الخميس، 5 سبتمبر 2024

أصون كرامتي فوق حبي الجزء الثاني والأخير

تأليف : امل شانوحة

 

الفارق الإجتماعي


وكما توقع وليد ، حصل بالضبط ! فقد ذهب والداه مُرغمان لبيت بسمة بعد ان هدّدهما بزواجه منها دون رضاهما ، وهذا يعتبر فضيحة ببيئتهم المخمليّة.. 

وهناك رفضا ضيافة اهلها ، وهما ينظران للعروس باشمئزاز بسبب منزلها المتواضع في منطقةٍ شعبيّة ، دون إكتراثهما بمديح والدها لشهاداتها العاليّة.


وفي طريق العودة ، ظلاّ صامتيّن دون لومه او عتابه ! رغم معرفة وليد بأن امه لن تهدأ قبل الضغط على ابيه لإفساد الموضوع بالكامل 

^^^


وهذا ما حصل في اليوم التالي .. عندما قرّر والده منعه العمل في شركته (كما يعدّه دائماً بعد التخرّج) في حال تزوّج بسمة .. لتكمل امه تهديدها بحرمانه من الميراث ان أصرّ على الفتاة البسيطة (حسب وصفها) !


فحاول في البداية إفهامهما بأن بسمة لها الفضل في إبعاده عن طريق الإنحراف .. وعن تميّزها عن بقيّة الفتيات التي عرفهنّ بحياته .. وأنها من اوائل الدفعة بإدارة الأعمال ، وستساعد والده بشركته التجاريّة بأفكارها المبتكرة


لكنهما أصرّا على الرفض ! فلم يكن امامه إلاّ تخيّرهما بين عيشه بالغربة طوال حياته او تزويجه حبيبته التي شعر بألم فراقها لعامٍ كامل ..وختم كلامه :

- الا يكفي خسارتي لأخي الكبير ، أتريدون تحطيم ما تبقى من قلبي المُرهق؟! 


فأثار كلاكه مشاعر امه التي اصبحت مُتسلّطة بعد موت ابنها المفضّل الذي يشبهها بالصفات ، اكثر من وليد الذي يُشابه اباه .. والتي فاجأت زوجها وابنها بقرارها الحازم :

- حسناً اوافق ، لكن بشروط !!

وليد بدهشة : أحقا امي ! ... سأنفّذ جميع شروطك

الأم : اولاً !! لن تحضر عائلتها عرسك

وليد بارتباك : امي ! هي ابنتهم البكر ، ولا يحقّ لنا حرمانهم من ..

الأم مقاطعة بلؤم : هذا شرطيّ الأول !!

وليد بقلق : وماذا ايضاً ؟

الأم : لن تُكمل تعليمها

وليد : هي الأولى على الدفعة ..كما انها حاصلة على منحةٍ دراسيّة ، يعني لن تُكلّفنا..

والده مقاطعاً : امك معها حق .. الم ترها كيف تحدّثت معنا بكل ثقة ؟ وانه باستطاعتها العمل بأيّة شركة ، حين لمّحت لها برفضي توظّفها في شركتي ! لهذا لن ندعها تكمل ، كيّ لا تتفاخرعليك .. فنحن نعلم جيداً انه ليس بمقدورك إكمال الماجستير والدكتوراه ، فأنت بالكاد تخرّجت من الجامعة !


فتنهّد وليد بضيق :

- حسناً امي ، ماهي شروطك الثانية ؟

الأم : لن تتزوجا فوراً

وليد بارتباك : ماذا يعني هذا ؟!

الأم : سنضع سريريّن مُتباعديّن في غرفتك .. ولن تتزوّجها ، لحين تحسّن سلوكها وتصبح لائقة لعائلتنا

- وكيف سيحدث ذلك ، امي ؟!

- سأوظّف من تعلّمها أتيكيت الطعام والمشي والكلام مع مجتمعنا الراقي .. وفي حال أثارت إعجابي ، نسمح بسفركما لشهر العسل .. لكن لا تتحمّس كثيراً ، لأني متأكدة من فشلها منذ الآن

- امي انا اعشقها بجنون ، فكيف سأبتعد عنها وهي معي بالغرفة؟!

- إن كنت ستفقد السيطرة على نفسك ، سأنقلها لأبعد غرفة في القصر ، حتى وإن كان بالعلّية او القبوّ

- امي ، ليس لهذه الدرجة !

الأم بحزم : إذاً إخبر بسمة بشروطنا .. وأن رفضت ، نجد لك عروساً لائقة بنا 

***


ما ان سمعت بسمة شروط اهله ، حتى اوشكت على إنهاء المكالمة والموضوع بأكمله ..لكنها فضّلت إستشارة والديها اولاً ، واللذين فاجآها بموافقتهما على شروطهم القاسية !


بسمة بصدمة : انا لن ارضى بعدم حضوركما عرسي !

الأب بحزن : ابنتي .. انت تعرفين سوء حالتنا المعيشيّة ..وطالما وليد وعدك بإعطائنا راتباً شهريّاً مجزيّاً دون علم اهله ، فهذا يكفينا

بسمة : ابي ! كنت سأتكفّل بالمصاريف فور حصولي على الدكتوراه ، لكنهم يمنعونني من إكمال تعليمي او العمل بأيّة شركةٍ تجاريّة !

الأم : لا بأس حبيبتي ، طالما ستعيشين في قصرهم ، وتتناولين ألذّ المأكولات وتلبسين..

بسمة مقاطعة بعصبية : انا لا تهمّني هذه الأمور !! سأتصل بوليد حالاً ، وأخبره بإلغاء الموضوع .. 

الأم مقاطعة بقلق : لا تفعلي يا ابنتي ، فهذه الفرصة لن تتكرّر ثانيةً

بسمة بدهشة : انا لا اصدّق ما اسمعه ! ابنتكما ستُهان في قصرهم ، لأني متأكدة أن حماتي ستعاملني باحتقار ، فلما اختار تلك الحياة الصعبة ؟!

الأب بقهر : لأن مالك الشقة هدّد بطردنا بالشارع آخر الشهر

بسمة بصدمة : لما لم تخبراني ؟!

الأم بحزن : لم نرد إشغالك عن دراستك .. ووالدك لم يعد باستطاعته العمل في الورشة ، كما فعل بشبابه.. فارحمي كبر سنّنا.. والراتب الذي حدّده وليد ، مناسبٌ جداً لنا

الأب : رجاءً يا ابنتي ، تحمّلي قساوة اهله لأجلنا

فواققت مُرغمة على إكمال مراسم الزواج ، دون تواجد اهلها معها !

^^^


وكان عرساً في القصر ، إقتصر على الأقارب .. مع تلميح الحماة بعدم عزيمة اصدقائهم ، لخجلها من العروس من الطبقة الكادحة (حسب وصفها) .. فتغاضت بسمة عن تعليقات حماتها المستفزّة ، لمساعدة اهلها ماديّاً

***


عندما وصلت بسمة لغرفتها بالقصر .. اشار وليد الى السرير الصغير ، البعيد عن سريره الفخم :

- ستنامين هناك ، الى ان ترضى امي عليك

- ولما اخترت لي السرير الصغير ؟!

- لأنك متعوّدة على الحياة القاسية 

بسمة معاتبة : ألهذا السبب سمحت بفرض شروطهم عليّ ، كيّ لا يحرموك اموالهم؟

- إسمعيني جيداً ..انا ابنهما الوحيد ، وعليّ تنفيذ اوامرهما

- لما انت ضعيف الشخصية يا وليد ؟ في الغربة ، سيّطر اصدقائك عليك .. والآن اهلك ! متى ستقرّر ما تشاء ، دون توجيهات من حولك ؟!

وليد بحزم : لا تتجاوزي حدودك !! والآن إذهبي لتغيّر ملابسك .. عليّ النوم باكراً ، فغداً اول يوم عملٍ في شركة والدي 

- طبعاً ، مكافأة من الماما والبابا على إذلال عروستك

- لن أجيبك

وذهب لتغيّر طقمه الفخم

^^^


بعد قليل ، وقبل اطفائه النور .. قالت له : 

- رجاءً ، إقفل باب الغرفة

وليد : نحن لا نقفل الأبواب ، كيّ يدخل الخدم متى طلبناهم .. وهم بالعادة ينظفون في الصباح ، ويحضرون الملابس المكويّة وغيرها من الأمور 

بسمة : إقفل الباب ، لأني اسير في منامي

باستغراب : ماذا !

- لم اخبرك بذلك .. لكن عندما تكون نفسيّتي متعبة ، اسير في منامي.. وانا صغيرة ، لحقني ابي قبل خروجي من المبنى ليلاً

- جميلٌ جداً .. هذا ما كان ينقصني ! هيا نامي ، ولا تكثري الكلام

وغفى سريعاً ، بعد رفضه إقفال باب الغرفة ! 

***


في اليوم التالي .. زارتها امها للإطمئنان عليها ، دون علمها بمنع إقتراب بسمة من زوجها لحين حصولها على رضا حماتها (فهي لم تخبر اهلها بهذا الشرط المشين) .. لتفاجأ برفض حماتها تواجدها في القصر ! فاضّطرت بسمة الحديث مع امها بالحديقة ، وهي مقهورة عليها ..


ام بسمة وهي تخفي حزنها : لا تبكي يا ابنتي

بسمة وهي تمسح دموعها : لا يحقّ لها طردك

- هو قصرها بالنهاية

- وانت حماة ابنها ، ومن حقك زيارتي 

الأم : حسناً اهدأي ، فالموضوع يحتاج لبعض الصبر.. حاولي كسب قلب زوجك.. وإن اصبح في صفّك ، لن يهمك أذيّة اهله ..صدّقيني


وكانت زيارةٌ سريعة ، لخوف امها التسبّب بمشاكل لها


وما حصل جعل بسمة غاضبة طوال اليوم ، لهذا لم تأكل معهم.. واكتفت بشطيرة اخذتها الى غرفتها

***


في المساء .. حاول وليد مراضاتها ، لكن بسمة رفضت التحدّث معه .. ونامت باكية 


في آخر الليل ، انتبه على جلوسها على طرف السرير دون حراك ، وعيناها شبه مفتوحة .. ثم رآها تخرج من الغرفة حافية القدميّن !

