مرة طلبت منك دخول الحمام قبل النوم؟!!

***


فتح سمير عينيه بصعوبة، ليرى نفسه في غرفة نومه، وزوجته تعاتب ابنهما (7 سنوات) الذي نام معهما في السرير دون علمهما.

وحين التفت سمير نحو ابنه، وجده يُبرّر متلعثماً:

- استيقظت مساءً بسبب كابوس مزعج.

الأم معاتبة: ولماذا لم تدخل الحمام، بدل تلويث سريرنا؟!

الولد: كانت أنوار المنزل مطفأة، وخفت أن يلاحقني الوحش الذي رأيته في منامي، فأسرعت إلى غرفتكما.

الأم بغضب: اذهب واستحم فوراً!! سأحضر ملابسك بعد قليل.


وبعد ذهابه باكياً إلى الحمام، نظرت إلى زوجها وهي تقول:

- بسببه حلمت أنني سبّاحة أولمبياد.. ماذا عنك؟

فقال سمير مبتسماً:

- حلمت بتسونامي دمّر البلاد بأكملها!


وبينما كان الولد يستحم وهو يشعر بالخزي، كان والداه غارقان في الضحك.


الثلاثاء، 29 سبتمبر 2020

مُتنبأة الجرائم

 تأليف : امل شانوحة

كشف خيوط الجريمة


في مكتب قصرٍ فخم .. سألت المراهقة والدها :

- ابي ، وصلني إيميل غريب قبل قليل 

- مِن مَن ؟

- من سيدة تملك مالاً وفيراً ، وتريد تحويله عبر رصيدنا البنكي.. 

الأب مقاطعاً : إحذفي الرسالة فوراً ، فهي إمّا فيروس او عملية إحتيال او عصابة لتبييض الأموال 

- وماذا يعني تبييض الأموال ؟

- ارباح أُكتسبت من تجارة المخدرات والسرقات وبيع السلاح .. ولخوف العصابات أن تكون الأرقام التسلّسلية لنقودهم معروفة لدى الشرطة ، يقومون بتحويلها لحسابات أشخاصٍ لديهم سجلّات نظيفة من بلادٍ مختلفة.. 

فأكملت ابنته : وفي حال إكتشفت مخابراتهم الأمر ، نتورّط نحن بالموضوع ؟

- بالتأكيد !!

- اذاً سأحظر إيميلها ، شكراً ابي على التوضيح

***


مع بداية فصل الصيف .. ضجّت الصحف ومواقع التواصل الإجتماعي بخبر إختطاف الإبنة المراهقة لتاجرٍ ثريّ الذي عرض جائزةً مالية ضخمة لمن يجدها ، بعد فشل الشرطة خلال إسبوعين من البحث المتواصل من القبض على مرتكبيّ الجريمة  


وبعد ايام من الإعلان ، وفي منتصف الليل .. رنّ جرس القصر !

لتخبرهما الخادمة أن عجوزاً تملك تفاصيل حادثة إختطاف ابنتهما.. 

فأسرع الوالدان الى الصالة لملاقاتها ، حيث عرّفت السيدة عن نفسها من خلال قصاصات جرائدٍ قديمة :

- اسمي ماري جونسون .. متنبأة مختصّة بحلّ الجرائم .. 

الأب مقاطعاً : متنبأة ! تقصدين مشعوذة ؟

- لا سيد مايكل ، انا امرأة ذات بصيرة ..

فعاتبها بعصبية : تأتين الينا في وقتٍ متأخر ، وفي ظلّ ظروفنا السيئة لتخبرينا بتعويذاتك وتُرّهاتك السخيفة !!


بهذه الأثناء ، أنهت زوجته قراءة عناوين قصاصات الجرائد .. وقالت لزوجها :

- هي كشفت بالفعل جرائم عجزت الشرطة عن حلّها !

الأب بتهكّم : انا لا أعترف بهذه السخافات

فأسرعت العجوز قائلة : 

- هل الصورة التي نُشرت لأبنتكما في الأخبار هي صورتها الأخيرة ؟ أقصد هل خُطفت بذات الملابس ؟

الأم : لا ، لكنا عرفنا من خلال كاميرات القصر ما كانت تلبسه قبل ذهابها لحفلة اصدقائها 

البصّارة : اذاً دعوني أصفّ ثيابها يوم الإختطاف ، لتصدّقا موهبتي


وأغمضت عيناها ، وكأنها تشاهد رؤى خفيّة .. ثم قالت :

- كانت تلبس فستاناً احمر ، بشريطةٍ سوداء على الخصر وحذاءٍ اسودٍ لامع 

الأم بدهشة : هذا صحيح !

الأب مُستنكراً : كلامك لا يدلّ على شيء ، فربما عرفتي المعلومة من موظفيّ القصر 

العجوز : سيد مايكل .. لا اعرف أحداً هنا ، فأنا اعيش في الأرياف .. وفور رؤيتي الخبر ، قُدت سيارتي لساعات الى أن وصلت اليكم بهذا الوقت المتأخر .. 

الأم : حبيبي دعها تخبرنا بما حصل ، ماذا سنخسر ؟

فوافق الزوج على مضضّ .. 


فعادت العجوز لإغماض عينيها بضعة دقائق ، قبل ان تقول :

- سأخبركم بما حصل منذ البداية .. ابنتكما وصلت الحفلة في الوقت المحدّد .. قضت وقتاً سعيداً مع اصدقائها .. وقبيل خروجها من البار ، إقترب منها شاب ..

