الثلاثاء، 12 يوليو 2016

جزيرة النساء

 تأليف : امل شانوحة

جزيرة,نساء,قتل,قربان,بحر,نهر,عادات,تقاليد,ذكاء,حيلة,انتقام
ممنوع تواجد الرجال في جزيرتنا

تقع احدى الجزر الصغيرة في منطقة جبلية معزولة عن العالم الخارجي , بين بحرٍ متلاطم الأطراف و نهر عذب جارٍ في احضان طبيعة خلاّبة .. اما سكان هذه المنطقة فهم ابعد ما يكونوا عن مفاهيم الحضارة , و هم لا يزيدون عن بضعة الآلاف من الناس , و يرأسهم كبير القبيلة الذي يحكمهم  بجهله و جبروته .. 

اما النهر (المتفجّر من احدِ الجبال) فكان بالنسبة لأهل القرية شريان الحياة , و لكنه في بعض الأحيان يخيف الجميع عندما يقلّ (النهر) بعطاءه .. و قد وجد رئيسهم الحلّ بعد ان لاحظ (بالصدفة) بأن رمي ايّ شيء ثقيل في البحر الملاصق للجبل (ايّ القريب من مصبّ النهر)  يؤدي الى عودة جريان النهر بغزارة , لكنه اخفى اكتشافه هذا و ابدلها بفكرة : ان الآلهة تحدثت معه و طالبت بالقرابين .. و لهذا السبب صار يُرمى بأجمل الفتيات (كل نصف سنة) من اعلى الجبل ليبتلعها آله البحر , و بذلك يُطلَق سراح النهر  و يعمّ الرزق على الجميع..
 
و في احدى السنوات .. توقف النهر تماماً عن الجريان .. فأرادت القبيلة التضحية بفتاة , لم تكن تتميز فقط بجمالها بل بذكائها ايضاً و كان اسمها ياسمين .. و بكت كل القرية عليها (بحرقة) لتميّزها الشديد ..  لكن يبدو ان الآلهة قدّرت هذا القربان الثمين , لأن النهر صار يتدفّق بغزارة , و لم يعد هناك ايّ مشاكل طيلة تلك السنة ..

الى ان اتى يوم .. و لاحظ اهل القبيلة توقف النهر من جديد ! و بعد اجتماع طارىء , تقررّ اسم القربان التالي .. 

و في ساحة القرية .. كانت الصبيّة جوري مجتمعةً مع صديقاتها , لكنها تتفاجىء بوالدها يطلب منها العودة للمنزل في الحال ..
  
و عندما دخلت ..و جدت نسّوة القبيلة مجتمعين في منزل اهلها (و هنّ يبكين) , و امها تحمل بيدها الرداء الأحمر  بخيوطه الذهبية (و هي ثياب القرابين) .. فعرفت الفتاة ما سيحصل لها بعد قليل , فصرخت و رفضت الأمر (بقوّة) ..
و بالرغم انها حاولت الهرب , الاّ ان والدها و اخاها امسكاها قبل ان تتوغّل اكثر في الغابة ..

و في طريقهم للمنزل .. سمعتها كل القبيلة و هي تسبّ الآلهة (بأعلى صوتها) و تنهال بالشتائم على رئيس القبيلة و على تلك العادات الغبية , لكنها هدأت (مُرغمة) بعد ان صفعها والدها (بقسّوة) امام الجميع , و اعادها اخوها (بالقوّة) الى بيتهم لكيّ تجهّزها النساء لموعد التضحية ..

و في عصر ذلك اليوم .. اجتمعت كل القرية لتوديعها عند رأس الجبل .. و بعد ان وقفت على الحافّة , بدأ رئيس القبيلة و الجميع يتلون الصلوات ..

و هناك ..نظرت جوري الى امها و اختها الصغيرة اللتان كانتا تبكيان عليها  بحسّرة , و آخر ما دار في رأسها (و هي تنظر الى اختها الصغيرة التي كانت تنافسها بالجمال)

جوري
(( آه .. كم اخشى عليك يا اختي , ان يأتي نهار و تلقين نفس مصيري بسبب هذه الخرافات الغبية ! ))


.. و بعد ان انتهت المراسم .. اطلق رئيس القبيلة صرخة عالية تؤكّد (على حسب اكاذيبه) بأن النهر ينتظر عروسه ..

 و في لحظات .. وجدت جوري نفسها تحت البحر .. لكنها رفضت ان تستسلم لمصيرها و سبحت بقوّة لتعاند الغرق , و قد حالفها الحظ حين وجدت دُلفيناً بقربها , فأمسكت (بسرعة) بزعنفته .. ثم غابت عن الوعي ..

و عندما افاقت .. رأت نفسها في كهفٍ غريب ! و هناك فتاةٌ (قربها) توقظها .. فعرفتها على الفور .. انها ياسمين التي قالت لها :

الفتاة
مرحباً .. انا..

تقاطعها (بدهشة)

جوري
انتِ ياسمين ! لكن كيف هذا ؟!

تتذكّر بقهر

ياسمين
عندما رموني اول السنة .. صودف وجود تيارٌ قوي , سحبني الى اسفل الجبل


تستفسر بإستغراب
جوري
و هل هذا الكهف اسفل الجبل الذي رمونا منه ؟!

ياسمين
نعم ..انظري الى المياه التي تحيط بنا من كل جانب

جوري
و كيف استطعت العيش كل هذه المدّة ؟!

