الاثنين، 19 أكتوبر 2020

مُختطف الأطفال المجهول

تأليف : امل شانوحة 

 

جريمة النوم !


في عصر ذلك اليوم .. شرد العجوز جيمي وهو يراقب الشاطئ من نافذة المقهى ، قائلاً في نفسه : 

((لما تقاعدت باكراً وتركت ابنتي وحفيدي في العاصمة لأعيش غريباً هنا ؟ وكيف لا أذكر سبب قدومي واختياري لهذه المنطقة النائية ، هل هي أعراض الزهايمر ؟!))


وهنا إقترب منه جاره وهو يقول :

- هل تسمح لي بالجلوس ؟

- تفضّل

- انا جارك في الشارع المقابل لمنزلك 

- اهلاً وسهلاً 

- سمعت انك محقّق جنائي ؟

جيمي : كنت كذلك ، قبل تقاعدي منذ شهرين .. فلماذا تسأل ؟


فأخبره عن اختطاف طفلة عمرها 5 سنوات مساءً من منزلها الذي لا يبعد كثيراً عن الحيّ الذي يعيشان فيه .. 

فقال جيمي باستغراب :

- ولما لم تقم شرطتكم المحلّية باستجواب الجيران ؟

الجار : أظن رئيس بلدتنا لم يرغب بإثارة الهلع بيننا.. فكما تعلم مدينتنا جبلية ، والشاطىء هو منفذها الوحيد 

جيمي باهتمام : ماذا تقصد ؟ 


الجار : أقصد ان السوّاح يأتون عادةً في فصل الصيف .. وطالما إننا في فصل الربيع ، فهذا يعني ان الخاطف هو أحد سكّان المنطقة .. وربما لهذا أراد رئيسنا المحافظة على السرّية للقبض عليه بالجرم المشهود .. وأتيت لأسألك إن كان بإمكانك مساعدة شرطتنا بخبرتك الجنائية لإعادة الطفلة سريعاً الى ذويها ، فوالديها في حالة يرثى لها 

جيمي : سأرى ما يمكنني فعله 

***


في ذلك المساء .. تحدّث جيمي مع رئيس البلدية ورئيس الشرطة مطولاً ، واللذان وافقا على إجرائه التحقيقات اللازمة دون إرعاب السكّان 

***


منذ الصباح الباكر .. بدأ جيمي تحقيقاته مع الجيران القريبين من منزل الطفلة المُختطفة ، لكن لا أحد منهم شعر بشيءٍ مريب ليلة الجريمة .. ويبدو إن المجرم قام بتخدير الطفلة اثناء نقلها لمكانٍ مجهول ..

***


ظلّ جيمي طوال الليل يراجع اقوال الجيران بتمعّن ، فهو يشكّ أن أحدهم مرتكب الجريمة ، لأن سجلّات الميناء تؤكّد ان لا غرباء دخلوا مدينتهم منذ شهور 

***


لم يمضي اسبوع على بدء التحقيقات ، حتى فُجعت مدينتهم الصغيرة بجريمةٍ أخرى ، لطفلٍ في شهره الثالث خُطف من مهده مساءً ..

وانتشرت الشائعات المرعبة بين الأهالي ، جعلتهم يتجنّبون الإختلاط بجيرانهم واصدقائهم وحتى أقاربهم لحين حلّ القضية

بينما عمل المحقق جيمي جاهداً مع الشرطة المحلّية (بإشراف رئيس البلدية) لإيجاد الطفلين المختطفين بأسرع وقتٍ ممكن ..

***


مرّ شهرٌ آخر دون تطوّراتٍ جديدة ، ويبدو إن الخاطف مجرماً محترفاً لعدم تركه أثراً يمكن للشرطة تتبّعه من خلاله ! 

وكان جيمي يشعر بالإحباط كلما سألته العائلتين عن معلوماتٍ جديدة تُرشدهم لمكان طفليهما المفقودين ، وهل بقيا على قيد الحياة ام لا ؟

***


في ذلك المساء .. غفى جيمي فوق ملفّات القضية المُبعثرة فوق مكتبه .. 

ليستيقظ آخر الليل في غابةٍ مظلمة ، وهو مازال يلبس بيجامته التي وجد جواله في جيبها .. فأضاءه لرؤية طريقه ، دون تذكّره ما حصل بالضبط ! وتساءل إن كان الخاطف خدّره ورماه هنا ؟ .. وفي حال فعل ذلك لإيقاف التحقيقات ، فلما لم يقتله ؟! 