فعرف انها تمشي اثناء نومها ، ولحقها بهدوء ليعلم اين تذهب.. ليجدها تحاول فتح الباب الرئيسي للقصر ، والذي بالعادة يقفله كبيرالخدم بالمساء! 

فاقترب من بسمة ، رابتاً على كتفها بهدوء .. فإذّ بها تقع على الأرض ، وتكمل نومها وكأن شيئاً لم يكن ! 


فحملها الى غرفته .. ووضعها على سريرها ، وهي في سباتٍ عميق! 

وحمد ربه بأن لم يرها احد من الخدم ، وإخبار امه بعادتها المُقلقة ! 


ولم ينمّ تلك الليلة وهو يفكّر بزوجته : 

((ما ذنبها ان تتحمّل قساوة امي ؟ لقد أذيّتها بحبي.. فلولا زواجي بها ، لكانت الآن مشغولة بدراستها وهي تعيش مع عائلتها المُحبّة.. حتماً مشت في منامها لحزنها على إهانة امها ، وبسبب الضغوطات النفسيّة التي تواجهها بالقصر ..ماذا افعل ؟ هل أراضيها ، ام أرضي اهلي ؟! يارب ساعدني))

***


وفي اليوم التالي .. بدأت حصصها بتعلّم الأتيكيت من مدرّستها الجديدة التي قدمت الى القصر .. والتي ستقضي ثلاث ساعات معها يوميّاً ، لتعلّم سلوكيّات الأثرياء الصارمة !


وبعد انتهاء الدرس ، شعرت بسمة بالجوع .. ولأنه مازال هناك ساعة على موعد الغداء ، دخلت المطبخ لإعداد شطيرة.. واثناء تناولها الطعام .. دخلت حماتها ، لتراها تضحك مع الطبّاخة والخادمة .. فصرخت عليها :

- أتدرين كم سيكلّفني راتب أفضل معلمة اتيكيت بالبلد ، لأجدك هنا تتحدثين مع الخدم ؟!! لا اظنك ستنالين رضايّ يوماً ، والأفضل ان تطلبي الطلاق من ابني بأسرع وقتٍ ممكن


وظلّت تنتقدها وتهين اهلها ، الى ان صعدت بسمة الى غرفتها باكية .. بالوقت الذي كان وليد هناك ، يغيّر ملابسه للذهاب للنادي .. وعندما شكت همها ، أيّد رأيّ امه !

- بسمة ، لا يمكنك دخول المطبخ متى شئتِ .. انا نفسي لم أدخل هناك منذ سن المراهقة .. أيّ شيء تريدينه ، أطلبيه من الخدم .. انت ستكونين زوجة وليد بيك ، رجاءً تصرّفي على هذا الأساس

فلم تجادله ، بل دخلت الحمام لتكمل بكائها .. بينما خرج مُتذمّراً للنادي

***


في المساء .. تكرّر الشي ذاته ، بعد رؤيتها جالسة على طرف السرير دون حراك ! فعلم انها على وشك المشي اثناء نومها ، فأسرع بقفل باب غرفته .. ليراها تمشي بهدوء وهي حافية القدمين نحو الباب الذي لم يُفتح معها ! 


فتوجّهت نحو النافذة المفتوحة ..ولوّ لم يُسرع وليد بمسك ذراعها ، لقفزت من هناك:

- ماذا تفعلين يا مجنونة ؟!!

فنظرت اليه بنعاس : ماذا هناك ؟! لما تصرخ عليّ ؟!

فأخبرها بما حصل..

بسمة وهي تعود الى سريرها : بالعادة لا امشي دون وعيّ إلاّ اذا كنت مضغوطة نفسيّاً .. وإذا لم تضع حدوداً صحيّة بيني وبين أهلك ، سيأتي يوم وأقفز فعلاً  

وليد بلؤم : لن تموتي من الطابق الثاني 

- ربما لا .. لكن ستكون فضيحة عندما يصل الخبر للإعلام ، اليس كذلك ؟

فسكت بامتعاض ، بينما ادارت ظهرها لتنام وهي متضايقة من إهماله لها !

***


وذات ليلة ، قال لها :

- انا سأقفل الباب والنافذة كل مساء ، الى ان يعالجك طبيبٌ محترف من مشكلتك النفسيّة

بسمة : مشكلتي لا يحلّها سواك  

وليد : ماذا تقصدين ؟

- انت تعرفني جيداً .. لم احبك لأنك ثريّ ، ولا يهمّني المال والسلطة.. كل ما اريده هو الشعور بقيمتي


فسكت قليلاً ، قبل ان يقول :

- هناك عميل مهم للشركة يريدنا ان نقدّم له اقتراحات لتطوير صادراته للخارج.. وابي وكّلني بهذه المهمّة ، ولا اظنني سأنجح فيها ! ما رأيك لوّ تساعديني ؟ فأنت تفوّقتي على دفعتنا بهذه المواضيع 

بسمة : هل لديك اوراق العميل التي تبيّن طريقة إدارة مصنعه ؟

- نعم ، جميعها معي

- اذاً لنسهر معاً ، ونحن نناقش جميع التفاصيل

***


في الصباح ، تفاجأ الأب بقدوم كنّته الى الشركة ! مع إصرار وليد على تواجدها اثناء حديثهما مع العميل.. فاشترط الأب عدم تدخلها دون اذنه .. وبالفعل التزمت الصمت طوال الإجتماع.. وحين أخبرهم العميل بعدم إعجابه باقتراحاتهما .. تدخلت بسمة بحديثٍ مطوّل عن النجاح الذي سيحققه لوّ تعامل مع شركتهم .. شارحةً باحترافية إدارة عمها الناجحة وتدقيقه بالتفاصيل ، بطريقةٍ أذهلت زوجها ووالده وكذلك العميل الذي وافق بالنهاية على توقيع عقد عملٍ مشترك بينهم !


وبعد ذهاب العميل ، تفاجأت بسمة باحتضان حماها بالفخر :

- أحسنت يا ابنتي !! كنا سنخسر الكثير لوّ فقدنا هذا العميل المهم

بسمة بخجل : لم افعل سوى واجبي ، يا عمي

وليد بسعادة : اخبرتك ابي بأنها الأولى على دفعتنا ، لهذا اطلب منك توظيفها في قسمي ، فهي ستساعدني كثيراً بعملي

الأب : وانا لا امانع ذلك

بسمة بصدمة : أحقاً عمي !

- نعم يا ابنتي .. فعدا عن استفادتنا من افكارك النيّرة ، سيقلّل وجودك معنا طوال النهار التوتّر بينك وبين حماتك التي عليّ إقناعها بتوظيفك بالشركة

وليد : كان الله في عونك يا ابي

***


وبالفعل غضبت الأم من قرار التوظيف .. لكنها مع الوقت تقبّلت ذلك ، فهي لا ترغب بتواجد بسمة اثناء زيارة صديقاتها الثريّات الى القصر


بعد شهرين .. تحسّنت علاقة وليد وبسمة بعد عملهما معاً ، وكسبها العديد من المناقصات والعملاء الجدّد التي زوّدت من ثروة العائلة .. وفي المقابل سمح وليد بإرسال راتبها كاملاً لأهلها ، دون علم والديه

***


في إحدى الليالي ، سألته بدلال :

- هل سأبقى في سريري الصغير ، يا زوجيّ العزيز

وليد : امي لم تأذن بعد ، خاصة بعد توقفك عن دروس الأتيكيت

- أمعقول سيبقى زواجنا متوقفاً لحين رضاء امك بذلك ؟! 

- رجاءً بسمة ، لا اريد مشاكل معها

- حسناً كما تشاء

والتزمت الصمت ، الى أن غفى في سريره

^^^


في آخر الليل ، وبعد خروجه من الحمام .. وجدها تجلس على طرف سريرها

- لا ، ليس ثانيةً ! اين ستذهب هذه المرة ؟


واستلقى على سريره في انتظار تحرّكها الذي طال هذه المرة .. قبل مشيها حافية القدمين باتجاه سريره ! ثم استلقت بجانبه ، لتغفو في سباتٍ عميق

فقال في نفسه :

((هي أخبرتني انها تحقّق في السير اثناء نومها ، مالا تستطيع فعله في الواقع ! لهذا حاولت الخروج من القصر بعد طرد امها .. وحاولت الإنتحار بعد إهانتها بالمطبخ .. وطالما نامت بجانبي الآن ، فهذا يعني رغبتها بإتمام الزواج ! لهذا لن أخذلها))

وظلّ يراقب نومها ، وهو يستذكر حبه لها بالغربة 

***


باليوم التالي .. فاجأها بتذكرتيّ سفر لمدينةٍ سياحيّة ، لقضاء شهر العسل ! ولم يخبر اهله بذلك الا بعد ركوبهما الطائرة .. ورغم امتعاض الأم لعدم حصوله على إذنها.. لكن الأب أقنعها بتركهما وشأنهما بعد مرور ثلاثة اشهر على زفافهما !


وبالفعل عاشا اجمل ايامٍ بمفردهما .. وبعدها عادت بسمة مع زوجها للقصر وهي تتوقع مشاجرة عنيفة من حماتها التي استقبلتها ببرود ، قبل دخولها غرفتها دون التحدّث معها.. فتنفّست هي ووليد الصعداء لمرور العاصفة بسلام !

***


لم يمضى شهران ، حتى علم اهله بحملها ! مما اغاظ الحماة التي تمنّت تزويجه بأخرى ، بعد تطليقه من بسمة .. لكن الآن بات عليها الرضوخ للواقع

***


كل شيء بين بسمة وامه تغيّر بعد الولادة مباشرةً ، بعد تفاجأ الحماة بتشابه الطفل مع ابنها البكر الذي توفيّ بحادث سير في مراهقته.

