الجمعة، 2 أكتوبر 2020

تسونامي

 تأليف : امل شانوحة

النجاة من الطوفان


إستيقظ سمير عصراً على صرخات جيرانه .. فأطلّ من النافذة ، ليرى مشهداً مروعاً ! حيث ضرب تسونامي مُفاجئ البلاد دون سابق إنذار ، مترافقاً مع هطولٍ غزير للأمطار ساهم في رفع مستوى مياه البحر التي غمرت ثلاثة طوابق لمبناه ، وأوشكت على الوصول للطابق الخامس الذي يسكن فيه ..


وحين نظر للمباني المجاورة ، شاهد بعض السكّان فوق الأسطح وهم يراقبون الكارثة برعب ، فمعظم مباني منطقته لا تتجاوز الثمانية طوابق 

وكان امام سمير خيارين : اما الصعود الى السطح مثلهم ، او الإسراع ببناء قارب نجاة !


لذا كان عليه التفكير بسرعة بالأشياء التي يحتاجها للبقاء حياً في ظلّ هذه الظروف الإستثنائية الصعبة ..

فتوجه للصالة لجرّ طاولة السفرة المصنوعة من الخشب الأصلي ، بطول مترين تكفيه لتمدّد بداخلها ..

وبعد إخراجها للشرفة ، قلبها على ظهرها لوضع الأغراض بداخلها .. ليلاحظ ان حوافها قصيرة ، ولن تحميه من الأمواج الهائجة .. 


فدخل المطبخ لأخذ نيلون تغليف الطعام ، قام بلفّها حول الأرجل الأربعة لطاولته في محاولة لرفع جوانب سفينته الإفتراضية ..

كما وجد ورقاً لاصقاً سميكاً (إشتراه منذ فترة لتغطية تسرّبات خزان الماء) جلّده فوق النيلون ، زيادةً في الحرص .. 

وبعد إنهاء مهمّته الأولى ، كان عليه إيجاد مجذاف لسفينته ..


فعاد لتفتيش خزائن المطبخ ، بحثاً عن الملعقة الخشبية الضخمة التي تستخدمها امه في عمل العصائد بالأعياد .. 

وظلّ يبحث عنها ، الى ان وجدها .. وكان رأسها عبارة عن لوح عريض وساقها قرابة المتر ، ورغم صغرها الا انها تنفع بحلّ أزمته .. وقام بربط طرفها بحبلٍ في إحدى ارجل الطاولة ، كي لا تفلت من يده مع تلاطم الأمواج العنيفة ..


ثم نظر نظرةً سريعة من الشرفة لمعاينة الوضع في الخارج بعد تزايد صرخات الجيران ، ليرى ان المياه غمرت الطابق الرابع ! وهذا يعني ان عليه الإسراع بتجهيز سفينته ، فهو لا يعرف متى سيتوقف المطر او ينحسر مياه البحر 


وعاد الى المطبخ لحمل جالون مياه الشرب ، ووضعه داخل الطاولة بعد ربطه جيداً بالحبل ، خوفاً من فقدان أهم اسباب النجاة .. 

ثم فتح الثلاجة لأخذ معلّبات الفاصوليا والفول والسردين مع ربطتان خبز .. بالإضافة لملعقتين وشوكة وسكينتين حادّتين وكوب بلاستيكي .. كما أخذ طنجرة كبيرة وموقد غاز صغير ، في حال بقيّ تائهاً لأسابيع لاستخدامها في طبخ السمك الذي يصطاده ، لأنه يعلم مسبقاً ان قوة الجزر ستسحبه الى وسط البحر .. 


كما أخذ منشفة وبعض المناديل الورقية وغيارين من الملابس ..ووضع جميع الأغراض داخل أكياس نيلون لحمايتها من التبلّل .. 

ثم أسرع الى غرفة امه المرحومة لأخذ مرآتها وكشّاف الضوء ، لإرشاد السفن اليه .. 


