الخميس، 15 أكتوبر 2020

آلة الزمن

 فكرة : اختي أسمى
كتابة : امل شانوحة


العبث بالتاريخ


في إحدى المدن الإسبانية ، وبعد عودة إيلينا من قدّاس الأحد .. أنهت أخيراً قراءة الجزء الأخير من كتابها التاريخي المفضّل الذي يتحدّث عن بطولات الملك ألفونسو السادس الذي بدأ الحملات الصليبة ضدّ المسلمين ، قبل قيام أخيه بالإنقلاب عليه .. لتخسر دولة قشتالة ملكاً عادلاً ، وتفقد عائلته زوجاً واباً رحيماً .. 


وأخذت إيلينا تتأمّل الرسمة القديمة للملك الشاب الذي عُرف بوسامته وذكائه العسكريّ ، قائلةً بحزن :

- ليت باستطاعتي العودة للماضي وتحذيره من أخيه الخائن 

ثم خرجت الى الشرفة ، لتجد الشمس ساطعة ..

- وأخيراً توقف المطر ، سأتنزّه قليلاً ..

***


وفي سوقٍ شعبيّ ، وجدت كشكاً صغيراً يبيع أغراضاً قديمة أثريّة .. فسألت البائعة التي أجابتها :

- جميعها أغراض وتذكارات جدي المرحوم 

إيلينا : وماهذا السوار الغريب ؟!

فأجاب اخو البائعة الصغير : انه سوارٌ إلكترونيّ صنعها جدي لإنتقال للزمن الماضي والمستقبل  

- تقصد آلة الزمن ؟!

البائعة : لا تكترثي بكلام اخي ، فجدي أُصيب بمرض الزهايمر آخر عمره.. 

أيلينا : وهل كان خبيراً بالإلكترونيات ؟

البائعة : كان استاذٌاً جامعيّ ، لكن فقد رشده بعد وفاة جدتي ..على كلٍ ، لون السوار جميل وسعره رخيص ايضاً  

- حسناً سأشتريه 


ووضعته إيلينا في حقيبتها ، ثم توجّهت لكشكٍ آخر يبيع الطعام .. وبعد إنهاء شطيرتها ، عادت الى شقتها .. 

***


في المساء وقبل نومها ، أخذت تتصفّح كتابها التاريخي من جديد .. وحين رأت رسمة الملك الوسيم ، تذكّرت السوار ..

فأخرجته من حقيبتها ووضعته حول معصمها ، مُحاولةً إيجاد زرّ لتشغيله .. لكنه كان سوار أملساً شفّافاً ، في داخله رقاقة إلكترونية مضيئة.. ولا وسيلة للوصول اليها ، إلاّ بكسر السوار .. 


وهنا رنّ جوالها .. فأخذت تتكلّم مع صديقتها ، الى أن شعرت بالنعاس .. فانهت المكالمة لتغفو سريعاً ، والسوار مازال في يدها 

***


دهليزٌ طويلٌ مظلم ، يليه ممرٌّ مضيء بأنوارٍ ساطعة .. ثم هبط جسمها ببطء ، لتلامس أقدامها الحافية سجاداً ناعماً .. 

حين فتحت عيناها ، وجدت نفسها في غرفة بتصميم معماريّ قديم ! وامامها عشرات الفساتين المُعلّقة بموضة تعود لمئات السنين .. 


فأسرعت ناحية النافذة الصغيرة ، لتجد نفسها في قصرٍ مهيب يطلّ على مزارع الفقراء بأكواخهم القديمة .. والناس تتنقّل في الشوارع الطينية مستخدمين البغال والحمير ، بينما العساكر يعتلون الأحصنة والعربات

إيلينا بدهشة : هل عُدتُّ للماضي فعلاً ؟! ام مجرّد حلم ؟


وهنا سمعت ضحكات نسوة خارج الغرفة .. ثم صوت طرقٍ على بابها الخشبيّ الضخم ، وصوت امرأة عجوز تسألها :

- هل انتهيت ؟!! فالملك ألفونسو على وشك الوصول

فتمّتمت إيلينا بدهشة : الملك ألفونسو !

واعتراها الحماس شوّقاً لرؤية بطلها المفضّل ..


وأسرعت بلبس فستانٍ أحمر منفوش ، للفت انتباهه .. وهي تتساءل في نفسها :

- ترى هل هو وسيم كما يظهر في رسمته ؟


فإذّ بكبيرة الجواري تدخل عليها وهي تقول :

- هيا الحقيني !! فالجواري يتحضرنّ لدخول صالة الملك 

- لماذا ؟!