فاستغلّت بسمة الموقف العاطفي ، لاقتراح تسميّة ابنها (لؤيّ) على إسم عمه المتوفي .. مما ابكى والدا وليد ، لفرحتهما بسماع الإسم يتردّد بالقصر من جديد !

***


وبعد تعلّق العم بالصغير ، سلّم الشركة لإبنه وكنّته لانشغاله هو وزوجته بملاعبة حفيدهما المدلّل الذي يزداد شبهاً لعمه كل عام ! ومعه تحسّنت علاقة الحماة ببسمة التي قوّمت سلوك ابنهما وليد اولاً ، وزوّدت ارباح الشركة بقراراتها الذكيّة .. عدا عن الحفيد الذي اعاد السعادة لعائلة زوجها .. كما وعدتهما بملأ القصر بالأحفاد الوسماء .

***


وفي إحدى الليالي ، أخبرت زوجها :

- وليد .. اريد أخبارك بسرٍّ مهم

- ماهو ؟

بسمة : انا لا امشي وانا نائمة ، بل قمت بتلك الحيلة للتقرّب منك

- مستحيل ! 

- أحلف لك 

وليد : وكيف خطّطتِ لذلك ؟

- كنت انتظر استيقاظك مساءً ، كيّ أجلس على سريري دون حراك .. ثم أُوهمك برغبتي الهرب من القصر او الإنتحار

وليد : والنوم بجانبي ايضاً 

- لوّ لم افعل ذلك ، لما أنجبنا لؤيّ الذي حسّن علاقتي بحماتي اخيراً .. رجاءً لا تخبرها

- هل انا مجنون لأفعل ؟ لم أصدّق متى تحسّنت نفسيّة امي التي تدمّرت تماماً بعد وفاة اخي

ثم قبّل رأسها ..

- يالك من داهية

يسمة : الفتاة تفعل المستحيل لكسب قلب حبيبها

- وانا ممتنّ لوجودك بحياتي التي تغيّرت للأفضل بسبب حنكتك وصبرك وأخلاقك العالية

وحضنها بحنان !


الثلاثاء، 3 سبتمبر 2024

أصون كرامتي فوق حبي (الجزء الأول)

تأليف : امل شانوحة


الفارق الإجتماعي

كانت بسمة على علم بأن وليد شابٌ لعوب ، مُحاط بالفتيات الأجنبيّات كونه عربيّ ثريّ .. لذا حاولت تجنّبه قدر الإمكان فهو زميلها بالجامعة الأمريكيّة ، وإن كانت تفوقه دراسيّاً بعد وعد اهلها بنيّل اعلى الشهادات قبل عودتها للوطن ، بينما يضيّع وقته بالإحتفال مع الفتيات الرخيصات ! ومع ذلك انجذب نحوها بقوّة ، لأنها الوحيدة التي رفضته .. وبما انه شخصٌ عنيد تعوّد الحصول على ما يريد ، فقد مثّل دور المُحبّ الذي ينوي التغيّر لأجلها .. واصفاً حياته المستهترة بالمملّة ، وحاجته لنصائحها لاستقامةٍ دائمة ! لهذا سمحت بدراسته معها في مكتبة الجامعة .. 

ورغم صعوبة المنهج عليه ، إلاّ انه اجتهد للتقرّب منها .. وبدورها صدّت كل محاولاته للمس يدها او تعليقاته القذرة ، مما جعله حذراً بالتعامل معها ..فهو لا يريد خسارتها ، كونها مختلفة عن جميع الفتيات اللآتي عرفهنّ بحياته ! كما تعتبر تحدّياً شيّقاً ، للفوز بحبها الصعب .. 

وبالفعل أتقن دور الشاب المجتهد على مدى شهور ، الى أن تخرّج معها .. رغم رسوبه بالسنة الجامعيّة الأخيرة اربع مرات ! مما أسعد والده الذي لم يمانع الصرف عليه قدر ما يشاء ، كونه ابنه الصغير (والوحيد بعد وفاة ابنه البكر بحادث سيّر) 

اما بسمة ، فقُبلت بالجامعة الأجنبية الراقية بمنحةٍ دراسيّة بعد تفوّقها في بلادها ، فهي من عائلةٍ متوسطة الدخل.. وتعتبر املهم الوحيد لتحسين مستواهم بعد توظّفها ، لهذا اجتهدت بالدراسة لأقصى حدّ.. 
***

بعد التخرّج ، عزمها وليد لحفلةٍ في منزله مع بقيّة اصدقائهم بالدفعة..

وهناك فاجأها بطلب الرقص معها ! لكنها رفضت خجلاً .. فاضّطر لتغيّر الخطة ، وأوقفها بجانبه اثناء اطفائه شموع الكيك .. وخلال تصفيق المعازيم ، حضنها بقوة امامهم .. ومن شدّة إرباكها حضنته بحنان ، فهي تكنّ له المشاعر بسبب كلامه اللبق ووسامته المغريّة.. 

وما أن حضنته ، حتى أبعد يديها بعنف ! وهو يقول لأصدقائه بغرور:
- هآ انا فزت بالرهان اخيراً ، وجعلت الطالبة المُتحفظة تقع بغرامي .. الم أخبركم انه لا شيء أعجز عن فعله !!

فصفّقوا لفوزه .. بينما وقفت مذهولة وهي تنظر اليه بخيبة أمل ، لجعلها رخيصةً امامهم !
وهو علم من نظرتها الدامعة انه خسرها ، لكنه ظلّ مبتسماً لأصدقائه وهو يشعر بالنصر !

فخرجت من منزله مكسورة الخاطر .. وأوقفت سيارة اجرة .. وقبل ذهابها ، لمحته ينظر اليها من نافذة بيته .. لكنها ادارت وجهها قبل رؤيته دموعها .. وابتعدت عن المكان 

وهنا اقترب صديقه المقرّب ، وهو يلومه على فعلته :
- لقد ضيّعت حباً صادقاً ، يا رجل ! 
وليد بغرور : لا تبالغ ، غداً أراضيها ..فهي بالنهاية مُغرمة بي .. هيا نعود للحفل
***

لم تنم بسمة تلك الليلة وهي ترتّب حقائبها وأوراقها الجامعيّة ، بعد إلغائها جميع حساباتها على وسائل التواصل الإجتماعي التي يعرفها وليد 

وفي الصباح الباكر ، أعادت المفاتيح لصاحب الشقة الذي سألها باستغراب:
- ولما الإستعجال ؟!
بسمة : اريد الذهاب للجامعة ، لا وقت لديّ

وقبل وصولها للجامعة .. إشترت شريحة جوّال جديدة بعد تخلّصها من رقمها القديم  ، كيّ لا تسمع صوت وليد من جديد   

ثم سحبت ملفها من الجامعة بعد حصولها على ورقة من المدير تؤهّلها لإكمال دراسة الماجستير بذات المنحة الدراسيّة ، بفرعهم الموجود في وطنها 

ثم اكملت طريقها للمطار ، بعد ان اخبرت اهلها بقرارها .. والذين فرحوا بعودتها بعد غياب اربع سنوات !

واثناء تحليق الطائرة ، نظرت من النافذة وهي تقول :
- سأعلّمك درساً باحترام مشاعر الغير ، ايها المتغطرس 
***

إستيقظ وليد كعادته ظهراً .. وحاول ترك رسالة على فيسبوك بسمة ، لكنه وجد جميع صفحاتها مغلقة ! فاتصل بها دون جواب ، فهو لا يعلم بتغيّر رقمها .. 

وبعد غدائه ، ذهب الى شقتها .. ليخبره المالك بتسليمها المفاتيح ! لكنه لم يشعر بالفزع ، فهو يعلم هوسها بالدراسة .. وتوجّه لجامعتهما ، ليعلم بسحب ملفها ! 

وهنا شعر بوغزةٍ في قلبه ، فهو يحبها بالفعل .. لكنه اراد كسر عنادها وفرض سيطرته عليها ، لتأكّده أنه حبها الأول ! لهذا لم يتوقع رحيلها المفاجئ  

وعندما اتصل بصديقتها المقرّبة ، أخبرته انها ودّعتها قبل سفرها.. فلم يصدّق ما سمعه ! واتصل بالمطار الذين أخبروه بعودتها للوطن 

وهنا انهار بعد تأكّده من خسارتها مع انقطاع كل السبل للتواصل معها .. وكانت هذه نقطة التحوّل في حياته (التي ضيّعها بالسفر والحفلات) فهو بعد رحيلها ، إنطوى على نفسه ، فلم يعد يخرج من منزله او يلتقي بأصدقائه .. مما ضايق زميلته الأجنبية التي كانت السبب بفراقه عن بسمة .. والتي استغّلت غيابها في الشهور الماضية للتقرّب منه ، طمعاً في ماله بعد تعوّدها على عزائمه في المطاعم الفخمة وهداياه الغالية ! والتي حاولت مواساته لخسارته حبيبته العربية عن طريق التقليل من شأنها ، وتذكيره بشروط اهله الصارمة لزوجته المستقبليّة .. وظلّت تشتمها ضمنياً ، حتى انفجر غاضباً : 
- لا تدعيني أتلاعب بك كفتاةٍ رخيصة ، ثم ارميك للكلاب !!
زميلته بصدمة : لما تتحدّث معي هكذا ؟!
- لأن الرهان الذي أخسرني حب حياتي ، كان فكرتك السخيفة .. وإن لم تبتعدي عني ، سأرسل رجالي لأذيّتك !!

