السبت، 12 مارس 2022

العفويّة البريئة

تأليف : امل شانوحة 

طريق النجوميّة


بعد سماع ريمي (الثلاثينيّة) لحادثةٍ طريفة حصلت مع ممثلٍ مشهور بوسامته خلال إحدى مقابلاته التلفازيّة ، قامت بتحويلها لقصةٍ رومنسيّة نشرتها في موقع مخصّص للكتّاب المبتدئين .. وأرسلت رابط القصة لإيميل الممثل ، لإخباره بذلك من باب الأمانة الأدبيّة.. 

***


بعد إسبوعين .. تفاجأت برسالةٍ منه على إيميلها ، يطلب مقابلتها في مطعمٍ فاخر لمناقشتها بموضوع القصة !


ورغم ضيق احوالها الماديّة ، إلاّ انها استطاعت شراء طقماً رسميّاً لمقابلته في الموعد المحدّد

***


في المطعم .. إستقبلها الممثّل (الخمسيني) ببرود وهو يدخن سيجارته بغرور ، ويحدّثها عن صعوبة مهنة التمثيل .. وانه بالعادة لا يقبل القصص السخيفة التي لا تناسب مكانته وشهرته ، وانه استقبلها لدعم موهبتها الصاعدة


وقد ضايقها حديثه المتغطرس عن نجاحاته وإعجاب الفتيات به .. وانه تنازل لاستقبالها بمكانٍ عام ، فهو بالعادة يستدعي من يشاء الى قصره !


وأخذا يتناقشان بأمور الفن .. فأخبرته برأيها عن السينما الحديثة وكرهها للأفلام الهابطة ..

فردّ بثقة : هذا ما يطلبه الجمهور


ريمي : ربما كلامك صحيحاً في زمن السبعينات ، لكننا في عصر لم يعد المشاهد المتحرّر (كما وصفته انت) يُضيّع ساعتين من وقته لرؤية مقطعٍ قذر من 5 دقائق ، بوجود قنوات مخصّصة لتلك المواضيع .. أمّا بالنسبة للمشاهد الصالح ، فلن يرغب برؤية الفيلم بسبب مقطعه اللاّ أخلاقي الذي لا يضيف شيئاً لحبكة القصة .. فلما تصنعون تلك الافلام ، ولمن ؟ خاصّة اننا بزمنٍ انتهت فيه قيمة التلفاز والسينما بوجود وسائل التواصل الإجتماعي .. لهذا أقترح التعاون بين الكتّاب والمنتجين والمخرجين والممثلين لإصلاح الفكرة السائدة عن السينما العربية .. ففي حال أنتجنا افلاماً هادفة ، ربما نُحسّن الوضع في بلادنا العربية ، فالإنسان بالعادة يقلّد ما يراه .. كما انني ارى ...


الممثل مقاطعاً :

- انت تبالغين بخيالك المثاليّ .. اساساً نحن نمثّل لأجل المال فقط ، ولا يهمّنا رأيّ الجمهور

ريمي بخيبة أمل : يبدو أن حماسك الفنّي انطفأ بعد وصولك لمبتغاك الماديّ ، وتنازلت عن رسالتك بمحاكاة آلام الشعب وأوجاعه  !

الممثل : لا يوجد شيء اهم من المال ، والتسلية مع النساء الجميلات


فشكرته على استقباله لها ، ووقفت مُودّعة .. لتجده يرمي ظرفاً بحقارة فوق الطاولة ، وهو يضع قدماً فوق الأخرى ويقول بلؤم :

- هذه مكافأة ماديّة عن قصتك المتواضعة


مما أفقدها اعصابها ، خاصة انه معروف بزير النساء ..فقالت بحدّية وهي تنظر اليه معاتبة :

- أنصحك بالتعامل مع الفتيات الرخيصات ، طالما لم يعلّمك اهلك كيف تتصرّف مع بنات الناس المحترمين.


وأعادت له النقود .. وأخذت معطفها على عجل للخروج من المطعم.. فأمسك يدها ، للإعتذار عن تصرّفه الغير لائق 

الممثل بارتباك : كنت اريد فقط ..

فأبعدت يده بعنف ، وهي تقاطعه بحزم :

- إيّاك التفوّه بكلمةٍ واحدة !!


فأسرع حارسه بالوقوف في وجهها .. فصرخت عليه :

- إبتعد عن وجهي انت الآخر !!

فأشار له الفنان بتركها وشأنها


فخرجت غاضبة من المطعم.. ليُسرع الفنان الى سيارته ، وهو يطلب من سائقه الّلحاق بها ، بعد أن رآها تمشي مستعجلة على الرصيف


وحين وصلا قربها ، أخفض الممثل زجاج سيارته المظلّلة :

- دعيني على الأقل اوصلك الى منزلك

فنظرت لسائقه ، وهي تأمره بحزم :

- إكمل طريقك في الحال !!


وأسرعت بإيقاف سيارة اجرة ، للعودة الى منزلها..

فطلب الفنّان من سائقه الّلحاق بها.. فسأله السائق باستغراب :

- لما تهتم بتلك الفتاة الوقحة ؟!

الممثل بعصبية : إلحق بها دون جدال !!


وحين وصلا لمنطقةٍ شعبيّة ، قال السائق بقلق :

- سيدي ، أخشى قيادة سيارتك الفارهة في الطرقات الضيّقة .. خاصة إن هذه المناطق مليئة باللصوص


وحين لمحها الممثل من بعيد تنزل من سيارة الأجرة ، قال لسائقه :

- حسناً اوقف السيارة هنا ، سأتّبعها سيراً على اﻷقدام


ولحقها وهو يضع نظّارته السوداء ويلفّ وجهه بالشال كيّ لا يعرفه احد ، كما أبقى على مسافةٍ بينهما


ليجدها تدخل في زقاقٍ ضيّق ، لكنها توقفت بعد رؤيتها لقطةٍ عالقة فوق الشجرة .. فقالت بحنان :

- كيف ستنزلين اﻵن ايتها الفضولية ، هل انت خائفة ؟

ومدّت ذراعيها نحوها..

ريمي : هيا إقفزي !!

فقفزت القطة في حضنها .. فأخذت تمسّد فروها وهي تقول :

- يبدو انك عالقة منذ مدةٍ طويلة ، هل انت جائعة ؟ سأشتري لك السردين من البقالة ، إنتظريني في الخارج


وخرجت من البقالة بعد قليل ، لتضع لها الطعام.. ثم تركتها متوجهة الى عمارتها .. كل هذا والممثل يراقبها من بعيد ، ليراها وهي تسأل البوّاب :

- أيوجد كهرباء يا عم ابراهيم ؟

- لا ، انقطعت قبل قليل 

ريمي بضيق : حسناً سأصعد الأدراج ، كان الله في عوننا 


وبعد دخولها العمارة .. إقترب الممثل من الحارس ليسأله عنها ، فأجابه :

- هي من عائلةٍ كريمة ، والجميع يحبهم ويحترمهم في العمارة


وبمديح الحارس ، شعر الممثل بالفضول للّحاق بها .. فأضاء جوّاله لصعود الأدراج المظلمة


حين وصلت ريمي للطابق الخامس ، سمعت شخصاً ينهجّ بالطابق الثالث ! فظنّت انه جارها العجوز .. فانتظرته لربما احتاج إضاءة ، لتتفاجأ بالممثل خلفها !

ريمي بدهشة : هل لحقتني الى هنا ؟!

فأجاب الممثل بتعب : أرهقتني يا بنت

- ولما لحقتني ؟

- لأعتذر منك

فسألته بتهكّم :

- هل ضميرك يعذبك لهذه الدرجة ؟

الممثل : أتدرين انك الوحيدة التي عاتبتني على غروري منذ بداية شهرتي حتى الآن

فسألته باستغراب :

- وهل أعجبك هذا ؟!


الممثل : نعم ، فأنت ذكّرتني بأصلي الطيب الذي نسيته بعد معاشرتي للناس السوء الذين لم ينصحوني يوماً للتوقف عن افعالي المتغطرسة .. (ثم أخرج ظرف المال من جيبه) .. الن تغيّري رأيك ، يبدو انك بحاجة للمال

- لا انا بخير

- حسناً لنتفق على شيءٍ آخر.. الم تسأليني بالمقابلة إن كنت أفكر بتمثيل دورٍ دراميّ بدل الرومنسيّ ؟

ريمي : نعم ، ولديّ القصة المناسبة لك

- اذاً إرسليها لأقراها 

- سأرسلها على إيميلك السابق

الممثل : لا هذا ايميل سكرتيري ، سأعطيك ايميلي الخاص

وقامت بتسّجيله في جوالها.. 


وهنا سمعا صوت شخصٍ يلهث في الطابق الرابع ! فقالت ريمي ممازحة :

- هذا حارسك ، يبدو انه عجوز اكثر منك

الممثل : لا ، حارسي ينتظرني خارج المنطقة


وهنا ظهر وجه الحارس وهو يحمل جواله :

- أخيراً لحقت بك سيدي

فقال ريمي للممثل مُبتسمة :

- الم اقل لك

ثم قالت للحارس :

- ساعد معلّمك للخروج من المبنى ، وانا سأكمل صعودي للطابق 8 

الممثل :

- لا تنسي القصة يا ريمي

ريمي : سأرسلها الليلة ، لا تقلق

***


في مسابقة البحث عن ممثلي لأدوار الفيلم .. أصرّ الممثل (البطل) على قدوم ريمي لاختيار بطلتها..


وبعد مقابلتها خمسين سيدة ، لم يعجبهما احد ! خاصة إن معظمهن قمن بعمليات تجميل ، واحداث فيلمها تدور في زمن الثمانينات


فاقترح الممثل عليها : 

- ما رأيك أن تكوني انت البطلة ؟

ريمي بدهشة :

- لم أمثّل من قبل !

- الست كاتبة القصة ؟ وأكيد تخيّلتي طريقة تمثيلها


وصار يقنعها الى ان وافقت ، لتتحقّق أمنيته ببقائها بجانبه بعد أن اثارت اهتمامه بشخصيّتها القويّة ، فهي الوحيدة التي عاملته كشخصٍ عادي دون اكتراثها بشهرته الواسعة في الوطن العربي

***


مع بدء تصوير الفيلم .. بدا الإنسجام واضحاً بين البطلين في جميع المشاهد التصويريّة ، بعد إتقان ريمي دورها الأول بشكلٍ أثار إعجاب فريق العمل ، خاصة في الأحداث الغاضبة والحنونة ضمن الفيلم الدرامي

***


بنهاية الفيلم .. فاجأها البطل وهو يجثو على ركبته امام الجميع ! ويرفع الخاتم اليها ويسألها :

- هل تتزوجينني ؟

فنظرت ريمي للمخرج بدهشة :

- أهذا جزء من الفيلم ؟!