- ليختار إحداكنّ لهذه الليلة ، فالشمس على وشك المغيب 

إيلينا : لحظة ! ألا يعشق زوجته ؟

- من اين قدمتِ يا فتاة ؟

- من مكانٍ بعيد 

- يبدو لا خبرة لك بالملوك ، فالجواري جزء من نظام حياتهم .. والآن تعالي ورائي

***


إصطفت إيلينا مع عشرات الجواري من مختلف الجنسيات : منهنّ الأفريقية والصينية والأوروبية والهندية وغيرهنّ من الحسناوات في وسط صالةٍ ضخمة ببلاطها الرخاميّ وأعمدتها المُذهّبة .. 

وعمّ الصمت بعد سماعهنّ اصوات الأبواق تُعلن قدوم الملك ..

فخفق قلب إيلينا حماساً لرؤية القائد التي لطالما حلمت بلقياه 


حين دخل الملك الصالة مُتوجهاً لعرشه : كان مُفعماً بالرجولة والصلابة ، وليس مُرهف الحسّ كما بدى في رسمته التاريخية .. 

وقد حاولت التماسك بعد تلاقي عيناهما ، وهو ينظر لها بنظرةٍ حادّة لأنها الوحيدة لم تخفض رأسها له ! بل تمعّنت فيه بجرأة ، على غير عادة النساء في تلك الآونة الزمنية ..

فأشار لها بالإقتراب منه ..


فوقفت امامه وهي مازالت تنظر اليه ، دون خضوعٍ وذلّ الجواري المعهود!

الملك : من انت ؟ ومن اين أتيت ؟

إيلينا : أتريدني ان أجيبك بصدق ؟

- طبعاً 

- أتيت من زمن المستقبل لأطلعك على أمرٍ خطير


وهنا اقتربت رئيسة الجواري (مُخفضة رأسها للملك) :

- أعتذر مولايّ .. فهي جارية جديدة ولا تعرف الأصول.. هل تريد ان آخذها لأعلّمها الأدب ..

الملك مقاطعاً : لا !! أعجبتني وقاحتها .. ما اسمك ؟ 

- إيلينا 

الملك : أيلينا ، اسمٌ غريب ! .. تعالي معي 

ومشى باتجاه غرفته الخاصة وهي خلفه ..

***


حين أقفل باب غرفته ، قالت له :

- معي شيءٌ سيعجبك 

- وانا متشوّق لرؤيته

فأخرجت جوالها وهي تقول :

- إبتسم !! 

- ماذا !

وصوّرته ، ثم أرته الصورة ..

الملك بدهشة : كيف هذا ! ولما وجهي لا يتحرّك في مرآتك ؟!


أيلينا : هذا جوّال ، إختراعٌ في زمن المستقبل .. ولوّ كان لديكم إنترنت  لأريتك ما سيفعله اخوك الخائن

الملك بغضب : كيف تجرأين على شتم اخي ، ايتها الجارية ؟!! 

- هات يدك  

- ماذا تريدين ؟!

إيلينا : أترى سواري المضيء ، سآخذك بواسطته الى المستقبل

وقبل ان يفهم ما تقصده ! أمسكت يده ، ليجد نفسه في اسبانيا الجديدة

*** 


وكان اول ما لاحظه هو اختفاء سيفه ، فصرخ غاضباً :

- أعيدي سيفي ايتها السارقة !!

- اهدأ ألفونسو

الملك بغضب : قولي مولايّ يا جارية وإلاّ قطعت رأسك !! 

- لا ملوك هنا .. تعال وانظر بنفسك


وأخرجته الى الشرفة ، ليرى شوارع اسبانيا مليئة بالسيارات ..

ألفونسو بدهشة : ماهذه الأشياء ؟! وكيف تتحرّك دون ان تجرّها خيول وبغال ؟

- انت الآن في القرن الواحد والعشرين

- مستحيل !

- أتريد رؤية إسبانيا

ألفونسو : تظلّي تردّدين كلمة اسبانيا ، وانا ملك قشتالة ..فعن أيّ دولة تتحدثين ؟!