فارتعبت من تهديده ! وأبعدت نفسها وبقيّة اصدقائه عنه ، بعد إشاعتها بفقدانه عقله .. مما احزن صديقه المقرّب الذي سافر سرّاً لبلدة بسمة ، للسؤال عنها بالجامعة الأمريكية .. فأخبروه بنجاحها بالماجستير ، وتحضيرها للدكتوراة  

فظلّ يتردّد هناك على مدى ايام ، الى ان التقى بها في ساحة الجامعة .. وأخبرها عن نفسيّة وليد السيئة بعد رحيلها .. لكنها لم تأبه لذلك ، بعد إهانته لها امام الجميع 

فاضّطر الى مراقبتها ، لمعرفة عنوان منزلها الذي ارسله لوليد الذي سارع بقطع تذكرة سفر للقائها  
***

وبعد ايام .. تفاجأت بسمة بتقدّم وليد لخطبتها ! فطلبت من والدها التحدّث معه على إنفراد .. ثم سألته :
- انت تعلم جيداً ان موضوعنا انتهى ، فلما اتيت ؟!
وليد : لأنك الوحيدة التي غيّرتني .. لولاك لانحرفت بعد أن وصل غروري للحصول على أيّ فتاةٍ تعجبني الى وضع مخدّرٍ في شرابها ، او استخدام عطور مثيرة لجذبهنّ دون إرادةٍ منهن .. ولوّ اكملت بهذا الطريق ، لكنت حتماً بالسجن بتهمة التعدّي على إحداهن .. اما انت ، فلم استطع استخدام طرقي الملتوية معك .. لأنك الوحيدة التي لم تكترثي لثرائي ! وكنت تنصحينني بصدق ، خوفاً على مستقبلي 

بسمة : لا ادري ماذا اقول ، لكني مازلت مجروحة من إهانتك لي امام اصدقائنا
فمسك يديها بحنان : ليتك صفعتني امامهم او شتمتني ، لكان أهون من إنسحابك الصامت الذي دمّر غروري 
بسمة : وهذا المطلوب ، لأن غطرستك كانت عائقاً امام علاقتنا .. فأنا لا مشكلة لديّ إن اخطأت ، فجميعنا نخطئ .. المهم ان تعتذر ..وانا بدوري سأسامحك ، لأنك حبي الوحيد.. لكن عندي شرط !! ممنوع الخيانة بعد الزواج
- لن يحصل ذلك
-  وماذا عن اصدقائك ؟ لا اريد لأسرار بيتنا ان تنتشر بينهم
-  صدّقيني لن افعل .. اساساً ألغيّت الكثير من الصداقات الغير مفيدة 
- هذا تطورٌ ملحوظ ! سيجعلني أفكّر جديّاً بمسامحتك

وليد بدهشة : أحقاً ستسامحينني ؟! ظننت انك لن تفعلي بعد مضيّ سنة على فراقنا
- أتظن من السهل إيجاد حبٍ نتغيّر بسببه للأفضل ؟
- انا تغيّرت بالفعل ، ماذا عنك ؟!
بسمة : بسببك أصبحت أحب نفسي اكثر ، وتعلّمت الصبر ايضاً  
- أتدرين يا بسمة ، الرجل يتغيّر مرة واحدة في حياته مع المرأة المناسبة له .. وانا سعيد بتعرّفي عليك .. وأعدك بإكمال دراستنا معاً ، والعمل بجهدٍ وتفاني لأجل اطفالنا
- طالما هذه خطتك المستقبلية ، فسأنادي ابي لإكمال حديثكما عن الخطبة

وتركته وهو يكاد يطير من السعادة بعد موافقتها عليه .. لكنه بذات الوقت يُخفي قلقه من والديّه اللذين لا يعلما بخطبته من فتاةٍ بسيطة ! فهل سيوافقان على زواجهما دون مشاكل ؟!
التكملة بالجزء الثاني

السبت، 31 أغسطس 2024

ذريّة قابيل

تأليف : امل شانوحة 

الجريمة الأولى


اثناء استراحة قابيل تحت الشجرة بعد دفنه اخيه ، إستيقظ على صوتٍ خافت .. ليرى هابيل يهرب نحو الجبل ، بعد محاولة دفنه حيّاً! 

فتمتّم قابيل بارتباك : 

- الم يمت بعد ؟! 

وخاف من عودته لوالدهما (آدم) وإخباره بما حصل ! ولأنه لم يستطع اللحاق به ، إنطلق قابيل هائماً على وجهه بالبراري.. 


بعدها بسنوات ، أنجب كلاهما ذريّةً ضخمة .. حيث قام اولاد وأحفاد قابيل بإفساد الأرض ونشرهم الفسوق والفجور .. بينما تعبّدت ذريّة هابيل الله في مدينةٍ هادئة خلف الجبل ، دون اختلاطهم بالذريّة الفاسدة.. 


وبنهاية العالم ، بعد ان ساد الدمار والفساد .. ظهرت ذريّة هابيل السرّية ، لتعلن الحرب ضدّ الظالمين وإعلاء كلمة الله من جديد

^^^


وهنا استيقظ قابيل من كابوسه ، وهو يقول فزعاً :

- مستحيل ان هابيل مازال حيّاً ، فقد اوشك على التحلّل فوق كتفي قبل ان يعلّمني الغراب الدفن ! 

وسارع للقبر ، لحفره بكلتا يديه .. الى أن وجد جثة أخيه قابعة هناك


فتنهّد بارتياح : جيد ، مازلت في مكانك ..

ثم نفخ صدره بغرور :

- ذريّتي وحدها ستحكم العالم ، فالشرّ لابد منه..

ليسمع تصفيقاً من بعيد ، من رجلٍ ضخم يلبس رداءً اسود !

فناداه قابيل بقلق : من انت ؟!!

- انا ابليس المعظّم !!

- أأنت من حرمت ابي الجنة ؟!

- وانا ايضاً وسّوست لك بقتل اخيك

فغضب قابيل ، ورمى حجرةً عليه :

- ايها اللعين !! أخسرتني أخي وصديقي الوحيد

فابتعد ابليس عن الحجرة ، وهو يقول :

- انا مخلّد يا عزيزي ، ام أعجبتك فكرة القتل ؟

- إبتعد عني !! لا اريد رؤيتك ثانيةً 


إبليس : إسمعني جيداً ايها الوغد .. إن لم تنفّذ كلامي بالحرف الواحد ، سأخبر والدك بما فعلت .. وربما يدعي ربه ، فيسخطك لحيوانٍ برّي  

قابيل بارتباك : ابي ! كيف لم أفكّر بأمره قبل ارتكابي الجريمة ؟!

- عليك الإبتعاد عنه نهائيّاً

- والى اين اذهب ؟

- إنطلق ، وسأعيّن وجهتك التالية .. هيا اركض !! ماذا تنتظر ؟

قابيل بحزن : وماذا عن امي واختي ؟

- أتظن ستستقبلانك بالأحضان بعد فعلتك الشنيعة ؟ هيا توغّل بالغابة ، ففي نهايته نهرٌ جاري ستعيش قربه.. ولا تقلق من الوحدة ، سأرسل لك النساء بطريقةٍ او بأخرى


فانطلق قابيل مهموماً بالغابة .. بينما اقترب ابليس من قبر هابيل وهو يبتسم:

- جيد انني تخلّصت من البذرة الصالحة

***


بعد قرون .. نزل ابليس من سفينة نوح دون ان يراه احد ، وهو ينفض الغبار عن ردائه الأسود :

- رحلةٌ طويلة بالبحر ، وانا عالقٌ بزريبة الحيوانات النتنة ! لكن لا بأس ، طالما لم أغرق مع الفاسدين


وابتعد عن السفينة ، وهو ينظر للمؤمنين القلّة مع النبي نوح..

إبليس بغيظ : صحيح معظمهم من ذريّة الإبن الثالث لآدم (شيث) مع بعض الصالحين من ذريّة قابيل الذين لم استطع السيطرة عليهم إلاّ انني أنوي تحريضهم على قتل اولاد عمهم ، فهم كجدهم (قابيل) لديهم ميول عنيفة وحبّ السيطرة.. لكن عليّ الإسراع قبل تكاثرهم كالأرانب ، وتعميرهم الأرض التي هي ملك للجن والشياطين.. ومن حسن حظي ان الطوّفان أغرق العديد منهم .. كما انّي فخور بمقتل هابيل قبل زواجه فهو ملاك كوالده ، وذريّته حتماً ستكون من الصالحين .. أما ذريّة إخوته ، فسهلٌ إفسادهم .. (ثم نظر ثانيةً للنبي نوح ومن آمن معه ، قائلاً بحنق) .. إنتظروني ، سأعود اليكم قريباً

وذهب للتخطيط لفساده التالي !

***


لكن يبدو انه فشل بإنهاء البشريّة الذين أصبح عددهم تسعة مليارات نسمة ! مما أفقد ابليس صوابه : فأعطى تعليماتٍ صارمة لكل الجمعيات السرّية في العالم على تلويث الأراضي الزراعيّة والمياه والجوّ ، بالإضافة لنشر الأفكار الشاذّة بين الناس بعد ان وعدهم بدعمه المُطلق للمليار الذهبي ، في سبيل تحرير صديقه الدّجّال (كما وعده) .. لكنه بالحقيقة لا يهمّه عبّاده وعملائه البشريين ، لأن حلمه الوحيد هو إفناء نسل عدوّه الّلدود آدم ، ولأبد الآبدين !!! 


الخميس، 29 أغسطس 2024

الفتاة الروحانية

 تأليف : امل شانوحة

عدالة الأشباح 


عادت جاكلين متضايقة من مناسبةٍ عائليّة ، بعد ان سألتها قريبتها :

- ماذا تنوين فعله بعد التخرّج ؟ فأنت لم تتوظفين حتى الآن ، وغير مرتبطة بأحد

ولم تستطع الردّ عليها ، لشعورها بتوقف حياتها منذ زمن !

وظلّت تتساءل طوال الطريق :

((ترى مالهدف الذي خُلقت لأجله ؟ وماذا عليّ فعله لتحسين العالم؟))

^^^


وعندما دخلت مبناها وقبل استخدامها المصعد ، ناداها عجوز من خلف باب العمارة الحديديّ :

- إفتحي لي يا ابنتي !!


وفجأة ! شعرت جاكلين ببرودةٍ مفاجئة وقشعريرة تسري في جسمها ، فمنظر العجوز بعينيه الحادّتيّن أشعرها بضيقٍ مزعج ..

فقالت له بارتباك :

- إضغط على الإنترفون ، وسيفتحون لك

العجوز : ضغطّت أكثر من مرّة ، لكنهم لا يستجيبون !

