تأليف : محمد بيومي آل غلاب
لعنةُ ميدينا
في أواخرِ القرنِ التاسعَ عشر.. عُرف "بارثولوميو ميدينا" الشابُّ ذو الطموحِ الغريبِ بهوسِه وبراعتِه كصانعِ دُمىً آليةٍ لا مثيلَ له ، في حيِّه الفقيرِ في مدينةِ فلورنسا الإيطالية.
كان ميدينا يعمل بجهدٍ كلَّ ليلةٍ في مصنعِه المتواضعِ قربَ إحدى التلالِ المحيطةِ بالمدينة، بعيداً عن العمرانِ وضجيجِ السكّان.
- لن أهدأ حتى أنتهي من تصميمِ كلِّ الدمى الآلية.
تزامن ذلك مع اختفاءِ عددٍ من أطفالِ الأحياءِ الفقيرةِ والمزارعِ المجاورةِ لمصنعِه في ليالي الشتاءِ الباردةِ والمظلمة.
حيث قام محقّقُ المدينةِ "جيوفاني جاليني" الذي كان صديقَ الطفولةِ المقرّبَ لميدينا، بالتحرّي عن اختفاءِ الأطفال، لكنّه لم يهتدِ إلى أيِّ خيطٍ للقضية.
***
وفي مكتبِ الشرطةِ ..جلس المحقّقُ جيوفاني على أريكةٍ جانبية، ممسكاً رأسَه بحنقٍ:
- اوه ! لقد بحثتُ في كلِّ مكان، وفي سجلاتِ أربابِ السوابقِ أيضاً، فبعضُهم مسجونٌ في سجنِ المدينةِ الرئيسي، وبعضُهم قد رحل من المدينة ليعيشَ حياةً نظيفة… يا إلهي، ساعدني لأجدَ المجرم.
كان المحقّق يعلم أن صديقَه ميدينا يُخفي تلك الدمى الآلية في مصنعِه، الذي لم يسمح لأحدٍ بدخولِه، متحجّجاً بعدم اكتمالِ عملِه، وأنها ستكون مفاجأةً لسكانِ فلورنسا.
فبدأ جيوفاني يفكّر في صديقِه ميدينا وغرابةِ تصرّفاتِه.
- صديقي ميدينا غريبُ الأطوار، ولم أشكَّ فيه يوماً! لا أعتقد أنه الفاعل، لكن لمَ لا أقومُ بمراقبتِه وأتأكّد من براءتِه ؟ فلن أخسرَ شيئاً.
***
وفي ليلةٍ مقمرة.. تسلّل جيوفاني إلى مصنعِ ميدينا، ودَارَ بحذرٍ حول المصنع.. فوجد غرفةً خلفية، مكتشفاً نافذتَها المفتوحةَ بشكلٍ موارب.. فنظر من خلال زجاجِها ليرى عدداً كبيراً من الأطفالِ الآلية.
تسلّل من النافذة بحذرٍ وهدوء، اتّسعت عينا المحقّق جيوفاني وتملّكه الرعبُ ممّا رآه ! لم يجد هياكلَ عظميةً أو أدلّةً دامغةً كملابسِ الأطفالِ المفقودين، بل وجد شيئاً أكثرَ رعباً.
كانت الدمى مصنوعةً بشكلٍ مثاليٍّ ومفصّلٍ ، لدرجةٍ أنها تطابق تماماً أوصافَ الأطفالِ المفقودين في المنطقة. كانت الدمى تملك عيوناً زجاجيةً زرقاءَ مصمَّمةً بدقّةٍ متناهية، وقد لاحظ جيوفاني لمعاناً غريباً فيها.
اقترب من إحدى الدمى وفتحَها لفحصِ التروسِ الداخلية، فلم يجد معدناً أو زنبركات، بل وجد قلباً بيولوجياً صغيراً لا يزال ينبضُ ببطءٍ داخل الصدرِ المعدني. كانت الأجزاءُ الداخليةُ عبارةً عن مزيجٍ مرعبٍ من الآليةِ الدقيقةِ والأنسجةِ الحيّةِ المحنَّطةِ كيميائياً.
ارتعب جيوفاني ممّا رآه، وانهار على ركبتيه، فلم يكن يتوقّع أن يكون صديقُ طفولتِه بهذا الشرّ، وأنه هو القاتل.
فجأة… اهتزّت إحدى الدمى بعنف. لم تكن حركةً آلية، بل كان اهتزازاً عضوياً كما لو أن شيئاً حيّاً يحاول التحرّر من قفصِه المعدني.
سمع جيوفاني صوتاً خافتاً، كصدى أنينٍ بعيد، يصدر من داخل تلك الدمية، فوقف متجمّداً في مكانِه بصدمةٍ ورعب.