ياسمين
كنت انتظر الليل ..ثم يوصلني صديقي الدلفين الى الشاطىء .. و بسرعة احاول ان اجمع بعض القواقع .. او اقطف بعض الأعشاب التي تنمو على الصخور , و اضعها بهذه السلّة التي وجدتها هناك .. ثم اعود الى هنا قبيل الفجر

جوري
نعم ..لقد لاحظ الصيادون تناقص اعداد القواقع على الشاطىء ! و ظننّا انه يوجد زواحف تأكلها في الليل !


بغضب

ياسمين
لو كان بيدي ان اعاقبهم اكثر ..لفعلت !!

قالتها و هي تحاول ان ترفع اكمام فستانها الطويل .. فانتبهت على نظرات جوري (الحائرة) ..فقالت لها (مبتسمة)

ياسمين
نعم , هذا فستان جارتكم .. (تتنهد) .. ماذا افعل ؟  هذا ما وجدته مُعلقاً على الحبل !

جوري
و المسكينة ظنّت بأن الرياح اخذته بعيداً !

ياسمين
انا فقط احاول النجاة بأبسط الأشياء !

جوري
و الى متى تنوين البقاء هنا ؟!
  
ياسمين
لا ادري .. لكني اخاف اذا عُدّت , ان يعودوا و يرموني بالبحر .. و ربما لن اكون محظوظة كالمرّة السابقة !

جوري
لكن ..الم تشتاقي لأهلك ؟!

بغيظ
ياسمين
بلى .. لكني اعود و اتذكّر بأنهم لم يفعلوا ايّ شيء لحمايتي ! لذلك احاول نسيانهم

جوري
طيب اريد ان اسألك ..  كيف فاض النهر اذا انتِ .. يعني..

بعصبية
ياسمين
..لم امت ؟  امازلت تصدقين بهذه الخزعبلات ؟!!

جوري
بصراحة لا .. لكنك القربان الوحيد الذي جعل النهر يتدفّق بإستمرار !

تفكّر قليلاً ..ثم تقول

ياسمين
حسناً .... تعالي معي !!


ثم تتعمّقان اكثر في ممرّات الكهف (الداخلية)

ياسمين
انظري هناك !!

بدهشة

جوري
اذاً هذا هو مصبّ النهر ؟!


فتجيبها , و هي تشير بيدها الى آخر الكهف..

ياسمين
صحيح ..و انظري الى تلك الدوّامة التي هناك !!

جوري
نعم رأيتها .. لكن ما سبب ظهورها ؟!

ياسمين
بالمدّة التي قضيتها هنا لاحظت ان هناك اعينٌ باطنية تنفجر بين فترة و اخرى , و بسببها تحصل فجوات بقعر النهر ..   و بالنهاية تظهر هذه الدوّامات التي تُبطىء من تدفّق النهر الخارج من الجبل.. لذلك..

تُكمل عنها (بعد ان فهمت)

جوري
لذلك عندما تُرمى الفتاة ..  يسحبها التيار الى هنا , فتغلق بجثتها تلك الفجوة... اليس كذلك ؟


ياسمين
نعم .. فيعود و يسير النهر بسلاسة ..
             (و هي تتنهد بضيق) ...  لكن الجثة تتحللّ بعد شهور , و تتناثر عظامها في اركان الكهف .. كما ترين !

جوري
فتعود الدوّامة لتعرقل سير النهر !

ياسمين
صحيح ..
        (ثم بغضب) .. يعني لو عرف الأغبياء بوجود هذا الكهف , و جاؤوا و اغلقوا كلّ الفجوات بكمياتٍ من الحجارة..

فتُكمل عنها (بحسرة)

جوري
فستنتهي هذه المشكلة نهائياً !

بغضب و قهر

ياسمين
نعم ..اترين كم كان سهلاً تفادي كل هذا الحزن , بخسارة اجمل فتيات القرية !

تستفسر بإهتمام

جوري
لحظة ! هل كنت انتِ من تردمين هذه الحفر طوال الفترة الماضية ؟

ياسمين
نعم , فأنا لا اريد ان تعاني فتاةٌ اخرى من ..

ثم تسكت .. بعد ان انتبهت على نظرات العتاب (من جوري)

ياسمين
اعرف ما ستقولين ..  لكني مرضتُّ الأسبوع الفائت , فكانت النتيجة..


اكملت عنها (بقهر)

جوري
بأن رموني هذا اليوم !

ياسمين
كنت اتوقع ذلك .. لهذا ارسلت لك بصديقي الدلفين لكيّ يُبعدك عن الدوّامة , و يوصلك اليّ سالمة

جوري
على كلٍ .. (تتنهد بحزن) .. شكراً لك ..

و تسكتان لبرهة .. قبل ان تعود و تسألها

جوري
طيب ماذا سنفعل الآن ؟

فتتذكّر
ياسمين
آه صحيح ...كنت سأنسى ! علينا اولاً ان نردم هذه الدوّامة .. و حالاً !!


بسخرية (متضايقة)
جوري
تقصدين .. لكيّ يظنوا اهل قريتنا الكرام بأن الآلهة قبلت بي كقربان !

و هي تفكّر بخطة للإنتقام (و بحزم)

ياسمين
هذا في الوقت الراهن , لكن غداً سيتغير كل شيء

بإهتمام (و قلق)
جوري
و ماذا تنوين فعله ؟

بحماس (و قلق)

ياسمين
سأخبرك لاحقاً .. دعينا الآن نجمع بعض الحجارة !!  هيّا !! فالجميع فوقنا بإنتظار النتيجة !