فأكمل الممثل كلامه بابتسامةٍ حنونة :

- لا عزيزتي ريمي ، انتظر هذه اللحظة منذ بداية التصوير .. رجاءً أجيبيني ، فركبتي بدأت تؤلمني

فأجابت ممازحة : ومن يرفض العجوز المغرور ؟ موافقة طبعاً


وألبسها الخاتم ، وسط تصفيق وزغاريد الممثلين .. وتمّ تصوير اللحظة لوضعها في ختام الفيلم .. 

ليتفاجأ الجمهور والصحافة بخطبة البطل الذي أعلن في جميع مقابلاته التلفازيّة السابقة : عن رفضه الزواج ، وحبه للعلاقات العابرة وعشقه للحريّة المطلقة !

***


بختام عرض الفيلم .. أضيئت السينما ، ليشاهدوا البطلين يجلسان في المقدّمة بجوار المخرج الذي قال للحضور :

- باركوا للعريسين الّلذين قطعا شهر عسلهما ، ليشاهدا معكم العرض الأول للفيلم الدراميّ 


فصفقوا لهما ، وهم سعداء بهذا الزواج بعد شعورهم بالعواطف الجيّاشة للبطلين داخل الفيلم ..

***


لاحقاً أكمل البطلان مسيرتهما المهنيّة ، بالتمثيل معاً في عدة افلامٍ ناجحة من تأليفها .. حيث حرصت أن تكون مواضيعها أخلاقيّة ، أعجبت الجمهور الذي شجّع على هذا النوع من الأفلام الهادفة .. حتى أصبحت ريمي وزوجها أيقونة الحب العفوي البريء في السينما العربية !


الجمعة، 11 مارس 2022

الدليل المشبوه

كتابة : امل شانوحة 

المتهمة البريئة 


في ليلةٍ باردة ، تفاجأت جاكلين بالشرطة تقبض عليها بتهمة قتل حبيبها !

ورغم صدمتها بالخبر وبكائها المرير في مركز الشرطة ، إلاّ أن المحقّق لم يصدّق تمثيلها بعد شهادة الجيران على خلافٍ كبير وقع بينها وبين الشاب قبل ايامٍ من مقتله .. 

فتمّ توقيفها لحين صدور نتيجة تحليل الشعرة الطويلة الشقراء التي وجدوها على قميصه الملطّخ بالدماء ، بعد أن غُرزت سكينة مطبخ في قلبه !

*** 


في اليوم التالي .. ظهرت نتيجة المختبر ، لتؤكّد أنها شعرتها حسب فحص (DNA) ممّا تسبّب لها بصدمةٍ عنيفة ! فلم تتوقف عن الصراخ والبكاء ، الى أن حُقنت بإبرةٍ مهدئة .. لتُنقل بعدها الى سجن النساء في انتظار محاكمتها ..

***


لاحقاً عيّنت عائلة جاكلين محامياً بارعاً لتخليصها من الورطة ، والذي تكلّم معها في غرفة التحقيق بإدارة السجن .. حيث بدت شاحبة بعد نقص وزنها ، بسبب رفضها تناول الطعام في القاعة المشتركة !


فقال المحامي :

- إخبريني بكل شيء يا جاكلين ، كيّ اساعدك 

فمسحت دموعها وهي تقول بقهر :

- نعم تشاجرت معه قبل ثماني ايام من وفاته ، بعد أن أخبرني بمقابلته لصديقةٍ قديمة

- من هي ؟

جاكلين : لم يقلّ شيئاً عنها ! فقط وصفها بالفتاة العنيدة التي رفضت الإنفصال عنه .. وانه قابلها بعد نيّتها الإنتحار ، لعلمها بعلاقته الجدّية معي  

- هل اخبرها عنك ؟

- يبدو ذلك 


المحامي : وهل اعتبرته خائناً بذهابه لمنزلها ؟

- بالتأكيد !!

المحامي : الا يمكن انك ذهبت الى منزله ذلك المساء للإنتقام ..

جاكلين مقاطعة : لا !! لم افعل .. بقيت وحدي في المنزل 

- وماذا فعلتي ليلتها ؟

- تابعت وسائل التواصل الإجتماعي ، في محاولة لنسيانه .. صدّقني انا اقول الحقيقة .. اساساً لما اقتل حبيبي الذي وعدني بالزواج ؟


المحامي : هل خطبك ؟

- أخبرني إنه سيحلّ مشكلته مع الفتاة المجنونة اولاً ، قبل تقدّمه لخطبتي .. وأظنها القاتلة ، فهو بدى خائفاً منها ! 

المحامي : اذاً كيف تفسّرين وجود شعرتك على قميصه الجديد ؟ فصاحبه أكّد انه اشتراه حين ذهبا معاً للسوق ، قبل يومٍ واحد من وفاته .. وأنت تنكرين مقابلته طوال الإسبوع قبل وفاته !

- ربما نام على الكنبة ، وعلقت شعرةٌ قديمة لي على قميصه .. لا ادري ! 


المحامي : إحتمال وارد .. (ثم بحث بالأرواق التي امامه ، قبل أن يقول).. اريد تنبيهك منذ الآن ، انه يوجد دليلين قويين ضدّك : الشعرة ، وشهادة الجيران بعلاقتكما المتوتّرة قبل وفاته.. رغم وجود دليلٌ ثالث يحتفظون به في ثلّاجة المختبر ! ورفض المحقّق إخباري عنه ، والذي بسببه لم يتم محاكمتك حتى الآن .. المهم !! سأقوم بجهدي لإخراجك من هنا ..

- رجاءً ساعدني ، فأنا لا استطيع البقاء في هذا المكان الموحش اكثر من ذلك 

- سأحاول .. آه على فكرة ، سمحوا لك بمقابلة اهلك

جاكلين بارتياح : اخيراً !! لم ارهم منذ يوم الإعتقال .. اين هم ؟

- سأذهب لمناداتهم  

***


وبعد خروجه من الغرفة .. دخل والداها بعينيهما المحمرّة من البكاء ، ومعهما اختها الصغيرة التي تتعالج من السرطان

فقالت معاتبة : ما كان عليكما إحضارها ! فالسجن مكانٌ غير نظيف ، ومناعتها ضعيفة 

فأجابتها الطفلة بحماس : كنت اريد أن اريك شعري الجديد !!  


وهنا تذكّرت جاكلين شيئاً مهماً ! .. وأخبرت اهلها بأن زميلتها ديانا (التي توظّفت حديثاً في محل البيتزا التي تعمل فيه) أصرّت على أخذها لمصفّفة شعر تعمل في محلٍ بعيد عن منطقتهم ! بحجّة انها بارعة بتحويل شعرها الى باروكة لأختها الصغيرة الصلعاء .. وانها لمحت الكوفيرا تضع شعرها المقصوص والمشط في كيسٍ جانبيّ .. كما لاحظت ديانا تُحدّث الكوفيرا بصوتٍ منخفض ، وهما يشيران للكيس كأنهما يخطّطان لشيء !


فسألها والدها : أتظنين بأن الشعرة التي وجدوها فوق جثة حبيبك ، مأخوذة من عند الكوفيرا ؟!

جاكلين : أظن ذلك !

الأم : ولما تقوم ديانا التي تعرفينها منذ شهرٍ واحد ، بالإتفاق مع الكوفيرا ضدّك ؟!


فعادت وتذكّرت جاكلين اليوم الذي قدم فيه حبيبها الى محل البيتزا ، لرؤيتها قبل اسبوعين من وفاته .. وكيف اسرعت ديانا بترك المحاسبة والإختباء في الحمام حتى رحيله !


فقالت لوالديها : الآن عرفت لما أصرّت على العمل معي بذات القسم ! أظنها نفس الفتاة التي حاول خطيبي التخلّص منها .. 

الوالد : أمتأكدة من ذلك ؟ فأنت توجّهين اتهام القتل اليها 

جاكلين : هي أخبرتني سابقاً أنها أحبّت شخصاً بجنون .. وبعد انفصالهما ، حاولت الإنتحار ! لولا تدخل اختها الكبيرة لإنقاذها باللحظة الأخيرة قبل شنق نفسها

الأم : أتعتقدين إن الكوفيرا اختها ؟

جاكلين : ابي .. إن كان المحامي ينتظركم خارج الغرفة ، فدعه يدخل لأخبره بمعلوماتي الجديدة


وقبل خروج عائلتها من الغرفة ، التفتتّ الأم وهي تقول : 

- حاولي تذكّر كل شيء يا جاكلين ، فكل تفصيلة ولوّ صغيرة قد تنقذك من هذه الورطة

جاكلين : سأفعل !!

***


بعد إخبارها المحامي بشكوكها ، قال لها :

- هل أنت من اقترحت باروكة الشعر لأختك الصغرى ؟

جاكلين : يا الهي ! تذكّرت .. حين قدمت اختي مع والدايّ الى محل البيتزا ، سألتني ديانا بعد رحيلهم عن سبب فقدان اختي لشعرها ؟ فأخبرتها بعلاجها الكيميائيّ 

المحامي : وحينها اقترحت عليك موضوع الباروكة ؟

- نعم ، وأصرّت على أخذي بنفسها لتلك الكوفيرا

- اذاً سأبحث عن علاقتهما .. فإن كانت اختها بالفعل ولديها علاقة سابقة بخطيبك ، نكون مسكنا طرف الخيط 

***


لم يكن صعباً على المحامي كشف علاقة الأخوّة بين ديانا ومصفّفة الشعر من خلال اوراقهما الرسميّة في مدرستهما الإبتدائيّة.. 

أمّا مهمّته الأصعب : فهو إثبات انها ذات الفتاة المجنونة التي حاول خطيب جاكلين التخلّص منها .. لهذا ذهب الى دوريّة المرور لمراجعة الفيديوهات السابقة لحركة الطريق في يوم الجريمة .. 


وبعد بحث لساعاتٍ طويلة ، اكتشف توقف سيارة ديانا البيضاء (بعد التأكّد من رقمها) قرب مبنى القتيل ..

وبتقريب الصورة : لاحظ المحقّق إخفائها شيئاً لامعاً في جيب معطفها ، اثناء صعودها الى شقته ! 

كما صوّرتها كاميرا المبنى وهي تخرج من هناك ، بعد نصف ساعةٍ فقط .. وبيدها كيساً اسوداً ، يبدو لإخفاء اداة الجريمة !

***


بضوء الأدلّة الجديدة ، تمّ استدعاء ديانا للتحقيق .. ورغم أخذهم بصماتها ، لم تشعر بالإرتباك ، فهي وضعت القفّازات يوم الجريمة .. دون إدراكها بأن حبيبها السابق جرح ذراعها ، اثناء طعنها له.. وأن المختبر احتفظ بالجلد الذي وجدوه تحت ظفره في ثلاّجتهم لحين معرفتهم الجاني الحقيقي ، والذي تطابق مع جيناتها .. 