إيلينا : دولة الأندلس قديماً أصبحت اليوم تُعرف بأسبانيا والبرتغال ، وهما دولتان أوروبيتان تعتنقان المسيحية


ألفونسو بارتياح : أهذا يعني انني فزت على المسلمين بالحروب الصليبية؟! .. فأنا بدأت الحملة ضدّهم ، وكدّتُ أربح لولا تدخل دولة المُرابطين بالمغرب الأقصى لِنُصرة الأندلس والتي قامت بصدّ جميع هجمات الإفرنجة والقضاء على إستقلال دُويلات الطوائف ، لتصبح الأندلس ولايةً من ولايات الدولة المُرابطيَّة ، التي ورثتها لاحقاً الدولة المُوحديَّة.. وكنت قبل رؤيتكِ بأسبوع ، أحكمتُ سيطرتي على مدينة طُليطلة  

إيلينا : نعم سنة 1085م .. أحفظ هذا التاريخ جيداً ، لأن من بعده أخذت المُدن الإسلاميَّة تتساقط بيد الإفرنج الواحدة تلوّ الأُخرى


ألفونسو بسعادة : أحقاً !! اذاً تابعتُ إنتصاراتي ؟ 

- بصراحة لم تكن انت القائد ، بل اخيك 

- تقصدين بعد تولّيه الحكم عقب وفاتي ؟ ..هل مُتّ في إحدى المعارك كما يموت الفرسان الشجعان ؟


إيلينا : سأجيبك عن اسئلتك بعد أخذك بجولة حول مدينتك المستقبلية .. لكن عليك اولاً تغير ملابسك .. (وأخذت تبحث في خزانتها) .. أعتقد ان صديقي القديم ترك بعض ملابسه هنا

- هل كنت متزوجة ؟

- لا ، مجرّد اصدقاء  

- أكنت جارية في زمانك ايضاً ؟

أيلينا : هناك قوانين وعادات كثيرة تغيّرت عبر العصور .. سأخبرك كل شيء اثناء نزهتنا

***


ورغم اعتراضه على الملابس الضيقة ، الا انه لبس أخيراً البنطال الجينز والتيشيرت الأحمر .. 

وذهب معها الى المول ، الذي ظلّ يمشي فيه بذهول وهو يرى البضائع الحديثة المتنوعة داخل المحلات التجارية ! 

ورغم ضيقه من إنعدام الأخلاقيات بين اليافعين .. الا ان لذّة الطعام أعجبته كثيراً ، خاصة الحلويات 

***


بعد حلول الظلام ، أعادته إيلينا الى شقتها ..

- هل أعجبتك اسبانيا ؟

ألفونسو : تغيّرت كثيراً ! حتى اني لم أرى رعاع القوم

- بالطبع هناك فقراء ، لكن ليسوا مُعدمين كما في زمانك 

- انا لم أكن يوماً ملكاً ظالماً 

- أعرف هذا ، فقد قرأت سيرتك بكتاب التاريخ

ألفونسو باستغراب : أحقاً ! وماذا قالوا عني ؟ 

- سأريك حياتك كاملة بالإنترنت


وجلس امام حاسوبها المحمول ، اثناء تشغيلها فيديو باليوتيوب عن أهم الأحداث في حياته ..

وفي البداية أسعده إنجازاته الكثيرة داخل بلدته وخارجها ، خاصة فوزه بالعديد من المعارك ضدّ مسلميّ الأندلس .. 

لكنه ذُهل بعد معرفته بانقلاب اخيه واستلامه الحكم ! 


ألفونسو : بصراحة لم أصدّق جميع الأحداث التي أريتني إيّاها  

- لماذا ؟

- لأنه ذُكر انني قتلت زوجتي الحبيبة وابني البكر ، وهذا أمرٌ مستحيل 

إيلينا : أمرت بذلك بعد تشكيك أخوك في إخلاصهما لك .. حيث استطاع إقناعك بأن ابنك البكر يُحضّر لإنقلابٍ ضدّك ، وأن زوجتك تخونك مع الوزير .. فأمرت بقتلهم جميعاً ، لتُصاب بعدها باكتئابٍ شديد

- ماذا يعني إكتئاب ؟!


إيلينا : حزنٌ شديد لفقدانهم .. مما قلّل حماسك وتركيزك في المعارك ، لتنال هزيمتين متتاليتين ضدّ مسلميّ الأندلس : وذلك في معركة الزلاقة ، ومعركة أقليش التي قُتل فيها ابنك الثاني سانشو 

- ابني المفضّل سانشو !

- نعم واستغلّ اخوك انهيارك للإنقلاب عليك وعزلك عن الملك 

ألفونسو بغضب : إن كان هذا ما يخطّط لفعله ، فسأجعله عبرةً لمن يعتبر!! 

- أعتقد بتخلّصك منه ، ستستولي على الأندلس سريعاً .. 