- اذاً تعال في وقتٍ آخر

فأخرج ورقة من جيبه ، وهو يقول :

- اريد فقط تسليم صديقي هذه الفاتورة

فسحبتها بسرعة من يده ، من بين القضبان الحديديّة للباب الرئيسيّ

جاكلين : حسناً ، إخبرني أيّ طابق ؟

فانصدم من فعلها ! 

العجوز : الطابق الخامس  

جاكلين : آه ! هذا جاري ، سأوصلها له .. بالسلامة يا عم


وأدارت ظهرها وهي تضغط مراراً على زرّ المصعد للنزول اليها ، بينما يراقبها بحنق من خلف الباب !


وقبل وصول المصعد .. دخل جارٌ آخر المبنى ، ومعه العجوز ! وقبل صعود الثلاثة بالمصعد .. نادى البوّاب الجار ، فخرج من المبنى للحديث معه .. بينما صعد العجوز مع جاكلين التي كانت ترتجف من نظراته المرعبة .. والذي سحب الورقة منها بعنف ، وهو يقول بلؤم :

- أكان صعباً عليك فتح الباب ، يا امرأة !!


فلم تجد نفسها إلاّ وهي توقف المصعد ! ثم تهمس له :

- اعرف انه في شبابك ، قتلت رئيس عملك .. ومن يومها وانت تشاهد ذات الكابوس : روحه الغاضبة تقف فوق الشجرة ، وهو يرمي صخرةً كبيرة ، تحطّ بقوّة على صدرك .. اليس كذلك ؟

فسقطت الورقة من يده وهو يرتجف بشدة ! واضعاً يده الأخرى على صدره

- كيف عرفتي ؟!

جاكلين بثقة : أعرف كل شيء.. وأعرف انك صاعدٌ الآن لقتل جاري ، كونه الشاهد الوحيد على جريمتك بعد أن رآك في مراهقته وانت تدفن الجثة .. والبارحة حتى عرفت عنوانه ، وتريد القضاء عليه بالسكين الذي في جيبك


فحاول العجوز إخراج السكين لقتلها ، لكنها دفعته بقوة .. فسقط على أرضيّة المصعد وهو ينهج بصعوبة .. فأكملت قائلة :

- لم تعد قويّاً كالسابق ، ايها العجوز الخرف ..وما تشعر به الآن ، هي ذبحةٌ قلبيّة.. فخذّ انفاسك الأخيرة.. القاك لاحقاً في الجحيم !!

وخرجت من المصعد نحو شقتها ، تاركةً العجوز جثةً هامدة في المصعد !

^^^


وما ان دخلت منزلها ، حتى شعرت بخروجٍ شيءٍ بارد من جسمها ! ولم تفهم ما حصل ، وكيف عرفت كل هذه المعلومات عن الرجل المجهول ؟! 

وحبست نفسها طوال النهار في غرفتها ، لحين قيام الشرطة بنقل الجثة الى المشرحة

***


بعد اسبوع ، واثناء عودتها من عرس قريبتها مساءً .. شعرت ببرودةٍ مفاجئة تشبه ما حصل معها قبل ايام ! جعلها تنحرف بسيارتها نحو الغابة ، وكأن احدهم يوجّهها للطريق.. ثم تابعت سيرها مشيّاً على الأقدام .. الى ان وصلت لشجرةٍ ضخمة.. بعدها نزعت وشاحها الأحمر ، وربطته حول الشجرة .. وعادت الى سيارتها !


وبالطريق ، اتصلت بالشرطة :

- هناك جثة مدفونة تحت شجرة وسط الغابة ، قمت بوضع وشاحٍ احمر لدلّكم على مكانها .. 

وأعطتهم العنوان..


وبعد إغلاقها المكالمة ، شعرت بخروج هواءٍ بارد من جسمها الذي ارتجف بقوة ، لعدم فهمها ما يحصل معها ! وعادت سريعاً الى شقتها

***


بعدها بيومين .. حلمت مناماً غريباً : وهي روح الجثة المدفونة بالغابة تشكرها على دلّها الشرطة على مكانها ، وهي تقول بوجهٍ شاحب :

- لي سنوات مدفونةٌ هناك .. وأهلي يظنون انني هربت مع عشيقي ! لكنهم عرفوا الآن انهم ظلموني بشكوكهم السيئة ، ودفنوني بمقبرة العائلة.. اما قاتلي ، فقُبض عليه الشهر الفائت بجريمة قتل امرأةٍ اخرى .. لكن اللعين لم يخبر الشرطة عني ، كيّ لا تزيد محكوميّته ! فشكراً لإراحتك روحي.. بالنهاية هذه مهمّتك بالحياة

جاكلين : لم افهم !

الجثة : كنت تساءلتِ يوماً عن ذلك.. ولأنك روحانيّة ، فقد أوكلنا اليك مهمّة الإنتقام من قاتلينا ، وإرشاد الشرطة الى جثثنا

جاكلين بقلق : تتكلّمين بصيغة الجمع ! الم ينتهي دوري بالعثور على جثتك؟!

- لا ، مازال لديك الكثير من المهام


وأشارت الجثة الى شيءٍ خلفها .. فأدارت جاكلين ظهرها .. لترى عشرات الأشباح المقتولة تتوجّه نحوها ، وكأنها أملهم الوحيد لتحقيق العدالة !

قائلاً كبيرهم : لا تقلقي .. ارواحنا ستتجسّد جسمك ، وستشعرين ببرودتنا اثناء توجيهك لفعل الصواب

^^^


فاستيقظت جاكلين وهي تتنهّد بفزع :

- يا الهي ! ماهذه الوظيفة الصعبة ؟!


لتشعر بعدها ببرودةٍ مفاجئة ، جعلها تنهض من السرير في آخر الليل ، للقيام بالمهمّة التالية !


الثلاثاء، 27 أغسطس 2024

منقذ البشرية

تأليف : الأستاذ عاصم
تنسيق : امل شانوحة 

الرجل الأخير 


مع بداية شتاء عام 2025 ضرب العالم وباء ، إنتشر بسرعه في كل الدول .. تماماً كما حدث في كورونا ، لكنه هذه المرّة فيروسٌ قاتل عجز العلماء عن تصنيفه او إنتاج لقاحٍ له ! والغريب انه لا يُصيب سوى النساء ، بمعدّل وفيات 100% بين الإصابات ، حاصداً ارواح الملايين يوميّاً من النساء بجميع الأعمار ..

فعرف العلماء ان هذا سيؤدي مع الوقت الی انقراض البشر (لعدم وجود النساء بطبيعة الحال) فلم يكن امامهم إلاّ تجميد بعض النساء الأصحّاء كحلٍ أخير ، عسی ان تنجو معهنّ البشريّة ..او ربما بعد سنوات تجد الأجيال القادمة حلاً مع تقدّم العلم  ..


وقد رأی العلماء انه من الأفضل إختيار شريحةً مُنتقاه بعناية ، تتمتّع بصحةٍ نفسيّةٍ وجسديّةٍ جيدة  

ووقع الإختيار علی إحدی دفعات خرّيجي كلّية الضيافة الجويّة اللآتي خضعنّ لإختباراتٍ قاسية ، وتم إنتقاء الواحدة من ضمن آلاف المتقدّمات للوظيفة 


وبالفعل تم تجميدهنّ في ظلّ ظروفٍ مُثلى تضمن بقاء الجنس البشري ..حيث وُضعت كل فتاة داخل ثلاّجة زجاجيّة ضدّ الكسر مع بطاريّة ذريّة تمنح المُبرّد الطاقة اللازمة ، ولوّ لسنواتٍ عدّة ! 

وتمّ وضع كل حافظة ، في صندوقٍ خشبيّ مُحكم .. مع كتيّب صغير ، ككتالوج ملخّص عن كل فتاة وحياتها قبل التجميد ..

وشُحنت الصناديق في طائرۃ تجاريّة بسرّيةٍ تامة.. علی ان تكون وجهتها إحدی الجزر النائية ، لإبعادهنّ عن فضول البشر بشكلٍ كافي..الى ان يعثر العلم علی حلٍ للوباء القاتل ! 

وتمّ تحديد موعد إقلاع الطائرة ليلة منتصف يناير ..

***


علی صعيدٍ آخر .. كان هناك شابٌ حقير مُدلّل يُدعى عاصم ، ابن ملياردير النفط الشهير رستم بك ..

وكان الشاب الفاسد لا يشغل حياته سوی التسلّي بفتيات الجامعة الخاصة التي اعتاد الرسوب فيها كل عام ! 

بالإضافة لفتيات النوادي الرياضيّة وفتيات الملاهي الليليّة وصالات القمار ، وصولاً لفتيات المتعة المدفوعة والراقصات وعارضات الأزياء ..

يعني باختصار لم يضيّع وقته ، وكان هذا منوال حياته اليوميّ : سهر وسفريّات وسِكر وعربدة ، كما يقولون !


كان عاصم قد حجز رحلة طيران لجزيرةٍ بعيدة ضمن إحدی سفريّاته من باب التجديد ، ليلة منتصف يناير قبل عيد ميلاده بإسبوعين ..كمغامرة تافهة جديدة تُضاف لسجل حياۃ المجون التي يرفل فيها ..

فبرغم أحداث العالم المُضطّربة بسبب الوباء الجديد الذي سمع عنه دون مبالاة ، إلاّ أن شخصيّته النرجسيّة لم تری سوی انعكاسها ! 


وكان مُقرّراً ان يلقى اصدقائه في المطار للسفر معاً .. لكن كانت هناك فتاةٌ فاتنة سعی خلفها لشهور ، حتی رضخت له .. يعني إحدی حملاته ، كما يحب تسميّة ضحاياه !

فلم يطيب خاطره بالسفر قبل الإجهاز عليها وتدميرها .. والتخلّي عنها لاحقاً ، كما فعل مع سابقيها !  