و في صباح اليوم التالي .. اسيقظت القبيلة على صوت صراخ الصياد..
و في منزل اهل جوري..
بقلق

اهل جوري
ماذا هناك ؟!

و بعد ان خرج الجميع من منازلهم .. و تجمّعوا في الساحة .. اقترب الرئيس من اهل جوري , و قال لهم (بغضب)

رئيس القبيلة
لقد رفضت الآلهة ابنتكم !!

بدهشة
والد جوري
ماذا تقول ؟!

بغضب
احد الصيادين
لقد عاد و توقف النهر تماماً عن الجريان !  حتى القوارب !! معظمها تكسّر و من دون سبب ! و شباك الصيد , اكثرها مُمزَّق !!


ام جوري
ربما اتى قطيعٌ من الذئاب , و فعل ذلك !

فأقترب من ام جوري , و هو يقول (بغضبٍ و سخرية)

رئيس القبيلة
كنا سمعنا اصواتهم .....  ثم النهر ايضاً توقف ! فهل شربوا الماء كذلك ؟!

فصار الجميع يصرخون (بغضب)

اهل القبيلة
ابنتكم اغضبت الآلهة !!! و جلبت لنا الخراب !!

فتصرخ عليهم بقهر (و هي تبكي بمرارة)

ام جوري
اسكتوا !! انا قتلت ابنتي لأجلكم !
  
رئيس القبيلة
اكيد انها اغضبت الآلهة بلسانها الطويل !

فيقترب والد جوري من رئيس القبيلة ..  (و هو يشعر بالعار و الخذلان)

والد جوري
و ماذا عليّ ان افعل لأصححّ خطأي مع الآلهة ؟  انا مستعدٌ لأيّ شيء , سيدي

بصوتٍ عالي و بقسّوة

رئيس القبيلة
لابد لنا ..ان نرمي بأختها !!

فتصرخ بدهشة (و غضب)

ام جوري
لا !! ابنتي سارة مازالت صغيرة !

بلؤم
رئيس القبيلة
هذا اقل تعويض نقدّمه للآلهة عن اختها الفاسدة !!

فتصرخ بخوفٍ شديد (و هي تبكي)

اخت جوري (سارة)
لا امي !!  انا لا اريد ان اموت !!!

و هناك .. خلف الأشجار ..
بصوتٍ منخفض (و بغضب و خوف)

جوري
الملاعين !! سيضحّون بأختي !

ياسمين
لن يلحقوا , لأن خطتنا ستنجح .. فقط ثقي بي .. هيّا بنا !!


و في اليوم التالي .. كانت النسّوة قد خاطت (سريعاً) ثوب القربان (الصغير) لسارة
و بعد ان جهزوها (و سارة و امها لا يكفّان عن البكاء)..

اجتمعت القبيلة عند سفح الجبل ..و قبل ان يرموها.. سمعوا صوتاً يناديهم من اسفل الجبل (عند الشاطىء)..
بصوت عالي

صوت جوري
يا قبيلة الزعفران !!!

و اول من انتبه .. كان اخو جوري (و الذي كان يُمسك حينها بأخته الثانية :  سارة , عند سفح الجبل) .. فنظر بسرعة ناحية الشاطىء .. ثم صُعق تماماً بعد ان رأى اخته جوري (التي رَمُوْها من يومين)..
بصدمة
اخ جوري
انظروا للأسفل !! انها.. انها...

فأقترب الناس (الواحد تلوّ الآخر) الى حافّة الجبل .. ليشاهدوا جوري هناك عند الشاطىء..
بصدمة و استغراب

اهل القبيلة
يا للهول !! لا زالت حيّة !


و قبل ان ينزل الجميع من الجبل .. (بإتجاه الشاطىء) ..تصرخ عليهم
بصوتٍ عالي (بحزم)
جوري
مكانكم !!! لا تتحركوا !! انا قادمةٌ اليكم !!

فتجمّدوا في مكانهم......
و عندما وصلت اليهم .. قالت لهم (بإبتسامة ماكرة) .. (و قد ضخّمت صوتها)

جوري
انتم تظنّوني جوري .. اليس كذلك ؟ لكنّي لست هي .. (ثم تسكت)

رئيس القبيلة
و من انت ؟

بصوتٍ رجولي
جوري
انا غضب البحر !!  و قد تجسّدت داخل جثمانها


بقلق
رئيس القبيلة
و ماذا تريد , سيدي ؟

بغضب

جوري
قرابينكم لم تعد تُعجب إلّه النهر , لذا وكّلني بأخباركم بأنه يريد التغير !!

رئيس القبيلة
و ماذا يطلب ؟

بنبرة امر
جوري
انه يريد رجالاً !!

بدهشة
الجميع
ماذا ؟!!!

جوري
نعم !! و انا سأختار له ... هذا الشخص !!

و اشارت اليه .. فالتفت الجميع نحوه .. و قالوا (بدهشة)

الجميع
لكنه رئيس القبيلة !

تصرخ بغضب
جوري
و هل تبخلون به لأجل آلهتكم ؟!  اسمعوا !! اذا رميتموه الآن .. فأنا اتعهّد لكم !! بأن يعيد صاحبي نهركم فوراً .. و الاّ !!  فانسوا امر المياه العذبة للأبد !!

فأقترب الجميع نحو الرئيس ..  الذي صرخ (بخوف)

رئيس القبيلة
لا !! ماذا تفعلون ؟! انا رئيسكم !! لا ارجوكم !!

