*تأليف : امل شانوحة*
النجاة من الطوفان
استيقظ سمير عصراً على صرخات جيرانه! فأطلّ من النافذة، ليرى مشهداً مروعاً، بعد أن اجتاح تسونامي مفاجئ البلاد دون سابق إنذار، مترافقاً مع هطول غزير للأمطار، ساهم في رفع مستوى مياه البحر التي غمرت ثلاثة طوابق من مبناه، وأوشكت على الوصول إلى الطابق الخامس الذي يسكن فيه.
وحين نظر للمباني المجاورة، شاهد بعض السكان فوق الأسطح وهم يراقبون الكارثة برعب، فمعظم مباني منطقته لا تتجاوز الثمانية طوابق.
وكان أمام سمير خياران: إما الصعود إلى السطح مثلهم، أو الإسراع ببناء قارب نجاة.
لذا كان عليه التفكير بسرعة بالأشياء التي يحتاجها للبقاء حياً في ظل هذه الظروف الاستثنائية الصعبة. فتوجه إلى الصالة لجرّ طاولة السفرة المصنوعة من الخشب الأصلي، بطول مترين تكفيه لتمدد بداخلها.
وبعد إخراجها للشرفة، قلبها على ظهرها لوضع الأغراض بداخلها، ليلاحظ أن حوافها قصيرة ولن تحميه من الأمواج الهائجة.
فدخل المطبخ لأخذ نيلون تغليف الطعام، ولفّه حول الأرجل الأربعة لطاولته في محاولة لرفع جوانب سفينته الافتراضية. كما وجد ورقاً لاصقاً سميكاً (اشترى منذ فترة لتغطية تسربات خزان الماء)، وضعه فوق النيلون زيادةً في الحرص.
وبعد إنهاء مهمته الأولى، كان عليه إيجاد مجذاف لسفينته، فعاد لتفتيش خزائن المطبخ بحثاً عن الملعقة الخشبية الضخمة التي استخدمتها والدته المرحومة بعمل عصائد الأعياد. وظل يبحث عنها إلى أن وجدها، وكان رأسها عبارة عن لوح عريض من الأسفل، مع ذراع بارتفاع متر، ورغم صغرها إلا أنها تنفع بحل أزمته، فربط طرفها بحبل في إحدى أرجل الطاولة كي لا تفلت من يده مع تلاطم الأمواج العنيفة.
ثم نظر نظرة سريعة من الشرفة لمعاينة الوضع في الخارج بعد تزايد صرخات الجيران، ليرى المياه غمرت الطابق الرابع! وهذا يعني أنه عليه الإسراع بتجهيز سفينته، فهو لا يعرف متى سيتوقف المطر أو تنحسر مياه البحر.
وعاد إلى المطبخ لحمل جالون مياه الشرب ووضعه داخل الطاولة بعد ربطه جيداً بالحبل، خوفاً من فقدان أهم أسباب النجاة. ثم فتح الثلاجة لأخذ معلبات الفاصوليا والفول والسردين، مع ربطتي خبز، بالإضافة إلى ملعقتين وشوكة وسكينتين حادّتين وكوب بلاستيكي. كما أخذ طنجرة كبيرة وموقد غاز صغير في حال بقي تائهاً لأسابيع، لاستخدامها في طبخ السمك الذي يصطاده، لأنه يعلم مسبقاً أن قوة الجزر ستسحبه إلى وسط البحر.
كما أخذ منشفة وبعض المناديل الورقية وغياريْن من الملابس، ووضع جميع أغراضه داخل أكياس نيلون لحمايتها من البلل. ثم أسرع إلى غرفة والدته لأخذ مرآتها وكشاف الضوء لإرشاد السفن إليه.
وبعد سماعه صوت تسرب المياه من حواف شرفته باتجاه طاولته، عرف أنه عليه الاستعجال بأخذ ما تبقى من حاجياته الضرورية لرحلة مجهولة العواقب. فأخذ وسادة ولحافاً سميكاً، فالجو بارد مساءً مع بداية فصل الخريف.
ومن بعدها جلس داخل الطاولة، وكان آخر ما قام به: تمزيق ستارة الشرفة البلاستيكية وربطها بأرجل الطاولة الأربعة، لحمايته هو والأغراض من المطر.
ثم جلس يراقب بحسرة المياه وهي تتسرّب إلى داخل بيته، والتي أدت لارتفاع طاولته شيئاً فشيئاً إلى أن وصلت حافة الشرفة.
فدفع سفينته بالمجذاف الصغير مبتعداً عن شقته، في محاولة للوصول إلى منتصف الشارع، خوفاً أن يسحبه التيار مجدداً إلى نوافذ وشرفات الطوابق العلوية.
وصار يجذف بكل قوته للخروج من الحي نحو الشاطئ الذي لا يبعد كثيراً عن مبناه. وآخر ما شاهده قبل ابتعاده عن المنطقة: جيرانه الذين أشاروا له من فوق سطح مبناه لأخذهم معه، لكن قاربه صغير ومليء بالأغراض المهمة التي لا يمكنه الاستغناء عنها، فلم يكن بيده سوى الدعاء بعدم وصول مستوى الماء إليهم.
وظل يجذف بقوة حتى وصل إلى الشاطئ الذي اختفى تماماً مع امتداد البحر الهائج أمامه.