ولأنها ترفض السفر دون إذن اهلها .. إضطّر لتأجيل سفره ، على ان يلحق بأصحابه بعد ساعات ، برحلةٍ في طائرۃ والده الخاصّة 


وبالفعل أنهی الفاجر لقائه مع الفتاة ..ثم هرع الی مدرّج الطيران في شركة والده ، مُستقلّاً طائرته الفخمة .. 

بعدها أقلع الطيّار فوق المحيط الشاسع بأمان ، قبل هبوب عاصفةٍ هوجاء ظهرت من العدم ! جعله يفقد السيطرة على الطائرة ، بعد توقف اجهزۃ الملاحة والتحكّم الآلي عن العمل ! 


وخلال دقائق .. حاول الطيّار العجوز السيطرة على القيادة بكل الطرق ، الى ان فشل قلبه بتحمّل كل هذا الأجهاد ، ومات بنوبةٍ قلبيّة! 

فأصيب عاصم بحالة من الذعر ، خوفاً من تحطّم الطائرة التي سقطت بالنهاية فوق اشجار إحدی الجزر في قلب المحيط ..


ولحسن حظه او ربما لسوءه ، لا ندري ! لم يُصبّ عاصم بأذى ، سوی بعض الخدوش والكدمات ..

ربما لأن الحياة عادلةٌ جداً ، كما تعلمون .. او ربما لم يحنّ اجله بعد ! وقد كُتب لذاك الفاجر دوراً يؤديه ، كالظفر بجولةٍ قادمة من حملاته وبطولاته الفارغة مثله ..

^^^


بعد سقوط الطائره .. إستطاع عاصم الخروج منها ، للبحث عن المساعدة لنجدته ..وصار يتجوّل في الجزيره هنا وهناك .. الى أن ادرك خلوّها من البشر ، فليس فيها سوی الغابات والحيوانات ..(ويبدو ان عدد الحيوانات إزداد واحداً) 


بعد الكثير من السير والإنهاك ، قرّر الإستراحة للتفكير بذهنٍ صافي .. وعبثاً لذاك العقل الذي لم يعمل إلاّ كصيادٍ بلا قلب ، أن يُسعفه بأفكارٍ مفيدة! 

***


علی الصعيد الآخر ، كانت طائرۃ الشحن التي تحمل امل البشريّة وأثمن الطرود تُحلّق فوق المحيط .. قبل أن تصيبها الصاعقة بعد تردّي الأحوال الجويّة بشكلٍ مُفاجئ .. وبسببها تعطّلت جميع المحرّكات.. 

حيث حاول قائد الطائرة المناورة والهبوط بها فوق الماء .. لكن كابينة القيادة وذيّل الطائرة غرقا في المحيط ، بينما بدن الطائرة سقط قرب شاطئ الجزيرة ! 

ولحسن الحظ لم تتأثّر الصناديق ، لتثبيتها جيداً مع تغليفها من الخارج بعدّۃ طبقات سميكة كجدارن حماية مكوّنة من الياف ومطّاط ، مانعةً للصدمات .. بينما هلك كل الطاقم الذين غرقوا في المحيط ..


وهنا انتبه عاصم علی صوت سقوط الطائرة ! فمشى على طول الشاطئ حتى وجدها.. وهرع نحوها ، لعلّه يجد احداً فيها ..ولكنه وجدها فارغة إلاّ من مئات الصناديق الخشبيّة ! دون ان يجد شيئاً آخر يُفيده في محنته .. 

ففتح ثلاثة صناديق ، ليُصاب بصدمة بعد رؤيته ما بداخل الحافظات الزجاجيّة 

بعدها أحصی الصناديق .. ليجدها 365 صندوقاً ، كلّها مُتماثلة من الخارج! 


ثم وجد صندوقاً صغيراً : فيه جميع الملّفات التي تحوي مُلخّص عمليّة التجميد ، والهدف منه .. مع رسالة للجيل (الذي سيجد الصناديق في المستقبل ) بما عليهم فعله لتحرير الفتيات المُجمّدات : وكانت العمليّة بسيطة وسهلة (بعد إيجادهم علاجاً او لقاحاً للمرض الفتّاك) وهو وضع الفتاة المُتجمّدة في وعاء المونيوم كبير (موجود ضمن الشحن) وغمره بمياهٍ دافئة ، الى أن تستعيد الفتاة حرارتها الطبيعيّة ! 


وكان عاصم مذهولاً مما قرأه ، وانتابه الفضول .. وبدأ بفتح جميع الصناديق لإلقاء نظرة فاحصة علی كل فتاة ، فهنّ بالنهاية همّه الوحيد بالحياة !


وفجأة ! تسمّر مكانه بعد رؤيته فاطمة ، زميلته في الجامعة التي تخرّجت قبله بسنتيّن .. وهي الفتاة الوحيدة التي لم ترضخ له ، بل استهزأت بثروته ومكانته ونفوذه ! لذلك لم ينسها يوماً .. فهو حاول بكل الطرق إستمالة قلبها ، لتلين له ..وعبثاً فعل .. ففاطمه (او بطّة كما كان يُدلّلها) لم تكن من النوع السهل .. بل كانت تشمئزّ من اخباره القذرة.. حتی حينما عرض عليها الزواج الشرعيّ بعد يئسه منها ، رفضته ايضاً .. فجنّ جنونه ، فهو لم يعتدّ ان ترفضه الفتيات!

فكانت فاطمه هي الصفعة التي تلقاها لأوّل مره في حياته ، بعد أن اخبرته بأنها ليست قطعة لحم رخيصة يشتيها متى يشاء ، كما فعل مع غيرها ..


المهم ، بعد استعادة وعيه من الصدمة .. قرّر تطبيق تعليمات الشحن على فاطمة اولاً..  

وبدأ بسكب الماء في الوعاء الكبير الذي وضعه على الشاطىء ، واضعاً أسفل منه مجموعة من الأغصان التي أشعلها بولّاعته .. وجلس ينتظر ان يذوب الثلج عن جسد فاطمة المُتخشّب المُتحجّر ..


وبعد ساعة ، بدأت ذراع فاطمة تتحرّك ببطء .. فأخرجها برفق بعد لفّها برداء كبير ، وجده بالشحن .. ووضعها علی الأرض ..

وما أن فتحت عينيها ، حتى بدأت الصراخ وهي تخمش وترفس بقدميّها .. فصفعها بقوّة ، لكيّ تهدأ.. فجلست مُتكوّرة مذهولة ، كأنها وُلدت منذ دقائق! 

ثم اطالت النظر اليه ، مُضيّقة عينيها كأنما تتذكّر وتستثبت .. الى أن صرخت بصدمة : 

- أهذا انت ايها الوغد ؟!! مالذي جاء بك هنا ؟! هل خطفتني ؟ واين زميلاتي ؟! 


فحكی لها ما حصل ، وهي تسمعه بذهول ! 

وتتساءل في نفسها : ((أتعقل هذه المصادفة ؟! ألم تسقط طائرتنا إلاّ علی جزيرة لا يوجد فيها سوى هذا البغيض ؟!)) 


ثم تحدّثا مطوّلا عن الأحداث الجارية بالعالم الذي تحوّل لحديقة حيوان كبيرة من القرود والخنازير والكلاب الضالة لبعض الرجال الذين صُدموا من فناء النساء بعد ذلك الوباء الذي جعلهم عدوانيين .. والكثير منهم لم يتحمّل الوحدة الإجباريّة ، فانتشر بينهم الإنتحار الجماعي والفردي ، حتی فُني ما تبقى من البشر ! 


في هذه الأثناء .. إقترحت بطة ان يقوما بإيقاظ بقيّة الفتيات ، فلم يعد هناك مبرّراً من بقائهنّ مُجمّدات.. خاصة ان كل فتاة تمّ تدريبها علی إحدی المهارات والعلوم والفنون والآداب والحِرف والمهن اللازمة لبناء البشريّة من جديد ..وكان من المُفترض ان تنجب كل فتاة ، طفلاً كل سنتين علی أبعد تقدير ..

علی ان يتزواج الأطفال الجدد من بعضهم بمجرّد بلوغهم ، بشرط السماح لكل ذكر بمجموعة من الإناث .. هكذا بدون تعقيدات ، فلا وقت لتضييعه 


وبدأ عصام وبطة بإيقاظ جميع الفتيات ، وإخبارهنّ بما حصل ..

^^^


لاحقاً وُضع جدولٌ زمنيّ مُحدّد ، تحظی فيه كل فتاة بيومٍ واحد في السنة مع زوجها الجديد والوحيد عاصم ! 

وبسبب الوضع الإستثنائي ، نست بطة عداوتها لعاصم .. بل أصبحت مع الوقت يده اليمنى ، ورئيسة الفتيات (لمكانتها الكبيرة في قلبه) 


وللمفارقة العجيبة ، وقعت علی عاتق الفاسق عاصم مُهمّة بناء البشريّة من جديد ! إذّ أهّلته خبرته وتجاربه العديدة مع النساء أن يسوق هذه الأغنام بلا عصا بغير تراخي ولا إفراط .. وساعده بهذا ، معرفته بنقاط ضعف النساء.. فلم تشرد منه نعجة منهنّ ولم تنشزّ ، كما يقال ..

هذا لأن الحياة عادلة ، كما أسلفنا .. فكان هو أحقّ رجلاً بهذا العبء  

^^^


ومضت الحياة علی هذا المنوال ، بسيطة دون تعقيد .. بالنهار يعملنّ كلاً حسب مُهمّتها .. وبالليل يجلسنّ حول عاصم علی الشاطيء .. يتسامرون .. وقد عقدوا مسرحاً صغيراً تُقدّم عليه كل فتاة فقرة من الرقص الشرقي الذي كان مُولعاً به .. وكنّ يتبارينّ ويتسابقنّ في إسعاده ونيّل رضاه ! بينما يفتل شاربه في حكمةٍ ورضا وهو يتنهّد على تضحيّته الجبّارة لبقاء النوع والفصيلة ، دون تذمّر ! 