الأم مقاطعة : صديقها اليس كذلك ؟

- لا ، ليس الفاعل .. والأفضل ان تسحبوا دعوتكم ضدّه ليخرج من التوقيف ، فهو ليس مذنباً

الأم : إكملي رجاءً ، من ذلك الشاب ؟

- شاب ترصّد حركاتها منذ أشهر .. وبعد تحدّثه معها قرابة ساعة ، عرض عليها نزهةً لطيفة بالحديقة العامة .. أعتقد عمره في أواخر الثلاثينات ، لديه لحية وشارب .. وكان يلبس قميصاً أحمر وبنطالاً أسود..

الأب مقاطعاً بعصبية : المهم !! ماذا فعل بإبنتي ؟

- بعد ركوبها سيارته الرياضية ، تحجّج بالكورونا لتغطية وجهه بكمامةٍ خاصة تحميه من تنشّق المخدّر الذي تسرّب من فتحات التكييف ، بعكس ابنتكما التي غفت في سباتٍ عميق

الأم بقلق : واين أخذها ؟

- الى قبو مستودعٍ مهجور بأطراف المدينة 


الأب بعصبية : هل أذاها اللعين ؟!!

- لا ابداً ، إكتفى بربطها بالسرير مع عَصب عينيها وتكميم فمها 

- وماذا ينتظر ؟

- يريد إرهاق اعصابكما قبل طلبه الفدية .. 

- وهل تعرفين عنوان المستودع ؟ 

البصّارة : نعم سأصفه كما رأيته في مخيّلتي ، لكيّ تبلّغوا الشرطة  

الأب بغضب : لا !! سأذهب بنفسي لقتل السافل

- أنصحك ان لا تفعل ، فهو عضو بعصابةٍ كبيرة متخصّصة بخطف ابناء الأثرياء .. لذا دعّ الشرطة تتوجه للمستودع .. وأعدك ان الجبان سيهرب فور سماعه صافراتها ، تاركاً ابنتك وحدها في القبو


الأم بقلق : ماذا لوّ جعلها رهينة ؟

البصّارة : المستودع بالعادة يحرسه سبعة رجال مسلحين .. لكنهم في هذه الليلة سيذهبون في مهمّةٍ سرّية للميناء ، تاركين الشاب المُختطف معها ، وهو جبان ولا يجيد استخدام السلاح .. (ثم قالت للأب) .. لهذا لا تفوت الفرصة ، إتصل بالشرطة حالاً .. ولا تخبرهم عن تنبؤاتي .. قلّ انك حصلت على العنوان من إتصالٍ مجهول ، ليأخذوا الموضوع بجدّية


وفي الوقت الذي كان فيه الأب يجري إتصالاً مع الشرطة ليخبرهم بالمعلومات الجديدة ، همست زوجته للعجوز :  

- سأضاعف جائزتك المالية ، إن صحّت توقعاتك  

فأعطتها العجوز رقم جوالها لإخبارها بالمستجدّات ، ثم خرجت من القصر

***


بعد شهر .. فُجع مجتمع الأثرياء بخطف ابن احدهم في حفلة عيد ميلاد صديقه .. وبعد فشل الشرطة بالوصول للخاطفين ، تلقّت العجوز ماري إتصالاً من امه التي أخبرتها باكية :

- أخذت رقمك من زوجة مايكل التي أعدّتِ لها ابنتها المُختطفة  

ماري : وانا توقعت إتصالك بعد رؤيتي ابنك في المنام 

- أحقاً ! ماذا رأيتي ؟

- عليّ مقابلتك في الحال


فأعطتها عنوان القصر ، الذي وصلت اليه المُتبصّرة بحلول المساء 

ودخلت الصالة ، لتجد الوالدين في انتظارها على أحرّ من الجمر ..

الأب بعصبية : رجاءً إخبرينا عن اللعين الذي تجرّأ على خطف ابني ؟!!

فتنهّدت ماري تنهيدة طويلة ، قبل ان تقول : 

- على حسب منامي : قام عامل المطعم الذي أُقيم فيه الحفل بوضع المنوّم في عصير الصغير الذي أغميّ عليه في الرواق .. ثم أخرجه من الباب الخلفيّ ، ووضعه في سيارته .. متوجهاً لكوخٍ صغير في الغابة

الأم وهي تمسح دموعها : هل ابني بخير ؟ 

- نعم ، فالشاب يعتني به جيداً 

الأب : وماذا يريد ؟

- فدية طبعاً

- لا أحد اتصل بنا منذ ايام !

- انها استراتيجية الخاطفين : ينتظرون بعض الوقت لحرق اعصاب الأهل ، لجعلهم يقبلون شروطهم دون اعتراض 


الأم : رجاءً أكتبي عنوان الكوخ ، وسنعطيك مكافئة مالية ضخمة

- من حسن حظكما انني شاهدت لافتات الطرق بوضوح في منامي ...(ثم قالت للأب) .. أرجو ان تتصرّف بهدوء ورويّة كما فعل السيد مايكل ، وأن تدع الشرطة تتكفّل بالموضوع 

الأب بغضب : أحلف انني سأقطّعه بأسناني !! 