ومشى جيمي بصعوبة بقدميه العاريتين اللتين أصيبتا بالكثير من الخدوش والجروح بسبب الأغصان اليابسة والأحجار المُدبّبة فوق الأرض .. 

ورغم ان حدسه يدفعه للخروج سريعاً من الغابة ، الا انه وجد نفسه يتعمّق أكثر فيها ! الى ان وقف قرب شجرتين متعاكستين بشكلٍ ملفت 


فقال في نفسه : 

((الشرطة فتّشت الغابة جيداً ، لكنها لم تحفر فيها للبحث عن مقابر الطفلين ؟ .. ولوّ فكّرت بعقليّة المجرم ، فهاتين الشجرتين تصلحان ان تكونا علامة واضحة لإخفاء الجثة .. (ثم سلّط نور جواله أسفل الشجرتين ، قائلاً) .. تبدو الأرض وكأنها نُبشت من قبل !))


فحفر بيديه الى ان وجد ما كان يخشاه ، فهناك جثة صغيرة متفحّمة بالكامل 

ولخوفه ان يكون الخاطف قريباً منه ، أسرع بالخروج من الغابة .. ليتفاجأ بسيارته متوقفة عند مدخل الغابة ، ببابها المفتوح وإنارتها المضاءة .. فركبها مسرعاً الى بيته 


وبعد تغير ملابسه ، ذهب الى مركز الشرطة التي أرسلت معه فريقاً للغابة عند شروق الشمس .. 

فدّلهم على مكان الشجرتين المتعاكستين لإخراج الجثة ونقلها للمشرحة 

***


في المركز .. سأله رئيس الشرطة عن كيفية إكتشافه القبر ؟! 

لكن جيمي فضّل إخفاء الحقيقة ، لأنه لا يملك دليلاً إن الخاطف تركه هناك .. واكتفى بالقول انه شعر بالضيق لعدم حلّه القضية .. فقاد سيارته باتجاه الغابة ، ليلاحظ تميّز الشجرتين .. فتتبّع حدسه ، ليفاجىء بالنتيجة 

ورغم غرابة أقواله ! الا ان الرئيس شكره لإيجاده طرف الخيط الذي سيوصلهم للجاني قريباً 

***  


في عصر اليوم التالي .. أخبر رئيس البلدية عائلة الطفل (3 اشهر) بنتائج المختبر ، فانهار الوالدان حزناً لمصير طفلهما .. واشتعل الغضب بين الأهالي لفظاعة جُرمِ حرق الصغير .. 

بينما أصرّت عائلة الفتاة المفقودة على تفتيش الشرطة لكل شبرٍ في الغابة لإيجاد قبر ابنتهم ، بعد إيقانهم أنها لاقت ذات مصير الطفل الذي خُطف بعدها 


وبالفعل تطوّع شباب المنطقة لتمشيط الغابة مع الشرطة ..

الى ان اكتشفوا بعد ايام جثة الطفلة المحترقة التي أثارت مظاهرات شعبية غاضبة مطالبة بإيجاد الخاطف وإعدامه فوراً ، خاصة بعد اكتشاف الشرطة لإشاراتٍ محفورة على الأشجار برموزٍ شيطانية تدلّ ان مرتكب الجريمتين من عبّاد الشياطين .. ولهذا حقّقت الشرطة مع العديد من شباب المنطقة المنحرفين الذين ظهرت براءتهم لاحقاً ..

*** 


مرّت سنة على القضية دون حصول عمليات خطفٍ جديدة .. ومع ذلك ظلّ الأهالي حريصون على اولادهم اثناء ذهابهم وعودتهم من المدرسة ، آملين ان يكون المجرم غادر مدينتهم للأبد

***


في إحدى الأمسيات .. إتصلت ابنة المحقق وهي تصرخ بهستيريا :

- ابي !! لما جوّالك مقفلاً ؟!! أحاول الإتصال بك منذ الصباح 

جيمي بقلق : آسف ! نسيت تشغيله .. لماذا تبكين ؟ 

- الملاعيين خطفوا ابني !!  

جيمي مرتعباً : كيف هذا ؟! البارحة حضرت عيد ميلاده ، فماذا حصل ؟


فأجابته باكية : لا ادري .. وضعه زوجي في سريره بعد انتهاء الحفل ، وذهبنا معك للميناء لتوديعك .. بعد عودتنا للمنزل ، نمنا على الفور ..وفي الصباح لم نجده في غرفته ، وبحثنا عنه في كل مكان .. ولا ادري إن كان خُطف مساءً او فجراً .. وأخاف يا ابي أنه.. 

