الجمعة، 9 يوليو 2021

حقد دفين

تأليف : امل شانوحة 

المتحوّل


في ذلك المساء .. إستيقظت الطبيبة (الخمسينية) بعد سماعها صرخة مخيفة قادمة من عيادتها الموجودة في قبو منزلها .. 

ونزلت الى هناك ، وهي مازالت تسمع حشرجات مخيفة !


وحين فتحت باب العيادة ، وجدت ولداً (في العاشرة من عمره) مُضرّجاً بالدماء فوق سريرها الطبّي .. 

ورغم دهشتها لوجوده وحده في هذا الوقت المتأخر (رغم باب منزلها المقفل بإحكام) الاّ انها سارعت لعلاجه .. وحاولت بيأس إيقاف نزيف جرحه الغائر ، بسبب طعناتٍ متفرّقة في بطنه ومصرانه !

وحين ابيض وجهه ، سارعت بحمله الى فوق .. لأخذه بسيارتها الى المستشفى ..

***


ما أن خرجت من منزلها ، حتى لمحت سيارةً حمراء تنحرف باتجاهها  

فنادت الطبيبة السائقة : ارجوك !! خذي مني المفاتيح وافتحي سيارتي ، لأضع الجريح فيها  


فخرجت الصبية من سيارتها لحمل الولد الذي أعادته ثانيةً الى داخل المنزل ! 

وأغلقت الباب ، بعد تركه مستلقياً على الأرض دون حراك .. وهي تقول للطبيبة :

- لقد مات الصبي ، عليك الإبتعاد قبل وصول الشرطة 

 

وقبل أن تستوعب الطبيبة ما حصل ! سمعت صافرات الشرطة تقترب من الحيّ .. 

فشّدت الصبية يدها ، ودفعتها الى داخل سيارتها الحمراء .. وانطلقت مبتعدة عن المكان !

***


في الطريق .. عاتبتها الطبيبة بعصبية :

- لما فعلتِ ذلك ؟ ما كان عليّ الهرب !! هكذا ثبتتّ التهمة عليّ .. فأنا لم اقتله ، بل وجدته في عيادتي 

الصبية بتهكّم : ومن سيصدّق كلامك ؟ ..ثم أهذا جزائي لأني حاولت إنقاذك ؟! 

الطبيبة : ولما تطوّعت لمساعدتي ؟!


الصبية : دعيني أعرّفك بنفسي .. اسمي جاكلين ... وانت الطبيبة التي ولّدتني قبل عشرين سنة .. وكنت أمرّ بالصدفة بجانب منزلك ، حين رأيتك تحملين القتيل .. فهل كنت تنوين دفنه بالغابة ؟

الطبيبة بعصبية : أخبرتك انني لا اعرف من أدخله منزلي ؟!!

- حسناً اهدئي ، فنحن اقتربنا من منزلك الآخر


الطبيبة بدهشة : وكيف عرفتي إن لديّ منزلاً في الجبل ؟! 

- انا اعمل في البريد ، وأعرف كل اهالي المنطقة .. وأحيانا أوصل رسائلك الى هنا في ايام العطل .. المهم !! عليك الإختباء هناك لبعض الوقت ، وانا سأحضر لك الحاجيات الضرورية .. وغداً أعود لأخبرك بما حصل في قريتنا بعد إكتشاف الشرطة لجثة الصبي في منزلك

الطبيبة باستغراب : لا ادري كيف عرفت الشرطة بالحادثة ! 

- ربما سمع أحدهم صراخ الصبي ، واتصل بهم 

- يا الهي ! ماهذه الليلة العصيبة .. لا أفهم شيئاً


وحاولت جاكلين تهدأتها قدر الإمكان .. وقبيل الفجر ، أوصلت لها مؤناً تكفيها لأسبوعين لحين هدوء الأزمة

***


عثور الشرطة على جثة الصبي اثار ضجةً كبيرة بين اهالي القرية الصغيرة .. وتوجهت اصابع الإتهام إلى الطبيبة بعد إختفائها عن الأنظار ، خاصة بعد إيجاد عيادتها ملوّثة بالدماء .. وانتشرت الإشاعات حول محاولتها بيع اعضاء الصبي لإحدى العصابات .. لكن إستيقاظ الصبي في منتصف العملية أفسد عملها ، لهذا قتلته ..وهربت بعد سماعها صافرة سيارة الشرطة..


وحين أوصلت جاكلين هذه الأخبار الى الطبيبة ، جنّ جنونها.. وقالت بفزع:  

- عليّ تسليم نفسي ، لإخبارهم الحقيقة 

جاكلين : هل جننت ؟!! اهالي القرية سيقتلونك فور عودتك اليهم

- اذاً سأسلّم نفسي الى شرطة المدينة

- الم تقولي إنه لا يد لك بالجريمة ؟ 

الطبيبة : نعم 

- إذاً ابقي متخفيّة ، لحين اكتشاف الشرطة كيفية وصول الصبي الجريح الى عيادتك تلك الليلة  


الطبيبة : لا استطيع الإنتظار اكثر ، أكاد أجنّ وحدي هنا

- سأزورك من وقتٍ لآخر .. وإن احتجت لشيء ، إتصلي بي .. ألم تسجّلي رقمي في جوالك ؟

- نعم ، وشكراً لمساعدتك .. فأنت الوحيدة التي تصدّقين ببراءتي 

جاكلين : انت من أنقذتني من ولادتي المتعسّرة ، وأحاول ردّ الجميل لك

***  


بعد ايام .. إستيقظت جاكلين في آخر الليل على رنين جوالها .. لتجد إن الطبيبة إتصلت بها اكثر من 10 مرات ! 

وحين أجابت ، صرخت الطبيبة بهلع :

- أنقذيني يا جاكلين !! وجدت ولداً آخر ! 

- ماذا تقصدين ؟!

- جثة صبي ثاني في مطبخ كوخي .. ارجوك ساعديني !!

جاكلين : انا قادمة فوراً

***


حين وصلت الى هناك ، أسرعت جاكلين بدفن الصبي في الحديقة الخارجية للكوخ.. 


وبعد عودتها متعبة الى الكوخ ، قالت الطبيبة : 

- كان علينا إبلاغ الشرطة ، فحتماً أهل الصبي يبحثون عنه في كل مكان

جاكلين : هل جننت ؟!! سيعدمونك إن عثروا على جثة أخرى في بيتك

- لكني لم اقتله .. أحلف لك !!

- تعالي لنجلس ، ونفكّر بالأمر جيداً


وبعد جلوسهما بالصالة ..

جاكلين : هل تتعاطين مخدّراً ما ؟

- انا طبيبة ، ولست مشرّدة في الشوارع لأرتكب هذه الحماقة 

- أقصد دواءً طبيّ او نفسيّ يسبب لك الهلوسة ؟

الطبيبة : لا طبعاً .. (وسكتت قليلاً) .. أظن احدهم يحاول توريطي بجرائمه ، او يصيبني بالجنون

جاكلين : وهل لديك اعداء ؟

- لا أظن .. فأنا الطبيبة الوحيدة بقريتكم ، وعالجت معظم سكّانها بنجاح ..فلما يحاول احدهم إيذائي ؟!

جاكلين : منذ تعينك بقريتنا ، هل ارتكبت خطأً طبيباً لأحد ؟


ففكّرت الطبيبة قليلاً ، قبل أن تجيب : لا اذكر

- لا تذكرين !..حسناً لا يهم .. علينا الخروج من هنا فوراً

- والى اين نذهب ؟

جاكلين : الى منزلي 

- هكذا ستتورّطين معي !

- لا يمكنني أخذك للفنادق ، بعد نشر الشرطة لصورك ومعلوماتك في كل الجهات والأماكن


الطبيبة بحزنٍ شديد : يالا هذه المصيبة !! أصبحت قاتلة في آخر عمري

- لا وقت للبكاء ، إجمعي حاجياتك للهرب من هنا .. فالشرطة حتماً في طريقها اليك ، بعد إبلاغهم باختفاء الصبي الثاني .. وأكيد علموا من تحقيقاتهم إنك تملكين منزلاً آخر .. 

الطبيبة : سأبقى مدينة لك طوال حياتي

- هذا واجبي

***


أمضت الطبيبة عدة ايام في منزل الصبية التي تعيش وحدها ، بعد وفاة والديها بحادثٍ مروريّ .. 

وتابعت الطبيبة نشرات الأخبار عن مقتل ولدٍ واختفاء الآخر بالتلفاز ، وهي تبكي على سمعتها التي تشوّهت تماماً بين اهالي القرية التي خدمتهم منذ تخرّجها الجامعيّ ، وتركها المدينة لرعايتهم ..

***


في إحدى الليالي ، أصرّت الطبيبة على السهر .. فصعدت جاكلين للنوم في الطابق العلويّ ..


بعد ساعة .. شعرت الطبيبة بالمللّ ، ووجدت نفسها تتوجّه الى القبو الذي عادةً ما يكون مقفلاً من الخارج.. لكن جاكلين نسيت إقفاله هذه الليلة ! فنزلت اليه 


وحين اضاءت نور الغرفة ، صُعقت برؤية صوراً معلّقة على الحائط : منها صورة والديّ جاكلين ، وصورة مراهقة جميلة .. وصورتين للولدين الجريحين قبل موتهما ! رغم إن جاكلين أكّدت لها مراراً إنها لا تعرف هويّتهما من بين اولاد القرية ..

فشعرت الطبيبة بخوفٍ شديد 

***


في اليوم التالي .. إنتشر خبر إنتحار الطبيبة في بيتها (المقفل بالشريط الأصفر) بين اهالي القرية.. بعد شنق نفسها في عيادتها ، عقب تصويرها فيديو تعترف فيه : بتجربتها طريقةٍ جديدة بالجراحة على الولدين ، لأجل رسالة الدكتوراه التي تعمل عليها .. مُعتذرةً من اهالي الطفلين ، قبل انتحارها !

***


بعد اسبوع من إغلاق القضية ، سمحت الشرطة لرئيس البلدية بأخذ جثة الطبيبة من ثلاّجة المشرحة .. 