وبذلك ألغى القضاء دليل الشعرة ، بعد اعتراف الكوفيرا بمساعدتها أختها ديانا بهذا الموضوع .. وتمّ سجنهما بحكمين مختلفين : حيث حصلت ديانا على السجن 20 سنة بتهمة القتل العمد .. بينما حصلت اختها على السجن لسنةٍ واحدة ، لمساعدتها اختها بتوريط جاكلين بالجريمة .. 

***


بعد خروج جاكلين من السجن ، بدأت حملة توعيّة على قناتها على اليوتيوب لتنبيه الناس : بعدم التخلّص من اظافرهم المقصوصة او شعرهم  او ملابسهم القديمة ، وحتى العلك الممضوغ في أماكن مشبوهة ، كيّ لا يستغلّها ضعاف النفوس لسحرهم او توريطهم بجرائم لا علاقة لهم فيها !


*****

ملاحظة :

القصة مستوحاة من أحداثٍ حقيقية ، لقاتلة لبست باروكة اثناء ارتكابها الجريمة .. فتمّ سجن صاحبة الشعر الأصلي التي تبرّعت به للمصابين بالسرطان ، لولا اكتشاف الحقيقة بعد سنة من سجنها ظلماً!

الأربعاء، 9 مارس 2022

كوخ المحبة

كتابة : امل شانوحة

القاضي الشرعي


إجتمع اهل العروس والعريس عند القاضي في المحكمة الشرعيّة لطلاق ولديهما بعد شهرٍ واحد من زواجهما !


ليلاحظ الشيخ المشاعر الغاضبة من الآباء ، والتزام الزوجان اليافعان الصمت وعيونهما تفيض من الدمع ، كأنهما مُجبرين على إطاعتهم بالإستعجال بالطلاق ..


وبعد سماع الشيخ شكوى الأهالي التي تلخّصت بمشاكل ماديّة وعدم الإيفاء بوعود الزواج ، طلب منهم التحدّث بانفراد مع العريسين .. فخرجوا وهم ينظرون لولديهما بنظراتٍ قاسية مفادها ((إيّاكما التراجع عن القرار المتفق عليه)) !


وبعد خروجهم اخيراً من مكتبه ، سأل الشيخ العريس اولاً :

- بنيّ ، أتريد فعلاً تطليق زوجتك ؟

فردّ الزوج : هي أغضبت امي ..

الشيخ مقاطعاً : بنيّ توقف !! صحيح لديك واجبات اتجاه أهلك ، لكن زوجتك ايضاً لها حقوق عليك : ومنها استقلالها في بيتها دون تدخل اهلك بكل كبيرةٍ وصغيرة .. وهذا واجبكما انتما الأثنين ، لا تخبرا اسراركما لوالديكما فهم عاشوا حياتهم ، وحان دوركما لبناء عائلةٍ سعيدة


فطأطأ العريس رأسه بحزن ، فوجّه الشيخ سؤاله للعروس :

- وماذا عنك ؟

فأجابت العروس : هو اتفق مع والدي على دفع بقيّة المهر بعد الزواج ، ولم يفي بوعده حتى اليوم !

الزوج : شيخي .. كنت أخذت إجازة من عملي بمناسبة زواجي ، وهذا يعني انني لن احصل على راتبي هذا الشهر .. ثم المبلغ الذي طلبه عمي كبير ولا يمكنني دفعه إلاّ بالتقسيط ، فأنا موظفٌ بسيط بالدولة

الزوجة مُعاتبة : ما كان عليك الموافقة بشرط والدي منذ البداية

الزوج : خفت أن يرفض زواجي بك

الشيخ : ارأيتِ ابنتي .. هو وافق على كتابة الشرط المالي كيّ لا يخسرك ، وهذا دليل على حبه لك 


العروس بحزن : والآن ماذا افعل ؟ والدي مُصرّ على عودتي الى منزله

الشيخ : شرعاً عليك طاعة زوجك اولاً

الزوج : هذا ما حاولت إفهامها إيّاه

الشيخ : وانت ايضاً .. لا تخبر والدتك بأسرارك الشخصيّة ، فتفضح زوجتك امامها

الزوج : امي ارادت الإطمئنان بأن زوجتي لم تقصّر بحقوقي عليها

فتنهّد الشيخ بضيق : يبدو انكما تصرّان على حشر اهلكم بالموضوع ، دون أن تستوعبا خسارة الفرصة بنموّ حبكما بالعشرة الطيبة والأبناء الصالحين

فسكتا كلاهما بحزن ..


فأكمل الشيخ كلامه : يبدو عليّ التدخل لحلّ مشكلتكما بنفسي .. سأؤجل الحكم للغد

الزوج : الن تطلقنا اليوم ؟!

الشيخ : لا ، اريدكما الحضور غداً لوحدكما ..فإن قدمتما مع اهلكما ، سأؤجّل الجلسة لأجلٍ غير مسمى .. اريد امتحان قدرتكما على كتمان السرّ

الزوج بقلق : لكنهم سيسألوننا عن قرارك بعد خروجنا من مكتبك !

الشيخ بحزم : إخبروهم إن الجلسة تأجّلت ، وأنني سأحدّد موعدها التالي بعد اتصالي بكما .. المهم ان تأتيا غداً بمفردكما ، هل كلامي مفهوم ؟!!

فردّ كلاهما : حاضر شيخي


وفور خروجهما من المكتب .. سحب الأب ابنته من ذراعها بعنف ، لأخذها الى بيته (رغم اعتراض عن زوجها) !

***


في الصباح التالي .. إستطاعت العروس الخروج من منزل اهلها بحجّة شرائها بعض الحاجيات .. والتقت بزوجها للذهاب معاً للشيخ الذي استقبلهما في مكتبه ، وقدّم لهما الشايّ اثناء مناقشته مشكلتهما الراهنة

***


بعد ساعتين .. إستيقظ العريسان وهما يجلسان على أريكتين امام المدفأة في صالةٍ صغيرة ، بكوخٍ جبليّ بعيداً عن بقيّة المنازل المجاورة !


فحاول الزوج الخروج من الكوخ لمعرفة المنطقة المحتجزين فيها ، ليجده مقفلاً بإحكام من الخارج !

زوجته بخوف : مالذي يحصل ؟! كيف وصلنا الى هنا ؟

زوجها : لا ادري ! كل ما اذكره انني شعرت بدوار في مكتب الشيخ

- وانا كذلك .. من برأيك احضرنا الى هنا ؟ ولماذا ؟

- لا اعلم شيئاً

زوجته : الا يمكنك كسر الباب ؟

- حاولت ، يبدو انه مقفل بالسلاسل من الخارج !


وبعد عجزهما الهرب من المأزق ، لم يعد امامهما سوى اكتشاف الكوخ الصغير.. وتساءلت الزوجة بقلق :

- ترى هل يوجد طعامٌ هنا ؟!


ودخلا المطبخ الصغير ، ليجدا الثلاجة مليئة بالمنتجات الأساسيّة ! كما وجدا شوالات الحبوب والزيت والعسل في المخزن .. وهذا يعني ان باستطاعتهما البقاء في الكوخ لشهرين على الأقل ..

كما وجدا الأخشاب المقطّعة المخصّصة للمدفأة التي ستحميهما من برد المساء ..


ولم يتواجد في الكوخ سوى غرفة نومٍ واحدة .. حتى الصالة ليس فيها كنبة طويلة او سجّاد على الأرض ، وهذا يعني إن عليهما مشاركة الغرفة ..

***


مرّ الوقت ببطء دون وجود تلفاز ، او جوّالاتهما التي يبدو انهما نسوها في مكتب المحكمة الشرعية !


وعندما شعرا بالجوع ، تشاركا في تحضير الغداء وهما يتذكران حماسهما اثناء فرش منزلهما قبل حفلة الزفاف .. وكيف الأمور ساءت بعد اسبوعٍ واحد من عرسهما ! وتساءلا إن كان حقوداً سحرهما ، او كانت عينٌ حاسدة أفسدت حياتهما الزوجيّة ؟!


وأمضيا السهرة امام المدفأة وهما يتسامران عن طفولتهما واحلامهما .. وعن اجمل واسوء الحوادث التي مرّا بها في حياتهما ، كأنهما يتعرّفان على بعضهما للمرة الأولى !

***


بحلول المساء اشتدّت البرودة ، فاضّطرا مشاركة الفراش بعد اسبوعٍ من انفصالهما عن بعضهما .. لتتلاقى اعينهما التي فاضت بالدمع من الشوق والحنين ، لكنهما لم ينسيا مشاكل اهلهما وتهديداتهم إن فكرا بالعودة ! فخافا التصالح دون إذنهم .. 

ولإعتقادهما أن احدهم سينقذهما غداً ، فضلا الإلتزام بمساحتهما الضيّقة على السرير الصغير.. وأدارا ظهورهما ، محاولان مسك دموعهما ومشاعرهما الجيّاشة اتجاه بعضهما !

***


في الصباح ، لم يصل احد للكوخ كما توقعا .. واستغربا بأن اهلهما لم يسألا الشيخ عن غيابهما ! وهل هو من قام بخطفهما ؟ ام انهما خرجا من مكتبه ، وتمكّن سائق الأجرة من تخديرهما بطريقةٍ ما ؟ .. فهما لا يتذكران شيئاً !


ومرّت الأيام .. ومازال الحبيبان يتجنّبان البوح بمشاعرهما العاطفيّة المكبوتة ! حيث اكتفيا بمساعدة بعضهما بالطبخ واعمال المنزل وإجراء محادثات هادئة بينهما ..

***


في الإسبوع التالي ، لم يستيقظ الزوج باكراً كعادته ! فاقتربت زوجته من  سريره ، لتجده ينهج بتعب .. فوضعت يدها على جبينه ، لتشعر بحرارته المرتفعة .. فخافت أن يكون أُصيب بالحمّى ، وحاولت كسر النافذة للخروج منها وجلب المساعدة ، لكن الزجاج ضدّ الكسر !


فلم يكن امامها سوى الإهتمام به طيلة اليوم عن طريق إعدادها الحساء الصحّي ، وتغيّر الضمّادات الباردة على جبينه الساخن


وبدوره استشعر حنانها ولطفها وخوفها عليه ، وتذكّر إعجابه بها منذ النظرة الأولى ليوم خطبتهما التقليديّة .. كما تذكّر نصائح الشيخ بأن عليه تسيير حياته بعيداً عن تدخل الأهل ، فهو قائد منزله والمسؤول عن رعيته


واثناء اهتمامها به ، فاجأها بمسك يدها بحنان وهو يغازلها بكلامٍ لطيف .. ووعدها بالمحافظة على اسرار بيته ، ووضع الحدود لتدخل الأقارب في حياتهما ، وأن يحميها من ظلم الناس وقساوة الحياة..

وبدورها وعدته بالتنازل عن مؤخّرها الذي يُطالب به والدها ..

وتعاهدا انه مهما كبرت المشاكل بينهما ، أن يحلاّها بمفردهما ..