- لن تفعل ، لأنه سيهرب فور رؤيته أنوار الشرطة تقترب من المكان

- اذاً سأطلب منهم التوقف خارج الغابة ، والذهاب اليه سيراً على الأقدام

البصّارة : لا أنصحك بذلك ، والا سيأخذ ابنك رهينة .. دعه يهرب ، فهو وحده بالكوخ ولا يملك سلاحاً 


فقبل الوالدان مشورتها ، وأعطتها الأم شيكاً مالياً :

- هذه نصف الجائزة ، والنصف الآخر بعد عودة ابني سالماً الينا 

البصّارة : وهذه بطاقتي ، فيها حسابي البنكي 

ثم ودّعتها وخرجت من القصر 

***  


بعد شهرين .. وفي منزلٍ ريفيّ ، تجمّع الشباب الأربعة (هما ابنا ماري الشابين ، وصديقاهما) لتناول العشاء .. 

وبعد شربهم الشاي ، سألها ابنها الكبير :

- امي .. مضى شهران على آخر عملية خطف لنا ، متى سنبدأ العملية الثانية ؟

العجوز ماري : ولما الطمع يا اولاد ؟ الجائزتان المالية التي قبضتهما من العائلتين تكفينا لسنةٍ كاملة .. والأفضّل ان يكون هناك بعدٌ زمانيّ بين العمليات ، كيّ لا نثير شكوك الشرطة .. 

صديق ابنها بضيق : اذاً لن نفعل شيئاً في الفترة القادمة ؟ 

فأجابت : إستمتعوا بنصيبكم من الجائزة .. فكل شيء مسموح الا المخدرات ، فعملنا يحتاج الى تركيزٍ شديد 

- وماذا ستفعلين بنصيبك يا امي ؟ 

اخوه الكبير ممازحاً : أكيد ستجري عمليات تجميل لإعادة صباها

- لا طبعاً ، فشكلي الهرم يناسب عملي ويُبعد الشبهات عني 

- تفكيرك مخيف يا امي ! 


الأم : على فكرة ، أقوم حالياً بجمع معلومات عن عائلة رونالد دين 

صديق ابنها : هل هم من الأثرياء ؟ 

- طبعاً ، والوالدان أنجبا ابنهما بعد عشرين سنة من علاج العقم ، وأكيد سيدفعون نصف ثروتهم لاستعادته .. 

- ومن أخبرك عنهم ؟ 

ماري : إكتشفتهم بالصدفة ، فالأغبياء يعرضون حياة صغيرهم المترفة على وسائل التواصل الإجتماعي .. ولأنهما نادراً ما يخرجان ابنهما الوحيد من القصر ، علينا إنتظار رحلتهم الى ملاهي ديزني بمناسبة عيد ميلاده قبل نهاية السنة  

- وكيف عرفتي هذه المعلومة يا امي ؟!

- أخبرتني مربيته بذلك ، هي ابنة صديقتي .. والخبيثة طلبت مبلغاً كبيراً لتطلعني على التوقيت المحدّد للرحلة .. لكن لا بأس ، فأرباحنا ستكون ضخمة ايضاً 


ابنها الصغير بضيق : لما تركّزين دائماً على الأطفال يا امي ؟

- ماذا تقصد ؟!

اخوه الأكبر بابتسامة ماكرة : اخي المنحرف يُفضّل الصبايا ، فهو أخبرني انه بالكاد أمسك نفسه عن إستغلال جسد المراهقة المثيرة

الأم بحزم : إيّاكم التفكير بالإعتداء على المخطوفين ، فهذا سيوّرطنا أكثر مع الأغنياء الذين سيصرّون على معرفة هوية المجرم الذي استغلّ ابنائهم ... لذلك سنكتفي بربط اولادهم وتنويمهم لحين دفعهم الجائزة ، هل كلامي مفهوم ؟!! 

فأومأ الشباب الأربعة رؤوسهم موافقين ..


وهنا سألها صديق ابنها : كيف خطرت ببالك الفكرة يا خالة ؟

- رأيت قصة متنبأة محترفة في القناة المخصّصة للجرائم .. فبحثت بالإنترنت عن أشهر متبصّرة في التاريخ ، لأجد (ماري جونسون) التي اشتهرت في القرن الماضي بحلّ عشرات القضايا المعقدة .. فصوّرت مقالات الجرائد التي تحدثت عن تنبؤاتها وإنجازاتها ، وعرضتهم على الأهالي ..

- الم يلاحظ احد وفاتها منذ مدة طويلة ؟!

ماري : لا ، حتى انهم لم يروا بطاقتي الشخصية المزوّرة .. فمصابهم الكبير أفقدهم رشدهم .. وربما شعري الشائب أوهمهم بأني سيدة وقورة  


ابنها الصغير : ولما اعتمدنا هذه الطريقة الغريبة ؟ لما لا تدعينا نحصل على مال الفدية كجرائم الخطف المعتادة ؟ 

امه : لوّ كنت مثقفاً مثلي لفهمت السبب .. فالشرطة بالعادة تسلّم الخاطف نقوداً بأرقام تسلّسلية محفوظة بحواسيبها , وأحيانا يصبغون اوراقها بحبرٍ سرّي لا يُرى بالعين المجرّدة .. وعند محاولة الخاطف صرف أموال الفدية ، يقبضون عليه فوراً

صديق ابنها : ما يضايقني يا خالة انك تطلبين منا الهروب فور سماعنا صافرات الشرطة ، مع اننا اقوياء ونستطيع مقاومتهم ببسالة؟

ماري : لن اراهن على خسارة أيّ واحدٍ منكم ، فأنتما ولدايّ ايضاً .. ثم لا حاجة للمقاومة ، طالما دفعوا لي مبلغاً ضخماً يكفينا جميعاً  


ابنها الكبير : طريقتك بالإحتيال أدهى من فكرة والدي المرحوم ! 