جيمي مقاطعاً : هل اتصلتم بالشرطة ؟

- طبعاً !! لكنهم لم يجدوه حتى الآن  

- إنتظريني ، سآتي اليكم حالاً 


ودخل غرفته لأخذ حقيبته التي لم يفرغها بعد .. وركب سيارته متوجهاً للميناء ، وهو يأمل إيجاد سفينة تأخذه للعاصمة في هذا الوقت المتأخر..

وعند مروره بجانب الغابة شعر بدوارٍ شديد ، إضّطره لإيقاف سيارته جانباً 

***


إستيقظ جيمي بعد قليل جاثياً على ركبتيه وسط الغابة !

فأخرج جواله من جيبه وأضاءه .. ليصعق برؤية يد طفلٍ متفحّمة خارج كومة من أوراق الخريف المتكدّسة امامه ! والمرسوم حولها رموزاً وتعويذات شيطانية 


وقبل ان يستوعب ما حصل ! سمع شرطياً يصرخ خلفه :

- إرفع يديك عالياً !!

فالتفت اليه وهو يقول :

- هذا انا !! المحقق جيمي 

- انت مُعتقل بجرم إختطاف الأطفال

- لا !! هذه الجثة وجدتها الآن ، ولا أعرف من تكون !

وفوراً تجمّع افراد الشرطة حوله ، وهم يوجّهون سلاحهم نحوه

جيمي بعصبية : ماذا حصل لكم ؟! انا المحقق ، الا تروني جيداً !!


وهنا وصل رئيس البلدية مع رئيس الشرطة الذي قال له :

- قبل قليل وصلنا إتصال من المحقق الجنائي في العاصمة الذي أخبرنا انك ظهرت في كاميرا مينائهم وانت تحمل طفلاً لداخل السفينة التي قدمت بها الى هنا

جيمي بدهشة : ماذا ! عن أيّ طفلٍ تتحدثون ؟

- حفيدك 

جيمي بدهشة : حفيدي ! انتم مخطئون .. لقد زرتهم بالفعل البارحة لحضور عيد ميلاده ، لكني ركبت السفينة وحدي .. إسألوا ابنتي فهي ودّعتني مع زوجها في الميناء  


رئيس البلدية : محقق العاصمة أرسل لنا الفيديو الذي يُظهر إن سفينتك ابتعدت قليلاً عن المرسى ، قبل عودتها ثانيةً .. لتختفي بعض الوقت ، قبل عودتك بعد ساعة وانت تحمل حفيدك النائم ، الذي يبدو إنك أحرقته البارحة ودفنته هنا

صرخ بصدمة : أحرقته !!


والتفت الى الجثة ، ليلاحظ السوار الفضي في معصم يد الطفل المحترقة

جيمي وهو يرتجف مرتعباً : يا الهي ! هذا سواره بالفعل .. لكني لم أحرق حفيدي حبيب قلبي ، هذا مستحيل !! 

رئيس البلدية : ستُحاكم قريباً عن جرم خطف وقتل وإحراق الأطفال الثلاثة الأبرياء

- لكني لم ارى الطفلين أحياءً .. أحلف لكم !!


رئيس الشرطة باشمئزاز : كان عليّ الشكّ بك في اليوم الذي دلّلتنا فيه على قبر الطفل الرضيع ، وإيجادك لجثة الطفلة خلال الحملة الشعبية لتمشيط الغابة  

- وجدّتهما صدفةً ، صدّقوني !!

- خذوه الى السجن 

 

وظلّ يصرخ ببراءته اثناء اقتياده للمركز الذي نُقل منه لاحقاً الى سجن العاصمة لمحاكمته ، وسط ضجةٍ اعلامية ضخمة ومظاهراتٍ شعبية غاضبة

***


جلست ابنته وصهره يراقبانه مذهولين في جلسة محاكمته ، وهما لا يصدقان انه قتل حفيده الوحيد الذي كان متعلّقاً به جداً ! 