وتجمّع الناس داخل المقبرة ، وهم مشمئزّين من المجرمة الحقيرة .. 


وبعد انتهاء مراسم دفنها ، عاد الناس الى بيوتهم .. 

حيث قالت فتاة صغيرة لوالدها :

- سمعت صبية لديها شعرٌ قصير وذراع موشومة ، اثناء دفن الطبيبة تقول بغضب : لتذهبي الى الجحيم !!

فقال والدها : الكثير يكره تلك المجرمة ، فلا تهتمّي لكلام الناس 

***


رغم إغلاق القضية ، الا أن المحقق لم يقتنع بانتحار الطبيبة واستخدامها الطفلين كفأرين تجارب .. وأخذ يراجع شريط انتحارها من جديد ..

ودخل عليه العكسريّ لإعطائه كوب قهوة ، بالوقت الذي كان يقول فيه المحقق بصوتٍ مسموع :

- لما ترمش بعينيها كثيراً ؟! 


وهنا انتبه العسكريّ على نظرات الطبيبة الخائفة ، فقال للمحقق :

- انها شفرة مورس !

- ماذا قلت ؟

- تعلّمتها بالعسكريّة .. فالنظرة تعني حرف ، وإغلاق العين حرفٌ آخر 

المحقق باستغراب : وكيف عرفت الطبيبة هذه الإشارات ؟!

- الم نجد بالتحقيقات السابقة انها ابنة ضابط ؟ 

- أتظن والدها علّمها ذلك ؟

العسكريّ : ربما

- وهل تستطيع ترجمة ما قالته ؟ 

- أعدّ الشريط لوّ سمحت


وأخذ يكتب على الورقة الأحرف التي أشارت اليها بعينيها..

المحقق باهتمام : هآ ماذا قالت ؟

العسكريّ : تقول : ((فتّشوا قبو المتحوّل))

- أكانت تقصد : إنثى تحوّلت لرجل ؟!  

- او العكس 

المحقق : عليّ إجراء مكالمة ضرورية

***


لاحقاً أخبره رئيس البلدية : أن هناك شخصٌ واحد متحوّل في قريته : وُلد صبياً ، ثم أجرى عملية جراحية في المدينة بعمر 18 ، ليعود اليهم كأنثى ..وهو الآن يعمل بالبريد ، واسمه جاكلين !

***


وقد حاولت جاكلين منع الشرطة تفتيش منزلها ، الا ان المحقق أجبرها على فتح باب قبوها .. ليجد صورة القتيلين معلّقة هناك .. ويبدو انها صوّرتهما مباشرةً بعد طعنها لهما ، قبل لحظات من وفاتهما !

وعلى إثر الأدلّة الجديدة ، إقتيدت جاكلين الى مركز الشرطة

***


في بادىء الأمر أنكرت علاقتها بالجريمتين .. لكن بعد قراءة المحقق لدفتر مذكراتها الذي وجده في منزلها ، لم تستطع التهرّب من المسؤولية .. فقالت له :

- نعم أعرف الطبيبة جيداً ، فهي من ..  

المحقق مقاطعاً : لا تخبريني ثانيةً انك ساعدتها في الهرب لأنها ولّدتك ، فهي ولّدت عشرات الأطفال غيرك

جاكلين : كذبت بشأن هذه المعلومة ، فأمي أنجبتني قبل أشهر من قدومها الى قريتنا 

- إذاً الأفضل أن تخبريني الحقيقة 

- انا لم أكن اساعدها ، بل أردّت توريطها بالجريمتين

- وما سبب حقدك عليها ؟


فتنهّدت جاكلين بضيق ، قبل أن تقول : 

- وُلدت ذكراً ، وكان اسمي جاك .. وبعمر 7 اشهر ، قرّر والدي تطهيري .. وفي ذلك الوقت ، تمّ تعينها في قريتنا بعد تخرّجها من الطبّ العام ..وكنت انا اول عملية جراحية تقوم بها ، دون مراقبة استاذتها المحترفين .. ولعدم خبرتها الكافية ، قطعت جزءاً من ... باختصار عطبتني

المحقق : الهذا أجريت عملية تحوّل بعمر 18 ؟

- هذا ما أقنعني به والدايّ ، لأني بجميع الأحوال لن اكون ذكراً طبيعياً .. وفي ذلك الوقت لم أجد مانعاً لهذا القرار المتهوّر .. 

- ومالذي تغير ؟


جاكلين : بعد انتقالي لجامعة المدينة ، شعرت بانجدابٍ شديد لصديقتي ليندا ، فعلمت انني مازلت أملك ميولاً ذكورية .. وحاولت كبت مشاعري قدر الإمكان ، إلى أن ذهابنا برحلةٍ كشفية للمبيت ثلاثة ايام بالأدغال .. وعندما تجوّلنا وحدنا بالمساء بين الأشجار ، إعترفت لها بحبي .. ففاجأتني بتلقيبي بالشاذة القذرة ، وانهالت عليّ بالشتائم ! ولم تعطني الفرصة لإفهامها إنني ذكر مسجون بجسم انثى .. فدفعتها للخلف بقصد إسكاتها ، قبل أن يسمعها بقية اصدقائنا الجامعيين .. فإذّ بها تسقط في جرفٍ عميق ، لم أره من شدة الظلام ..وبعد استيعابي الصدمة ! ركضت الى خيم زملائي لأسألهم إن رأوا صديقتي ليندا ، بعد ابتعادها عني لقضاء الحاجة .. فأسرعوا جميعاً للبحث عنها ..ولم تجد الشرطة جثتها بالوادي الا بعد ايام ، مُعتقدين انها تعثّرت دون انتباهٍ منها .. وكانت تلك جريمتي الأولى


المحقق : وماهي جريمتك الثانية ؟

- قتل والدايّ

- ماذا ؟!

جاكلين : حادثة ليندا حصلت في سنتي الجامعية الأخيرة ..وعندما عدّت في العطلة الى قريتي ، أخبرت والدايّ باكية بما حصل .. فأصرّ ابي على تبليغ الشرطة ، وامي ساندته ! وترجيتهما كثيراً أن لا يضيعا مستقبلي ، وأن موتها كان حادثاً غير مقصود .. لكنهما قرّرا التبليغ في الصباح .. فانتظرت نومهما لأقوم بتعطيل المكابح في سيارة والدي ، لعلمي بوجود منعطفٍ حادّ في الجسر المؤدي للمركز .. وفي اليوم التالي رفضت الذهاب معهما ، فأقفلا الباب عليّ لمنعي من الهروب .. وذهبا وحدهما .. لأعلم مساءً بموتهما بحادثٍ مروريّ قبل وصولهما للشرطة التي لم تشكّ بي لإيجادهم الباب الخارجيّ مقفلٌ عليّ ، فكنت خارج الشبهات ، تماماً كما خطّطت.. وبذلك أكملت دراستي وتخرّجت .. وعدّت للقرية للعمل في البريد ، بعد إعلاني التوبة عن اعمال العنف


المحقق : ولماذا قتلت الطفلين ؟

جاكلين : في يوم الجريمة وبعد انتهائي من توزيع البريد على المنازل ، رأيت اولاداً يلعبون الكرة في الشارع .. فشعرت بالحماس بعد تخيّل نفسي ولداً في مثل عمرهم .. وأخذت الكرة منهم ، وصرت ألاعبها بمهارة .. فسحب ذاك الولد الكرة مني ، وهو يقول بلؤم : ((الكرة للرجال ، وليس للنساء القبيحات مثلك))

- واستفزّك كلامك ؟


جاكلين بقهر : كثيراً .. وراقبته عن بعد لحين انتهاء مباراتهم ، وعودته وحيداً الى منزله الموجود بأطراف القرية .. فاعترضت طريقه ، وأخبرته أن كلامه أذى مشاعري ، وأن عليه الإعتذار فوراً .. فانهال عليّ بالشتائم ، فهو كان ولداً متنمّراً .. فلم أجد نفسي الا وانا أطعنه عدّة مرات في بطنه .. لكنه لم يمتّ على الفور ..فكمّمت فمه وقيّدت يديه ، ورميته بصندوق سيارتي .. وكنت أخطّط لدفنه حيّاً في الغابة .. لكني عانيت طوال الطريق من تأنيب الضمير ، فتذكّرت أن اضطرابي النفسيّ هو بسبب خطأ الطبيبة التي دمّرت هويّتي الجسديّة .. فانصبّ حقدي عليها ، وتوجهت مباشرةً الى منزلها .. ولأنني تعلّمت طريقة فتح الأقفال من الإنترنت المظلم ، استطعت الوصول الى عيادتها .. ووضعت الطفل الغائب عن الوعي (لفقده الكثير من الدماء) فوق سريرها الطبّي.. وما أن فكّكت قيوده ، حتى فاجأني بإطلاقه صرخة عالية مؤلمة.. فأسرعت هاربة من منزلها .. وعدّت الى سيارتي ، واتصلت بالشرطة من جوالي .. وانتظرت لحين خروجها من منزلها ، لعلمي بمحاولتها نقله الى المستشفى 


المحقق : وماذا عن الصبي الآخر ؟

- بعد أن هرّبتها الى كوخها في الجبل ، تفاجأت باليوم التالي بالصبي الآخر امام منزلي يخبرني : أنه رآني وانا اصرخ على صديقه قبل موته  

- فقتلته على الفور ؟


جاكلين : ليس بهذه السهولة .. أقنعته اولاً بأن الطبيبة هي القاتلة ، ثم دعوته لتناول كعكة لذيذة في منزلي .. ووضعت له حبتيّ منوّم في قطعته .. وبعد غيابه عن الوعيّ ، خبّأته في صندوق سيارتي ..وأسرعت الى الجبل ، لأقتله هناك .. ثم اقتحمت كوخها اثناء نومها ، لوضع جثته بالصالة .. 

- ولما اعترفت الطبيبة بذنبٍ لم ترتكبه ، قبل انتحارها ؟!