الأحد، 25 أغسطس 2024

اللحظة الحاسمة

تأليف : امل شانوحة 

مفترق الطرق


خرجت مروى بكامل اناقتها لملاقاة حبيبها (ابن صاحب الشركة الذي تعمل لديه) وقبل ركوب سيارتها ، أوقفها ابن الجيران وليد وهو يقول بارتباك :

- اردّت إخبارك بشيء منذ سنوات

- ماذا تريد ؟ انا مستعجلة

وليد : انا أحببتك منذ الطفولة ، وأريد التقدّم لخطبتك


فنظرت اليه باشمئزاز كونه صاحب متجر أقمشة ، بينما تطمح للزواج من الثريّ الوسيم..

- آسفة يا وليد ، أنا مُرتبطة 

وقادت سيارتها ، بعد تحطيمها مشاعره الصادقة دون مبالاة !

***


بعد خروجهما من المطعم ، أمسكت يد حبيبها وهي تقول بدلال :

- متى ستخطبني يا لؤيّ ؟ فأهلي يضغطون عليّ للزواج بغيرك

- اذاً وافقي على العريس .. ماذا تنتظرين ؟


وقد استفزّتها إجابته الباردة ، مما اشعل حرباً كلاميّة بينهما .. ليردّ بلؤم :

- هل توقعتِ زواجي من موظفة بسيطة في شركة والدي ؟ لا عزيزتي .. أنا لن ارتبط إلاّ من طبقةٍ إجتماعيّة تناسب عائلتي الراقية

مروى بعيونٍ دامعة : وماذا عن وعودك السابقة ؟ 

لؤيّ بابتسامةٍ صفراء : كنت أتسلّى فحسب

فبكت بقهر ، وهي تعاتبه :

- ليتني لم احبك يوماً 

ليُجيبها بحقارة : 

- وانا لم احبك مُطلقاً !!


فنزل كلامه كالصاعقة على قلبها ، مُحطّماً احلامها ومستقبلها وثقتها بالرجال دفعةٍ واحدة !

وركبت سيارتها عائدة الى منزلها وهي منهارة بالبكاء ، وتنوي الإستقالة حتى لا تلتقي به مجدداً

^^^


وفي الطريق ، تذكّرت وليد .. فاتصلت به

ومن دون مقدّمات ، قالت له :

- انا موافقة على طلبك ، لكن لديّ شرطيّن

فنهض من سريره متفاجئاً من تغيّر قرارها !

وليد : وماهما ؟!

مروى : غداً صباحاً نذهب للمحكمة الشرعيّة لعقد القران

وليد بدهشة : غداً ! وماذا عن الأهل ؟

- نتزوّج اولاً ، ثم نخبرهم

- وما شرطك الثاني ؟

مروى : ان تكون لي غرفتي الخاصة .. يعني شهراً على الأقل 

- لم أفهم هذا الشرط !

- لأكن صريحةً معك .. كنت مُرتبطة بالفعل كما أخبرتك ، وانفصلنا قبل قليل

فسألها وهو يكتم غيظه : اذاً تريدين الزواج بي لتغيظينه ؟!

- لا موضوعه انتهى ، ومسحته من عقلي .. لكن قلبي يحتاج بعض الوقت لأنساه

وليد : حسناً كما تشائين .. وشقتي جاهزة

^^^


ونامت تلك الليلة وهي تشهق بالبكاء ، وتلوم نفسها على إخلاصها لأحمقٍ لم يقدّر حبها .. حيث تردّدت جملته القاسية في ذهنها مِراراً :((انا لم احبك مُطلقاً !!)) والتي كانت اللحظة الحاسمة ، ونقطة التحوّل في حياتها

***


في الصباح ، تلقّى لؤيّ إتصال من صديقه :

- تعال بسرعة الى المحكمة الشرعيّة ، فحبيبتك على وشك الزواج برجلٍ آخر

فردّ بنعاس : لا هذه تمثيليّة ، بعد رفضي الزواج بها البارحة 

- هي بالفعل ستتزوّج بعد قليل .. واتصلت بي لأكون شاهداً على زواجها من رجلٍ يُدعى وليد .. ونحن الآن بانتظار الشيخ.. سأرسل لك العنوان


فأسرع لؤيّ الى هناك .. فرغم عدم رغبته الزواج بها ، إلاّ انه غير مستعد للتخلّي عن حبيبته الفاتنة  

او بالأصح ، إعتبرها إهانة لإيجادها بديلاً عنه بهذه السرعة !

^^^


بعد موافقة العريس على الزواج .. سأل الشيخ مروى :

- هل تقبلين الزواج بوليد ؟


وكانت متردّدة بالإجابة ، الى ان رأت لؤيّ يطلّ من باب القاعة .. فنظرت اليه بلؤم وتحدّي ، وهي تُجيب الشيخ :

- بالطبع موافقة !!

الشيخ : اذاً أعلنكما زوج وزوجة


لتشعر مروى بالإرتياح بعد رؤية الصدمة واضحة على لؤيّ الذي لم يعتقد بخسارتها سريعاً !

^^^


وبعد ركوبها سيارة زوجها .. إنطلقا لشقتهما .. 

وفي الطريق ، لمحت سيارة لؤيّ تلحقهما .. فابتسمت ابتسامة النصر لجعل قلبه يحترق ، كما فعل معها البارحة 


وبعد صعودهما الى شقتهما بالطابق الأول .. طلبت من عريسها خلع قميصه اثناء غلقه ستارة الغرفة .. دون فهم وليد غايتها من ذلك ! فهو سينام بالغرفة الثانية (حسب شرطها) .. لكنها تعلم بأن لؤيّ يراقبهما اسفل العمارة ، وتريده أن يتأكّد بخسارتها تماماً ! 

^^^


وبالفعل عاد لؤيّ مقهوراً الى فيلا والده .. ليس لحبه لمروى ، بل لنجاحها بالإنتقام منه ! وهذا زاد من إنحرافه في الأسابيع التالية التي قضاها بالنوادي الليليّة ، مما أفقد والده اعصابه بعد خسارته مبلغاً ضخماً بلعب القمار .. فأخذ قراراً حاسماً بطرده من الشركة.. 

ولكيّ يوفّر لؤيّ المال لدائنيه ، تورّط بتوزيع المخدرات على اصدقائه من الطبقة المخمليّة !

^^^


في المقابل .. استمرّت مروى بالنوم في غرفتها ، بعيداً عن زوجها الذي تكفّل بأعمال المنزل مع عمله المرهق بالمتجر.. لكن إخلاصه لها ، لم يجعلها تحبه ! حتى الليلة التي سهر بها اثناء مرضها ، لم يحنّ قلبها له !


وفي يوم ، إتصل بها عامل المتجر لإخبارها بهجوم اشخاصٍ على زوجها دون سببٍ او مبرّر ! 

فأسرعت الى هناك ، لتجد لؤيّ يعطي الأوامر لضرب زوجها بوحشيّة ! فتوجّهت اليه :

- لويّ ايها اللعين !! لما تضرب زوجي ؟ دعهم يتوقفون حالاً!!

لؤيّ : هو يستحق الضرب لسرقته حبيبتي

ثم شدّ ذراعها ، لإدخالها عنوةً الى سيارته وهو يقول : 

- اعرف انك لم تتزوجينه بعد .. واريدك ان تُنهي التمثيليّة السخفية ، وتعودين اليّ !!

فصفعته وهي تصرخ غاضبة :

- انا حاملٌ منه !!

فتوسّعت عينا لؤيّ من الصدمة ، فهو كان متأكّداً من إخلاصها له !

مروى باشمئزاز : خذّ رجالك وابتعد عن زوجي وحياتي كلّها ، ايها التافه المدلّل !!

^^^


وبعد ذهابهم ، أعادت وليد الجريح الى المنزل .. ثم اقتربت منه لتداويه ، لكنه أبعد يدها مقهوراً مما حصل .. قائلاً بحزم :

- غداً نتطلّق ، فأنا لا ارغب أن اكون زوجاً على ورق .. رجاءً أُخرجي من غرفتي


وللمرّة الأولى شعرت بالخوف من خسارته ، فهي لا ترغب بالطلاق بعد تعوّدها عليه !

^^^


وبعد ساعة ، قدِمَ والدها للإطمئنان على صهره بعد علمه بالحادثة ! 

وبعد عشائهم سوياً ، شدّ يد وليد :

- انا فخورٌ بك ، وسعيد بأنك صهري .. فقد كنت قلقاً من تعلّق ابنتي بالغنيّ الفاسق .. انت أصبحت سندي ، يا بنيّ

فنظرت مروى الى زوجها بقلق ، ففهم عليها


وبعد ذهاب حماه ، أخبرها بتأجيله موضوع الطلاق ..

***


وفي الأيام التالية ، حاولت مروى تحسين علاقتها مع زوجها .. وصارت تهتم بأعمال المنزل ، وطبخ الأصناف التي يحبها.. لكنه ظلّ مُتحفّظاً معها ، لعلمه بأن قلبها ليس له !


الى ان جاء يوم .. اضّطرت اخته لوضع اولادها عنده ، وذهابها مع زوجها للمستشفى لإنجاب الطفل الرابع 


فاهتمت مروى ووليد بالأولاد الثلاثة .. لكنهما لم يستطيعا تهدئة الصغير الذي بكى طوال الليل شوقاً لأمه .. مما أجبرهما على إنامته بينهما في السرير ..


ليستيقظا فجراً ، بعد ان بلّل فراشهما .. فقاما بتحميمه وهما غارقان بالضحك 

وعندما رأت زوجها يهتم بالطفل بحنان ، قالت له : 

- ستكون اباً رائعاً يا وليد

- وانت ستكونين اماً حنونة لإبنك 

مروى : تقصد ابننا 

فنظر اليها بدهشة : أحقاً تريدين الزواج بي ؟!