ثم حملوه و رموه من اعلى الجبل

و بعد ان سقط ..اطلقت جوري صفيراً عالياً , فاجأ اهل قريتها ..لكنهم لا يعلمون بأنها اشارة منها الى ياسمين (التي كانت مختبأة في مكانٍ قريب) ..و التي اسرعت بإغلاق احدى الفجوات الكبيرة (اسفل الكهف) ببعض الحجارة لتسمح بمرورٍ خفيف للنهر ..

و بينما الجميع ينظرون للنهر من فوق .. قالت لهم :

جوري
يبدو ان اختياري للقربان , لم يعجب صديقي تماماَ ..  ربما لأن رئيسكم هَرِم ! لذا اظن ان إلّه النهر يحتاج الى رجالٍ اقوياء !!


فبدأ رجال القبيلة برمي انفسهم (الواحد تلوّ الآخر) من سفح الجبل نحو البحر.. حتى ماتوا جميعاً ..

و هنا فاض النهر (بقوّة) بعد ان قاد التيار جثثهم نحو عدّة دوّامات .. 
و لكثرة جثثهم , فقد اغلقوا جميع الفجوات (و بصورة نهائية)

ثم نزلت جوري مع باقي نسوة القبيلة من الجبل , و اتجهنّ نحو الشاطىء .. 

و هناك .. نادت جوري (بأعلى صوتها) 

جوري
لقد ماتوا جميعاً , و صار بإمكانك الخروج !!!


فخرجت ياسمين من خلف الأشجار ..

و صرخت النسّوة (بدهشة) .. فهنّ لم يروها منذ قرابة سنة

نساء القبيلة
ياسمين !

بإبتسامة (و ارتياح)

جوري
نعم .. انها ياسمين !! و انا مجرد الفتاة المسكينة .. جوري !


و هنا اقتربت ياسمين من نساء قبيلتها ..  و قالت لهنّ (بصوتٍ جهوري)

ياسمين
انا ياسمين !!  حاكمة هذه القبيلة منذ اللحظة !! و قراري الأول : يُمنع منعاً باتاً !! احضار ايّ رجلٌ الى هنا !!

جوري
هذا صحيح !!  و سنسمي هذه الجزيرة..

بصوتٍ عالي (و بحزم)

ياسمين و جوري
جزيرة النساء !!!!



ثم ضحكتا .. تاركات بقيّة النسّوة بحيرةٍ شديدة

الجمعة، 8 يوليو 2016

التائه

تأليف : امل شانوحة


شاب, طفل, العراق, تفجيرات, الصليب الأحمر
ارجو ان لا يصاب الولد العراقي بالإنفجار


 في وسط بغداد .. حمل الشاب العربي حقيبته الصغيرة على ظهره , و اتجه نحو الجهة المقصودة ..و عندما توغّل داخل السوق الشعبي , اخذ يُقلّب خريطة الطريق (التي كان يحملها) ليتأكّد من خط سيره الصحيح .. و هنا اقترب منه ولدٌ عراقي (في الثانية عشر من عمره) و سأله :

الولد : يا استاذ !! .. اتعرف اين اجد مركز الصليب الأحمر ؟
الشاب : تقصد اللجنة الدولية للصليب الأحمر .. فهؤلاء اجانب !
-المهم !! اين اجدها ؟!
-بصراحة .. حتى انا اريد الذهاب الى هناك , و لكنّي اضعت الطريق !
الولد : اذاً لنسأل سوياً عن المكان .. تعال معي !!

و مشيا قليلاً حتى اقتربا من رجلٍ يبيع الخضار .. فسأله الشاب العربي عن الطريق .. فدلّهم عليه..

ثم ذهب الشاب برفقة الولد بإتجاه ذلك المركز الإغاثي (الأجنبي) 

***

و في الطريق ..  
لاحظ الولد توتر الشاب , و تصبُبّ العرق منه بكثرة .. فسأله :

الولد : اذا كنت تشعر بالحرّ .. فهات حقيبتك , احملها عنك !!
الشاب بإرتباك : لا شكراً ! هي ليست ثقيلة

ثم سكتا لبعض الوقت .. قبل ان يسأله الشاب

-لما انت ذاهبٌ الى هؤلاء الأعداء ؟!
فقال الولد بدهشة و استنكار : اعداء ! و من قال انهم اعداء ! الا يكفي انهم تركوا بلادهم , لكي يُحضروا لنا المساعدات

الشاب بإشمئزاز : هذا ما يُقال للجميع !
-لا ..حقاً !! فالمحتاجون يذهبون اليهم في بداية كل شهر , ليأخذوا منهم بعض المؤن الغذائية.. (بحزن) ..و نحن كذلك !
-و هل حالتكم سيئة لهذه الدرجة ؟!

فيتذكّر الولد بحزن : منذ سنة ..كان لوالدي دكاناً في وسط البلد , و كانت حالتنا لا بأس بها
-و ماذا حصل ؟

الولد (بحزن و قهر) : فجّر انتحاري نفسه هناك , فقضى ابي حتفه ..و تدمّر الدكّان تماماً !
-يا الهي ... المجرمون !! يفجّرون في مناطق المسلمين !

الولد بغضب : لم يكن الإنتحاري ينتمي لإحدى الطوائف الأخرى ! بل كان من طائفتنا , انا و انت !!
الشاب بدهشة : و كيف هذا ؟!

فيحاول الولد تذكّر ما حدث : كان احدى المجاهدين العرب .. و قد قدِم الى العراق لأوّل مرة .. و يبدو انه تاه ,  فلم يعرف العنوان الصحيح !
-اذاً قتلكم بالخطأ !