أراد الخروج بسرعة، ولكن قبل تحرّكِه ناحيةَ النافذة ، انفتح الباب ببطء ! ودخل ميدينا، لكن جيوفاني عاد متسمّراً في مكانِه، فقد رأى صديقَه شاحبَ الوجه، وعيناه تلمعان ببريقٍ غريبٍ خلف نظارتِه السميكة. كان يحمل في يدِه أداةً غريبة، مزيجاً من مشرطٍ دقيقٍ وأسلاكٍ نحاسيةٍ رفيعة.
ابتسم ميدينا بخبثٍ، ابتسامةً بارد..
ميدينا: أرى أنك فضوليٌّ يا حضرةَ المحقّق، فضولُك قد يكلّفُك الكثير.
جيوفاني: لمَ فعلتَ ذلك يا صديقي؟
ميدينا: صديقُك! لقد تركني أهلُ فلورنسا أعيشُ وحيداً ، لظنِّهم أني مجنون. حتى أنت لن تهتمَّ يوماً بمن كان صديقَ طفولتِك.. (ثم استجمع قواه)..اسمع أيها المحقّق الفاشل، أنا لم أقتلِ الأطفال ولم..
جيوفاني مقاطعاً: إذاً ما هذا؟ أنت القاتل وسأعتقلُك!
ميدينا: لا تُقاطعني ، واسمع ما سأقولُه لك.. انا لم أقتلْهم، بل أقوم بتطويرِهم. فهذا العصر، بتقنياتِه الميكانيكيةِ المتقدّمة، هو الفرصةُ لدمجِ الحياةِ والآليةِ ، لخلقِ شكلٍ جديدٍ من الوجودِ الخالي من الضعفِ البشري..لقد أفنيتُ سنينَ من عمري في البحثِ والدراسة، وقمتُ بالاطّلاع على بحوثٍ وأوراقِ "ليوناردو دافنشي" العلمية، حتى مخطوطةِ ليستر المليئةِ بالرسوماتِ والنتائجِ العلمية، التي لم يستطع "دافنشي" تطبيقَها على أرضِ الواقع، وذلك لضعفِ الإمكانياتِ التقنيةِ الميكانيكيةِ في عصرِه، وهذا العصر هو الفرصةُ المناسبة لتطبيقِ ما اخترعَه "دافنشي" على أرضِ الواقع.. لذا قرّرتُ منحَ الأطفال شكلاً جديداً من أشكالِ الخلودِ الميكانيكي. إنها ليست دمى، إنها مستقبلُ الحياة.
ارتعب جيوفاني ممّا سمعه ! وقبل أن يتمكّن من الرد.. اندفع ميدينا نحوه، ودار بينهما صراعٌ مروّع وسط الدمى الآلية التي بدت وكأنها تشاهدُهما بعيونِها الزجاجيةِ اللامعةِ التي تتحرّك ببطءٍ نحوَهما.
تمكّن جيوفاني بصعوبةٍ من الإفلاتِ من قبضةِ ميدينا، لكنه أُصيب في ساقِه من أداةِ ميدينا الغريبة. عرج جيوفاني نحوَ النافذة وحطّمها، قافزاً إلى الضبابِ الكثيفِ في الخارج.
سمع جيوفاني صرخةَ غضبٍ من ميدينا تتبعُه، وفرّ هارباً ومصدوماً ممّا رآه وسمعه.
^^^
عاد المحقّق في وقتٍ قصيرٍ مع قوّةِ أمنِ المدينة إلى موقعِ المصنع، وبعد اقتحامِه تفاجؤوا باختفاءِ ميدينا وكلِّ الدمى دون أيِّ أثر.
جُنَّ جنونُ المحقّق عندما وجدوا المصنعَ عبارةً عن كوخٍ فارغٍ مهجور.
حاول المحقّق جيوفاني إثباتَ ما حدث، لكن قصّتَه عن الدمى الآليةِ الحيّةِ والقلوبِ النابضة قوبلت بالتشكيكِ والسخرية، وبدا الأمر وكأنه هلوسةٌ من عقلِه المُرهَق، وتم إغلاقُ قضيةِ الأطفالِ المفقودين ضدَّ مجهول.
^^^
ترك هذا الحدثُ جيوفاني بعلاماتٍ نفسيةٍ عميقة. كان وحدَه يعلم الحقيقة، لكنه لم يستطع إثباتَها.
أصبح مهووساً بقصّتِه، محاولاً العثورَ على ميدينا وإيجادَ أيِّ دليلٍ يدعم ادّعاءاتِه، لكن عمدةَ فلورنسا شكَّ في قواه العقلية، فانتهى به الأمر في مصحّةٍ نفسية.