ومنذ تلك الليلة عادت الأجواء الرومنسيّة بينهما ، ليعيشا شهر عسلٍ جديد بعيداً عن تنغيصات الأهل بزياراتهم المتكرّرة واسئلتهم الفضوليّة المدمّرة .. ويعود الوئام بينهما اقوى من السابق بعد اتفاقهما على اساسيات الزواج ، ورسم الحدود الواضحة للأقوال والأفعال التي يكرهانها في تصرّفاتهما القادمة ، حتى انهما اتفقا على اسماء ابنائهما المستقبليّة !


وكلما تحدثا سوياً ، اكتشفا صفاتهما المشتركة ! وبهذا لم يعدّ الكوخ سجناً كما كان في اﻷيام الماضية ، بل بات جنتهما التي انقذتهم من قرارهما المتهوّر الذي سيندمان عليه بمرور الوقت

***


بعد شهر .. إستيقظ الزوجان ، ليجدان ورقة معلّقة فوق المدفأة ! مكتوباً فيها :

((الباب مفتوح ، يمكنكما الذهاب .. ستجدان سيارة مستأجرة بالخارج ، فيها وقود يكفي لأعادتكما الى منزلكما الزوجيّ .. والأفضل أن لا اراكما في مكتبي ثانيةً ، مفهوم !! .. التوقيع : شيخ المحكمة الشرعيّة))

***


في مكتب الشيخ ، سأله مساعده :

- ما اخبار العريسين العنيدين ؟

- إنصلح حالهما والحمد الله

- كيف عرفت يا شيخي ؟!

الشيخ : لأن اهلهم قدموا إليّ غاضبين ، بعض رفض ابنائهما متابعة اجراءات الطلاق .. فلم يكن امامي سوى نصحهم بتركهما وشأنهما ، خوفاً من عقاب الله

- وهل فهموا ذلك ؟

- لا طبعاً .. لهذا هدّدتهم بفرض ضريبة على مخالفة اوامر المحكمة ، وحينها وعدوني بعدم التدخل بحياة الزوجين  


المساعد : الجميع يخاف العقوبة الماليّة.. أتدري يا شيخي ، لديّ فضول لمعرفة كم عائلة أنقذتها من الطلاق بحيلة الكوخ ؟

- ثلاثون زوجاً حتى الآن ، جميعهم خدّرتهم بالشايّ .. ليقوم حارسي الضخم بوضعهم في السيارة المظلّلة ، وأخذهم الى كوخي الجبليّ المجهّز بكل شيء .. فهم بالعادة يتصالحون خلال شهرٍ واحد ، بعد أخذ جوّالاتهم لمنعهم من الإتصال بأهلهم وأصدقائهم

- وهل ستتابع فعل ذلك ؟

الشيخ : فقط بالحالات التي ارى فيها فرصة للصلح .. فالسجن المؤقت أفضل من اتخاذهم قراراً يندمون عليه العمر كلّه 

المساعد بفخر : بارك الله فيك ، وكثّر من امثالك يا شيخيّ الجليل


الأحد، 6 مارس 2022

الذاكرة المشوّشة

تأليف : امل شانوحة 

 

اصوات ذهنيّة


- ريمي استيقظي !!

كان صوتاً يشبه صوت أختها ! سمعته ريمي واضحاً في أذنها وهي تعدّ قهوتها الصباحيّة ، حتى اوشك الفنجان على السقوط من يدها من فزعها ! فهي تعيش وحدها في شقتها الصغيرة في سكن المعلّمات .. 

فتساءلت بقلق:

- هل باتت شقتي مسكونة ؟!


وبعد انهاء قهوتها.. إنشغلت بإعداد فطورها الصحيّ..

- كم الساعة الآن ؟

ونظرت لساعة الحائط ، لتجد عقاربها غير واضحة !

- يبدو نظري ضعف بعد سن الأربعين .. عليّ زيارة طبيب العيون في أقرب فرصة

***


وأكملت يومها بترتيب غرفتها ومتابعة وسائل التواصل الإجتماعي في يوم عطلتها ، فهي معلّمة فنون في مدرسةٍ ابتدائية .. 


وبحلول العصر .. ارادت إستغلال وقت فراغها للحديث مع خطيبها المغترب الذي سافر قبل ست سنوات لتوفير الأقساط الشهريّة لمنزلهما (الذي فرشته على ذوقها) .. كما دفع تكاليف عرسهما الذي قارب موعده ، لهذا حرصت على طعامها ولياقتها البدنيّة لتبهره بجمالها .. 


وبعد عدّة إتصالات ، قالت باستغراب :

- لما لا يردّ عليّ ؟! أمازال في عمله حتى الآن ! .. اذاً سأتصل بصديقتي ندى للذهاب للمول ، وشراء بقيّة الجهاز


وقبل الإتصال بها .. سمعت صوتاً آخر في أذنها ، يقول باكياً :

- لينتقم الله من الخائنين الّلذين حطّماك حبيبتي 


فوقع الجوّال من يدها ! فهي تكاد تجزّم انه صوت امها التي لم ترها منذ شهرين بسبب ضغوطات العمل .. 


وقد ضايقها سماعها للأصوات الذهنيّة ، فصرخت بعلوّ صوتها غاضبة :

- هل يراقبني احد من كاميرا خفيّة ؟ هل تخفون مكبّر صوت في مكانٍ ما ؟ هذا ليس مضحكاً ابداً !!


وبحثت في ارجاء منزلها عن جوّال او مسجّل ، أخفته إحدى المعلّمات اللآتي قدمن قبل فترة في زيارةٍ جماعيّة لتهنئتها بقرب موعد زفافها.. لكنها لم تعثر على شيء !


فغيّرت ملابسها للخروج من شقتها ، بعد أن ضاق صدرها بما حصل !

***


وكان الوضع اكثر غرابة خارج المبنى ! فقد تحوّلت السماء الى ضبابيّة وغائمة ، رغم نهاية فصل الربيع .. كما اصبحت وجوه الناس شاحبة بشكلٍ مُقلق !

فقالت ريمي بخوف :

- يا الهي ! عليّ الذهاب لطبيب العيون في الحال ..


ثم توجهت للشارع العام لإيقاف سيارة اجرة .. لتلاحظ أن الشارع أصبح طويلاً للغاية ، والذي خلا من السيارات والمارّة .. كما أغلقت جميع المحال التجاريّة ابوابها على التوالي !  

- مالذي يحصل معي ؟ هل أُصبت بالهلوسة ؟!


وهنا سمعت صوتاً مألوفاً يناديها من الخلف :

- رجاءً ريمي ، إفتحي عينيك

لترى معلّم الرياضة البدنيّة (زميلها في المدرسة) يبكي بقهر !


فاقتربت منه ، لتسأله :

- لما تبكي يا فؤاد ؟!

فلم يجبها ، بل اكمل كلامه الحزين :

- لم يكن يستحقك ذلك التافه ، هو باعك بالرخيص ..وكذلك صديقتك الخائنة .. هما يتشابهان بالخبث ، لهذا أبعدهما الله عنك.. رجاءً إستيقظي لأجلي ، فأنا أحببتك منذ البداية


وجاء كلامه صادماً ! فهي لم تتوقع مشاعره نحوها .. فهي لطالما اعتبرته اخاً وصديقاً وفياً ، دون علمها بحبه الذي أخفاه لسنوات.. ولماذا يخبرها الآن بعد اقتراب موعد زفافها ؟!


وفجأة ! شعرت بألمٍ شديد في يدها .. فرفعت كمّ القميص ، لتُصعق بدماءٍ تخرج من جرحٍ عميق في معصميها ، حوّلا فستان عرسها للون الأحمر


ريمي بصدمة : لحظة ! لم البس الفستان اليوم ولم اكن في الحمام ، بل بالشارع العام ، فكيف عدّتُ الى شقتي ؟ ومن جرح يدايّ ؟ واين فؤاد ؟! كان هنا قبل قليل !


وإذّ بها تشعر بقبلةٍ دافئة على وجنتها ، تبِعتها دمعةً ساخنة سقطت على جبينها !

فحاولت فتح عينيها بصعوبة ، وكأن احدهم ألصق جفونها بالصمغ القويّ !


وخلال ثوانيٍ تغيّر كل شيء .. حيث امتلأت شقتها بالمياه ! وهي تشعر بثقلٍ في قدميها منعها من الحِراك او السباحة للأعلى ..الى أن غرقت ببطء اسفل الماء ، مُحاولةً الحفاظ على ما تبقى من انفاسها ..

 

وحين نظرت لقدميها ، وجدتهما مقيدتيّن بالسلاسل التي تمسك طرفهما صديقتها ندى ! اما خطيبها فكان يطفو على سطح الماء .. فمدّت ذراعها نحوه .. فالتفت اليها بوجه المهرّج المخيف ، وصار يضحك بصوتٍ مرتفع وهو يغرقها بقدميه للأسفل !


وحين أوشكت على الموت ، رأت صديقها فؤاد يسبح نحوها .. ويفكّ السلاسل للصعود بها الى السطح !


وهنا سمعت تنهيدات حزينة واصوات بكاء تملأ غرفتها ، فقرّرت فتح عينيها بكل ما اوتيت من قوة ..  

وما أن فعلت ، حتى صرخ والدها منادياً الطبيب بفرحةٍ عارمة :

- دكتور !! ابنتي استيقظت اخيراً من غيبوبتها


لتجد نفسها في غرفة العناية المركّزة ! ومعصميها مُضمّدتين بالشاشّ الطبّي .. 

فأزالت قناع الأكسجين عن فمها ، وهي تسألهم بتعب : 

- اين انا ؟ مالذي حصل ؟!

فأجابت اختها الصغرى بحزن :

- حاولتي الإنتحار بقطع شرايين يدك 

ريمي بصدمة : ولماذا انتحر قبل ايام من زواجي ؟!

فسكتوا جميعاً..


فإذّ بذكرياتها تعود اليها ! وتذكّرت خطيبها الذي فاجأها بقدومه من السفر ، لحضور حفلتها في سكن المعلّمات .. واتصل بها مساءً ليخبرها بإعجابه بزميلتها ندى التي حصل على رقم جوالها ، وانه سيكلّم اهلها لتحديد موعد زفافهما !

فسألته بقلق عن الصالة والمعازيم ومنزلهما التي جهّزته بنفسها ؟ 

فأجابها بلؤم : 

- لن يتغيّر موعد العرس ، فقط ستتغير العروس.. سأرسل اختي غداً لأخذ الهدايا التي ارسلتها لك سابقاً .. كما سأغيّر قفل منزلي ، فلا تحاولي زيارتنا ..


فاتصلت سريعاً بندى لمعرفة رأيها بهذه المهزلة ؟ 

فأخبرتها أنها لحقت به الى المصعد بعد خروجه من الحفلة .. وتكلّما اسفل المبنى لساعتين ، وقرّرا الزواج بعد التخلّص منها .. 