- الم تقولي إن اخي انتصر عليهم بالفعل ؟ 


إيلينا : نعم لكنه استغرق وقتاً طويلاً ، فهو لا يملك خبرتك العسكرية .. وأظن لوّ بقيت مدةً أطول في الملك ، لزدّت مساحة دولتنا الحالية بعد احتلالك بلاد العرب ايضاً

ألفونسو بحزم : سأفعل ذلك حتماً !! .. والآن أعيديني الى زماني ، فعليّ إصدار العديد من القرارات المصيرية التي ستغيّر التاريخ بأكمله


فوضعت إيلينا سوراها الألكتروني حول معصمه وهي تقول :

- لا ادري كيف يعمل بالضبط .. لكن إبقيه في يدك أثناء نومك ، وهو سيعيدك الى عالمك

- واين سأنام ؟ 

إيلينا : على سريري ، وانا سأنام في الصالة

***


حين استيقظت صباحاً.. أسرعت الى غرفتها لتجده اختفى مع السوار ، فعلمت انها فقدت آلة الزمن

- غبية !! كيف لم انتبه لذلك ! كنت أودّ رؤية المستقبل ايضاً ..

وبحثت عن حاسوبها مُطوّلاً ، لكنها لم تجده ..

- هل أخذه معه ؟!


ثم أخذت تتصفّح كتابها التاريخيّ ، لتجد ان سيرة ألفونسو تغيرت تماماً ! 

فهو أعدم اخاه لحماية زوجته وابنه البكر الذي خطّط لاحقاً مع الوزير (الذي كان فعلاً عشيق امه) لتسميم والده (ألفونسو) واستلام الحكم ، بعد قتل أخيه الثاني سانشو (الإبن المفضل لوالده).. 

ولأنه كان ولداً فاسداً ، فقد أوقف الحملات الصليبة ضدّ المسلمين بعد صرف أموال دولته على الجواري والخمور وحفلاته الماجنة 


إيلينا بدهشة : لا حملات صليبة ! ماذا يعني هذا ؟!

وهنا سمعت صوت الآذان في الخارج !

- ما هذا الصوت ؟! سمعته في اليوتيوب من قبل 


وخرجت الى شرفتها ، لتُفاجىء بالمساجد في كل حيٍّ ببلادها .. والنسّوة محجبات بالشوارع ، والرجال يلبسون الزيّ الإسلامي بلحاهم الطويلة

- لا ! مستحيل


ونزلت مُسرعة الى الشارع ، لتجد سيدة مُنقبة تقول لها :

- عودي الى بيتك والبسي الزيّ الرسمي ، والا ستعاقبين

- ممّن ؟!

- من ولاة أمرنا

إيلينا باستغراب : ولاة أمرنا ! تقصدين رئيس اسبانيا ؟

- لا توجد دولة اسمها اسبانيا ! 

- ماذا ! وبأيّ دولة نحن ؟

- الأندلس

إيلينا بصدمة : الأندلس ! وبأيّ زمان ؟

- 2020

- هل بقيت الأندلس حتى عصرنا الحاليّ ؟! 

- طبعاً !! دولتنا مزدهرة منذ قرون


وهنا اقترب منها العسكري ، وهو يقول بعد رؤية الصليب في عنقها: 

- هاى انت !! اين بطاقة بيت المال ؟

فسألت إيلينا السيدة المنقبة : ماذا يقصد ؟!

المرأة : يقصد هل دفعتي الجزية لهذا العام ؟ 

إيلينا بصدمة : الجزية !

العسكري : نعم !! على المسيحيين دفع ضريبة لدولتنا كل سنة ، والا ستحجزين


فجلست إيلينا على الرصيف وهي تبكي بندم :

- ليتني لم أعبث بالتاريخ .. أفسدتُ كل شيء !!!!

وظلّت تبكي بمرارة .. والمارّة المسلمين يراقبونها باستغراب ! 

******


ملاحظة :

المعلومات المذكورة عن ألفونسو السادس في قصتي صحيحة ، فيما عدا  ما ذُكر عن أخيه (فهي من تأليفي) .. ففي الحقيقة مات ألفونسو حزناً على ابنه سانشو الذي قُتل في معركة أقليش ضدّ المرابطين المسلمين ، وإبنته أوراكا هي من خلّفته في الحكم .


هناك تعليقان (2):

  1. الجزية ليست على النساء أختى امل ....وعموما كابوسها حلم جميل لنا

    ردحذف
  2. إبداع القصة.

    ردحذف

لقاءٌ مصيريّ

 فكرة : أختي اسمى كتابة : امل شانوحة جمعنا القدر في ذلك المساء .. ركضت سلمى بكل قوتها في الغابة المظلمة ، بفستان عرسها الأبيض هرباً من العجو...