الأحد، 18 يناير 2026

محاكمة الغربان

تأليف : امل شانوحة 

 

قانون الغاب


جلس الرجل على كرسيه الهزّاز ، داخل كوخه الخشبي وسط الغابة التي اختارها لممارسة هواية الصيد في عطلته الصيفية .. 

وقبل غروب الشمس ، ارتفعت أصوات النعيق من بعيد !


وإذّ بغرابٍ مجروح ينقر بشكلٍ متواصل على زجاج نافذته ، كأن الموت يلاحقه !

ليلمح الصيّاد سرباً من الغربان تهبط من السماء باتجاه كوخه ..


وبدافع الرحمة ، أدخل الغراب المرتجف.. 

ليختفي نور الشمس ، بعد هجومٍ عنيف من الغربان على باب كوخه ونافذة صالته .. بالإضافة لنافذة غرفة نومه ، التي حاولوا تحطيمها بمنقارهم !

نظر الصياد بدهشة للغراب الخائف : 

- ماذا فعلت لإثارة غضبهم لهذه الدرجة ؟! 


ثم سارع بتثبيت الألواح الخشبية فوق النافذتيّن ، بعد جرّه الكنبة خلف الباب .. وإشعاله النار في المدفأة ، بعد محاولتهم اقتحام المدخنة التي تصاعد منها الدخان الكثيف الذي أجبرهم على التراجع.. 

لكن بقي نعيقهم يحاصر الكوخ الذي أصبح مؤمّناً من اختراقهم .. مما سمح للصيّاد بمعالجة الغراب المصاب ، ووضع الخبز والماء له 


وبعد جلوسه منهكاً على كرسيه الهزّاز ، وهو يراقب الغراب يتناول طعامه:

- أعرف عن محاكمات الغربان وعدالتهم القاسية.. لكن أي ذنبٍ اقترفت ؟ هل دنوت من فروخ القائد أو زوجته ؟

لكن الغراب تابع تناول طعامه بصمت..

***


مرّت ثلاثة أيام .. والسرب العنيد لم يغادر محيط الكوخ ، كأنهم ينتظرون تسليم غريمهم ! مما أجبر الصياد على سدّ أذنيه بالمناديل لينام ، من نعيقهم المزعج 


في الليلة الرابعة ، خرج من غرفته لشرب الماء .. وكاد يصاب بنوبةٍ قلبية بعد رؤيته رجلاً غريباً يجلس امام المدفأة بأريحيّة ، كأنه صاحب المنزل ! 

فوجّه بندقيته نحوه ، وهو يسأله برعب :

- كيف دخلت والباب مسدود والنوافذ مغلقة ؟! 

فأجابه الغريب الذي مازال يُدفئ يديه :

- انت ادخلتني ، هل نسيت ؟

فصرخ بعصبية : قلّ الحقيقة وإلاّ سأطلق النار عليك !!

فردّ الغريب بثقة ، دون الإلتفات للصياد :

- ستتعطّل بندقيتك ، لأني من المخلّدين


وبيدٍ مرتجفة ، أطلق الصيّاد الرصاصة على الغريب .. التي ارتدّت على ظهره ، وسقطت بجانبه دون اثر !

فنهض الدخيل وهو ينفض عباءته السوداء :

- لما تبدو عينيك خائفتيّن ايها الصياد ؟ فقد اخترت اجمل اشكالي ، كردّ الجميل على معروفك .. ولوّ اخترت الظهور بهيئتي الحقيقية ، لمتّ على الفور.. على كلٍ ، سأخبرك بما حصل .. فبجميع الأحوال ، لن يصدّق احد روايتك الخيالية .. (ثم اخذ نفساً طويلاً ، وهو يتأرجح على الكرسي الهزّاز).. انا الغراب .. أقصد ابليس المعظّم   

 

تجمّد الصياد .. بينما اكمل الغريب كلامه : 

- احياناً أملّ من تواجدي طوال الوقت في مملكتي وسط المحيط.. لهذا أزور عالمكم بأشكالٍ لا تُلفت النظر : كعجوزةٍ هرمة ، او ولدٍ مشاغب ، او مشرّدٍ قذر.. لكن هذه المرة اردّت اكتشاف عالمكم بهيئة طير ، من خلال تعويذة قديمة في كتاب النبي سليمان.. واثناء تحليقي فوق هذه الغابة ، لمحني ذئبٌ ماكر .. وكما تعلم ، الذئاب والحمير ترى الشياطين .. والخبيث أخبر قائد الغربان بوجودي .. فأصدر الأمر لسربه ، بملاحقتي حتى الموت ! وقد اربكني هجومهم المباغت ، لدرجة أنستني تعويذة تغيّر هيئتي .. التي تذكّرتها قبل قليل ، بعد رحيل الملاعيين عن المكان اثناء نومك ! .. (ثم ابتسم ابتسامةً باردة).. ولوّ كنت تركتهم ينهون امري ، لعاش العالم سلاماً لم يعهده من قبل .. فأتباعي من الجن والشياطين لا يملكون ذكائي وحنكتي ، ولا يمكنهم الحلول مكاني .. لكن برحمتك الخاطئة ، أنقذت اسوء مخلوقات الله .. لهذا نصيحةٌ اخيرة قبل مغادرتي : إيّاك التدخل ثانيةً بقانون الغاب 

 

ثم تلى ابليس تعويذةً ثانية .. حوّلته لدخانٍ أسود ، انسحب عبر المدخنة إلى عالمه الخفيّ..

بينما سقط الصياد ارضاً ، بعد ادراكه متأخراً : بأن فضوله الرحيم ، أضاع فرصة البشريّة الأخيرة لتجربة السلام العالميّ المنشود !


هناك تعليقان (2):

  1. لا بد أن تطّلعي على تمهيد كتاب سلطان الظلام لتوفيق الحكيم! آرائه النبويّة عن السلام العالمي والحضارة ووو.. لا أستطيع اختزال تلك العَظَمة في تعليق.. في الواقع يمكنكي قراءة التمهيد من أسفل لفوق ما الفرق؟ توفيق الحكيم أسطورة الأساطير.

    مؤسسة هنداوي توفّر الكتاب كاملًا وبسهولة وتنظيم. أيضًا يمكنكي إلقاء نظرة على مسرحية صلاة الملائكة واو ملاك ينزل للأرض ويُعدَم وفتاة تعطيه تفاحة ويا شجرة الكائنات دمعكي دمع السماء يا للعَظَمة!

    ردحذف
    الردود
    1. ان شاء الله خير .. انا لا اقارن نفسي بالكتّاب العظماء .. كل كاتب وله اسلوبه الخاصّ..
      انا اكتب للجيل الجديد الذي لا يتحمّل القصص الطويلة او النصوص الإبداعية المتقنة .. لهذا اختار افكاراً جديدة ، بإسلوب وحواراتٍ بسيطة وغير معقّدة ..
      اما الكتّاب المحترفين ، فلا احد يستطيع تقليدهم

      حذف

محاكمة الغربان

تأليف : امل شانوحة    قانون الغاب جلس الرجل على كرسيه الهزّاز ، داخل كوخه الخشبي وسط الغابة التي اختارها لممارسة هواية الصيد في عطلته الصيفي...