وكانت خيانتهما صادمة لريمي ! لدرجة انها لم تعيّ بنفسها وهي تأخذ المُشرط الى الحمام لقطع معصميها ، بعد كتابة ما حصل في ورقة الإنتحار .. 

ولم تجدها الناظرة إلاّ صباحاً وهي غارقة في دمائها .. وبسبب خسارتها الكثير من الدماء ، إستمّرت غيبوبتها ثلاثة اسابيع ! 


وهنا انهارت ريمي بالبكاء امام اهلها الذين طالبوا الممرّضة بإعطائها ابرة مُهدئ.. 

ففاجئهم فؤاد بقوله لها بحزم : 

- كفى يا ريمي !! هما لا يستحقان دموعك .. انا من احببتك لخمس سنوات دون علمك .. واريد الزواج بك في اقرب وقتٍ ممكن ، لأنه لا يمكنني العيش دونك لحظةً واحدة

ثم نظر لوالدها الذي كان مصدوماً ممّا سمعه :

- عمي ، انا اطلب يد ابنتك .. ومنزلي جاهز ، وسأهتم بها لحين شفاء يديها وتحسّن نفسيّتها تماماً


فسألته امها بدهشة : أتحبها لهذه الدرجة ؟!

فؤاد : أحببتها منذ اليوم الأول لتعيّنها في مدرستي .. لكنها كانت مخطوبة ، فكتمت حبها في صدري لأعوام .. وعندما علمت بما حصل ، زرتها في المستشفى كل ليلة بعد رحيلكم .. 


فتذكّرت ريمي كيف أنقذها من الغرق في غيبوبتها .. كما دفاعه المستميت عنها بمشاكلها مع ادراة المدرسة وزميلاتها ، دون ادراكها بحبه الكبير لها!


فنظرت لوالدها :

- وانا موافقة .. (ثم نظرت اليه) .. لكن ليس الآن يا فؤاد ، احتاج بعض الوقت لشفاء نفسيّتي المحطّمة  

فؤاد بحنان : سأنتظرك العمر كلّه

ريمي : فقط شهر او شهرين .. كما قرّرت ترك العمل 


فؤاد : لا بأس ..اساساً وصلني عرض عمل في دولةٍ عربية ، وكنت متردّداً بقبوله ..

ريمي : السفر جيد ، فأنا لا استطيع مواجهة الناس لإخبارهم بسبب إنفصالي عن خطيبي السابق

الوالد : أيعني هذا انك موافقة على السفر مع فؤاد بعد الزواج ؟

ريمي : نعم ابي ، اريد الإبتعاد لفترة عن ذكرياتي السيئة هنا .. رغم انني سأشتاق اليكم

الأم : لا بأس حبيبتي ، المهم صحّتك وسعادتك 

***


بعد شهر من شفائها ، أقيم عرسٌ عائليّ .. وسافرت مع زوجها فؤاد للغربة .. 

بينما تطلّق خطيبها السابق وصديقتها بعد عام من زواجهما ، بسبب خيانته المتكرّرة لها ! 

وهذه المرة لم تهتمّ ريمي لأمرهما .. وتابعت حياتها مع زوجها المحبّ ، وهما ينتظران ولادة طفلهما بفارغ الصبر ..

الخميس، 3 مارس 2022

حبيب الغربة

كتابة : امل شانوحة 


 

الوفاء بالوعد 


اجواءٌ ربيعيّة دافئة .. نهرٌ متدفّق .. مناظر خلاّبة .. كل شيء جعله يركض بنشاط لممارسة رياضته الصباحيّة للحفاظ على رشاقته ، فهو مغني مشهور تميّز بوسامته وصوته الجبليّ المميز ، بالإضافة لغروره وعلاقاته المتعدّدة !


وكان متحمّساً في ذاك الصباح لاكتشاف جمال البلد الأوروبي الذي يزوره لأول مرة لتصوير فيديو لأغنيته الجديدة ..

 

وبعد ركضه لساعاتٍ متواصلة , توقف بعد أن أنهكه التعب .. فنظر للخلف ، ليتفاجأ بابتعاده مسافةً كبيرة عن الفندق ! كما انه نسيّ إحضار نقوده وجوّاله ! 

فقال بنفسه بامتعاض : ((كيف سأعود الآن ، وبالكاد أقف على قدميّ))


فحاول الرجوع بخطواتٍ ثقيلة وهو ينهجّ بتعب .. وتمنّى لوّ احد المارّة يعطيه شربة ماء .. فهو رغم ثرائه الذي جمعه بسنٍ صغيرة ، إلاّ انه بتلك اللحظة شعر باليأس وبعض الخوف لعدم إتقانه لغة البلد .. كما إن كرامته منعته من شحذ الماء من الغرباء ..


وفي غمرة يأسه .. شاهد صبيّة تشرب الماء وهي متوجّهة نحوه ، والتي لاحظت تعبه وإرهاقه .. فاقتربت منه وهي تسأله بلغته : 

- أتريد الماء ؟

فسألها بارتياح :

- انت عربيّة ؟

- نعم ومن بلدك .. إشربها كلّها ، فأنت تبدو متعباً

ومن شدّة عطشه شرب القارورة دفعةً واحدة..

- يا الهي ! كدّتُ اموت من العطش


الصبيّة : هل سيارتك قريبة ؟ 

- لا ، سيارتي المُستأجرة مازالت في موقف الفندق الذي لا أذكر اسمه!

- أرني ساعتك الرياضيّة ..


وبعد رؤيتها المسافة التي قطعها ، قالت باستغراب :

- مشيت 5 كيلو ! مسافةً طويلة .. اذاً اكيد حجزت بالفندق الفلاني ، فهو الأقرب للنهر ..

المغني : أبهرتني المناظر الخلاّبة 

- كان عليك توفير طاقتك للعودة من حيث اتيت 

المغني : هذا خطأي

- اذاً دعني أعيدك للفندق ، فسيارتي قريبة من هنا

- لا اريد إزعاجك

الصبيّة بابتسامة : نريد خدمة لفنّاننا الكبير ، هيا بنا

***


في السيارة ، قالت له :

- لن ادير جهاز التكييف ، كيّ لا تصاب بنزلة برد 

- أشعر بالحرج من ملابسي المبلولة 

- لا بأس ، سأنظّف السيارة لاحقاً .. هل جوّالك معك ؟

المغني : تركته في غرفة الفندق

فنصحته قائلة : لا تخرج ثانيةً دون جوّال ، فالأجانب لا يساعدون احداً ..

***


في الطريق ، تأخّر وصولهما للفندق بسبب شرطة المرور .. فقال لها بضيق : 

- عليّ الإتصال بمدير اعمالي ، فهو ينتظرني للذهاب معه الى مكان تصوير الأغنية.. والمشكلة انني لا اذكر رقمه ، او رقم مكتب الإستقبال للوصول لغرفته ..

- حسناً سأبحث بجوجل عن رقم الفندق 


وبعد أن وجدته ، أعطته جوّالها وهي تقول :

- فقط إضغط هنا ، لتكلّم مع إدارة الفندق

- لا أعرف لغتهم 

الصبيّة : يا رجل ! جيد انني وجدتك ، وإلاّ لكانوا اختطفوك بسبب.. 

- غبائي

- بل لسوء حظّك .. دعني أحدّث موظّف الإستقبال ، ما اسم مدير اعمالك ؟


وبعد أن أخبرها ، أوصلها الموظّف بغرفة صديقه .. ثم أعطته الجوّال ليقول لمدير اعماله : 

((أعرف انني تأخّرت ، هآ انا قادم .. لا ، لن استطيع الذهاب مباشرةً لموقع التصوير .. سأستحم اولاً ثم انام ساعتين ، فقدمايّ تؤلماني جداً .. سأذهب الى هناك عصراً .. إعتذر من فريق التصوير بالنيابة عني .. سأكون بالفندق بعد قليل ، سلام))

***


بعد إيصاله للفندق ، نزل من سيارتها مسرعاً .. فوضعت أصبعيها على أذنها وفمها (بإشارةٍ ليعيد جوّالها الذي مازال بيده) .. فظنّ انها تطلب التواصل معه .. فقال لها :

- سأتصل بك قبل نومي

فردّت غاضبة : 

- أتظنني إحدى فتيات الفندق !.. أعطني جوّالي !!


فأعاده إليها ، وهو يعتذر عن سوء التفاهم الذي حصل ! 

فأسرعت بالعودة للطريق العام ، وهي مازالت غاضبة من سوء ظنّه بها !

فشعر بخطئه ، لكنه كان مستعجلاً لمتابعة جدول اعماله المزدحم 

***


في الصباح التالي .. سمع المغني طرقاً على باب غرفته ! ليجد الصبيّة تعطيه ساعته المخصّصة للرياضيين ، وهي تقول بوجهٍ مُتجهّم :

- نسيتها في سيارتي 

- آه ! كنت ابحث عنها 


وبعد ان أعطته إيّاها ، توجهت للمصعد للخروج من الفندق .. فأسرع بإيقافها :

- لحظة !! اريد شكرك عن البارحة

- شكرتني بطريقتك المستفزّة

المغني : لم أقصد ما فهمته ! كنت أعني انني أنهي اعمالي مساءً ، وحينها أتصل بك .. اساساً لم ارك من الفتيات الرخيصات ، ولا ادري لما خطرت ببالك هذه الفكرة ؟!

- لأنك معروف بزير النساء ..

- توقفي رجاءً.. سافرت الى هنا للعمل ، ولا وقت لديّ لتلك التفاهات 


الصبيّة بلؤم : إذاً حلّلنا سوء التفاهم .. إبتعد عن المصعد ، لأذهب في حال سبيلي

- ليس قبل موافقتك على الفطور معي .. إختاري أيّ مطعمٍ تريدينه

- لا أحب الذهاب الى أماكن بعيدة مع رجلٍ غريب

المغني : اذاً لنفطر في صالة الفندق ؟

- حسناً ، كوب شايّ فقط

- إتفقنا .. هيا بنا

***


ونزلا للطابق السفليّ ، حيث يتواجد بوفيه مفتوح من الفطور الشهيّ ..وأصرّ بأن تأكل شيئاً ..


وبعد جلوسهما على الطاولة ، قالت ممازحة :

- إن اكلت ما في صحنك ، ستُعيد الوزن الذي خسرته البارحة

المغني : آه صحيح ، لم أنتبه .. اذاً سآكل التوست الأسمر والبيض المسلوق فقط


وأخذا يتحدثان عن احلامهما ودراستهما وطفولتهما ، والأوضاع الراهنة في بلدهما .. 

وبدورها أخبرته عن غربتها بعد موت والديها في الحرب ، وعيشها سنتين في منزل عمها ، قبل عملها كمعلمة للإهتمام بأخويها الّلذين تزوجا منذ سنوات ، لتبقى وحيدة في منزلها القريب من النهر ..