***
بعد سنواتٍ عديدة، في بداياتِ القرنِ العشرين، اقتحم أحدُ الهواةِ الشبابِ في لندن محلَّ تحفٍ قديمٍ مغلقاً لفترةٍ من الزمن، مكتشفاً في إحدى زوايا المحلِّ المظلمة صندوقاً خشبياً قديماً كان بداخلِه مفكّرةٌ جلدية، كأنها مصنوعةٌ من جلدِ بشرٍ ناعمٍ كبشرةِ الأطفال، متآكلةٌ بمرورِ الزمن، تعود إلى العصرِ الفيكتوري.
كانت المفكّرة تحوي رسوماتٍ معقّدةً لآلياتٍ دقيقة، وملاحظاتٍ مكتوبةً بخطِّ يدٍ موقَّعةٍ باسم "بارثولوميو ميدينا"، وفي الصفحاتِ الأخيرة وجد رسالةً أخيرةً غريبة:
((لقد نجحت، لقد وجدتُ طريقة! إنها ليست القلوب، بل الروح ! الروح هي الوقودُ الحقيقي لهذه الآلات. إنهم معي الآن، يعيشون إلى الأبد في عالمي الميكانيكي))
لم يفهم الشابُّ فحوى الرسالةِ الغريبة ! وقبل محاولتِه فهمَ ما قرأه، أحسَّ بوهجٍ أزرقَ في عدّةِ اتجاهاتٍ من أركانِ محلِّ التحفِ القديم.. فنظر يمنةً ويسرة، فإذا هي أعينٌ متوهّجةٌ بوميضٍ أزرقَ لامع، وكأنها تقتربُ منه.. فقام بالهربِ مسرعاً، تاركاً كلَّ شيءٍ على حالِه.
***
وفي ليلةٍ باردةٍ من ليالي لندن الضبابيةِ المظلمة.. تسلّل أحدُ اللصوص هارباً من أحدِ المنازل، وبينما أخذ يمشي مترقّباً في أحدِ أزقّةِ الأحياءِ الفقيرةِ المظلمة وسطَ الضبابِ الكثيفِ والصمتِ المخيف، رأى عينين زرقاوين متوهّجتين في الظلام، فاعتقد اللصُّ أن إحدى القططِ الضالّة اعترضت طريقَه.
- أيها القطُّ اللعين، لقد أفزعتَني.
تجاهل الأمر، مكملاً طريقَه، لكن بدأت العينان تقتربان منه ببطء.
- انها ليست قطة، إنه صوتُ شيءٍ معدني!
وقف اللصُّ مذهولاً، ولم يلبث أن استوعبَ الأمر حتى تجمّد في مكانِه، فقد اقتربت العينان أكثر، وفزع ممّا رآه، وكاد قلبُه أن يتوقّف من الرعب.
كانت إحدى دمى ميدينا، بعينيها الزرقاوين المتوهّجتين بشكلٍ مخيف، اخترق توهّجُها صرخاتِ اللص التي ضاع صداها في ضبابِ الليلِ المظلم، وهي تبتسم ببرودٍ مرعب.

كنت سأضيف عدة افكار للقصة ، مثل :
ردحذف- ان المحقق وجد نفايات مكومة من ملابس والعاب اطفال موحلة وقديمة خلف المصنع ..
- بعد نقل جيوفاني للمصح ، لاحظ ممرضاً يعرفه منذ شبابه .. المشكلة انه مازال بنفس العمر ، بينما جيوفاني تخطى الخمسين .. وهكذا نعلم ان فكرة الدمى طُبقت على الجيل السابق اولاً
- كتاب علمي قديم يجده المحقق بالمكتبة العامة بعد اختفاء صديقه من المصنع ، يجد فيه صورة العالم المهووس نفسها عبر العصور .. مما يؤكد ان المخترع طبق الفكرة على نفسه اولاً ، جعله مخلداً ..
- او ان ميدينا قال للمحقق بأنه تجربة فاشلة سابقة
- او ان المحقق لاحظ بأن ميدينا يملك عيناً الكترونية ، بدل العين التي فقدها بصغره
- او ان شعار مصنع الدمى بدأ يظهر على جدران المدينة بعد اختفاء ميدينا ، كإعلان لنجاح المشروع
لكني بالنهاية وجدت قصة الأستاذ محمد كاملة .. فنشرتها كما هي ، دون اضافات ..
ولأني لم اضف شيئاً عليها ، لن احسبها ضمن قصصي (للأمانة الأدبية)
القصة رائعة استاذ محمد ، احسنت !!