جاكلين : بعد اكتشافها صور الضحيتين في قبو منزلي ، واجهتني بالجريمتين .. فأجبرتها تحت تهديد السلاح بالعودة الى منزلها ، وربط حبل المشنقة بسقف عيادتها ، بعد تصوير إعترافها الكاذب بقتلهما .. وقد استمتعت كثيراً بحضور مراسم دفنها ، وكنت سعيدة لأنها سبقتني الى الجحيم .. لكن يبدو انني لم أقدّر ذكائها جيداً ، فهي استطاعت فضحي بإشارات عينيها ! 

*** 


وانتشرت قضية المتحوّلة بين اهالي القرية الذين وضعوا الشموع والأزهار على قبر الطبيبة ، لشعورهم بالذنب بعد اتهامها ظلماً .. وانتظر الجميع وقت صدور الحكم على جاكلين

***


بعد شهور .. أصدر القاضي حكماُ مؤبداً على جاكلين لقتلها 6 اشخاص (والداها وصديقتها والولدين والدكتورة).. بينما اكتفت هي بابتسامةٍ ساخرة وهي تسأل القاضي :

- والى اين سترسلني ، الى سجن النساء ام الرجال ؟


لتعلو نظرات الذهول والحيرة على المتواجدين في قاعة المحكمة ! 


الأربعاء، 7 يوليو 2021

العوالم الخفيّة

فكرة : أختي أسمى
كتابة : امل شانوحة

الأبعاد المجاورة !


أثناء جلوسهم على طاولة الطعام ، شهقت الحفيدة بفزع :

- جدتي ! اين قدمك اليُسرى ؟

فابتسمت الجدة :

- إختفت البارحة .. لا تقلقي ، الأمر طبيعي فقد قارب عمري على الألف سنة

- وكيف ستمشين هكذا ؟

- سأعرج قليلاً ، وأحاول التوازن بعكّازي 


فقال الحفيد بقلق : وهل ستختفين قريباً ؟

الجدة : تدريجياً .. هيا لا تحزنوا ، فحالنا يبقى أفضل من سكّان البعد المجاور الذين يدفنون موتاهم تحت الأرض !

فقالت إبنتها بحزن :

- سنشتاق اليك امي 

فأجابتها بحنان :

- سأبقى بجواركم ، وستسمعون صوتي دائماً .. فهذه سنّة الحياة .. كما انني ملّلت الحياة ، واشتقت لأفراد عائلتي الذين رحلوا قبلي .. هيا إمسحوا دموعكم يا أحبّائي ، واكملوا طعامكم

***


بعد شهور .. إستيقظت الجدة سعيدة ، وخرجت من غرفتها وهي تطفو بعد إختفاء الجزء السفلي من جسمها .. قائلةً لهم :

- اخيراً أصبحت حرّة !! ويمكنني التنزّه في الخارج قدر ما اشاء ، دون القلق على مواعيد الحمام المتكرّرة

بينما التزمت عائلة ابنتها بالحزن ، لعلمهم بقرب موعد رحيلها ..

***


بعد اسابيع .. أوقعت ابنتها الأطباق في المطبخ ، بعد رؤيتها لرأس امها يطفو خلفها .. فقالت معاتبة :

- امي !! أفزعتني حقاً .. أطرقي الباب قبل أن تدخلي  

العجوز : وكيف أفعل بعد اختفاء يدايّ ؟

- آسفة ، لم انتبه .. (ثم قالت بحزن).. والآن كيف يمكنني إحتضانك امي ؟

- هيا كفّي عن البكاء ، فأنا لا اشعر بالخوف او الحزن .. بل أتوق شوقاً لرؤية والدايّ وأخوتي

ابنتها : عديني أن لا تفارقيني

- سأزورك من وقتٍ لآخر .. وإن احتجتني نادني بصوتٍ عالي ، وستسمعي صوتي كأني بجوارك

***


في نهاية السنة .. جلس الحفيد على الكرسي الهزّاز ، ليتفاجأ بصرخة جدته ..فقال معتذراً :

- آسف جدتي ! لم أراكِ .. هل اختفيتي تماماً ؟

فهزّ الكرسي لوحده ، ليظهر صوتها :

- إختفيت آخر الليل ، ولم أردّ إيقاظكم 

- وهل التقيتِ بعائلتك ؟

صوت الجدة : نعم ، وأصدقائي القدامى ايضاً 

- وماذا عن جدي ؟

- معاذ الله !! 

- لماذا ؟


صوت الجدة : سألت عنه ، وأخبروني إن روحه تحترق في جهنم .. فهو كان شريرٌ معي ، وساعد المشعوذين على أذيّة البشر ..وانت تعرف القوانين جيداً : فقط الأخيار منا لديه الحق بإبقاء روحه بجوار أحبّائه ..المهم عزيزي ، عليّ الذهاب الآن .. إخبر امك حين تستيقظ انني سأزورها في وقتٍ لاحق

- سلام جدتي ، سنشتاق اليك كثيراً

- يمكنك الحصول على غرفتي ايها الماكر

فهلّل الحفيد بسعادة : أخيراً سأبعد ألعابي عن أختي المشاكسة ، شكراً جدتي!!

*** 


كانت تلك طريقة موت الجن في البعد الثاني .. اما موت الشياطين في البعد الثالث فتختلف تماماً ، فهم كلما كبروا صغروا في العمر .. تماماً كما حصل مع هذه العائلة الشيطانية :

الولد بامتعاض : امي ، صراخ جدي طوال الليل حرمني من النوم

الأم : علينا تحمّله قليلاً ، فهو الآن بعمر أطفال الرضّع .. وسيبقى معنا عدة شهور قبل اختفائه 

البنت بحزن : في السنة الفائتة كان في مثل عمري ، وكنت احب اللعب معه 

الأم : هذه حياتنا ، كلما كبرنا يصغر إدراكنا وحجمنا .. فعمر والدكم قارب على 500 عام ، وقريباً سيعود شاباً لكيّ.. 


الإبن مقاطعاً : ارجوك امي ، لا احب سيرة الموت 

الأم : حسناً بنيّ ، سأدعك تكمل واجبك المدرسيّ ..

الإبن : لكنه صعب ، فعليّ إغواء ولد بشريّ 

الأم : هل لديه جوال ؟

الإبن : نعم ، لما تسألين ؟

الأم : وسّوس له لمشاهدة قنوات البالغين ، فهذا سيفسد براءته الطفولية

الإبن بحماس : فكرة رائعة يا أمي !! سأعمل عليها فوراً 

الأم لإبنتها : وانت !! إنهي طعامك ، ريثما أغيّر حفاض جدك ..

البنت : سيحزنني رحيله 

الأم : وانا ايضاً

***


بالعودة لعالم الجن في البعد الثاني .. فقد تمكّن رئيسهم بمساعدة مشعوذٍ شيطانيّ من إبقاء رأسه ، رغم اختفاء جسمه الذي ستره تحت عباءته الطويلة .. وبذلك يمكنه الطفو في ارجاء مدينته لمراقبة احوال الجن ، رغم تجاوز عمره المليون سنة ! 

***


وفي أحد الأيام .. وبينما رئيس الجن يراقب احوال البشر عبر بلّورته السحريّة : علم بانتشار كورونا وموت الآلاف ، وتوقف عجلة الحياة الإقتصادية مؤثّرة بشكلٍ سلبيّ على الحياة الإجتماعية للبشر.. 

فأعجبه براعة من اخترع هذه الحيلة الفيروسيّة ! 


وأخرج كتاب الشعوذة من مخبئه السرّي ، ليقوم بخطوةٍ جريئة : وهي تلاوة تعويذة خطيرة تنقله للبعد المجاور الخاص بذريّة آدم .. وتحديداً الى قصر رئيس الجمعية السرّية ، صاحب فكرة الإبادة البشريّة ..

***


الغريب إن ذلك الرئيس لم يتفاجأ بظهور رأس ملك الجن عنده في المكتب ، بل استقبله بحفاوة !

وجلسا يتناقشان موضوع الموت بصورةٍ عامة .. فقال الجني :

- انتم تخسرون مساحات واسعة من اوطانكم بسبب القبور 

- وماذا عسانا أن نفعل ؟ فالبشريون كائنات حسّاسة ، ويتعلقون كثيراً بموتاهم .. 

- هناك حلول اخرى مثل..

الرجل مقاطعاً : أعرف ، ونحن شجّعنا فكرة حرق الجثث ونثر رمادها في البحر


الجني : لم أقصد هذا .. فبإمكاني تعليمك طريقة تجعل موتاكم يختفون تدريجياً من الوجود ، مثل الجن والشياطين

- لتبقى اصواتهم تلاحقنا ! هذا شيءٌ مرعب .. لا أتخيّل سماع صوت والدي المتوفي يظهر فجأة ، فهذا سيوقف الدم في عروقي ..خاصة انني لم أكن يوماً على وفاقٍ معه

- ما قصدته أن تستخدم التعويذة مع زعماء الشرّ فقط ، بهذا تستفيدون من خبراتهم الشيطانية في حلّ الأزمات القادمة


ففكّر الرجل قليلاً ، قبل أن يقول : 

- فعلاً ! كم كنّا سنستفيد لوّ بقيّت معنا روح هتلر ونابليون و..

فأكمل الجني : وفرعون ونمرود وغيرهم من شياطين البشر

- كنّا حكمنا العالم !! 

- إذاً إسمع خطتي جيداً .. اولاً ستنشر إعلاناً بين الناس..

فسأله مقاطعاً : الم تقل انها لزعماء السياسة فقط ؟!


الجني بعصبية : إفهمني يا رجل !! أنت لن تخبر العامّة بموضوع التعويذة ، بل ستوهمهم إن علمائكم أوجدوا لقاحاً مميزاً تجعل أرواح أحبّائهم تبقى بعد الموت ، بحيث يمكنهم سماع أصواتهم للأبد ..  

- وما نوعيّة اللقاح ؟

فقال الجني بمكر : الآن فهمتني .. الم يكن حلم جمعيتكم تخفيف اعداد البشر ؟

فابتسم الرئيس بخبث بعد فهمه الفكرة 

***


ويبدو إن رغبة البشر بإبقاء روح احبابهم بجوارهم ساهمت كثيراً بتقبّل فكرة اللقاح الذي تلقاه في بادىء الأمر : كبار السن والمرضى .. لكن الإعلان المكثّف في التلفاز ووسائل التواصل الإجتماعيّ ساهم بتطعيم عددٍ كبير من البشر ، بحجّة أن الموت لا يعرف كبيراً او صغيراً .. دون علمهم بأنهم يأخذون لقاحاً يقللّ مناعتهم تتدريجياً ، الى أن يقضي عليهم خلال سنتين على أبعد تقدير !  