ماري : النصب عبر الإنترنت وتبيض الأموال التي اخترعها والدك نجحت مع بداية ظهور الإيميلات ورسائل النصّية لجوالات .. لكنها فشلت مع الجيل الجديد المُدرك للإحتيالات الإلكترونية .. لهذا اعتمدت هذه الطريقة المميزة للحصول على المال مباشرةً من الأهالي الذين يدفعون لي بسخاء ، فور عودة ابنائهم سالمين الى قصورهم


وهنا رنّ جوال ماري ، فأسرعت بإعطائه لإبنها :

- أجب انت 

وبعد قليل ، سأل امه بصوتٍ منخفض :

- انها عائلة ادموند ، يقولون ان رضيعهم خُطف قبل ايام

فسألت ماري الشباب : هل أحدكم متورّط بالموضوع ؟

- لا ابداً ، نحن لا نتعامل مع الرضّع 

- ابني .. قلّ لهم ان الرقم خاطىء ، واقفل الخط فوراً


فأنهى المكالمة ، وأعاد الجوال لأمه التي قالت : 

ماري : يبدو موهبتي الكاذبة إنتشرت بين الأغنياء ! لكني بالحقيقة لست مُبصّرة او مشعوذة ، ولا ملاكاً لأحلّ كل الجرائم الغامضة 

- الأغبياء لا يدركون انهم وقعوا في فخّ مجرمين محترفين 

- بل قلّ شياطين ، فإبليس نفسه لم يخطر في باله الخطّط المريبة لأمي الوقور 

وضحكوا بخبث !


الجمعة، 25 سبتمبر 2020

سحر التفريق

 تأليف : امل شانوحة

 

خططٌ شيطانية


في عصر ذلك اليوم .. أقفل الدكتور عادل عيادته ، وخرج من المبنى باتجاه سيارته ..

وبالكاد تحرّك بضعة امتار ، قبل اصطدامه بإحدى المشاة !

فخرج فزعاً ! ليرى صبيّة (16 سنة ، بائعة مناديل في الشارع) تنزف بغزارة من جبينها الذي ارتطم بمقدمة سيارته ..

فأصرّ على أخذها للعيادة ، لتقطيب جرحها قبل ان يتجرثم ..


وبعد ركوبها سيارته ، لاحظت ملصق الأطباء على الواجهة .. فسألته :

- هل انت طبيب ؟!

- نعم طبيبٌ نفسيّ ، لذا سآخذك الى زميلي في قسم الطوارىء .. (ثم نظر اليها) .. ما اسمك ؟ 

- هند 

- أعتذر يا هند ، فأنا لم ارك حين قطعتِ الشارع 

- لا بأس دكتور

الطبيب باستغراب : مع اني كنت أسير ببطء ! فكيف تسبّبتُ بجرحك العميق ؟!

- لا أذكر شيئاً .. (ومسحت دماء رأسها بالمنديل) .. بدأت أشعر بالدوار

- سنصل قريباً ، لا تقلقي 


هند : ماذا يعني طبيب نفسيّ ؟

- يعني أعالج الناس من عقدهم الطفولية ومشاكلهم مع عائلاتهم 

- لا أظن كل المشاكل لها حلول ، مثل علاقتي بجدتي اللعينة

الطبيب معاتباً : لا تشتمي كبار السن يا هند ، هذا غير لائق

- لكنها مشعوذة ماكرة

- تقصدين انها تعقد الأسحار للناس ؟!


هند : نعم .. عرفت ذلك بعد انتقالي للعيش معها ، عقب وفاة والدايّ .. كنت في العاشرة حين طلبت مني سكب سائلاً كريهاً على عتبة احدى المحلات التجارية .. ويبدو ان صاحب المتجر رآني من كاميرا البوّابة ، فانهال ضرباً عليّ وهو يشتم جدتي الشريرة .. عندها فقط فهمت سبب غموضها ، وبقائها لساعاتٍ طويلة في قبوٍ معتم ، وخروجها كل ليلة للقبور ، وربطها الشرائط الملونة على الأشجار ، ورميها القاذورات في بئرٍ جافّ ، وإشعالها حلقات النار في البيوت المهجورة

- وهل جعلتك ترافقينها الى تلك الأماكن المخيفة ؟!


هند : ليس دائماً .. (ثم تنهدت بضيق) .. بعد ازدياد فضولي عن عملها المريب ، سألت الجيران عنها .. فأخبروني انهم يتجنبونها خوفاً من أذيتها ، فهي تسبّبت بالكثير من الطلاقات وإفلاس التجار والأمراض المزمنة .. ولأني أخاف الله بعكسها ، قرّرت إبطال اعمالها الشريرة مهما كلّفني الأمر .. وصرت أراقبها لأعرف اماكن دفنها للأسحار .. وبعد ذهابها ، أنبش القبور لأزيل أعمالها الشريرة وأضعها قرب منازل اصحابها ، مع ملاحظةٍ مكتوبة : بأن يسارعوا بفكّ اسحارهم .. كما قمت بمسح رسوماتها الشيطانية على جدران وأرضيات المباني المهجورة .. وخاطرت بحياتي بالنزول للبئر الجاف المليء بالزواحف السامة ، لإخراج قاروات السحر التي وضعتها امام منزل شيخ منطقتنا المعروف بقدرته على فكّ الأسحار .. وكُدّت أكسر يدي اثناء تسلّقي الشجرة العملاقة لفكّ الشرائط وكسر الأقفال المعلّقة على أغصانها .. ورغم عملي بسرّيةٍ تامة ، الا ان الجنية التي تتعامل معها جدتي أخبرتها بما فعلت ، فرمتني  بالشارع دون رحمة ! ومن حسن حظي ان البائع العجوز أشفق عليّ ، ووظّفني ببيع المناديل الصغيرة في الشوارع مقابل أجرٍ زهيد  