وبعد سماعه صوت تسرّب المياه من حواف شرفته باتجاه طاولته .. عرف ان عليه الإستعجال بأخذ ما تبقى من الحاجيات الضرورية لرحلةٍ مجهولة العواقب.. فأخذ وسادةً ولحافاً سميكاً ، فالجو بدأ يبرد مع بداية فصل الخريف 


ومن بعدها صعد لداخل الطاولة .. وكان آخر ما قام به : هو تمزيق ستارة الشرفة البلاستيكية وربطها بأرجل الطاولة الأربعة ، لحمايته هو والأغراض من المطر .. 


ثم جلس يراقب بحسرة المياه وهي تتسرّب الى داخل بيته ، والتي أدّت لارتفاع طاولته شيئاً فشيئاً الى أن وصلت لحافة الشرفة .. 

فدفع سفينته بالمجذاف الصغير ، مُبتعداً عن شقته .. في محاولة للوصول الى منتصف الشارع ، خوفاً ان يسحبه التيار مجدداً لداخل نوافذ وشرفات الطوابق العلوية .. 

وصار يجذف بكل قوته للخروج من الحيّ ، باتجاه الشاطىء الذي لا يبعد كثيراً عن مبناه .. 


وآخر ما شاهده قبل ابتعاده عن المنطقة : هم جيرانه الذين أشاروا له من فوق سطح مبناه لأخذهم معه .. لكن قاربه صغير ومليء بالأغراض المهمّة التي لا يمكنه الإستغناء عنها .. فلم يكن بيده سوى الدعاء أن لا يصل مستوى المياه إليهم .. وظلّ يجذف بقوة ، الى ان وصل للشاطىء الذي اختفى تماماً مع إمتداد البحر الهائج امامه ! 


ليبدأ كابوس آخر مع عملية الجزر المخيفة ، كتسونامي جديد باتجاهٍ عكسيّ .. فربط سمير نفسه بالحبل بإحدى ارجل الطاولة التي سُحبت بعنف وبسرعةٍ مهولة باتجاه البحر الذي ابتلع كل شيء .. وفي نفس الوقت كان عليه إبعاد النفايات وأغصان الأشجار وبقايا السيارات المحطّمة عن الإرتطام بسفينته الصغيرة بواسطة مجذافه الصغير .. 


ومرّت نصف ساعة كالجحيم ، الى ان هدأ الوضع أخيراً ! ليجد نفسه في وسط البحر ، وبلدته من بعيد تبدو كجزيرةٍ مهجورة لا يُرى منها سوى الجبل بعد غرق العاصمة الساحلية بمن فيها .. 

فحمد ربه انه الإبن الوحيد لوالدين متوفيين ، رغم حزنه على الأقارب والأصدقاء الذين لن يراهم ثانية ..


في تلك الأثناء .. كانت الشمس على وشك الغروب ، فأراد الإستفادة من النور المتبقي لتنظيم سفينته .. فقام بإزالة الستارة البلاستيكية من فوقه بعد توقف المطر ، وربطها على هيئة شراع .. 

وبعد تجفيفه أرضيّة الطاولة بالمنشفة ، فرش بطانيته ووسادته بعد ترتيبه علب الطعام في آخر الطاولة (التي حفظها بأكياسٍ مربوطة بالحبال بأرجل قاربه) 


وفور انتهائه من تناول علبة فاصوليا وشربه القليل من مياه الجالون ، عم الظلام المرعب ..

فاستلقى في سفينته وهو يفكّر بما حصل ، حامداً ربه على النجاة من غرقٍ محتّم ..مع خوفه من البقاء طويلاً في عرض البحر لحين انتهاء طعامه وشرابه .. مُتمنياً ان يُصادف قريباً سفينة تنقذه مما هو فيه .. وظل يفكّر الى ان غفى من التعب ، فيومه كان عصيباً

***


ومرّت الأيام .. ومازال سمير تائهاً بعد اختفاء بلاده عن الأنظار ، إثر تعمقه في وسط البحر.. 