***


لم تنتهي السنة الثانية ، حتى تحقّق حلم الجمعية السرّية الأول : بالإبقاء على المليار الذهبي (الذين لم يتلقّوا اللقاح) ، وقتل بقية الغوغائيين والهمج (على حسب رأيهم) ! 


واحتفل الجن مع رؤساء البشر الأشرار بنجاح خطتهما المشتركة ، التي حصلوا في مقابلها على حقّ العودة للأرض ، بعد أن طردهم النبي سليمان إلى بُعدهم المجاور الخفيّ لقرونٍ طويلة ! 

***


لكن ما لا يعلمه الجن والشياطين إن رئيس الجمعية السرّية الذي حصل على تعويذة العيش الأبديّ : يُخطط لاحقاً للقاح خاص لكائنات البعد الثاني والثالث ، مُوهماً إياهم ببقاء جسدهم بعد الموت وعدم اختفائها تماماً .. لكنه بالحقيقة ينوي تقليص اعمارهم الى 40 سنة فقط ، بسبب الفيروسات المكثقة داخل اللقاح الوهميّ .. 


ومن بعد إختفائهم نهائياً عن الوجود ، سيستخدم الرئيس الخبيث لقاحاً آخر لتعقيم المليار المتبقي من البشري لتحقيق حلم حياته بالبقاء وحيداً على الأرض..

الى أن يقضي الله أمره ، ويُبعث الى يوم القيامة كآخر بشريّ عاش على الكوكب الأزرق الذي دمّره بأفكاره الشيطانيّة الخبيثة ! 


السبت، 3 يوليو 2021

سِهام حُبنا

فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة 

إنجذاب الأضّداد


قال المدير بعد قراءة ملفها :

- شهاداتك جيدة ، وتتقنين ثلاث لغات .. لما تريدين العمل في شركتنا المتواضعة ؟

فريدة : سأقبل بأيّ وظيفة ، والراتب لا يهم .. اريد فقط إشغال وقتي بشيءٍ مفيد 


وكانت سكرتيرته النحيلة بجانبه ، فاقترحت بصوتها الحادّ المزعج :

- نحن نحتاج موظفاً في الأرشيف ، سيدي


ففكّر المدير قليلاً ، قبل أن يقول :

- معظم من وظّفناهم هناك ، إستقالوا في غضون ثلاثة اشهر

فريدة : وأنا لست من النوع الذي يستسلم بسهولة 

- اذاً اذهبي مع السكرتيرة لتدلّك على وظيفتك الجديدة

- شكراً سيدي

***


بعد نزولهما الى قبو الشركة .. شاهدت فريدة رجلاً في الأربعين من عمره يرمي السهام الصغيرة على لوحةٍ معلّقة بإحدى الخزائن ، حيث بدى عليه المللّ الشديد ، مُكتفياً بنظرةٍ جانبية وهو يسألها بضيق : 

- ومن انت ايضاً ؟

- إسمي فريدة

- ما هذا الإسم القديم ؟ 

- على إسم جدتي .. وأنت ؟

- مراد 


وهنا قالت السكرتيرة : سيد مراد .. فريدة هي الموظفة الجديدة التي ستساعدك بالإرشيف 

فقال مُستنكراً : كأنني سمعت صوت بعوضة !

 

ووجّه سهماً باتجاهها ، فقالت السكرتيرة لها : 

- اعانك الله على هذا المجنون

وأسرعت بالخروج من الغرفة .. 


وبعد ذهابها ، تجوّلت فريدة بين الخزائن المليئة بالملفات المبعثرة .. قائلةً باشمئزاز :

- لما الإرشيف مُهملٌ هكذا ؟! 

مراد بلؤم : هذا الموجود 

- لكني اعاني من الحساسية ، وهذا الغبار سيضايقني

فقال بلا مبالاة ، وهو مازال يرمي الأسهم بضيق :

- هذه مشكلتك وحدك


فاتصلت بجوالها قائلةً :

((شاهدة ، هل انت متفرّغة للعمل اليوم ؟.. جيد !! سأعطيك العنوان..لا تتأخري عليّ رجاءً))


وبعد إنهائها المكالمة .. سألها :

- ومن ساجدة هذه ؟

فريدة : إسمها شاهدة .. هي عاملة نظافة جيدة ، سترتّب المكان 

مراد بحزم : المهم أن لا تقترب من طاولتي ، مفهوم !!

***


بحلول الظهيرة ، إنتهت شاهدة من تنظيف الأرشيف .. وحين حاولت تنظيف مكتب مراد ، صرخ غاضباً :

- قلت !! لا احد يلمس مكتبي 

الخادمة : لكنه مليء بالغبار ! 


فمسح الغبار عن مكتبه بإصبعه ، ولطّخ به قميصه ..قائلاً بعصبية :

- انا احب الغبار .. أرأيتي !! 

الخادمة : وهل انت عنكبوت ؟!

فنادتها فريدة من مكتبها : شاهدة !! دعيه وشأنه .. وتعالي لأحاسبك


وبعد خروج شاهدة ، قدمت السكرتيرة لتتفاجأ بنظافة المكان !

- وأخيراً أصبح مرتباً !! هل صار بإمكاننا إرسال العملاء الى هنا ؟ 

فريدة : نعم ، غداً صباحاً نبدأ العمل بإذن الله

مراد : ستبدأين وحدك ، انا لا دخل لي بالمراجعين

فتنهدت فريدة بضيق : كما تشاء

***


في اليوم التالي .. نزل عشرات المتابعين الى الأرشيف للحصول على نسخٍ من اوراقهم الرسميّة .. 

ورغم إصرار مراد على عدم خدمتهم ، الا انه ساعد فريدة بإخبارها أرقام ملفاتهم التي يحفظ اماكنها بدقة بين الخزائن المتعدّدة ! مما سهّل عملها 


وخرج المراجعون قبل دقائق من انتهاء الدوام .. ليتصل المدير ، شاكراً فريدة على عملها النشيط .. فأخبرته إنها لم تكن لتنجز ذلك لولا مساعدة الموظف مراد .. 


وبعد إغلاقها المكالمة ، سألها مراد باستغراب :

- لما مدحتني امام المدير ؟ فأنا لم افعل شيئاً ! 

فريدة : لا تستهين بقدراتك الذهنية ، فأنت هنا كالحاسوب المتطوّر

- هذا لأن الأرشيف لم يتغير منذ عشرين سنة ، فأنا عملت هنا منذ تخرّجي بالعلوم الإدارية 

- ولما لم تطلب حاسوباً لتسهيل عملك ؟ 

مراد : قالوا بأن الإدارات الأخرى أولى بالحواسيب .. هل فهمت الآن لما منعت ساجدة من ترتيب الملفات ؟ 


فريدة : إسمها شاهدة ..وبرأيّ تستحق ترقية على ذاكرتك القوية

- رفضتها مراراً ، لأني احب عملي 

- واضحٌ جداً من نشاطك المبهر ، على كلٍ سأحلّ مشكلة خمولك غداً

وخرجت من الإرشيف دون أن تفهمه قصدها ! 

*** 


في اليوم التالي .. وضعت على طاولته كوباً كبيراً من القهوة الساخنة

مراد : لا احب المشروبات الساخنة على الريق

فريدة : القهوة ستنشطك ايها البليد ، هيا اشربها قبل قدوم المراجعين 

فشربها على مضضّ ..

*** 


ومضت ساعات العمل .. ومراد مازال منشغلاً بلعبة الأسهم ، غير مبالي بكثرة العملاء .. 

لكن قبل ساعة من انتهاء العمل .. بدأ يحضر لها الملفات التي تطلبها ، بعد شعوره بنشاطٍ مفاجىء ! 

ومع ذلك لم يعترف بتأثير قهوتها اللذيذة على نشاطه 

***


في اليوم التالي .. عاتبها قائلاً :

- بسبب قهوتك لم أنم طوال الليل 

فريدة : حسناً إهدأ ، لن أحضّر لك القهوة اليوم


ومرّت ساعات العمل ببطء .. وبعد خروج المراجعين ، انتبهت اليه وهو يضغط رأسه بألم .. فقالت له :

- بالتأكيد سيؤلمك رأسك ، لأنك لم تشرب قهوتك 

مراد بألم : لا دخل لهذا بالموضوع ، سأذهب الى بيتي لأرتاح قليلاً 


وبعد خروجه ، تمّتمت بضيق :

- يالك من عنيد !

***


في اليوم التالي .. إقترب منها وهي تحضّر قهوتها ، فسألها :

- وأين هي قهوتي ؟

- الم تقل.. 

مراد : اريد كوباً كبيراً ، لوّ سمحتِ

فريدة : بشرط أن تساعدني بالملفات ، فالبحث عنهم بين الخزائن يتعبني كثيراً..

- سأحاول جهدي

***


بعد ايام ، غاب مراد عن الشركة قبل نهاية الإسبوع .. فسألت فريدة السكرتيرة عنه ، فأخبرتها انه مريض .. فأخذت عنوانه منها 

***


في صباح عطلتها ، ذهبت اليه .. لتجده يسكن في حارةٍ فقيرة .. فأوقفت سيارتها خارج الزقاق ، وأكملت سيرها بين المحال الشعبية الذين دلّوها على مبناه القديم .. 


وصعدت اربعة طوابق لعدم وجود المصعد .. وحين وصلت شقته ، وجدت بابه الخارجيّ غير موصد ، حيث استطاعت فتحه بدفعةٍ بسيطة ..لتجده نائماً على كنبة الصالة ، وهو محاط بالمناديل الورقية الوسخة ، وملابسه المبعثرة في كل مكان ..


وعندما لم يستجب لندائها ، وضعت يدها على جبينه ..لتشعر بحرارته المرتفعة !