الطبيب : واين تنامين ؟

هند : في الحديقة العامة او قرب الشاطىء الذي يصبح مخيفاً مساءً بعد خروج السكارى والمدمنين 

- هذا خطرٌ عليك ! فأنت مازلتي صبية ، وتحتاجين لبيتٍ يؤويك 

فتنهّدت هند بضيق : ليتني أعمل خادمة في منزل عائلةٍ محترمة ، لأكسب قوتي بالحلال 

الطبيب : سنفكّر بالأمر لاحقاً ، لنعالج جرحك اولاً

***


وبعد قيام زميله بتقطيب الجرح ، أخذه جانباً :

- هل أنت متأكّد انك صدمت الفتاة ؟

عادل : نعم ، لماذا تسأل ؟

زميله الطبيب : لأنه يبدو جرحها مشقوق بشفرة او سكين !

- كنت مشغولاً بجوالي وقت الحادثة ، ولم ارى ما حصل بالضبط 

- وهل ستعيدها للشارع ؟

- لا أعرف بعد ! أفكّر بمساعدتها ، فحياتها بائسة للغاية 

صديقه محذّراً : إنتبه يا عادل ، فأولاد الشوارع يكونوا بالعادة على صلة بشبكة مجرميّ التسوّل 

- هي ليست شحاذة ، وتعمل بشرف للكسب الحلال .. (ثم سلّم عليه) .. أشكرك يا صديقي على خوفك عليّ ، القاك لاحقاً

***


وركبت هند سيارته ، وابتعدا عن المستشفى .. 

وبعد قليل سألته :

- الى اين نذهب ؟

- سأشتري الشاورما والعصير لنا 

هند بارتياح : أحقاً ! انا جائعة جداً .. شكراً لك

 

وبعد ان أكلا ، سألته :

- هل ستعيدني للمكان الذي وجدتني فيه ؟

عادل : أتريدين ذلك ؟

- بالحقيقة لا .. فأنا لم أبعّ شيئاً من مناديل الجيب ، وهذا سيغضب البائع الذي وعدّته .. 

الطبيب مقاطعاً : لا تقلقي ، سأشتريها كلها  

- انت شهم دكتور ، شكراً لك 

- بصراحة أحاول مساعدتك ، لأني واجهت حادثة تشبه قصتك

هند بدهشة : أكانت جدتك ساحرة ايضاً ؟! 


الطبيب : لا ، لكني طلقت زوجتي عقب اكتشافي لعملٍ سحريّ في بيتي .. وبعد مشاجرة عنيفة معها ، إعترفت انها سحرتني لأطيعها وأعصي اهلي .. (ثم تنهد بارتياح) .. الحمد لله اني لم أنجب اطفالاً من تلك الشيطانة .. 

-  وهل تعيش وحدك الآن ؟

الطبيب : لا ، تزوجت امرأة ثانية قبل شهور 

- وهل تُسعدك العروس ؟

- هي انسانة طيبة والحمد الله


ثم فكّر قليلاً ، قبل إخراج جواله :

- أتدرين يا هند ؟ زوجتي طلبت خادمة قبل اسابيع ، لأن تنظيف الفلة يُرهقها كثيراً .. لكني رفضت دخول الغرباء الى بيتي ، لخوفي من الأسحار وعيونهم الحاسدة .. 

- وهل غيّرت رأيك الآن ؟

- دعيني اسألها اولاً ، ثم أجيبك


واتصل على زوجته ليخبرها عن هند ، والتي رفضت في البداية توظيف بنت شوارع .. لكن بعد تأكيده حسن سلوكها ، وافقت على طلبه 


وبعد انهاء الإتصال ، قال لها بابتسامة :

- الله يحبك يا هند 

هند بابتسامة : هل وافقت زوجتك على العمل لديكم ؟

- نعم ، واريدك ان تُريها شطارتك منذ الغد

بحماس : منذ اليوم ان أردّت !!

- لا ، انت متعبة من الحادث .. نامي الليلة ، وغداً تبدأين العمل بعد ذهابي الى العيادة

- كما تشاء دكتور عادل .. يا سلام !! اخيراً سأحصل على رزقٍ  حلال وثابت ، الحمد لله

فابتسم لها بحنان

***


في منزل الدكتور .. نامت هند في غرفةٍ موجودة بحديقة الفلة ، وهي سعيدة ببيتها الجديد ..


في الصباح .. وبعد ذهاب الدكتور الى عمله ، بدأت عملها بتنظيف الغرف 

واثناء مسحها الغبار , سألت زوجته :

- آسفة على السؤال ، لكن ما هذه الأشياء المعلّقة في سقف الغرف ؟

- هذه كاميرات ، رجاءً لا تلمسيها .. 

هند : أتقصدين ان الطبيب يراقبنا من خلالها ؟

- نعم ، فهو معقّد من زوجته الأولى ويكره الغرباء بسبب حادثةٍ قديمة

- تقصدين خوفه من السحر ؟

السيدة باستغراب : ومن أخبرك بذلك ؟!

- الدكتور عادل

- ولماذا يطلعك على اسراره ؟!

- لا ادري ..