وما كان يخشاه حصل : فطعامه انتهى ، ولم يبقى في الجالون سوى القليل من مياه شرب .. 


فبحث مطولاً في طاولته حتى وجد مسماراً غير مثبّت جيداً بالخشب ، فهزّه بقوة الى ان أزاله .. ثم ربطه بطرف الحبل .. وكانت ماتزال معه علبة ذرة صغيرة ، غرز حبتين بطرف المسمار ..ورماه بالبحر لاصطياد السمك ..


وماهي الا دقائق حتى اهتزّ الحبل .. فشده سمير بقوة ، ليرى سمكة متوسطة الحجم تتجه نحوه .. لكن فرحته لم تكتمل ، بعد رؤيته زعنفة سمكة قرش تلاحق صيده 

فما كان امامه الا التخلّي عن الحبل ، ليُسرع القرش بالتهام سمكته 

 

ثم استلقى سمير فزعاً داخل سفينته دون حراك ، على أمل ان يبتعد القرش عن جوانب سفينته المنخفضة .. 

وبعد دوران القرش اكثر من مرة حول الطاولة ، إبتعد لعدم شعوره بذبذات تدل على وجود كائنٍ حيّ فوق الخشبة ..


وبعد هدوء الوضع .. رفع سمير رأسه ، ليلمح سفينة صيد من بعيد ! لكنه كان خائفاً من إصدار صوت يعيد القرش اليه من جديد.. فاكتفى بعكس أشعة الشمس على مرآته التي وجّهها على الصياد العجوز الذي كان مشغولاً برفع شبكته .. والذي ما ان أنهى عمله حتى أدار محرّكه الكهربائي وانطلق مبتعداً عن المكان ، لينهار سمير باكياً من شدة يأسه 

***


في المساء .. استيقظ من نومه بعد تبلّل ملابسه بالماء الذي تسرّب من جوانب الطاولة ، ليلاحظ انوار سفينة شحن من بعيد .. فأخرج الكشّاف من كيس الأغراض ، وصار يلوّح لهم دون فائدة .. 

فأخذ يضيئها ويطفئها كإشارة مورس الذي تعلّمها بالكشافة.. ويبدو خطته نجحت ، لأن نور السفينة العملاقة بدأت تقترب منه اكثر فأكثر ..


وهنا سمع صوت امرأة تصرخ بعصبية :

- كم مرة طلبت منك دخول الحمام قبل النوم ؟!! 

ففتح سمير عيناه بصعوبة ، ليرى نفسه في غرفة نومه ! وزوجته تعاتب ابنهما (7 سنوات) الذي نام معهما في السرير دون علمهما 


وحين التفت سمير نحو ابنه ، وجده يُبرّر مُتلعثماً :

- إستيقظت مساءً بسبب كابوسٍ مزعج 

الأم معاتبة : ولما لم تدخل الحمام ؟! 

الولد : كانت انوار المنزل مطفأة .. وخفت ان يلاحقني الوحش الذي رأيته في منامي ، فأسرعت الى غرفتكم

الأم بغضب : إذهب واستحمّ فوراً !! سأحضر ملابسك بعد قليل


وبعد ذهابه باكياً الى الحمام ، نظرت الى زوجها وهي تقول : 

- بسببه حلمت انني سبّاحة أولمبياد ، ماذا عنك ؟

فقال سمير مبتسماً : حلمت بتسونامي دمّر البلاد بأكملها ! 


وبينما كان الولد يستحم وهو يشعر بالخزيّ ، كان والداه غارقان بالضحك 


هناك 3 تعليقات:

لقاءٌ مصيريّ

 فكرة : أختي اسمى كتابة : امل شانوحة جمعنا القدر في ذلك المساء .. ركضت سلمى بكل قوتها في الغابة المظلمة ، بفستان عرسها الأبيض هرباً من العجو...