- نعم ، فقد عرفت قيمتك بعد ان اوشكت على خسارتك

- وماذا عن اللعين ؟

مروى : زميلتي بالشركة أخبرتني بما حصل ِأله .. فقد قبضت الشرطة عليه بتهمة توزيع المخدرات .. وهو الآن بالسجن ، بعد تبرّي والده منه

- توقعت هذه النهاية للشاب الفاسد

- الحمد لله ان القدر وضعك في طريقي .. فلوّ تزوجته ، لطاردتني الصحافة بتلك الفضيحة

^^^


بعدها قرّرا الذهاب في رحلةٍ كشفيّة ، قرّبت المسافة بينهما بعد مشاركتهما ذكريات الطفولة والمراهقة .. فهما كانا مُقرّبان من بعضهما ، قبل عملها بالشركة وطمعها الزواج من ابن مديرها .. بينما احتفظ هو بحبها في قلبه ، رغم جفائها ! الى ان حنّت اليه اخيراً ، لتشابهما بالصفات والتربيّة الحسنة

***


وبعد سنوات.. وفي طريقها لإيصال ولديّها التوأميّن للمدرسة .. أوقفها رجلٌ بشعرٍ ولحيّةٍ طويلة .. فأخرجت بعض النقود لإعطائها للرجل المشرّد ، الذي قال لها : 

- انا لا اريد مالك يا مروى 

فنظرت اليه جيداً ، لتقول بدهشة :

- لؤيّ ! أهذا انت ؟!

- نعم ، خرجت من السجن قبل ايام

مروى : وماذا تريد مني ؟! 

- علمت بتحسّن اعمال زوجك ، وفتحه لمتجرٍ آخر .. واريد العمل لديه ، فوالدي يرفض استقبالي في منزله .. وانام في سيارتي منذ ايام .. رجاءً ساعديني

مروى : سأسال زوجي اولاً

^^^


وبالفعل وافق وليد على توظيفه في فرعه البعيد ، كيّ لا يقترب ثانيةً من زوجته التي تحمد الله الذي وفّقها بزوجٍ شهم ، وأبٌ حنون لولديّها .. بعكس لؤيّ الذي سيبقى عازباً لفترةٍ طويلة إثر حرمانه من الميراث ، بعد خسارته سمعته ولقب عائلته الراقيّة طوال حياته المزريّة !


الجمعة، 23 أغسطس 2024

حرقة قلب

تأليف : الأستاذ ساهر
تنسيق : امل شانوحة 

الرابط الأقوى !


في إحدى القريتيّن المتواجدتيّن في جبلٍ بإفغانستان .. ((نشأ إحسان وحيد ابويّه ، بجوار عائلة مكوّنة من أبويّن وثلاثة أخوات : من بينهنّ فتاة إسمها ياسمينا وهي الوسطىٰ ، وتعتبر أجمل بنات القرية.. بينما إحسان يكبُرها ببضعة شهور  


وقد اعتادا اللعب مع أطفال القرية وسط الحارة بكل براءة ، وهم يردّدان أهازيج الطفولة ..

وكانت الأسرتيّن تربطهما علاقة وطيدة .. والطفلان إحسان وياسمينا كثيرا القرب من بعضهما ، وكل أهالي القرية تشهد بذلك .. حيث ذهبا معاً الى المدرسة الإبتدائيّة المختلطة ، وإحسان وياسمينا يداً بيد وهو يحمل حقيبتها المدرسيّة.. 

^^^


وفي إحدى المرّات وبوقت الإنصراف .. سأله الأستاذ : من هذه يا إحسان؟

فأجابه ببراءة : هي أُختي 


فضحك عليه اصدقائه لمعرفتهم بمحبة ياسمينا له ، والتي اعتادت الإحتماء به كلما شعرت بالخوف او الحزن .. ولأنها معروفة بشقاوتها مع الصبيّة ، فقد تكفّل إحسان بحمايتها منهم .. مما جعل إخوتها يغرنّ منها لعدم تجاوبه معهن كما يفعل معها ، وتنفيذه لكل طلباتها دون مماطلة 

^^^


إلى أن وصلا للمرحلة الثانويّة ، ومشاعرهما لم تتغيّر بل زادت قوّةً وصلابة.. حيث رفض إحسان الأكل الا من حلويات ياسمينا التي برعت بإعدادها .. 

فأرادت الأسرتان خطبة إحسان وياسمينا ، لتكتمل الفرحة التي طالت إنتظارها ..فكانت الصدمة بجواب إحسان لوالديّه : 

- لكن شعوري نحو ياسمينا بأنها أختي الصغيرة فحسب !

فظن والداه انه خجولٌ منها ، وأنها مسألة وقت حتى يتجاوز تلك المرحلة


بينما حزنت ياسمينا من بروده المفاجئ اتجاهها ، ظانّة بعشقه لغيرها ! بالرغم أن مشاعر إحسان نحوها لم تتغيّر ، فهو يحبها منذ الطفولة .. لكن ليس كما تظن هي وأهلهما ! 

***


مرّت السنوات ، وكبر الشابان .. وإحسان مازال مُتحفّظاً اتجاه ياسمينا التي مازال يعتبرها كأخته .. بينما هي تفيض شوقاً له ، وترفض الزواج بغيره 


فظنّت القرية إن رفضه الزواج بها هو بفعل سحرٍ او حسد .. وانتشرت إشاعة بحبه لفتاةٍ اخرى ، او كونه شاباً لعوباً او يعاني من مشكلةٍ نفسيّة ..وصولاً بأنه شخصٌ مخادع تلاعب بمشاعر ياسمينا التي احتارت بين عقلها وقلبها !

^^^


الى أن جاء يوم فقدت فيه اعصابها بعد إخباره بتقدّم عريسٍ لها ، فشجّعها على القبول به ! وصارت تضربه وتخدشه ، وهو يحاول تهدأتها بأنها غالية على قلبه وحزنها يقهره ! فحاولت تذكيره بطفولتهما وذكريات الماضي ، ليحنّ قلبه لها .. 


فقال لها بحنان : 

- الزوجة تُقيّم بالمهر والذهب ، وإن افترقت عنها بالطلاق او الخصام يكون لديّ بديل ، فالدنيا مليئة بالنساء .. لكن أنتِ بمنزلة الأخت التي لا تعوّض ولا تُقدّر بثمن ، ولن يأخذ أحد مكانتك في قلبي 


ثم قبّل رأسها وهو يحاول إقناعها بأن الإنسان لا يختار أحاسيسه ، وأن شعوره نحوها هي مشاعر الأخ لأخته الصغرى 

فتسمّرت نظرات ياسمينا متوهّجة في عين إحسان لفترةٍ طويلة ، حتى ذرفت الدموع دون نطقها بكلمةٍ واحدة))

***


ظلّ الوضع متوقفاً بينهما ، الى أن أُقيم حفلٌ شعبيّ يُقام كل عشر سنوات لجمع العشّاق الشباب وتزويجهم على يد الشيخ الوحيد بالقرية ، بحضور الأهالي 


وفي منتصف الحفل ، قدمت سيدة (معروفة بانعزالها عن الجميع ، والبعض يصفها بالمجنونة) لتخبرهم بشيءٍ صادم !

مُعلنةً بصوتٍ جهوريّ : 

- لن يتزوّج احدٌ منكم ، لأنكم جميعاً إخوة بالرضاعة !!

فسألها احد الأباء بعصبية : هل عيشك وحدك أفقدك صوابك يا امرأة؟!

السيدة : لا أظن الجميع يعرف قصتي .. فأنا بصبايّ أحببت شاباً من القرية المجاورة ، قبل النزاع الكبير الذي حصل بين رئيس قريتنا وقريتهم ، واللذان آمرا بقطع الطرق بيننا بالأسلاك الشائكة .. وبذلك حرموني من حبيبي ! وبعدها زوّجني اهلي من رجلٍ جلِف ، طلّقني وسافر للخارج بعد موت طفلنا قبل سنوات .. ولأني عُرفت بحليبي الغزير ، قمت بتجميعه وتثليجه .. ثم وزّعته كمثلّجات على كل اولادكم من عمر السنتيّن حتى 12 سنة .. واستمرّيت في ذلك على مدى ايام ، لهذا جميعهم إخوة !!


فسأل الأهالي الشيخ بقلق : 

- اليس المفترض ان تكون الرضاعة طبيعيّة ، وان تكون بعددٍ مُشبع؟ 

الشيخ بارتباك : أظن في الأمر شُبهة ! والأفضل ان لا يتم الزواج بينهم 

فقال احد الأباء المتديّنين : انا لن أُزوّج ابني من بنات القرية ، لخوفي الوقوع بالحرام

السيدة : وهذا هدفي !! لأنكم مُجبرون الآن على إزالة الحواجز بيننا وبين القرية المجاورة .. فنحن وهم الوحيدين القاطنين هذا الجبل .. فإما ان ينقرض نسلكم ، كما حصل معي .. او تمشوا مسافة اميال ، لتزوّجوا اولادكم من القرى الأخرى .. القرار لكم !!


وتركتهم عائدة الى منزلها برأس الجبل ، تاركةً الأهالي حائرين من سبب قيامها بتلك الحيلة الخبيثة : هل رغبةً منها لإنهاء الخلاف بين القريتيّن الذي دام لسنوات ، ام هو إنتقام لحرمانها من حبيبها ؟! بجميع الأحوال نجحت في تدمير قلوب العاشقين المُرهفة ! 


((وفي خضمّ الهرج والمرج الذي حصل بالحفل ، أخذ إحسان ياسمينا جانباً ليقول لها:

- ارأيتي لما رفضّت خطبتك ؟ الآن بتنا إخوة بالفعل .. وسأكون سندك طوال حياتي ، يا اختي الصغرى)) 


لتعود ياسمينا حزينة الى بيت اهلها ، كبقيّة العشرين شاباً من اهل قريتها الذين ناموا تلك الليلة غارقين بدموعهم بعد ان كسرت المرأة المجنونة قلوبهم للأبد !


وريث الشيطان

تأليف : امل شانوحة  تربية امي وقف مراهقٌ عربي (18 سنة) أمام عجوزٍ اوروبيّ ، داخل مكتبٍ فخم وهو يرتجف خوفاً .. بعد اختطافه من رجالٍ مجهولين ،...