(ولم تردّ هند إخبارها بشأن جدتها كي لا تخيفها ، فحاولت تغير الموضوع)

- هل أنظّف غرفة نومك ؟

السيدة : لا ..فزوجي يمنع دخول أحد اليها ، حتى امي واختي ! ولا اريد إغضابه 

- سأمسح أرضيتها وأخرج حالاً 


ففكّرت السيدة قليلاً ، قبل ان تقول : 

- حسناً الأرض فقط يا هند ، ولا تلمسي شيئاً آخر

- حاضر سيدتي


وأخذت أغراض المسح ، وذهبت لغرفة العرسان ..

وبعد قليل ، خرجت ..

السيدة : هل أنهيت مسح غرفتي ؟

هند : نعم .. سأخرج النفايات ، ثم أعود لإكمال عملي

- حسناً , إنتبهي اثناء قطعك الشارع 

- لا تخافي عليّ ، فأنا عشت قرابة السنة في الشوارع 

- آه نسيت !

***


خارج الفلة .. وقفت هند قرب حاوية النفايات ، وأخرجت جوالها التي كانت تخفيه في ملابسها .. واتصلت على رقمٍ محدّد ، قائلةً بصوتٍ منخفض : 

((الو جدتي .. نفذت المهمّة .. إخبرني زبونتك انني وضعت السحر أسفل فراش الطبيب .. وخلال شهر واحد ، سيُطلّق عروسته ويعود اليها .. وقبل ان أنسى ، هذه المرة ستضاعفين أجري .. (بنبرةٍ غاضبة) .. أتسألين لماذا ؟!! لإني شوّهت جبيني بالشفرة ، بعد مراقبة عيادة الطبيب لساعتين في طقسٍ حار ورطب .. وقضيت اليوم في تنظيف فلته .. كل هذا التعب ليس مجاناً يا جدتي العزيزة .. نعم ، قادمة اليك بعد قليل .. سلام)

وأغلقت جوالها بعصبية :

- أعرف ان جدتي البخيلة لن تعطيني الكثير ، لذا أخذت احتياطاتي


وفتحت كيس الزبالة الذي حوى بالحقيقة : ذهب العروس وبعض ثيابها وأحذيتها الغالية التي سرقتهم من خزانة غرفتها ..

قائلةً في نفسها :

(سأبيعهم قبل عودتي الى وكر جدتي)


ثم نظرت نظرة أخيرة للفلة ، وبنبرةٍ حزينة :

- آسفة دكتور عادل لخيانة ثقتك بي .. ليتك أبقيت على حرصك ووضعت كاميرا أخرى في غرفة نومك ، لما تجرّأت على تنفيذ خطة جدتي .. أعتذر منك ، لكن الأشرار يفوزون دائماً في هذه الدنيا الظالمة ..


ومضت في طريقها دون رجعة !  


الاثنين، 21 سبتمبر 2020

هوس الشهرة

 تأليف : امل شانوحة

حلم النجومية


في وقت الظهيرة .. واثناء تناول ديانا الغداء مع ابنائها الثلاثة في المطبخ ، عاد والدهم من عمله وهو يقول بحزم :

- لن تدخلوا الملهى قبل رؤية بطاقتكم الشخصيّة !!

ديانا باهتمام : هل حصلت على الدور ؟

فأجاب زوجها بحماس : نعم !! سأكون حارساً لملهى ليليّ في فيلم أكشن بإنتاجٍ ضخم  

ابنه الأكبر : وكم ستظهر في الفيلم يا ابي ؟

فأجابه : دقيقتان فقط 

فضحك اولاده عليه .. 


ديانا : أكل هذا الحماس لدور كومبارس صغير ؟!

مايكل : كل الفنانين بدأوا مسيرتهم بأدوارٍ ثانوية .. وقريباً سأصبح فناناً مشهوراً بعد حصولي على جائزة ..

فأكمل اولاده العبارة باستهزاء : الأوسكار !!

والدهم بعصبية : بالتأكيد !! فلا احد متفاني بعمله مثلي .. وعقاباً على سخريتكم ، لن ترافقوني الى حفلات التكريم المستقبلية 

زوجته بضيق : الم تعدني صباحاً بالبحث عن عملٍ جدّي ؟ فراتبي كمعلمة لا يكفي مصاريفنا 

زوجها بغضب : وهل تريني أضيّع الوقت ؟!! انا أسعى دائماً لدورٍ يرفع مستوانا ويجعلنا من الأثرياء


ابنه الأكبر : ابي عمرك 45 ، وكبرت على ادوار البطولة

ابوه : وهذا ما يغضبني منكم !! فلوّ لم تكونوا كسالى ، وضغطّم على انفسكم لحفظ سيناريوهات افلام الأطفال والمراهقين ، لنال احدكم دور البطولة 

اولاده الثلاثة بضيق : نحن لا نحب التمثيل يا ابي !! 

الأب بغرور : اساساً لا أحد يملك موهبة التمثيل سوايّ 

زوجته : المهم الآن ، كم سيدفعوا لك ثمن تصوير دقيقيتن في الفيلم؟

زوجها : 70 دولار

فضحك اولاده بسخرية ..


الأب : لولا نفسيتي الجيدة ، لعاقبتكم جميعاً 

زوجته : مايكل عزيزي , لما ترفض الذهاب الى طبيبي النفسيّ لتحدّثه عن هوسك بالشهرة !