ليبدأ كابوس آخر مع عملية الجزر المخيفة، كتسونامي جديد باتجاه عكسي، فربط سمير نفسه بالحبل بإحدى أرجل الطاولة التي سُحبت بعنف وبسرعة مهولة نحو البحر الذي ابتلع كل شيء. وفي نفس الوقت كان عليه إبعاد النفايات وأغصان الأشجار وبقايا السيارات المحطمة عن الارتطام بسفينته الصغيرة بواسطة مجذافه الصغير.
^^^
ومرّت نصف ساعة كالجحيم، حتى هدأ الوضع أخيراً، ليجد نفسه وسط البحر، بينما بدت بلدته من بعيد كجزيرة مهجورة، لا يُرى منها سوى الجبل بعد غرق العاصمة الساحلية بمن فيها.
فحمد ربه لأنه الابن الوحيد لوالديه المتوفين، رغم حزنه على الأقارب والأصدقاء الذين لن يراهم ثانية.
^^^
في تلك الأثناء، كانت الشمس على وشك الغروب، فأراد الاستفادة من الضوء المتبقي لتنظيم سفينته، فقام بإزالة الستارة البلاستيكية بعد توقف المطر، وربطها على هيئة شراع. وبعد تجفيف أرضية الطاولة بالمنشفة، فرش بطانيته ووسادته بعد ترتيب علب الطعام في آخر الطاولة، التي حفظها بأكياس مربوطة بالحبال بأرجل قاربه.
وفور انتهائه من تناول علبة فاصوليا وشربه القليل من مياه الجالون، عم الظلام المرعب. استلقى في سفينته وهو يفكر بما حصل، حامداً ربه على النجاة من غرق محتّم، مع خوفه من البقاء طويلاً في عرض البحر حتى انتهاء طعامه وشرابه، متمنياً أن يصادف قريباً سفينة تنقذه مما هو فيه، وظل يفكر حتى غفى من التعب، فقد كان يومه عصيباً للغاية.
^^^
ومرّت الأيام ومازال سمير تائهاً بعد اختفاء بلاده عن الأنظار إثر تعمقه وسط البحر. وما كان يخشاه حصل: فطعامه انتهى، ولم يبق في الجالون سوى القليل من مياه الشرب.
فبحث مطولاً في طاولته حتى وجد مسماراً غير مثبت جيداً بالخشب، فهزه بقوة حتى أزاله، ثم ربطه بطرف الحبل. وكانت ما زالت معه علبة ذرة صغيرة، غرز حبتيّن بطرف المسمار ورماه بالبحر لاصطياد السمك.
وماهي إلا دقائق حتى اهتز الحبل، فشده سمير بقوة، ليرى سمكة متوسطة الحجم تتجه نحوه. لكن فرحته لم تكتمل بعد رؤيته زعنفة سمكة قرش تلاحق صيده، فما كان أمامه إلا التخلّي عن الحبل، ليلتهم القرش السمكة.
ثم استلقى سمير فزعا داخل سفينته دون حراك، على أمل أن يبتعد القرش عن جوانب سفينته المنخفضة. وبعد دوران القرش أكثر من مرة حول الطاولة، ابتعد لعدم شعوره بذبذبات تدل على وجود كائن حي فوق الخشبة.
^^^
وبعد هدوء الوضع، رفع سمير رأسه ليلمح سفينة صيد من بعيد، لكنه كان خائفاً من إصدار صوت يعيد القرش إليه من جديد. فاكتفى بعكس أشعة الشمس على مرآته التي وجهها على الصياد العجوز المشغول برفع شبكته، والذي ما إن أنهى عمله حتى أدار محرّكه الكهربائي مبتعداً عن المكان، لينهار سمير باكياً من شدة يأسه.
^^^
في المساء، استيقظ من نومه بعد تبلل ملابسه بالماء المتسرب من جوانب الطاولة، ليلاحظ أنوار سفينة شحن من بعيد. فأخرج الكشاف من كيس الأغراض، وصار يلوّح لهم دون فائدة، ثم أخذ يضيئها ويطفئها كإشارة مورس التي تعلّمها بالكشافة. ويبدو أن خطته نجحت، لأن نور السفينة العملاقة بدأ يقترب منه أكثر فأكثر.
وهنا سمع صوت امرأة تصرخ بعصبية:
- كم مرة طلبت منك دخول الحمام قبل النوم؟!!
***
فتح سمير عينيه بصعوبة، ليرى نفسه في غرفة نومه، وزوجته تعاتب ابنهما (7 سنوات) الذي نام معهما في السرير دون علمهما.
وحين التفت سمير نحو ابنه، وجده يُبرّر متلعثماً:
- استيقظت مساءً بسبب كابوس مزعج.
الأم معاتبة: ولماذا لم تدخل الحمام، بدل تلويث سريرنا؟!
الولد: كانت أنوار المنزل مطفأة، وخفت أن يلاحقني الوحش الذي رأيته في منامي، فأسرعت إلى غرفتكما.
الأم بغضب: اذهب واستحم فوراً!! سأحضر ملابسك بعد قليل.
وبعد ذهابه باكياً إلى الحمام، نظرت إلى زوجها وهي تقول:
- بسببه حلمت أنني سبّاحة أولمبياد.. ماذا عنك؟
فقال سمير مبتسماً:
- حلمت بتسونامي دمّر البلاد بأكملها!
وبينما كان الولد يستحم وهو يشعر بالخزي، كان والداه غارقان في الضحك.

اضحكتني ..
ردحذفرائعة,نهايتها مضحكة.
ردحذفاشكرك على قصصك ونهاياتك الغير متوقعه
ردحذفشكرا للموضوع
ردحذف