فنزلت مسرعة لإحضار الدواء من أقرب صيدلية ، كما اشترت له كيلو من البرتقال 


وبعد صعودها اليه ، وجدت مطبخه وسخاً .. وبعد بحثٍ مطوّل ، عثرت اخيراً على العصّارة اليدوية .. وصنعت له كوباً من العصير ، وأحضرته له.. فاستيقظ بصعوبة وهو يقول :

- من في بيتي ؟!

- انا فريدة ، أتيت للإطمئنان عليك .. هيا قمّ واشرب دوائك وعصير البرتقال 

مراد معاتباً : ما كان عليك القدوم الى هذه المنطقة الشعبية

- أتيت وانتهى الأمر ، ولن أغادر قبل تنظيف منزلك

- لا داعي لذلك 

فريدة : الأوساخ تزيد من مرضك .. سأنادي شاهدة


واتصلت بشاهدة وأعطتها العنوان ..

***


بعد قدوم عاملة النظافة ، قالت لفريدة بعد رؤيتها المنزل ..

- هذا عملٌ كثير ، سيدة فريدة

- انا سأقوم بالجلي والغسيل ، وانت نظّفي الباقي

فأشارت الخادمة اليه : هذا السيد وسخٌ جداً 

فقال مراد وهو مازال مستلقي على الكنبة : نظّفي دون كلام يا ساجدة

- إسمي شاهدة 

- لا يهم


فريدة : حاول أن تنام قليلاً لحين انتهائنا من العمل

مراد : المهم أن تخرجا من الحارة قبل حلول المساء 

فريدة : سنفعل ، لا تقلق

وعاد للنوم متعباً

***


بعد إنهائهما نصف العمل ، شعرا بالجوع .. فأرادت فريدة الإتصال بمطعم كنتاكي لتوصيل طلبية لهم .. لكن مراد أشار لها بإقفال المكالمة ! 

فريدة : لما منعتني الإتصال بهم ؟!

مراد : لأن اولاد الحيّ سيسرقون الطعام من عامل التوصيل قبل صعوده الينا ، هذا إن عرف الوصول الى الحارة


ثم أخرج مالاً من جيب بنطاله ، واعطاه لشاهدة وهو يقول : 

- ستجدين خلف المبنى ، محل فول .. إحضري ثلاثة صحون لنا 


وبعد ذهاب شاهدة ، قال لفريدة : 

- لا تقلقي ، سيعجبك طعمه

***


وبعد انتهائهم من الطعام ، قالت فريدة :

- بصراحة طعمه لذيذ ! 

الخادمة : أطيب بكثير من الدجاج 

مراد : ارأيتي ، حتى شاهدة أعجبها مطعمي المتواضع 

***


بحلول العصر .. خرجتا بهدوء من المنزل ، كي لا توقظانه من نومه.. وذهبت شاهدة قبلها ...

وعند نزول فريدة الأدراج ، إلتلقت بجارته العجوز التي أصرّت على شرب القهوة معها في شقتها ..

***


في شقة الجارة ، سألتها على سبب تواجدها في شقة العازب مراد .. وبعد أن أخبرتها .. 

- آه هو زميلك .. سألتك لأن الجميع يعرف كرهه للنساء  

فريدة باهتمام : وما السبب ؟


الجارة : سأخبرك بموجز قصته ..والداه تزوجا ثانيةً بعد طلاقهما ، وتركاه عن جدته التي توفيت بعد بلوغه سن 14 .. ومع ذلك رفض كلاهما أن يعيش مع عائلاتهما الجديدة ، وبقي وحده في هذه الشقة .. وأكمل تعليمه من الراتب التقاعدي لجدته التي كانت تعمل مديرة مدرسة.. وبعد توظّفه ، بدأت ظروفه تتحسّن .. خاصة بعد ارتباطه بحبه الأول .. كان حينها في العشرينات من عمره ، وأرادت حبيبته تعلّم القيادة على سيارته .. والتي اصطدمت بالخطأ بعجوز يقطع الطريق ، فكسرت قدمه .. وقبل وصول شرطي المرور ، أسرع مراد بالجلوس خلف المقود .. فأرسلوه للحجز بدلاً منها .. وكان عليه دفع تكاليف العلاج وتعويض للعجوز .. وكان بإمكان الفتاة دفعها بسهولة ، لأنها ميسورة الحال .. لكنها بدلاً من الوقوف معه ، أقفلت جوالها لأسابيع ..مما اضّطّره لبيع سيارته ، ودفع التعويض للمصاب ..وبعد خروجه من السجن ، تفاجأ بخطبتها لقريبها ! مما تسبّب له بصدمةٍ عاطفية شديدة 


فريدة : الآن فهمت سبب رفضه شراء السيارة !

- كانت الحياة قاسية عليه .. فهو انصدم بوالديه اولاً ، ثم بحبه الأول .. وهذا ما جعله كئيباً طوال الوقت .. لهذا اتمنى أن لا تغضبي منه حين يكلّمك بجفاء ، فأنا اعرفه منذ الصغر ..ولطالما كان شاباً خدوماً ولطيفاً جداً مع الجيران وابناء حارته

فشكرتها فريدة على الضيافة ، وعادت الى بيتها وهو مازالت تفكّر بماضي مراد الأليم

***


بعد ثلاثة ايام .. إتصلت على جواله ، فسألها : 

مراد : من المتكلّم ؟!

- فريدة

- وكيف عرفتي رقمي ؟!

- أخذته من جوالك اثناء نومك في المرة الماضية 

- ولما لم تأتي ثانيةً ، فأنا مريض واحتاج الى عصير البرتقال

فريدة : كفّ عن الدلال وعدّ الى العمل ، فقد انتهت إجازتك المرضيّة ..كما انني عجزت عن إيجاد جميع ملفات العملاء ، وتراكم العمل عليّ بغيابك

- حسناً ، انا قادم 

***


ومرّ شهران توطّدت الصداقة بينهما بعد إعجابه بجدّيتها وقت العمل ، وخفة دمها وقت الفراغ .. كما انها لم تكن كثيرة الكلام كالموظفات السابقات ، وانسانة محترمة لم تتقبّل يوماً مزاحه الجريء ..لذا اعتاد مراقبتها عن بعد ، دون إشعارها باهتمامه بها

***


بنهاية الشهر .. بقيا سوياً لوقتٍ متأخر ، لتنظيم الملفات قبل بدء التفتيش الإداري الشهري .. 

ولتأخر الوقت ، أصرّت فريدة على توصيله الى حارته .. فوافق بشرط عدم دخولها الزقاق ، بسبب اللصوص الذين ينشطون في المساء ..


وفي الطريق ، أخبرته بقصتها :

- على فكرة ، لست وحدك المظلوم بهذه الحياة .. فأنا الإبنة الوحيدة لرجلٍ ثريّ .. وبعد وفاة ابي .. تزوجت امي ثانيةً ، وانا بعمر 10 سنوات .. وتوفيت بالسرطان ، بعد بلوغي سن 15 .. وأصبح زوج امي اللعين هو الوصيّ على املاكي ، بعد استلامه شركة ابي 

مراد بقلق : وهل اذاك او تحرّش..


فريدة مقاطعة : لا ، ليس من هذا القبيل .. بل عاملني كإبنته ، لأنه عقيم .. لكني تعبت من سيطرته ، وتحكّمه الشديد بي .. كما يضايقني صرفه لأموال ابي على صديقاته ورحلاته السياحيّة .. ولم يكتفي باختياره لمدارسي واختصاصي الجامعيّ ، بل يصرّ على تزويجي لإبن شريكه لتوسيع تجارته .. لذلك هربت من القصر ، وعملت بالشركة لأصرف على نفسي دون الحاجة اليه

- لكنها اموال والدك !

- يوماً ما سأستردّ الشركة منه ، لكن ليس الآن 

***


بعد اسابيع ، تفاجات فريدة بنزول المدير مع زوج امها الى القبو ، والذي صرخ غاضباً :

- انا لا اسمح لإبنتي أن تعمل بهذه الوظيفة الوضيعة !!

المدير بارتباك : لوّ كنت أعرف انها ابنتك ، لوظّفتها في الإدارة 

فريدة : انا لا اريد العمل الإداريّ ، وأحب عملي هنا

زوج امها بحزم : اريدك أن تقدّمي استقالتك فوراً ، والعودة معي الى القصر ..وإن كنت تريدين عملاً ، سأوظّفك في شركتي

- تقصد شركة ابي 

- فريدة !!

- قلت لك انني أحب العمل هنا ، برفقة خطيبي

وأشارت الى مراد ..

فنظر اليه شزراً .. ثم قال لها :

- الأيام بيننا يا فريدة

فريدة بغيظ : الى اللقاء يا ابي العزيز 


وبعد صعود المدير وزوج امها الى فوق ، اقترب مراد منها قائلاً :

- ومتى عرسنا إن شاء الله ؟ 

فريدة : انت تعلم جيداً انني اخبرته بذلك لأتخلّص منه ، فلا تبتسم هكذا ايها الماكر

فحاول كتمان سعادته لفوزه بقلبها 

***


مرّت الأسابيع بعدها بهدوء .. 

وفي ذلك الصباح .. وضع مراد خاتماً فضّي في جيبه ، الذي اشتراه لطلب الزواج من فريدة في نهاية الدوام .. 

لكنه تفاجأ بغيابها ! فسأل السكرتيرة عنها ، لتخبره أنها قدّمت استقالتها هاتفياً هذا الصباح ، لأنها ستسافر للخارج لإكمال دراستها..


وفور إغلاقه الهاتف ، بدأ برميّ الملفات على الأرض وهو يصرخ بهستيريا : 

- جميعكن متشابهات !! تخطفن قلبي وتغادرن بصمت .. اللعنة عليكن!! 

وانهار باكياً فوق كرسيه ، دون شعور أحد بكسرة قلبه !

***


بعد ايام .. وصله إنذار بالطرد من المدير بعد اهماله المراجعين ، لكنه لم يكترث للأمر وعاد لرمي الأسهم بمللٍ شديد .. قبل أن يصله اتصالٌ من رقمٍ مجهول ! 