زوجها بلؤم : انت أعصابك متعبة من التلاميذ .. اما انا ، فبصحةٍ جيدة .. ولن أسمح لطبيبك بإقناعي التخلّي عن حلم حياتي

فتنهدت زوجته بضيق : مايكل ..الشهرة هو حلم امك ، هي من أجبرتك على الإشتراك بمعظم المسرحيات المدرسية وحفلات الأطفال .. ولست مرغماً بالمضيّ في هذا الطريق الشاقّ !  

الإبن الأوسط : جدتي تعامله كفنانٍ مشهور ! وبسبب دلالها ، نعاني نحن من قلّة المصروف 

الأب بغضب : أسكت يا ولد ، والاّ ضربتك !!


ديانا : حسناً ليهدأ الجميع ، ولنتناول طعامنا بسلام

مايكل : بدأت حميتي الغذائية ، فدوري يتطلّب ان أكون رشيقاُ

الإبن الأكبر : الحرّاس بالعادة يكونوا مفتوليّ العضلات

الأب : أعرف هذا .. (واقترب من زوجته) .. ديانا ، أحتاج 300 دولار للتسجيل في نادي رياضيّ

زوجته : لن تنمو عضلاتك بهذه السرعة

مايكل : سيبدأون تصوير الفيلم بعد شهرين ، ووعدّتُ المخرج ان أتمرّن بجهد الى ذلك الحين 

فأجابته بضيق : آسفة يا مايكل ، فالمصروف بالكاد يكفينا لآخر الشهر

فردّ بعصبية : لا اريد شيئاً منك !! سأستلفّ من امي , هي الوحيدة التي تقدّر موهبتي ايها الفاشلين

وخرج غاضباً من المنزل ، بعد صفقه الباب بعنف ..


الإبن الأوسط بحزن : ليتك لم تتزوجي هذا الفاشل 

امه معاتبة : تأدّب يا ولد !!

اخوه الأكبر : هو يقول الحقيقية ، فأنت من تصرفين على المنزل  

فتنهّدت بضيق : أُغرمتُ بوسامته حين كنت مراهقة ، وبسبب غبائي أعمل دوامين لتسديد الفواتير ..

ابنها الأكبر : فور تخرّجي من الثانوية ، سأبحث عن عمل لمساعدتك يا امي

- ليس قبل تخرّجك الجامعي ، مفهوم !!

- هذا إن أبقى ابي مالاً لجامعتي ، فهو يصرف اموالنا على الكريمات والعطور والأدوات الرياضية ليبقى وسيماً لتحقيق حلمه السخيف


اخوه الصغير : المهم ان لا يجبرني على حفظ النصوص ثانيةً ، فهي طويلة ومملّة للغاية

الأخ الأكبر : المسكين ، كان يوقظه فجراً في ايام العطل لأخذه الى ولايةٍ ثانية لإمتحانات التمثيل لشركة والت ديزني

الأخ الأوسط : لوّ لم تمنعه امي ، لكنا لليوم نحفظ السيناريوهات الطويلة ! وكأن وظائفنا المدرسية لا تكفي 

الأم : لا تتشاءموا هكذا .. فربما قريباً يحصل والدكم على دور البطولة ، وتتغير حياتنا للأفضل كما يحلم دائماً 

- وهل تظني يا امي انه سيُكافىء جهودك وصبرك في حال أصبح غنياً ومشهوراً ؟ 

اخوه : بالتأكيد سيهجرك ليُصاحب فنانة رشيقة وجميلة تُناسب مستواه الجديد

فسكتت الأم بضيق ، لأنها إحدى مخاوفها بالفعل !  

*** 


ومرّت الشهور .. ومايكل لم يحصل الا على ادوارٍ بسيطة بأجرٍ زهيد ، لكنه مصرّ على تحقيق حلمه مهما كلّفه الأمر !


وفي أحد الأيام .. عاد بيده نصّاً سينمائياً ، وقال لزوجته بحماس :

- يريدون سيدة في نفس مواصفاتك للقيام بالدور

- انا مشغولة يا مايكل ، ولا وقت لديّ للتمثيل 

- رجاءً اقرأي النص قبل رفضه 


وما ان قرأت سطوره الأولى ، حتى صفعته بغضب :

- أتريديني ان أمثّل فتاة ليل !! هل انت مجنون ؟

مايكل : ستكون بداية شهرتك

فصرخت بعصبية : أحلف يا مايكل ان لم تغرب عن وجهي الآن ، سأرفع دعوى طلاق وحضانة اولادك ، وأحرمك منهم للأبد !! اساساً انا من يصرف عليهم.. 

مقاطعاً بضيق : حسناً اهدأي , اصلاً لا تملكين موهبة التمثيل  

ودخل غرفته ، تاركاً زوجته تشتعل من الغضب ..

***


وبسبب هوسه ، إعتادت عائلته على تقمّصه شخصياتٍ متعدّدة لبعض الوقت ، قبل اداء دوره امام لجنة اختيار الممثلين .. 

فحين اشترك في فيلمٍ موسيقيّ : اشترى بيانو لتدرّب عليه ، أملاً بالحصول على دور البطولة لقصة عازفٍ مشهور .. ودرس طريقة العزف بالإنترنت التي ضايقت عائلته وجيرانه .. ولم يتوقف عزفه المزعج ، الا بعد اختيار المنتج لبطل فيلمه من المشاهير .. ليبدأ نوع آخر من الإزعاج وهو الرقص النقريّ ، رغبةً منه ليكون أحد راقصيّ الفيلم .. لكنهم اختاروا متسابقين يملكون خبرة في هذا المجال ، بعكسه 


وفي فيلمٍ آخر يحكي قصة طبيب بيطريّ : استأجر مايكل مجموعة من القطط والكلاب لتدريبها في المنزل من أجل الدور

لكنهم كالعادة , اختاروا غيره ..