 

المغني : ولما لم تعودي للوطن يا نوال ؟

- اخوايّ يعيشان هنا ، ولا استطيع تركهما

- وماذا لوّ طلب زوجك أن تسافري معه ؟

نوال : أظنني كبرت على الزواج ، فأنا بأواخر الثلاثينات 

- لا تفكّري هكذا ، فالنصيب لا يعرف عمراً محددّاً.. (ثم نظر من النافذة) .. ما رأيك لوّ نتمشى قليلاً امام النهر ؟

- يبدو أعجبك منظره ؟ 

المغني : كثيراً ، وأفضّل الذهاب معك كيّ لا أتوه مجدّداً 


نوال : الست مشغولاً بعملك ؟

المغني : أنهينا التصوير البارحة  

نوال وهي تُخفي قلقها : أيعني هذا انك ستعود للوطن ؟

- بعد اسبوع .. والآن لنذهب ، فالجوّ جميلٌ بالخارج

***


وخلال الإسبوع .. تحدّثا بالجوّال كلما سنحت لهما الفرصة ، والتقيا عند النهر لمشاهدة الغروب معاً .. ومع الوقت شعرا بتشابه ظروف حياتهما ، وطريقة تفكيرهما وشخصياتهما المتقاربة .. 


وفي اليوم الأخير .. سألها إن كان باستطاعتها تحمّل حياة المغني الضاغطة وعمله المستمرّ وسفره الدائم للحفلات ، وقلّة تواجده في المنزل في حال رغب الزواج بها .. فوافقت ، بشرط عدم خيانته لها ..فقرّر تمديد سفره لمقابلة عمها وأخويها لخطبتها .. 

***


في الموعد المحدّد .. جهّزت نوال نفسها وهي في قمّة السعادة لتحقّق حلمها ، فهو مغنّيها المفضّل التي تابعته منذ بداية مشواره (دون إخباره بذلك)...لكنه صدمها بعدم حضوره الّلقاء المتفق عليه! 


وحين اتصلت بالفندق ، أخبروها بسفره المفاجىء .. ليتحطّم أملها بعد أن أحرجها امام عائلتها ..

***


بعد ايام .. ارسل رسالةً خطيّة تقول :

((أعتذر منك ، كان عليّ السفر في الحال .. فوالد حبيبتي السابقة أخبرني إن ابنته أخفت حملها عنّي ، وانها على وشك الولادة.. فأردّت التواجد في المستشفى ، لإجراء فحص الأبوّة .. واليوم ظهرت النتيجة .. ولست نذلاً يا نوال للتخلّي عن طفلتي .. سأتزوج امها رغم إنتهاء مشاعري نحوها ، لكن لا اريد لإبنتي أن تكبر دون والديها .. آسف ، لا استطيع الإيفاء بوعدي .. أتمنى أن تجدي عريساً أفضل مني .. سامحيني))

وجاء الخبر صادماً لها ! ولم تستطع يوماً تجاوزه

***


بعد سنوات .. عرفت من الإنترنت إن المغني طلّق زوجته ولديه طفلتين ، وإنها طلبت الإنفصال بسبب خياناته المتعدّدة .. فحمدت ربها انها لم تتزوجه ، وحاولت المضيّ بحياتها بإشغال نفسها بالعمل

***


بعد شهور من طلاق الفنّان ، وقف امام النهر الأوروبي في المكان ذاته الذي التقى فيه نوال .. دون أن يعلم إنها تجلس خلفه على مقاعد الحديقة إلاّ بعد رميها حجرةً صغيرة على رأسه !

وحين التفت ، قالت له بحنق :

- ثماني سنوات وأربعة اشهر ويومين .. أتريدني أن اخبرك ايضاً بالساعات التي مرّت على يوم خذلانك لي ؟ 


فجلس امامها ، وعيونه تدمع من الحنين :

- واخيراً وجدتك يا نوال .. أتدرين انني سافرت الى هنا عدة مرات ، لأقف كل يوم بنفس المكان على أمل ان اراك ..فأنا مازلت اذكر إن منزلك قريب من هنا

نوال : كنت ارسلت لك عنوان منزل عمي سابقاً  

- لم تصلني الرسالة !

- آه صحيح ، ارسلتها للفندق .. كيف حالك ؟

المغني : حزينٌ جداً


نوال : هل بناتك مع امهما ؟

- نعم 

- ما كان عليك خيانتها 

المغني :الرجل لا يخون حبيبته

- الم تكن تحب طليقتك ؟

- كنت في الماضي ، وانفصلت عنها بسبب مشاكلها الكثيرة التي ازدادت بعد الزواج 

نوال : يعني لوّ كنا تزوجنا انا وانت ..

- لما خنتك ابداً .. فانت تشبهينني بكل شيء

- إلاّ علاقاتك المتعدّدة 


فتنهّد المغني بضيق : انا ايضاً كنت مخلصاً مثلك ، لكن كثرة صدماتي العاطفية جعلتني غير مبالي بمشاعر المعجبات .. اما انت ، فمازلت اشعر بالذنب اتجاهك .. رجاءً إخبريني انك لم تتعرّفي على احدٍ غيري

- لا تقلق ، فبسببك كرهت كل الرجال  

المغني بارتياح : ممتاز !! 

نوال باستغراب : أيسعدك هذا ؟!

- نعم ، فأنا أنوي جبر خاطرك .. والآن أعطيني عنوان عمك ثانيةً؟ 

- لا ، هذه المرة سآخذك اليه بنفسي .. فأنا لا أثق بوعودك


المغني : أتقصدين الآن ؟!

- هل انت متردّد بشأن..

مقاطعاً : لا ابداً .. (ثم وقف وهو يقول بحماس) .. دعينا نذهب !! لكن لنمرّ اولاً على محل مجوهرات لشراء الخواتم قبل ذهابنا اليه 

نوال بابتسامة : بدأت تعجبني 

***


فور إعلان الفنان زواجه من سيدة خارج الوسط الفنّي ، حتى أرسلت طليقته إبنتيه بحجّة إكمال دراستها ! بنيّة هدم زواجه من شدّة غيرتها ..

 

لكن نوال تقبّلت الأمر ..وأخبرته انها على استعداد للعيش مع بناته ، فهي معلمة ابتدائي ولديها خبرة بتربية الأطفال والتعامل معهم


وبالفعل تزوجا بحفلةٍ عائليّة .. وعاشا حياةً سعيدة مع ابنتيه ، ومع طفله الذي أنجباه بعد عام .. ولأول مرة تخلّى المغني عن الكثير من عاداته السيئة ، بعد أن أغرقته نوال بحبها وحنانها الّلذان يشبهان كلمات اغانيه المشهورة .. ليتربّع على عرش الموسيقى بعد تلقيبه : بملك الرومنسيّة دون منازع !  


الثلاثاء، 1 مارس 2022

الطفل الداخلي

تأليف : امل شانوحة 

 

الرهاب النفسي


ذاع صيت طبيبٌ نفسيّ في مقتبل العمر ، عقب إيجاده طريقةً سرّية لعلاجٍ فعّال وسريع لأصحاب الفوبيات المستعصية .. 

ورفض إطلاع الأطباء والصحافة على إسلوبه الغير إعتياديّ الذي اكتشفه من خلال إتقانه لعلم الطاقة الذي طبّقه على نفسه اولاً ، مُتمكّناً بواسطته إظهار نفسه بهيئة ولدٍ صغير بعقليّته الطبيّة ، لإجراء حوارٍ طفوليّ وعلاجيّ مع طفل المريض الداخليّ ! 


ولتسهيل المهمّة ، ملأ الغرفة المجاورة لعيادته بألعابٍ تناسب اطفالاً من عمر 3 الى 12 سنة ، وهو السن الذي تتكوّن فيه العقد النفسيّة التي تستمرّ طوال العمر !  

***


وفي ذلك النهار.. إستقبل الطبيب اولى مرضاه التي رفضت الإستلقاء على الكنبة قبل مسحها بالمطّهّر .. 

من بعدها بدأت تفضّفض عن ضيق عائلتها من وسوستها الزائدة بالنظافة 


فسألها الطبيب :

- متى بدأت المشكلة ؟

- لا اذكر بالضبط ! كل ما اعرفه انني أخاف الجراثيم التي اراها في كل مكان

الطبيب : أظنك تعانين من مرض ((جيرموفوبيا)) .. سأقوم بتنويمك مغناطيسيّاً لأعرف منشأ المشكلة ..


وأمرها بالتنفّس المنتظم ، وهو يردّد عليها عباراته المُهدّئة .. الى ان استرخت اعصابها ، لتغفو بهدوء ..


فوضع يده على رأسها ، مُحاولاً سحب طفلها الداخليّ .. 

وبعد تركيزٍ شديد .. خرجت طفلةٌ صغيرة من جسدها ، مُسرعةً نحو غرفة الألعاب ..

 

واثناء انشغالها بالدمى ، ظهر الطبيب بهيئة طفلٍ من جيلها .. واقترب منها لمشاركتها اللعب .. وبعد إطمئنانها بوجوده معها في الغرفة ، سألها :

- لما تمسحين اللعبة بالمطهّر ؟

- لأنها وسخة 

الطبيب (بصورة الطفل) : من قال ذلك ؟! 


فسكتت بحزن ، قبل أن تقول :

- امي أخبرتني إن رائحتي كريهة بعد سقوطي بفتحة الصرف الصحيّ بعد عودتي من المدرسة .. لكنه ليس ذنبي ، فأحدهم ازال غطائها الحديديّ !

الطبيب : هل تأذّيت وقتها ؟

- كانت يدي مجروحة .. لكن امي لم يهمّها سوى تحميمي بعنف ، وهي مُشمئزّة من رائحتي .. ورمت ملابسي في النفايات ، لعدم رغبتها بلمس القاذورات 


فاقترب منها ليشمّ شعرها : لكن رائحتك جميلة بالفعل  

المريضة : هذا لأني أستحمّ مرتين في اليوم ، ومع ذلك لا اشعر بنظافتي 

- كم بقيتي في المجارير ؟

- ساعة لحين قدوم الإسعاف .. ومازلت اذكر الرائحة الكريهة  

- لكنك نظيفة الآن 

المريضة : لا !! لست كذلك 

- بلى !! مرّ وقتٌ طويل على الحادثة .. والجراثيم الموجودة في الصرف الصحّي ، ماتت جميعها 

- بل دخلت جسمي !!


الطبيب : لوّ فعلت لأصبتِ بالعديد من الأمراض ، لكنك بخير ..هات المطهّر من يدك

- لا استطيع الذهاب لأيّ مكانٍ دونه !

الطبيب : إسمعيني جيداً ..ليست كل الجراثيم سيئة ، فبعضها تقويّ المناعة

- لكنها تُمرضني ! لهذا اتناول الكثير من الأدوية

- لا بأس من المرض ، فهو يقتل الكريات المهترئة من الدم البيضاء 

- لم افهم ! 