وحين اجاب ، سمع صوت فريدة تهمس بخوفٍ شديد :

- مراد ساعدني .. زوج امي حبسني في القصر ، ومنعني من الخروج

وهنا سمع رجلاً من بعيد : 

- اللعينة سرقت جوالي ، أعيدوها الى غرفتها 

فريدة بخوف : ارجوك ساعدني !!


وآخر ما سمعه : هو صراخها الخائف ، قبل انتهاء المكالمة .. فقرّر إنقاذها مهما كلفه الأمر

***


بعد حصوله على عنوانها من ملفها الإدرايّ .. راقب خارج اسوار القصر لساعاتٍ طويلة ، الى أن لمحها تطلّ من نافذة غرفتها العلويةّ بحزن..


وانتظر حلول المساء لحين اطفاء جميع انوار القصر ، فيما عدا غرفتها  

وبدأ بتسلّق الجدران والنوافذ التي تعلّمها من خلال مراقبته للصوص حارته اثناء سرقتهم الغسيل من شرفات العمارات المجاورة 


لتتفاجأ به يقفز من النافذة الى غرفتها ! طالباً منها عدم اصدار الصوت .. 

ثم أخرج سلكاً صغيراً من جيبه ، وهو يهمس لها :

- تعلّمت هذه المهارة من جاري الذي كان لصّاً محترفاً

واستطاع بواسطته فتح قفل غرفتها ..

  

ثم تسلّلا بصمت الى خارج القصر .. وركبا سيارة الأجرة ، فارين من منطقة الأثرياء 

***


في الطريق .. لاحظت فريدة سيارة سوداء تلاحقهما !

- هذا سيارة زوج امي ، سيعيدني حتماً الى القصر

مراد : لن يستطيع التحكّم بك ، في حال أصبحتي زوجتي 

وأخرج الخاتم الفضّي من جيبه وهو يقول : 

- آسف ، لم استطع شراء خاتماً ذهبيّ


وبعد سماعها لبوق سيارة زوج امها ، وهو يأمر سائق الإجرة بالتوقف فوراً .. قالت له : 

- وانا موافقة ، لكن كيف سنهرب منه ؟

فقال مراد للسائق : لوّ سمحت ، إتجه الى الحارة التي امامك 

ثم قال لها : يوجد هناك منزل شيخٍ من اقاربي ، سيهتمّ بالموضوع .. لا تقلقي


ولم يستطع زوج الأم اللحاق بهما ، لأن سيارته لم تمرّ من الزقاق الضيّق

***


في صباح اليوم التالي .. إستيقظ العريسان على صراخ زوج الأم من اسفل المبنى !

- فريدة !! إنزلي فوراً ، والا ارسلت العمّال لهدم المبنى بمن فيه


فخرجت الى الشرفة وهي تشير لأصبع يدها :

- أترى الخاتم !! لقد تزوجته ، ولا يمكنك تفريقنا بعد اليوم 

زوج امها بصدمة : أتزوجتي ذلك الفقير المُعدم ؟!

فسمعه مراد الذي اغتاظ من كلامه ، وخرج الى الشرفة منادياً اولاد حارته:  

- سأشتري لكم المثلجات إن ابعدتموه عن هنا !!


فهجم الصغار نحوه ، ليبدأوا بالقفز على سيارته الجديدة وهم يلوّثون زجاجها بأيديهم المُتربة .. مما اغاظه جداً ، فأمر سائقه بالخروج من الحارة القذرة ..

وآخر ما قاله لها : 

- انت تستحقين هذه الحياة العفنة !!


بعد ذهابه ، قال مراد لها :

- لا تحزني ..أنا اعرف محامياً ماهراً في تدمير الأغنياء ..سنسلّمه القضية ، لإعادة شركة والدك اليك

فريدة بحزن : أتمنى ذلك

***


وبالفعل نفّذ مراد وعده لها بعد سنةٍ كاملة في المحاكم ، إنتهت بفوز فريدة بإدارة شركة والدها .. بينما فرّ زوج امها للخارج قبل سجنه ، لتهرّبه من الضرائب طوال فترة استلامه الشركة

***


في إحدى الأيام .. دخلت فريدة مكتب نائب المدير العام الذي استلمها زوجها ، لتجده يرمي الأسهم على لوحة الحائط 

- أعدت لهذه اللعبة من جديد ؟!

مراد : كنت اتسلّى لحين وصول سكرتيرتي الجديدة ، التي سأوكّلها بمهماتٍ اساسية لبدء عملي في المكتب 

فريدة : وانا ذهبت بنفسي لإحضارها ..(ثم نادت بصوت عالي).. هيا ادخلي وسلّمي على مديرك !!


وحين رأى مراد السكرتيرة القديمة ، قال معترضاً :

- الم تجدي سوى هذه البعوضة لتوظفيها معي ؟! فصوتها الحادّ يزعجني كثيراً 

السكرتيرة : زوجتك المدير العام ، وهي من وظّفتني هنا

فريدة : وهل ظننت انني سأوظّف لك فتاة عزباء جميلة لتكون سكرتيرتك ، على الأقل أعرف إن هذه تغيظك..

 

وهنا دخلت عاملة النظافة الى المكتب ، وهي تقول : 

- يا الهي ! الحائط مليء بالثقوب

مراد باستغراب : ولما ساجدة هنا ؟

الخادمة بعصبية : شاهدة يا بني آدم !! .. (ثم قالت لفريدة).. زوجك لا دماغ له ! 

مراد : ولسانها طويل ايضاً !


فضحكت فريدة : 

- انا وظّفت الأشخاص الذين أثقّ بهم .. وشاهدة ستكون المسؤولة عن تنظيف مكتبي ومكتبك 

الخادمة : الأفضل أن تخرجوا جميعاً لإنهاء عملي


وبعد خروجهم ، وذهاب السكرتيرة الى مكتبها الجديد ..

مراد : البارحة عيّنتي صديقي المحامي بالقسم القانوني للشركة ، واليوم السكرتيرة والخادمة شاهدة !

فريدة : أردّت مكافأتهم على وقوفهم معنا

- انت فعلاً انسانة فريدة ، يا فريدة

- الم تكن تستهزأ من اسمي سابقاً ؟ 

- ليس بعد الآن

فريدة : مازال هناك مفاجأة أخيرة

***


وذهبا معاً الى موقف الشركة ، لتريه سيارته الجديدة

مراد بقلق : لكني لم أقدّ سيارة منذ مدةٍ طويلة

فريدة : انت نائب المدير ، ولا يليق بك التنقّل بالمواصلات .. والآن إركب لتوصيلي الى قصر ابي

- الم ترفضي العودة اليه ، حتى بعد سفر زوج امك ؟

- هناك مشتري يريد رؤيته بعد قليل .. وفي حال بعناه ، نشتري منزلاً صغيراً بدل شقتنا المستأجرة


مراد : كما تشائين يا فريدة من نوعك

- هل هكذا أصبح اسمي ؟!

- نعم منذ اليوم وللأبد

وحضنها بسعادة وهو فخور بزوجته الحنونة .. 


الأربعاء، 30 يونيو 2021

إكسير الشباب

 كتابة : امل شانوحة

 

عقارٌ غير قانونيّ  


جاك : لماذا غيرت مسارك ؟!

صديقه : هذا طريقٌ مُختصر سيوصلنا أسرع الى وجهتنا 

- أخاف أن تتعطّل سيارتك في طريق الغابة الوعر 

- دعّ القيادة لي ، واستمتع بالمغامرة 


وبعد تعمّقهما في الغابة ، شاهدا شيئاً يتحرّك ببطء امامهما ! وكلما اقتربا منه ، بدى كأنه كائنٌ حيّ .. 

جاك باستغراب : هل ذاك حيوان ؟!

- كأنه يحبو ! 

جاك : يا الهي ! انه طفلٌ صغير .. توقف فوراً !!

- لا طبعاً !!


ومرّا بجانب الطفل الذي كان يبكي بخوفٍ شديد في الظلام ! ممّا استفزّ جاك الذي مدّ قدمه فوق دوّاسة المكبح ، ليوقف السيارة بالقوة 

فعاتبه صديقه بعصبية : هل جننت ؟!!

جاك : يبدو أنه خرج من منزله اثناء نوم اهله ، إلى أن وصل هنا .. علينا تسليمه إلى مركز الشرطة 

- المنازل تبعد اميالاً عن الغابة ، الأرجح أن يكون جنّياً 

جاك بإصرار : سأنزل لإنقاذه 

- لا تتهوّر يا مجنون !!


ونزل جاك من السيارة باتجاه الصبي ، بينما تجمّد صديقه وهو يراقبهما من الزجاج الخلفيّ للسيارة.. 


وما أن حمل جاك الطفل الذي كان يرتجف بقوة ، حتى تحرّكت الشجيرات بكلا الجهتين ، وكأن هناك مجموعة من الذئاب او اللصوص يسارعون نحوهما !

مما أرعب صديقه الذي فرّ هارباً ، مُتوجهاً لأقرب مركز شرطة للإبلاغ عمّا حصل ، وإنقاذ جاك والطفل قبل فوات الأوان ! 

***


بعد اسابيع ، وفي جهةٍ الأخرى من المدينة .. إنشغل الخادم الجديد (إريك) بتنظيف قصر السيد إدوارد الذي ذهب مع بقية خدمه إلى مزرعته لقضاء عطلة الصيف ، بعد توكيله الإهتمام بالقصر في غيابهم 


واثناء تنظيفه المكتب ، إشتمّ رائحة سيئة لم يعرف مصدرها ! الى أن لمح فأراً يخرج من اسفل خزانة الكتب .. 

وحين حاول إريك قتله ، أوقع تمثالاً بالخطأ ! مما تسبّب بفتح بابٍ سرّي خلف المكتبة .. 


ليجد صالةً صغيرة فيها طاولة قمار وتلفازاً ضخماً ومجموعة من الملفّات الورقية وأشرطة أفلام مصوّرة .. ويبدو أن احد اصدقاء السيد ترك صحنه المليء بفتات الكيك المتعفّن الذي انبعث منه الرائحة السيئة .. 