فيصرخ الولد بغضب : مئة و خمسة اشخاص قتلى !! هذا عدا عن المصابين .. هذا لا يسمّى بالقتل الخطأ , بل هي مذبحةٌ بشعة !!

فيحاول الشاب التبرير لذلك الإنتحاري : هو اكيد لم يقصد اذيتكم انتم !

فردّ عليه بغضب و قهر : لما لا يدعونا و شأننا !! فالعراق نالت حصةً كبيرة من الألآم .. يعني الا يكفينا كل هذا القصف و التدمير , حتى يأتي الينا الغرباء و يفجّروننا ايضاً !
فيعاتبه الشاب : نحن لسنا بغرباء ! بل الأجانب , هؤلاء هم ...

يقاطعه بغضب : ما اعرفه انا .. ان هناك مراكزاً اجنبية تعالج مرضانا , و تصرِف عليّ انا و امي العاجزة .. و مثلنا كثيرون !! اما البلاد العربية , فكأنكم نسيتم اصلاً وجود دولة اسمها العراق !
الشاب : لا .. لا تقسوا علينا هكذا !

فيصرخ الولد بغضب : اذاً قلّ لي انت !! مالذي احضرك الى بلدٍ يُعتبر الأسوء أمّناً في كل العالم ؟! هل اتيت لتتعلّم مثلاً ؟! ام لتتاجر بأموالك عندنا ؟ اجبّني !! 

الشاب بإرتباك و توتر : انا اتيت لكيّ ... (ثم يسكت)
فقال الولد بقلق (بعد ان لاحظ توتره) : ان وجهك لا يبشّر بالخير ابداً ! 

و هنا انتبه الشاب بأنهما وصلا الى اللجنة الدولية للصليب الأحمر , فقال للولد (ليتهرّب من الإجابة) 
-آه انظر ! لقد وصلنا !!

الولد : جيد !! اذاً سأودّعك الآن ..لأن عليّ ان اُحضر بعض الحاجيات , قبل ان اتأخّر على امي .. و شكراً لك لأنك اوصلتني
الشاب بقلق : طيب , اذهب .. لكن حاول ان تعود الى بيتك فوراً !!
بإستغراب : و لما تستعجلني ؟!
الشاب بحزن : فقط افعل ما اقوله لك

و عندما دخل الصبي الى المركز .. رنّ جوال الشاب .. 

رئيس الأرهابين : الو !! لقد اتصلت لأهنئك .. فقد وصلت اخيراً الى هدفنا المنشود

فيلّتفت الشاب حوله (بخوف) : و كيف عرفتم ذلك ؟! هل تراقبونني ؟!

رئيسه (بنبرة امر) : عرفنا و انتهى الموضوع !! فهيا قمّ بالمهمة , ماذا تنتظر ؟!
فأجاب بترددّ : لكن المركز مليءٌ بالنسّوة و الأطفال العراقين !
الرئيس (بعدم مبالاة) : لا يهمّ 

الشاب (بدهشة و غضب) : كيف لا يهمّ ؟! اصلاً لما قررّتم تنفيذ المهمة في هذا اليوم بالذات ؟! الا تعلمون ببرنامجهم الإغاثي في بداية كل شهر ؟!
و بثقة قال : بالطبع نعرف !!
الشاب (بغضب) : اذاً انتم لا تبالون بقتل الأبرياء !

فيقاطعه الرئيس بعصبية : لا تناقش الأوامر يا ولد !! ادخل و نفّذ ما طلبناه منك فوراً !! مفهوم !!! ....آه صحيح .. لا تنسى ان تتشاهد قبل ان تضغط على زر التفجير .. و الى اللقاء في جنّة الفردوس .. سلام !!

ثم تنتهي المكالمة ..فيُحدّث الشاب نفسه (بغضبٍ و توترٍ شديد) :
-لعنة الله عليّ !! اتركتُ اهلي و بلدي , لكي أقتل اُناساً ابرياء !..(ثم يتنهد) .. يارب !! ان كنت ما افعله لا يرضيك ,  فانقذني مما انا فيه !

ثم اتجه الشاب نحو المركز (متردّداً) ..و هو يقول في نفسه (مُتذكّراً الولد) :
-اتمنى ان يكون الصبي خرج من هناك , فأنا لا اريد قتله !

***

و في الداخل ..
رأى هذا الشاب بعض الموظفين الأجانب , و هم يعطون (لطابورٍ من النساء و الأولاد العراقيين) صناديقاً من المعونات الغذائية , هذا عدا عن الأدوية الصحية..... ثم سمع (الشاب) احدَ الموظفين و هو ينادي مديره , الذي كان متجهاً نحو الباب الخارجي.. و قال له (بالإنجليزية) :

الموظف : سيدي !! الى اين انت ذاهب ؟!
المدير الأجنبي : الى الجامع !! فستبدأ صلاة الجمعة بعد قليل

و عندما مرّ هذا المدير بالقرب من الشاب العربي , استوقفه و سأله بإستغراب (و بلغةٍ انجليزية ركيكة) :
الشاب : عفواً !! هل انت مسلم ؟!