الطبيب : تخيّلي دمك كموظفين في شركة .. ومن وقتٍ لآخر يُرسل الدماغ مساعده الذي يخبره بعدم إرسال المزيد من الكريات البيضاء لأن عدد الموظفين كاملاً ، دون اهتمامه بأن بعض الكريات أصبحت هرمة وضعيفة .. وعند دخول الجراثيم المُسبّبة للمرض ، تقتل اولاً الكريات العجوز .. حينها يضّطر المساعد لإخبار الدماغ بإرسال البدلاء من الكريات الدم الشابة والقويّة  

- الهذا نخرج من المرض أقوى ممّا كنا ؟

الطبيب : بالضبط !! لهذا لا تخافي من المرض .. وكما أخبرتك سابقاً ، انت نظيفةٌ للغاية.. (ومدّ يده لها) .. هات المطهّر من يدك ، ودعينا نلعب بحرّية..

ولأول مرة لعبت الفتاة بسعادةٍ غامرة ، كأيّةِ طفلة في مثل عمرها ..


بعدها اعادها الطبيب الى جسمها الكبير النائم .. عقب استرجاع هيئته الشابة ، قبل إيقاظها من التنويم المغناطيسي .. 


واول شيءٍ فعلته : أن رمت المطهّر في سلّة النفايات ، وهي تشكره على إحساسها المريح الذي لم تشعر به منذ مدةٍ طويلة (دون معرفتها بما حصل في غرفة الألعاب !)

***


أمّا مشكلة المريض الثاني : فهو رفضه للنوم مساءً !

وحينما أغميّ عليه في الشارع من شدّة تعبه ، شعر بحاجته للعلاج النفسيّ 


فقال له الطبيب وهو يقرأ ملفه الطبّي : 

- اظنك تعاني من ((السمنوفوبيا)) ، فهل تذكر متى بدأت المشكلة ؟

- أخبروني إدارة الميتم أنني أرهقتهم بكثرة سهري 

الطبيب : آسف ! لم اكن اعرف انك يتيم

- لم اكن يتيماً 

- ماذا تقصد ؟!

- كنت اعيش مع امي وزوجها حتى سن السابعة

الطبيب : واين والدك ؟

- سافر مع عشيقته للخارج ، وأمي حاملاً بي

- وهل عاملك زوجها جيداً ؟

- لا اذكره بتاتاً 

الطبيب : ولما ارسلتك امك للميتم ؟

- ليست هي ، فأمي انتحرت قبلها بأيام 

- اتذكر اليوم او السبب ؟ 

المريض : ليس تماماً !

- اذاً عليّ تنويمك مغناطيسيّاً لأعرف قصتك ، هل انت مستعد ؟ حاول التنفّس بانتظام ..واستمع لصوتي جيداً 


وبعد تنويمه .. خرج منه الطفل الداخليّ باتجاه غرفة الألعاب ، وكان متحمّساً للغاية .. 


فلحقه طفل الطبيب الى الغرفة .. واثناء لعبهما معاً ، سأله عدة اشياء :

- الا تكره حين يجبرونك على النوم باكراً ؟

المريض : نعم كثيراً .. لكني انتظر خروجهم من المهجع ، لأسهر وحدي

- ذهاب من ؟

- مراقبوا الميتم

الطبيب : ولما تكره النوم مساءً ؟

- لأني إستيقظت فجأة في دار الأيتام !

- أتقصد إن زوج امك ارسلك للدار وانت نائم ؟!

المريض : بل مُخدّراً

- لم افهم !


المريض : هكذا أخبرتني مديرة الميتم عندما كبرت .. قالت إن زوج امي قدم اليهم مساءً وهو يحملني .. واعترف انه وضع منوّماً في عصيري ، لعدم رغبته بسماع بكائي بعد تركي هناك  

- ولما تخلّى عنك ؟!

المريض : لأن امي أخبرته قبل انتحارها : بأنها شعرت انها سيئة لعدم توفيرها الحنان والإهتمام لي

- وهل لامك زوجها على وفاتها ؟ 

- أظن ذلك !

الطبيب : الهذا تكره فترة المساء ؟

- تخيّل نفسك نائم في غرفة منزلك ، وعندما تستيقظ تجد نفسك في مهجعٍ طويل مليء بأولاد الشوارع واللّقطاء 


الطبيب : انه أمرٌ مخيفٌ بالفعل .. لكنك اصبحت كبيراً الآن ، ولا احد يستطيع ايذائك .. وبرأيّ لا تلمّ زوج امك ، فهو لم يكن قادراً على الإعتناء بصبيٍ صغير بعد رحيل زوجته .. على الأقل لم يرمك في الشارع 

- الشارع أرحم من موظفي الميتم الذين عاقبوني كثيراً على سهري المتواصل

الطبيب : لا يهم ، فالصدمات تقويّ شخصيتنا .. وانت أصبحت بارعاً في عملك ، والكلّ يهابك .. انظر الى انجازاتك ، ودعك من الماضي .. كما إن المساء فترة هادئة ومريحة .. وانت بحاجة للنوم في الظلام لتدمير الخلايا الضارّة في جسمك 

- سأحاول


ثم أعاد الصبي الى جسده الكبير النائم .. ليبدأ الطبيب بالتركيز عليه طاقيّاً من خلال ترديده توكيدات إيجابية في أذنه ..

 

وبعد ساعة .. إستيقظ المريض وهو مرتاح البال ! وكأن حملاً ثقيلاً أُزيل عن كتفيه .. وخرج من العيادة بعد أن وعد الطبيب بتجربة النوم المسائيّ لأول مرة منذ طفولته الصعبة

***


امّا المريض الثالث فكان يخشى الأماكن الضيّقة التي تشعره بصعوبة التنفّس .. وحينما تعطلّ المصعد قبل ايام ، أُصيب بنوبةٍ هيستريّة سمعها موظفوا شركته ! فعلم إنه بحاجة لعلاجٍ نفسيّ 


وبإخراج طفله الداخليّ ، عرف الطبيب انه مصاب برهاب ((كلوستروفوبيا)) بعد سقوطه بحفرةٍ عميقة اثناء رحلةٍ كشّفية بعمر 10 سنوات .. ولم ينتبه المسؤول عن غيابه الا بعد ساعات من بقائه وحده في حفرةٍ ضيّقة .. لهذا لليوم يفضّل صعود الأدراج التي تُتعب ركبتيه بعد بلوغه سن الخمسين ..


فحاول الطبيب إفهام طفله إن ما حصل هو إحدى مغامرات الكشّافة التي قوّت شخصيّته .. واننا بحاجة لاستخدام المصعد إن تأخّرنا في العمل او كانت صحتنا مُتعبة .. ونصحه بإشغال نفسه بالجوّال لحين وصول المصعد الى طابقه في الشركة ..


ليستيقظ المريض وهو يشعر بالراحة والطمأنينة .. حتى انه نزل بمصعد العيادة دون إستيعابه تجاوز المحنة التي استمرّت اربعين سنة ، من خلال جلسة علاجٍ واحدة !

***


في الإسبوع التالي .. قدمت سيدة للعيادة وهي تعاني من وزنها الزائد ، لعدم قدرتها على التوقف عن تناول السكّريات التي تضرّ بجسمها 

وحجزت في عيادته ، بعد أن أخبرها طبيب العائلة بأنها على وشك الإصابة بالسكّري ..


فسألها الطبيب النفسي :

- متى بدأ مرض ((البوليميا)) لديك ، أقصد شراهتك للطعام ؟

- لا اذكر متى ! 

الطبيب : هل لديك افراد من عائلتك مصابين بالسمنة ؟

- لا بالعكس ..والدايّ رياضيّان ، واختي التوأم ايضاً

- أحقاً .. اختك التوأم وزنها طبيعي !

المريضة : بل نحيلة للغاية .. كأني آكل عن كلانا

وضحكت ساخرة من نفسها ..


فشعر الطبيب بأهمّية التحدّث مع اختها التوأم التي تنتظرها خارج العيادة ، فطلب منها الدخول .. ثم بدأ يسألها عن اختها البدينة : 

- متى بدأت تلاحظين شراهتها بالطعام ؟

- منذ المراهقة

- ولما لم تنصحيها بالتوقف ؟

- هذا قرارها

الطبيب : هل كان يضايقك وجود أختٍ توأمٍ لك ؟

فأجابت النحيلة باستغراب : اختي هي المريضة ، فلما تسألني انا ؟!

- اظننني بحاجة لتنويمكما مغناطيسيّاً

النحيلة بدهشة : انا ايضاً !

الطبيب : نعم ، إستلقي على الكنبة الأخرى .. وحاولا تنفيذ اوامري .. الآن ابدءا بالتنفّس العميق


وبعد تنويمهما معاً ، وإخراج طفلهما الداخليّ .. لحق بهما الى غرفة الألعاب .. وأخذ يراقبهما من بعيد ، ليلاحظ ضيق الأخت النحيلة من أختها البريئة : 

- لما تقلّديني دائماً ، وتختارين اللعبة التي اريدها ؟! 

- نحن توأمتان ، وطبيعي أن يكون تفكيرنا مُتشابه 

النحيلة بعصبية : لا اريدك أن تشبهينني بكل شيء !! أحب ان اكون مميزة .. لهذا قرّرت أن أكون الأجمل حينما نكبر  

البريئة : كيف وكلانا يملك المظهر ذاته ؟! 

- سأحرص ان يكون جسمي جميلاً كأمي 

- وانا ايضاً !


النحيلة بعصبية : لا !! لن تفعلي .. (ثم أخرجت شوكولا من جيبها) .. خذي هذه 

- من اعطاك إياها ؟!

النحيلة : المعلمة ، بعد نجاحي في الإمتحان

- الا تريدينها ؟!

- لا !! هي لك .. وأعدك بشراء الحلويات لك كل يوم من مصروفي 


فشكرتها اختها البدينة دون معرفتها بأن اختها اللئيمة تخطّط لتسمينها ، كيّ تتميّز امام الناس بجمال جسمها .. 


وبعد أن فهم الطبيب خطتها الماكرة ، اعاد الطفلتين الى جسميهما المنوّمين ..وأيقظ النحيلة اولاً ، قائلاً لها بحزم :

- الا تدرين إنك على وشك خسارة اختك الوحيدة بشرائك الحلويات والطعام السريع الذي أفسد صحتها ؟

النحيلة : هي تطلب مني إحضار الحلوى بعد عودتي من العمل ؟

- كاذبة !!

- دكتور !

- عرفت نيّتك بجعلها قبيحة ، لتتميّزي بجمالك عليها

- أنت لا تدري كم هو مزعج أن يكون لديك شبيه في كل شيء!! 