وبعد تنظيف اريك للمكان ، تصفّح إحدى الملفات التي فيها جداولاً بأسماء مشاهير الفن والسياسة ! 


وفي الملف الأخير وجد صوراً لأطفال ، ظنّ أنهم يضعون مساحيق التجميل المخيفة في عيد الهالوين .. هذه بعضها : 



مما أثار فضوله لمشاهدة فيلمٍ مكتوب على غلافه : (انفاق نيويورك السرّية) ..

وليته لم يفعل ! فما شاهده جمّد الدم في عروقه ، فالفيديو احتوى على مشاهد تعذيب للأطفال تراوحت اعمارهم بين بضعة شهور الى ست سنوات ، بدت حقيقية ومخيفة جداً .. حيث تنوّعت المشاهد المرعبة بين ضربهم المبرح واغتصابهم ، وتركهم في قبوٍ مظلم مع الفئران ، او بوسط غابةٍ مظلمة ، او معلّقين رأساً على عقب لساعاتٍ طويلة ، وغيرها من المشاهد الغير إنسانيّة ! 


وكان من بين الأشرطة ، فيلماً كُتب على غلافه (النتيجة النهائية) : 

حيث ظهر رجلٌ مقنّع يلبس رداء الأطبة ، وهو يشرح سبب تعذيبهم للأطفال جسدياً ونفسياً بمصطلحاتٍ طبّية ، وبصوتٍ مشوّش : 


((نحن وضعنا سواراً في ايديهم لقياس نبضات قلبهم ، لأننا لا نريد قتلهم قبل إجرائنا العملية الجراحية ..وسأحاول تسهيل الشرح لكم : 

إن إنخفاض هرمون الميلاتونين هو السبب الرئيسي للشيخوخة ، والذي تنتجه الغدة الصنوبرية .. وعندما نوصل الضحايا الصغار إلى قمّة رعبهم ، ننتزع غدتهم الموجودة بين الفصّ الأيمن والأيسر في وسط أدمغتهم ، من خلال تجويف العين ، ليتمّ أكلها مباشرةً .. او لإنتزاع منها مركّباً كيميائي يسمى (الأندرونوكروم) الذي نحوّله لاحقاً الى حقن إكسير الشباب))  


ورغم عدم فهم إريك لكل ما قاله الطبيب المجهول ! الا انه شعر بضرورة معاقبة السيد إدوارد ورفاقه المتورّطين باختفاء العديد من الأطفال في منطقته والأحياء المجاورة .

***


بعد شهر .. وأثناء سير ولدان بعمر الثامنة لوحدهما ، بعد خروجهما من المدرسة ..لاحظ الصبي آدم ملاحقتهما من قبل شاحنة مقفلة مظلّلة النوافذ ، فهمس لصديقه :

- إن رأيت احداً يخرج من تلك الشاحنة باتجاهنا ، فاهرب بأسرع ما يمكنك دون النظر خلفك  

- عن ماذا تتكلم ؟!

آدم بحزم : فقط إفعل ما قلته لك !!


وماهي الا دقائق حتى حصل ما توقعه الصبي ، وركض صديقه هارباً باتجاه منزله .. بينما تمكّن الرجل المقنّع من اختطاف آدم بعد تخديره بقماشةٍ مبلولة .. ووضعه في الشاحنة ، لنقله إلى مكانٍ مجهول !

*** 


في ذلك المساء .. إستيقظ آدم داخل قبوٍ مضاء بأنوارٍ خافته ، ليتفاجأ بعشرات الأطفال مسجونين في أقفاصٍ حديدية مُخصّصة للحيوانات .. معظمهم مخدّرٌ تماماً ، وعلى وجهه وجسده آثار التعذيب .. بينما البعض الآخر ينظر نحوه بنظراتٍ تائهة ، من هول ما شاهده في الأيام الماضية !


وفور سماع آدم لقفل الباب يُفتح ، حتى استلقى كأنه نائم .. فتوجه الحارس اليه ، وهو يفتح قفصه ويقول :

- الم تستيقظ بعد ؟! .. حسناً لا يهم 

وحمله الى فوق .. 

***


أخذ آدم يراقب كل شيء بعينه الشبه مفتوحة اسفل غرّته الطويلة ، ليشاهد رجلاً ضخماً يلبس معطفاً غالياً وهو يعاتب حارسه : 

- ألم أنبّهك بخطف الأولاد دون سن السابعة ؟ 

- سيد إدوارد .. بعد خطفنا العديد من الأطفال في مهدهم ، زوّد الأهالي منازلهم بأجهزة الإنذار .. وامتنع الكثيرون عن إرسال أطفالهم الى الحضانات ، لحين قبض الشرطة علينا .. لهذا خطفت الصبي ليكون فأر تجارب .. وإن نجحنا باستخراج العقار منه ، نخطف المزيد من اطفال المرحلة الإبتدائية 


إدوارد : حسناً .. لكن علينا إختيار شيءٍ يخيفه بالفعل ، ويشيب له شعر رأسه 

- ما رأيك أن نحرق الشاب الفضوليّ امام عينيه ؟ 

- أمازال جاك حيّاً ؟

- كنت أخطّط لبيع اعضائه ، لكن هذه الفكرة مُربحة أكثر 

إدوارد : حسناً إجمعهما معاً .. وبعد توّطدت علاقتهما ببعض ، إقتله امامه

- قد يتطلّب الأمر اسابيع ؟! 

إدوارد : معك شهر لتنفيذ الخطة ، ولا تنسى تصوير الحدث .. فأنا وأصدقائي نُقامر عليهم ، بالإضافة لرهاننا على سعر حقنة إكسير شباب

- كما تشاء سيدي


وعاد الحارس لحمل آدم النائم .. لكن هذه المرة أخذه الى إسطبلٍ مهجور .. ثم وضعه في عليّةٍ مليئة بالقشّ ، وقفل الباب عليه من الخارج


وبعد ذهابه ، سمع آدم صوت شاب بجانبه يقول بقلق : 

- هل انت بخير يا ولد ؟

فنهض ليرى شاباً على وجهه آثار الضرب والتعذيب ، فسأله :

- هل أنت من حاولت إنقاذ طفل الغابة ؟

جاك بدهشة : وكيف عرفت ؟!

- شاهدتك بالأخبار.. ما كان على صديقك تركك وحدك هناك !

- لوّ لم يفعل ، لكان معي الآن  

آدم : وماذا حصل للطفل ؟

- لم يتحمّل قلبه تجربة الغابة القاسية ، ومات بعدها بأيام 

آدم : ولماذا يفعلون ذلك ؟

- الموضوع كبير ولن تفهمه

- ارجوك إخبرني 


جاك : ما فهمته انهم علموا بطريقةٍ ما : إن الأطفال حين يخافون ، ينتج جسمهم مركّباً كيميائي نادر يقاوم علامات الشيخوخة .. فيبيعونه للأثرياء والمشاهير مقابل مبالغ خيالية 

- وكيف توصّلوا لهذه النتيجة الغريبة ؟! 

جاك : أظن ابليس أخبرهم ذلك

- ابليس !

- لا اريد إخافتك ، لكن هذه التجارب خاصة بالماسونيين وعبّاد الشياطين الذين يخطفون ويقتلون آلاف الأطفال حول العالم : إما لحرقهم كقرابين للشيطان ، او لأجل هذه التجارة المربحة 


آدم : طالما يريدون أطفالاً فقط ، فلما يبقونك حيّاً ؟ 

- لأني حاولت إفساد عملهم ، وربما يخطّطون للقضاء عليّ بطريقةٍ مُغايرة .. لكن السؤال الأهم : لما خطفوك ؟ فأنت اكبر الأطفال الموجودين هنا ! .. هل عمرك 9 سنوات ؟

آدم : بل 8 ..

- غريب ! يبدو تفكيرك أكبر من عمرك بكثير ، هل انت ..


وهنا انفتح باب الإسطبل .. ليصعد الحارس اليهما ويأمرهما باللحاق به ، لتناول عشائهما مع بقية المساجين 

***


مرّت عدّة اسابيع .. توطّدت علاقة جاك بآدم الذي بقيّ معه بمعزل عن بقية الأطفال ، ولم يتعذّب مثلهم حتى الآن !

***


وفي إحدى الليالي الباردة ، إستيقظ آدم ليجد نفسه وحده بالعليّة ! 

وبعد قليل .. قدم الحارس لتقييد يديه خلف ظهره ، وعصب عينيه بمنديلٍ اسود .. ثم وضعه داخل سيارة ، قادها لمسافةٍ طويلة .. قبل إخراجه الى حقلٍ واسع 


وبعد إزالة المنديل عن عينيه ، شاهد نوراً من بعيد .. وكلما اقتاده الحارس الى هناك ، إتضحت الرؤية أكثر .. حيث شاهد جاك مُكمّم الفمّ ومصلوباً على خشبة .. وبجانبه رجلٌ مقنّع يحمل شعلة النار .. ورجلٌ آخر يصوّر الحدث بكاميرا جواله !


وهنا قال الحارس لآدم بلؤم :

- الآن سترى صديقك يُحرق امام عينيك 

فصرخ آدم بفزع : لا تقتلوا صديقي !!


وحين قرّب الرجل الشعلة من جاك ، صرخ آدم بعلوّ صوته :

- على الأقل دعوني أدعو له قبل موته !!

فضحك الرجال الثلاثة .. وقال أحدهم ساخراً :

- لا احد يستطيع إنقاذ صديقك من هذه الورطة

آدم بإصرار : اذاً فكّوا قيودي ، ماذا تخسرون ؟!!


فحلّ الحارس رباط يديه .. ليجلس آدم على الأرض ، رافعاً يديه للسماء وهو يدعو بصمت .. بينما أكمل الرجال إشعال الحطب اسفل جاك الذي كان يبكي بخوف.. 

واثناء إنشغالهم به .. تمّتم آدم بكلماتٍ ، وهو يرفع معصمه نحو فمه! 


وما هي الا ثواني ، حتى سمع المجرمون صافرات الشرطة تقترب من المكان ! فهربوا فزعين باتجاه سياراتهم ، تاركين النار تشتعل في بنطال جاك الذي كان يصرخ بألم ..