فأجاب الأجنبي بفخرٍ و فرح : نعم .. و الحمد الله !!
بدهشة : اتتكلم العربية ايضاً ؟!
الأجنبي : يعني قليلاً .... فلي سنواتٌ هنا 

الشاب بإهتمام : عفواً على سؤالي .. لكن كيف اسلمت , و متى ؟! هل لي ان اعرف ؟

الأجنبي و هو يتذكّر : طبعاً .... ذلك كان منذ ثلاثة اشهر .. كنت ما ازال وقتها جندياً في المارينز .. و كنت قد اقتحمت احدى المنازل العراقية , بعد ان تلقيت امراً بإحضار فرداً من تلك العائلة , للتحقيق معه في مركزنا .. لكن بالصدفة .. لدغني عقرب في ساحة منزلهم , فصرتُ اتلوّى من الألم ..فهل تدري ما فعله والدا الشاب المعتقل ؟!

الشاب : لا , ماذا ؟!
الأجنبي : ادخلوني لبيتهم و عالجوني .. و قد غَلت امه لي بعض الحليب .. اما الشاب (الذي كنت سأعتقله) فقد سهر عليّ طوال الليل , و هو يغير لي الضمّادات الباردة لإنزال حرارتي !
-و ماذا فعلت انت بعدما شُفيت ؟

الأجنبي : سألتهم اولاً عن سبب اهتمامهم بي .. فقالوا لي : بأن الإسلام يأمرهم بذلك.. فصرت استفسر اكثر عن هذا الدين الرحيم .. و صاروا يجيبونني برحابة صدر .. و بنهاية ذلك اليوم , اعلنت اسلامي .. و استقلت من العسكرية في اليوم التالي
الشاب : و لما بقيت اذاً في العراق ؟!

-لأني شعرتُ بأنني مدينٌ لشعبها عن سنواتي الخمسة التي قضيتها في الجيش ..و كما ترى .. التحقتُ باللجنة الدولية للصليب الأحمر .. و انا احاول الآن ان اساعد اكبر عددٍ من العائلات المنكوبة
ثم نظر الى الساعة كبيرة (التي علّقت على حائط المركز) ..
الأجنبي : اووه !! انظر الى الساعة ! سنتأخّر على الصلاة .. الن تأتي ؟!

يبتسم الشاب بدهشة : يعني اسلمت منذ وقتٍ قريب , و صرت تداوم ايضاً على الصلاة في المساجد !

فيبتسم الأجنبي بفخر : بل و ابشّرك بأنني اتممت البارحة حفظ جزئي الأول من القرآن .. فبصراحة اشعر بأنني ارغب دائماً في تعلّم المزيد عن هذا الدين الرائع !
-ما شاء الله !
الأجنبي : هيا بنا !!

***

ثم ذهبا معاً الى الجامع ..لكن الأجنبي دخل اولاً , ثم لحقه الشاب (بعض ان اخفى حقيبته في الخارج) .. 

و في داخل المسجد .. و عند القاء الخطبة ..اتصل قائد الإرهابين بالشاب , الذي اسرع و اغلق جواله , بعد ان بعث اليه برسالة يقول فيها (ساخراً) :

رسالة الشاب :
(( انا اصلّي الآن الجمعة ..الا يجدر بك ان تكون ايضاً في المسجد ؟! ))

و بعد ان خرج الناس من الجامع .. ذهب الشاب و حمل حقيبته (التي كان اخفاها بين الأشجار البعيدة قليلاً عن المسجد) .. 

ثم عاد و فتح جواله , ليجد رئيسه قد بعث اليه العديد من رسائل التي تشتمه و تَصِفُه بالجبان (ايّ الشاب) ..
لكن آخر رسالة هي ما اخافته حقاً , حيث قال له (رئيسه) :

رسالة رئيس الإرهابين :
(( يبدو انك خذلتنا و خذلت دينك ! لذلك سنبعث الى هناك , شاباً آخر .. اما انت !! فحسابك فيما بعد !! ))

فركض الشاب (كالمجنون) ليحذّر الناس (المتواجدين في المركز) .. لكنه تأخّر .. فقد سمع صوت انفجارٍ ضخم !! فأقترب (بخوف) من المركز , ليرى الناس و هي تهرب من النيران المشتعلة فيه , بينما تناثرت اشلاء بعض الضحايا في زوايا الطريق .. 

و رغم صدمته في هذه اللحظات , الا انه تناهى الى سمعه صراخ شخصٌ يناشد احدَ موظفي المركز (العراقين) :
الرجل : ماء !!! نريد ماءً لنطفىء الحريق !!! فهناك اناساً محاصرون في الداخل !

ثم سمع الشاب , عجوزاً (من المارّة) .. و هو يشير بيده لمكان على يسار المركز , و هو عجوز عراقي (من المنطقة)
-كان هناك بئراً قريباً من مبنى المركز , لكنه جفّ منذ وقتٍ قصير .. فمالعمل الآن ؟

فتذكّر الشاب امر القنبلة (التي يحملها في حقيبته) ..و ركض بإتجاه البئر المهجور..

ثم ضغط على زر التفجير .. و رمى بحقيبته داخل البئر .. ثم صرخ على الجميع : بأن يبتعدوا عن المكان .. ثم انفجرت قنبلته ليخرج معها (من باطن الأرض) نافورة ماءٍ كبيرة .. 

فأسرع الناس ليعبّئوا منها , و يطفئوا الحريق .. و قد ساعدهم ايضاً الشاب العربي و المدير الأجنبي .. الى ان خمد اخيراً وهج النار .. و استطاعوا لاحقاً اخراج المحاصرين , و الذي كان من بينهم الولد الصغير (نفسه) , و الذي كان تعرّض لبعض الحروق الخفيفة..