الطبيب : انانيتك ستقتلها .. لهذا اريدك الإبتعاد عن حياتها الفترة القادمة .. حيث سأرسلها لعيادة إخصائيّة التغذية ، وهي ستعتني بطعامها الصحيّ .. وذلك بعد تنبيهها واهلك على نواياك الخبيثة 

- لا ارجوك ! لا اريدهم أن يكرهونني

- اذاً اتركي أختك وشأنها .. صدّقيني سيعذّبك ضميرك إن حصل لها مكروه ، فهي توأمك ونصفك الثاني

فوعدته بعدم تكرار افعالها المؤذيّة .. 


ثم قام بإيقاظ الأخت السمينة بعد إقناعها بالتنويم المغناطيسي باتباع حميةٍ غذائية مكثّفة ، قائلاً لها : 

- وأختك ستعينك على الرجيم ، اليس كذلك ؟

النحيلة : نعم دكتور ، سأفعل .. فصحّتها تهمّني

ففتحت الأخت البدينة ذراعيها : اختي الحنونة ، كم احبك !!

وحضنتها بامتنان ..


وخرجتا من العيادة ، والطبيب مازال متفاجئاً من إختلاف التوأمتين بالشخصيّة لهذه الدرجة ! وتمنّى تنفيذ النحيلة وعدها لأختها الطيبة دون أن تضمر المزيد من نواياها السيئة !

***


المريض التالي : كان شاباً يعاني من ((ديسيدوفوبيا)) وهي صعوبة في اتخاذ القرارات ! 

وبعد الحديث معه ، علم أن والده متسلّط ويتحكّم بتفاصيل حياته سواءً باختيار اصدقائه منذ الصغر ، واختصاصه الجامعيّ ، وصولاً لزوجته المستقبليّة ! 


وبعد إخراج طفله الداخليّ ، أخبره المريض اثناء انشغاله باللعب : انه الإبن الأوسط ، وانه مُهمل من كلا والديه ..حيث يدلّل الأب اخاه الأصغر ، بينما امه تدلّل اخاه الأكبر .. اما هو ، فلا احد يهتم لوجوده .. ودائماً يستخفّون بآرائه بالمشاكل العائليّة .. ولا تهتم امه بطبخ اكلته المفضلة او شراء الملابس له ، بل تعطيه ملابس أخيه الكبير القديمة ! حتى غرفته في علّيه المنزل .. وإن بات ضيفٌ عندهم ، يُرمى مع اغراضه في كراج منزلهم البارد .. 

لذلك شعر طوال حياته بعدم انتمائه لعائلته التي افكارها تختلف عن احلامه ومواهبه ، فهو يعشق الرسم .. لكنهم يتحجّجون دائماً بضيق الأحوال الماديّة لعدم شراء مستلزمات الرسم الغالية..


فأشفق الطبيب على حالته ! وحاول إقناع طفله الداخليّ بالإستقلاليّة ، والإنتقال للعيش في سكن الطلاّب الجامعيّ ..وتغيّر اختصاصه لدخول معهد الفنون ، وإخبار اهله بذلك بعد تخرّجه.. ونصحه بإيجاد وظيفة تساعده بتوفير مستلزمات الدراسة .. وأن يزور عائلته في المناسبات الإجتماعية دون اخبارهم بخططه المستقبلية ، كيّ لا يستهزئوا منه ..وأن يدعوهم الى زواجه بعد اختيار شريكة حياته بنفسه .. 


ليستيقظ الشاب وقد عاد رونق وجهه الشاحب وكلّه تفاؤل بالمستقبل ، بعيداً عن تحكّم اهله الذين اعتادوا على التفرقة بينه وبين اخويه !

***


امّا المريض التالي : فكان رجل اعمال مشهور يعاني من ((نيكروفوبيا)) وهي رهاب الموت.. 


ومن خلال طفله الداخليّ ، فهم الطبيب أن عائلته أخذته الى الجنازة بسن الخامسة .. وقد ارعبه وجه عمه داخل التابوت ، بعد مقتله برصاصة شوّهت وجهه ! مما جعله يخاف دخول المقابر او الذهاب للجنازات بصورةٍ عامة .. 


فجرى حديثٌ بين طفله وطفل الطبيب الذي قال له :

- أترى هذا الجسم ..انه الثوب الذي يحمي روحنا الداخليّة التي عليها الإنتقال لمرحلةٍ جديدة بعد الموت

المريض : ماذا تقصد ؟!

- أتدري لما يبكي الطفل بعد ولادته ؟ لأنه لا يريد الخروج من بطن امه الذي اعتاد عليه لتسعة شهور ..لكنه لا يعلم إن الحياة في الخارج أجمل بكثير.. ونحن ايضاً نخاف الموت ، لأننا لا نعلم ما ينتظرنا بعد الدفن .. ربما يكون اجمل بكثير من حياتنا الشاقّة في الدنيا

- أتظن ذلك !

الطبيب : نعم ، فحياة الآخرة خالية من الأمراض والأوجاع والأحزان ، ونلتقي بها مع جميع الراحلين من اهلنا والأصدقاء ..لهذا لا داعي الخوف من الموت ، فهي تجربة سنخوضها جميعاً 


وقد أثّر كلامه بالرجل بعد استيقاظه ، حيث شارك الطبيب احلامه المستقبليّة لتطوير شركته ، دون ذكر مخاوفه من سقوط الطائرة برحلته التجاريّة ، او موته بحادث سيارة (كما أخبره قبل تنويمه المغناطيسيّ)  

***


امّا المريضة الأخيرة : فكانت صبيّة في منتهى الجمال والجاذبيّة ، تعاني من ((الفيلوفوبيا)) وهي الخوف من الوقوع بالحب ! بعد تعرّضها لخيانات من احبائها الثلاثة القدامى : فمنهم من استغلّها ، ومنهم من سخر منها امام اقاربها ، والأخير تزوج صديقتها المفضّلة ! 


وعندما اجتمع طفلها الداخليّ مع الطبيب في غرفة الألعاب ، أمسك دميتين بيده : أحدهما لبنت والآخر ولد .. وبدأ يخبرها بأن على الفتاة أن لا تعطي الكثير من مشاعرها في بداية العلاقة ، وأن عليها امتحانه اولاً إن كان يستحق حبها ام لا .. محاولاً إفهامها بأن الحياة مليئة بالأشرار ذويّ النوايا السيئة الذين يرغبون بعلاقاتٍ عابرة .. وأنه يجب عليها منح حبيبها القادم 50 في المئة فقط من ثقتها ، وهو بإمكانه زيادة النسبة بتصرّفاته الجيدة معها ..  فإن وصلت النسبة ل80 وما فوق ، يمكنها الزواج به لبناء عائلةٍ سليمة ..وإن قلّت ثقتها به عن 20 في المئة ، فالأفضل اختيار زوجٍ غيره.. 


وكان إقناعها سهلاً لطيبة قلبها ، حيث شكرته (فور استيقاظها من التنويم المغناطيسي) لانفتاح قلبها للحياة من جديد ، بعد أن كان مغلقاً لشهورٍ عديدة عقب صدمتها بحبيبها الأخير .. 


ورغم تحسّن نفسيتها إلاّ أن الطبيب ما زال قلقاً عليها ، لرهافة مشاعرها .. فأصرّ على متابعة العلاج بالمكالمات الهاتفيّة..

***


وفي الأيام التالية .. إمتدّت المكالمات بينهما لساعاتٍ طويلة ، بعد شعورها بالراحة لإخباره عن اسرارها وذكرياتها القديمة .. 

وارادت تطبيق علاجه ، عن طريق امتحانه بعدة طرق .. مما أسعده حرصها أثناء تقرّبه منها ، محاولاً إعطائها الأمان التي افتقدته بعلاقاتها السابقة .. 


ورغم ذكائه الا انها استطاعت خداعه ، عن طريق مدحها لصديقها الجديد.. لتشتعل الغيرة في قلب الطبيب الشاب الذي طلب منها التريّث قبل إغرامها به .. 

وكلما زادت غيرته ، زاد يقينها بوقوعه في حبها .. 

***


وفي يوم ، طلبت منه مقابلة صديقها الجديد في المطعم لإبداء رأيه به..

فقدم الى طاولتها بوجهٍ متجهّم (في انتظار قدوم صديقها) محاولاً عدم إظهار ارتباكه الذي كان واضحاً بالنسبة لها .. 


وبعد مرور نصف ساعة ، سألها بعصبية :

- اين حبيبك التافه ؟ لما لم يأتي حتى الآن ؟!!

فأخرجت مرآة صغيرة من حقيبتها ، وهي تقول مُبتسمة : 

- حبيبي التافه يشتعل غيرة .. أنظر اليه بنفسك


فتنفّس الصعداء بعد ارتياح قلبه اخيراً ، عقب اسبوعين من امتحانها الصعب : 

- يا الهي ! كدّتِ توقفين قلبي بألاعيبك الشقيّة 

الصبيّة بسعادة : كنت اريد التأكّد أن طبيبي النفسيّ مغرمٌ بي فعلاً! 

الطبيب : رجاءً لا تخبري احداً إنك إحدى مريضاتي فهذا يخالف قوانين عملي ، لكني لم استطع تمالك نفسي امام جمالك ورقتك

- وانا أعجبتني غيرتك ورجاحة عقلك وتفوّقك بالعمل .. (ثم امسكت يده)..الن تخبرني بطريقتك السرّية التي تتبعها لعلاج أصعب الفوبيات من جلسةٍ واحدة ؟


الطبيب : كل ما استطيع قوله ، انني اعالج الطفل الداخليّ للمريض ..فمرحلة الطفولة هي اهم مرحلة بحياة الإنسان ، ففيها تُبنى شخصيّته .. فمثلاً الطفل الذي لم يشبع من الحلويات واللعب بصغره ، سيتحوّل الى شخصٍ جشع لا يشبع ابداً ، ومعظم السياسين الفاسدين واللصوص من هذا النوع .. اما الطفل الذي تعرّض لحرمانٍ عاطفيّ ، سيكبر مع عقدة التعلّق المرضي ، لحاجته الماسّة للحنان الذي افتقده بصغره 

- أتقصد مثل حالتي ؟

الطبيب : لا ، مشكلتك بدأت بسن المراهقة .. ولوّ عانيت منها في الطفولة لكان حلّها أصعب بكثير


الصبيّة : وكيف تتكلّم مع الطفل الداخلي للمريض ، أبطريقة التنويم المغناطيسي ؟

الطبيب : أعتذر عزيزتي ، لن أجيبك .. فهذه موهبتي السرّية التي تميّزني عن بقيّة الأطباء .. فلا تلحّي بالسؤال ، يا طفلتي المشاكسة 

وابتسم لها بمحبةٍ وحنان .. 


توأم الجن

تأليف : محمد بيومي آل غلاب قوة النقيضين في غابر الأزمان ولد التوأم **الغاشر والعاشز في إحدى عوالم الجن المنسية، وكان بينهما رابطة دم سحرية، ...