بينما ظلّ جيمي يصرّ طوال المرافعة أنه ليس الفاعل ، رغم الأدلّة المصوّرة في كاميرا ميناء العاصمة ، والكاميرا الخارجية للبنك في المدينة الساحلية التي صوّرت سيارته تدخل الغابة مساءً في اوقات إختفاء الطفلين الآخرين

  

وفي ختام الجلسة .. أصيب جيمي بانهيارٍ عصبي بعد حصوله على حكم المؤبد .. ليُقتاد الى سجن العاصمة ، وهو مازال يصرخ ويُطالب باستئناف حكمه الظالم  

***


بعد اسبوع من بقائه وحيداً في زنزانته .. 

عاد يوماً من قاعة الطعام ، ليُفاجىء برسوماتٍ شيطانية تملاً جدران زنزانته ! 

وحين التفت خلفه ، وجد سجيناً ضخماً يقول له :

- أتريد حلّ اللغز ؟

- ماذا !

- لقد قمت بإحراق الأطفال الثلاثة بالفعل ، لتقديمهم قرابين للشيطان .. لهذا استطعت اكتشاف قبورهم قبل الشرطة ، بعد ان دلّك عقلك على أماكن دفنك لهم .. 

جيمي بغضب : انا لم اقتل أحداً !! 

- بل فعلت !! لكن دون وعيٍّ منك ، كونك تسير أثناء نومك .. 

- لم أفهم !


السجين : الم تُجري تحقيقاً مع زعيم عبّاد الشياطين قبل تقاعدك ؟

جيمي : نعم ..أذكر ذلك العجوز العنيد جيداً ، فهو رفض الإعتراف بأعداد القرابين الأطفال الذي أحرقها أتباعه بناءً على اوامره 

- وقمت انت بتعذيبه عن طريق حرمانه من النوم لأيامٍ متتالية ، الى ان أصيب بنوبةٍ قلبية

جيمي باستغراب : كيف عرفت ذلك ؟! فهذه اسرار مهنتي

- انا أحد اتباعه ، وهو مات بين يديّ بعد عودته من تعذيبك المتواصل  .. لكن قبل توقف قلبه أخبرني : انه ألقى عليك تعويذة تجعلك ترتكب الفظائع اثناء سيرك وانت نائم  


جيمي بصدمة : يا الهي ! ألهذا لم أذكر يوم انتقالي للمدينة الساحلية ، وسبب توغلي في الغابة مساءً ؟!

السجين : نعم ، فروح قائدي تلبّست بك لتنفيذ أوامر ابليس .. لكني حقاً لم أتصوّر ان تضحّي بحفيدك الوحيد ! فبهذه الوحشيّة تستحق ان تكون قائدنا الجديد

وضحك ساخراً وهو يقول مُبتعداً :

- سأتركك الآن لتراجع الأحداث في عقلك ، وتستعيد مراراً صرخات حفيدك وانت تشويه على نارٍ خفيفة .. أحلامٌ سعيدة


وترك جيمي مذهولاً ! ليبدأ عقله باسترداد بعض المقاطع المحذوفة من ذاكرته ، لتكتمل قطع الأحجية المفقودة التي منها : إقتحامه لمنزل جاريه لخطف اطفالهما ، وعودته لمنزل ابنته لسرقة حفيده النائم ، وتلاوته التعويذات حول الأطفال المُخدّرين قبل إحراقهم .. 


فانهار باكياً ، لدرجة ان السجناء لم يستطيعوا النوم تلك الليلة من شدّة بكائه ونحيبه المتواصل الأليم  

***


في الصباح .. صرخ الحارس بعلوّ صوته :

- إنتحار في زنزانة 122 !!!!


وتجمّع الحرس والمساجين لرؤية جيمي مشنوقاً بشرشف سريره في سقف سجنه بعد ان دمّره تأنيب الضمير !

******

ملاحظة :

هكذا يبدو شكل الشخص الذي يسير وهو نائم :


وهذه أغرب حالات المشي أثناء النوم :



اذاً الموضوع خطير ومخيف ، لهذا خطرت ببالي هذه الفكرة ..أتمنى ان تعجبكم


هناك تعليقان (2):

  1. قصة رائعة،ولكن أحزنتني نهايتها.

    ردحذف
  2. مع أنني شككت بهوية المجرم منذ البداية إلا أنني لا أنكر بأني استمتعت بقراءة القصة .. تحياتي لكِ

    ردحذف

لقاءٌ مصيريّ

 فكرة : أختي اسمى كتابة : امل شانوحة جمعنا القدر في ذلك المساء .. ركضت سلمى بكل قوتها في الغابة المظلمة ، بفستان عرسها الأبيض هرباً من العجو...