و بينما الناس منشغلة بالإطمئنان على المصابين .. حاول الشاب الهرب (بسرعة) , قبل ان يتذكّروا امر القنبلة التي كان يحملها .. 

لكن الأجنبي فاجأه , بأن قال للجميع (بصوتٍ عالي)
الأجنبي (مدير المركز) : علينا ان نشكر جميعنا , الشاب البطل !! الذي رمى بالقنبلة التي اعطيته اياها في البئر ..  فأطفأنا بسببها الحريق !!
فصفّق له الناس (بإمتنان) ..

فأقترب الشاب من الأجنبي , ثم همس له (و هو مازال متفاجئاً من تصرّفه هذا)
الشاب العربي : لماذا لم تقبض عليّ ؟!

فيتذكّر الأجنبي : لأني رأيت دموعك عندما كنا بالخطبة , و فسّر الشيخ قوله تعالى : (( من قتل نفساً بغير نفس او فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً و من احياها فكأنما احيا الناس جميعاً )) فأحسست بأنك واقعٌ في مصيبةٍ كبيرة .. لكنك ايضاً نادمٌ عليها !

الشاب بحزن : كلامك صحيح .. فقد احسست وقتها , كأني اسمع هذه الآية لأوّل مرّة في حياتي ! و لذلك تأثّرت كثيراً
الأجنبي : من الجيد اذاً , انك غيرت رأيك بآخر لحظة
الشاب بندم : و ما الفائدة ؟! فقد وجدوا غيري لتنفيذ المهمّة !

الأجنبي : لا تحزن يا اخي !! فنحن من الأساس نعلم بأننا مستهدفون دائماً ! لكن هذا لن يمنعنا من القيام بواجبنا ..  ...كما إنه بصراحة .. ما يعانيه الشعب العراقي الآن .. هو بسبب التدخّل الدولي في شؤون بلادهم , و لهذا استحقينا العيش في هذا الخطر !..(يتنهد) .. لذا اذهب و انت مطمئنّ , فأنا لن ابلّغ عنك 

الشاب بإبتسامة حزينة : اشكر تفهمّك !...و الله انك فهمت ديننا اكثر منّي , و من الكثيرين ممن يلقّبون انفسهم بالمسلمين !  فشكراً لك !! ..و استودعك الله !!

و بينما الأجنبي يسلّم عليه , يعود و يسأله (بقلق) :
-و هل ستعود اليهم ؟! اقصد .. أولئك الإرهابيين !

الشاب : لا , معاذ الله ! فالتصرفات الهمجية لهؤلاء الأشخاص هي من شوّهت صورة الإسلام في كل العالم ! .. (يتنهد بحزن) .. المهم الآن .. ان ارحل من هنا و فوراً !! لأنهم ان عثروا عليّ , فسيقتلونني حتماً لتقاعسي عن تنفيذ المهمّة !

الأجنبي : و الى اين تنوي الذهاب ؟
الشاب : سأعود الى بلادي طبعاً .. ثم أبحث عن عملٍ , أصرف منه على والدايّ
-و هذا جزائه اكبر عند رب العالمين 
-صدَقتَ و الله !!

ثم ودّعه الأجنبي , و عاد ليرى الأضرار التي حصلت في مركزه .. اما الشاب .. فذهب لأول الشارع , ليبحث له عن سيارة اجرة ..  
و هناك .. اقترب منه نفس الولد , و حضنه بقوة..
الشاب العربي (متفاجىء) : آه ! اهذا انت ؟! لكن لماذا تحضنني ؟
الولد العراقي بإمتنان : سمعت انك انت من انقذتني و انقذت الجميع , فأردّتُ ان اشكرك !!

الشاب (و هو مازال محرجاً من نفسه) : لا تشكرني رجاءً ! هيا عدّ الى بيتك .. و عدّني !! بأن تنتبه على امك و على نفسك .. مفهوم !! 

و هنا تمرّ بقربهما سيارة اجرة .. فيصرخ الشاب عالياً :
-هاى !! تاكسي !!
فتتوقف السيارة بجانبه .. فيقترب الشاب من نافذة السيارة , و هو يشير بيده الى الأمام 

الشاب : يا حاج !! هل تأخذي الى الحدود ؟ و اعطيك ما تشاء !!
فيبتسم سائق الأجرة : يبدو انك لست من هنا .. فالحدود , يا بنيّ صارت خلفنا ..هل انت تائِه ؟

فيقترب الولد من سيارة اجرة (بعد ان سمعهما) , و يقول للسائق :
الولد : لا يا عم !! انا من كنت تائهاً , و الشاب هو من دلّني على الطريق

فيقول الشاب العربي بحزن : لا يا صغير .. انا من كنت تائهاً , و انت من هديتني للطريق الصحيح .. فجزاك الله عنّي كل خير !!