وحين قُبل أخيراً في دور كومبارس بفيلم كارتيه : عاد لمنزله بيدٍ مُجبّرة بعد تحمّسه في مشهد ضربه للبطل الذي ابتعد في آخر لحظة ، لترطم يده بالجدار وتنكسر كسراً مضاعفاً ! 

لكن مايكل لم يهتم للألم ، متوهماً أن إتقانه للدور سيفتح مجالاً لأدوارٍ أفضل.. وهذا لم يحصل بعد !


وازداد جنونه مع الأيام ! حيث غيّر قصّة شعره وملابسه على حسب الفيلم المراد تمثيله .. ولبس ملابس قديمة تعود لزمن الخمسينات والسبعينات لإتقان ادواره المختلفة ، غير آبه بسخرية الجيران والأصدقاء .. فتركيزه مُنصبّ على هدفه أن يكون أحد المشاهير ، مهما طال الزمن .. لدرجة انه كتب خطاباً مؤثراً ألقاه امام عائلته : لما سيقوله للجماهير لحظة تتويجيه بجائزة الأوسكار ! 

 

ليس هذا فحسب ، بل استأجر مصوراً للحاق به وتصويره اثناء وجوده بالأماكن العامة.. ورشى بعض الصغار بالحلوى لتوقيع قمصانهم امام الناس ، لإيهامهم أنه شخصٌ مهم ومشهور .. 

عدا عن نشره قصة كفاحه ونجاحه المرهق في جميع وسائل التواصل الإجتماعي ، كأنه وصل للنجومية بالفعل !  

 

ولأنه يعيش وهم الشهرة ، أجبر عائلته على لبس أجمل ثيابهم عند خروجهم معه ، كعائلة الفنان البطل .. الى ان اتفقوا على الخروج دونه ، بعد تعبهم من تدقيقاته بأقل التفاصيل في لبسهم وطريقة تصرّفهم امام العامّة ! 

*** 


وفي تلك الأمسية الباردة ، وبعد قراءته لنصّ فيلم رعب .. عاد الى بيته ونار الغضب تشتعل في صدره .. 

فقال له ابنه الأصغر : لا تحزن يا ابي , سيختارونك بالفيلم القادم

وهنا فاجأهم بإخراج مسدسٍ من جيبه , ووجّه نحوهم !


فضحك ابنه الكبير : هل ستمثّل دور القاتل في الفيلم الجديد ؟

فأجابه بلؤم : بل سفّاح مُتسلّسل .. وهذه المرة سأكون البطل في فيلمٍ دمويّ لخمسة اجزاء متتالية 

فهلّلت زوجته بفرح : اخيراً قبلوك بدور البطولة ؟!! 

مايكل بجدّية : نعم .. والآن لنبدأ التمثيل .. 3-2- 1.. آكشن !!!


فابتسمت عائلته ، لظنها ان مسدسه لعبة .. لكنهم شهقوا بفزع بعد تلطّخهم بدماء الإبن الأوسط ، عقب تفجير الأب لرأسه ! 

وانطلقوا في ارجاء البيت محاولين الهروب من والدهم المجنون الذي لحقهم الى الطابق العلويّ ، وقتل ولديه بدمٍ بارد .. ثم أمسك بذراع زوجته وضربها بوحشيّة بالمسدس على رأسها ..


وحين سمع الجيران صراخها الهستيريّ ، إتصلوا بالشرطة التي اقتحمت بيتهم .. ليروه يُفرغ مسدسه في جثة زوجته ! 

فهجموا عليه وكبّلوا يديه .. وأخرجوه بالقوة ، ليشاهد جيرانه مجتمعين امام بيته .. فصرخ لهم قائلاً :

- لا تصفّقوا الآن !! الفيلم لم ينتهي بعد .. والمخرج لم يقلّ : CUT .. لما أوقفتموني في ذرّوة إندماجي بالتمثيل ؟ مازال عليّ قتل ثلاثين شخصاً ، لأصبح سفاحاً متسلّسلاً .. لا تفسدوا السيناريو الرائع !!

***


لاحقاً .. حكمت المحكمة الجنائية (بناءً على تقرير الطبيب النفسي) : أن هوسه للشهرة أوصله لحدّ الجنون ! 

وأُرسل لمستشفى المجانين بقسمٍ خاص لمرتكبيّ الجرائم بحراسةٍ مشدّدة ، والذين عانوا من طرقاته العنيفة على الباب , وصراخه الدائم من داخل سجنه الإنفراديّ :  

((قتلت عائلتي لأتقن دور السفّاح .. والشرطة أوقفتني قبل المشهد الختاميّ .. فيلمي لم ينتهي بعد ، عليّ إكماله للحصول على الأوسكار .. أنا أفضل ممثل بالعالم !! انا رجلٌ مشهور !! انا نجمٌ عالميّ !!!!!)) 


ويظلّ يردّد ذات العبارات كل ليلة ، الى أن يُعطى إبرة مخدّر تجعله ينام بسباتٍ عميق !  


الزوبعة النورانية الجزء الثالث والأخير

تأليف : امل شانوحة  رابط الجزء الأول من القصة https://www.lonlywriter.com/2026/09/blog-post.html رابط الجزء الثاني من القصة  https://www.lon...