النهاية

الأربعاء، 15 يونيو 2016

مكر الذاكرة

تأليف : امل شانوحة


زوج, زوجة, مشاجرة, قتل, وسادة
لم اعد اتحمّل


في ذلك المساء .. إستيقظت امرأة من نومها ، لتجد رجلاً واقفاً قرب سريرها وبيده وسادةً كبيرة !.. فصرخت بفزع : 
- من انت ؟!!
فقال الرجل باستغراب :
- انا زوجك ، الا تذكُريني ؟!
فقالت بتعجبٍ شديد :  
- وهل انا متزوجةٌ فعلاً ؟!
ثم نظرت الى خاتمها .. 
- يبدو ذلك ! لكنّي لا أتذكّر شيئاً

فجلس زوجها امامها وهو يقول : 
- اولاً ضعي الوسادة خلف رأسك .. فقد أغميّ عليك قبل قليل ، ويبدو ان قوّة السقطة أفقدتك الذاكرة !
- هذا مخيفٌ حقاً ، فأنا لا أذكر حتى اسمي ! 
و صارت تبكي ، فحاول تهدأتها : 
- لا عليك ، إسمك سلمى .. سأذهب لإحضار الثلج لتضعيه على رأسك ، وسأحضر ايضاً شرابنا المفضّل.. ومن بعدها ستتحسّن صحتك       
زوجته بقلق : ماذا لوّ لم أتذكّر شيئاً ؟!
زوجها : حينها آخذك الى المستشفى لإجراء الفحوصات اللازمة .. لا تقلقي ، سأعود حالاً 

بعد عودته ، وضع الثلج على رأسها قائلاً :
- الا تشعرين بتحسّن ؟
- لا ! .. إخبرني لما أغميّ عليّ ؟ هل انا مريضة ؟ و لما شكل الغرفة هكذا ؟ يبدو انني سيدة غير مرتبة !
زوجها : لا تقسو على نفسك ، أنت تعانين من الصرع .. وأصبت قبلها بحالةٍ هستيريّة ..وأثناء محاولتي تهدأتك ، وقعتِ من يدي وارتطم رأسك بحافة السرير .. أعتذر حبيبتي   
- ليس ذنبك .. ما يضايقني إن عظامي تألمني جداً !
- غداً أشتري كل الأدوية التي تحتاجينها ..  
فنظرت اليه بحنان : 
- يبدو انك زوجٌ مثالي 

زوجها بإستغراب :
- ولما تقولين ذلك ؟!
- لصبرك على امرأةٍ تُصرع من وقتٍ لآخر !
زوجها بإرتباك :
- لأني .. أحبك فعلاً
فابتسمت زوجته :
- يبدو انك خجولٌ ايضاً ، هل مازلنا عرسان جددّ ؟
- نحن متزوجان منذ سنة فقط 
زوجته :
- جميل ! و كيف كان عرسنا ؟ إخبرني ، لربما تذكّرت شيئاً 

فشعر بالحماس ، وأسرع لإحضار ألبوم الصور .. 
في هذا الوقت ، أسرعت بوضع حبتيّ منوّم في شرابه !

ثم أخذا يشاهدان الصور وهو يحدّثها بسعادة عن فترة خطوبتهما ، وشهر العسل ..و كيف أغرما ببعضهما في الجامعة ..

وبعد ساعة من الذكريات الجميلة .. حضنها بحنان , قبل أن يغرق في نومٍ عميق 
***

فجأة ! إستيقظ محاولاً إلتقاط أنفاسه ، بعد أن أطبقت زوجته الوسادة على وجهه ، وهي تضغط بكل قوتها ! 
وبينما كان يصارع الموت ، كانت زوجته تتذكّر ما حصل ، فما قاله كان كذباً ! فهو زوجٌ سيء ، يضربها لأتفه الأسباب ، ويرغمها على إعطائه معاشها اول الشهر ، لأنه عاطلٌ عن العمل ..
وفي هذا اليوم بالذات .. إكتشفت من خلال تفتيشها جواله , علاقته بامرأة اخرى ! وحصل بينهما شجاراً عنيفاً .. وبعد أن ضربها بعنف ، رماها بقوة على السرير .. وأطبق الوسادة على وجهها بعنف ، للقضاء عليها .. وقبل أن ينجزّ جريمته ، رنّت الجارة جرس بابهم بإصرار , مما أرغمه على تركها وهي تحاول إلتقاط أنفاسها بصعوبة ..  

وأسرع لفتح الباب ، صارخاً في وجه الجارة بعصبية :
- ماذا تريدين بهذه الساعة المتأخرة ؟!!

فقالت جارته العجوز بقلق : 
- آسفة ! سمعت اشياءً تتحطّم عندكم ، وأردّت الإطمئنان على زوجتك  
فأجابها الرجل بضيق :
- الضجيج ليس من عندنا ، كنّا نائمين قبل أن تضايقينا بقدومك    
فأعتذرت منه ، وعادت الى شقتها...
فأغلق الباب وهو يقول بضيق : 
((يا لك من عجوزٍ فضوليّة ! لأذهب وأقضي على زوجتي اللعينة))

وعندما عاد الى غرفة النوم ..وجد زوجته نائمة على سريرها بهدوء .. فشعر بالإرتياح لأنها لم تهرب .. وأخذ الوسادة لكتم أنفاسها ثانيةً ، قبل أن تستيقظ زوجته فزعة وهي تسأله : 
- من انت ؟!!
فأجابها باستغراب :
- انا زوجك ، الا تذكريني ؟!

بهذه اللحظات : إنتهت زوجته من تذكّر أحداث الليلة .. ورفعت الوسادة عن وجهه .. لتظهر عيناه الجاحظتان , تأكّدان إنه فارق الحياة ! بعد أن أضعفت حبوب المنوّم مقاومته وجبروته.. 

وابتسمت بمكر , وهي تقول بلؤم : 
- أتذكّرك جيداً يا زوجي الخائن !!!


شوربة العدس

تأليف : امل شانوحة  الحصّالة النقدية  - أكُل يومٍ شوربة عدس ، يا أبي ؟ ..لقد كرهت طعمها ! أصدقائي يأكلون اللحوم والحلويات ، فمتى سيأتي دور...