لينطلق آدم نحوه ، ويفكّ حباله .. ثم يدحرجه فوق الرمال لإطفاء ناره 


لاحقاً تمكّنت الشرطة من إيقاف سيارة الحارس والقبض عليه ، بينما فرّ الرجلين الى مكانٍ مجهول .. 

***


بعد إنقاذ آدم وجاك ، جلسا في المقعد الخلفي لسيارة الشرطة في طريقهم الى المستشفى لعلاج حروق جاك الذي حاول تحمّل آلامه قدر المستطاع ، وهو يشكر آدم على بطولته : 

- انا اعلم إن دعاء الأطفال مُستجاب ، لكني لا أفهم كيف وصلت الشرطة الينا بهذه سرعة ؟!

فقال السائق (الشرطي) : آدم ليس ولداً صغيراً ، بل هو شرطي متخفّي بعمر 44 

جاك بصدمة : أكبر مني ! .. (ثم سأل آدم) .. هل أنت قزم ؟

آدم : توقف نموي بعمر الثامنة .. ولولا إن والدي نقيباً بالجيش ، لما حقّقت حلمي بالإلتحاق بالشرطة


الشرطي : وبسبب حالته الصحية الفريدة ، تمكّنا القبض على عشرات المتحرّشين بالأطفال وعصابات الخطف والإتجار بالأعضاء .. كما هذه العصابة الخطيرة التي لم نعلم بوجودها ، لولا البقّاق المزروع في معصمه 

جاك : بقّاق !

آدم : نعم زرعته قبل إلتحاقي بالمدرسة التي اخترتها بعناية ، لأنها بعيدة عن المنازل والمحال التجارية ، والتي ستثير حتماً إهتمام الأشرار الذين من سوء حظهم إختطفوني من بين كل الطلّاب .. حيث تمكّنت الشرطة من تعقّب مكاني ، واكتشاف وكرهم السرّي 

الشرطي : وزملائي الآن يقبضون عليهم ، بعد أن أعطانا الضابط آدم إشارة بدء الهجوم ..اما الأطفال فسنرسلهم الى مركز الرعاية ، لحين إعادتهم الى اهاليهم 


جاك : كان الله في عونهم ، فأبنائهم سيحتاجون لسنواتٍ طويلة من العلاج النفسيّ لنسيان تجربتهم المخيفة.. لكن ماذا عن الرؤساء وكبار الشخصيات المتورّطين بهذه القضية ؟

الشرطي : نحن علمنا بهذه القضية بعد أن ارسل لنا اريك (الذي يعمل خادماً في قصر رئيس العصابة إداورد) نسخاً عن ملفات بأسماء المتورّطين بشراء العقار المُحرّم قانوناً ، والذي وجده في غرفةٍ سرّية لسيده.. وقريباً سنحاكمهم جميعاً  

جاك بغيظ : أتمنى أن ينالوا أشدّ العقوبات !!


آدم : سنعمل على ذلك ..وأنت !! إسمع نصيحة صديقك في المرة القادمة ، وحين ترى شيئاً غير مألوف في طريقٍ مهجور : كطفلٍ او حيوان ميت في منتصف الطريق ، إيّاك النزول من سيارتك واكمل طريقك ، ثم اتصل لاحقاً بالشرطة .. فكما هذه العصابة ، توجد عصابات أخرى مهتمة بسرقة السيارات وتجارة الأعضاء .. عدا عن عبّاد الشياطين الذين يحتاجون على الدوام لقرابين بشرّية لشيطانهم اللعين !!

جاك : تعلّمت درسي ، ولن أعيدها ثانيةً

الشرطي : سأوصلك للمستشفى لعلاج حروقك ، ثم أعيد الضابط آدم الى منزله .. الحمد الله على سلامتكما


فتنهّد جاك وآدم بارتياح بعد انتهاء أزمتهما المرعبة..

******

ملاحظة :

إقرأ أكثر عن عقار أكسير الشباب المُحرّم دوليّاً ، في هذا الرابط :

https://rattibha.com/thread/1258513993603313665?lang=ar


الأحد، 27 يونيو 2021

الموهبة الفريدة

فكرة : أختي أسمى
كتابة : أمل شانوحة

 

إلاّ أولادي !! 


بعد وضع أبنائها الثلاثة في الفِراش ، استلقت على سريرها متعبة . وقبل إستسلامها للنّوم ، وصلها إتصال من رقمٍ مجهول : 

- سيدرا ، ألاقيك اللّيلة في الموعد المحدّد ؟ 

- من المتكلّم ؟! 

- لا وقت لهذه الآلاعيب ، سأكون خارج محل المجوهرات القريب من النّادي الرّياضيّ . وبعد وضعك الرّقم السرّي في القفل الكهربائيّ ، نتقاسم أرباحنا مناصفةً كما اتفقنا.

- أتقصد اننا سنسرق ..

الرجل مقاطعاً بعصبيّة : سيدرا !! لا وقت للمزاح ، سآراك بعد ساعة.. ولا تنسي قناعك ، فهذا الشارع مليء بالكاميرات الخفيّة . 

- أقلت قناع ؟! .. إذاً أنا قادمة .

***


حين وصلت إلى المحل المراد سرقته ، وجدت رجلاً مقنّعاً ينتظرها هناك ، والذي اقترب منها هامساً :

- هيا أسرعي بوضع الرقم السرّي الّذي تحفظينه . 


فتجمّدت قليلاً قرب الجهاز الأمنيّ ، قبل ضغطها بعض الأزرار . لتتفاجأ بالباب الخارجيّ للمحل يرتفع للأعلى ! 

فربّت على ظهرها بحماسٍ وسعادة : 

- أحسنتِ يا شريكتي !! الآن لنستعجل قبل أن يلاحظنا أحد .


ودخلا محل المجوهرات لسرقة كل ما خفّ وزنه وغلا ثمنه . ووضعاه في حقيبة الظّهر ، قبل خروجهما من هناك . 

وركبت سيارته التي قادها إلى مقرّه السّري .

***


فور وصولهما إلى مخزنٍ صغير ، أخرجا المسروقات لمعاينتها . 

فسألها باستغراب :

- لما زلتي تضعين القناع ؟ لا يوجد كاميرات في مخزني الحقير .

فقالت بارتباك : حسناً سأزيله ، لكن عدني أن تتمالك أعصابك .


وأزالته ببطء ، ليسارع برفع مسدسه في وجهها بخوف :

- من أنتِ ؟! هل أنت شرطيّة ؟!

فرفعت يديها مُستسلمة ، وهي تقول بخوف :

- بصراحة ، إتصالك كان خاطئاً . 

فصرخ بعصبيّة : ولما لم تخبريني بأنّك لست سيدرا ؟!!


فقالت بنبرةٍ منكسرة : لأنني أرملة فقيرة ، ولديّ ثلاثة أولاد . أبوهم كان مقامراً ، وانتحر بعد إضاعته أموالنا . وقبل إتصالك كنت أفكّر بالبحث عن عملٍ لدفع إيجار منزلنا المتأخّر ، بعد أن هدّدنا المالك بطردنا في الشّارع خلال اسبوع . وحين أخبرتني بسرقة المجوهرات ونحن مُقنّعين ، وجدتها فرصة مناسبة لحلّ أزمتي الماليّة . 

الرجل باستغراب : وكيف عرفتي الرقم السّري للمحل ؟!

- لأني أملك منذ طفولتي موهبةً فريدة لم يصدّقها أحد ، حتى المرحوم زوجي . فالأرقام السريّة تظهر بوضوح في مخيّلتي ، دون إرادةٍ مني !


الرجل باستنكار : لوّ كان كلامك صحيحاً لفزتِ بجوائز اليانصيب ! 

- ذهبت مرة الى محطّةٍ إعلامية ، وأخبرتهم (قبل بثّهم المباشر لنتائج اليانصيب) عن الأرقام الرّابحة . لكنّهم لم يعطوني الجائزة لأنّي لم أشتري البطاقة . فأنا أرى الأرقام فقط وليس العناوين ، لهذا لم أعرف من أيّ محلٍ أشتري البطاقة الفائزة . 

الرجل : كان على الأقل بإمكانك مساعدة زوجك المقامر .

فأجابته بعصبيّة : رجاءً لا تذكر هذا الأمر أمامي !! فالقمار دمّر حياة أسرتي بالكامل . ولا اريد الذهاب إلى تلك الأماكن المشبوهة التي أودت بحياة زوجي المستهتر .

- حسناً إهدأي ، لم أقصد مضايقتك .


ثم سكت قليلاً ، قبل أن يقول : 

- أعتقد إنك ستنفعيني أكثر من شريكتي السّابقة ، ومعاً سنكسب الكثير من الأموال .

السيدة بحماس : إذاً أنت موافق على مشاركتي أرباحك اللّيلة ؟!!

- ليس بهذه السهولة ، عليّ أولاً أخذ الذّهب إلى صديقي لصهرها وتحويلها إلى سبيكة ، كيّ لا تلاحقنا الشّرطة إن بعناها بشكلها الحاليّ . 

- وماذا ستفعل بالسّبيكة ؟

- أبيعها لتاجرٍ بالسوق السّوداء ، ومن بعدها نتقاسم الثمن .

السيدة بخيبة أمل : يعني لن تعطيني حصّتي الآن ؟ 

- لا ، أحتاج لبعض الوقت .

- لكني بحاجة ماسّة للمال من أجل ..

فقال مقاطعاً : ستحصلين على أكثر من إيجار منزلك . 


فانتبه أن كلامه ضايقها ، فقال لها :

- يمكنك الوثوق بي ، فأنا لن أغدر بك .. أنت كنزٌ بالنسبة لي ، وأريد الإستفادة من موهبتك الفريدة لتوسيع نشاطي في المنطقة . وأعدك إننا قريباً سنصبح من الأثرياء .

السيدة : وماذا عن شريكتك السّابقة ؟

- آه سيدرا ! نسيت الإطمئنان عليها 

وابتعد عنا للإتصال بصديقه.


وبعد قليل عاد اليها ، وهو يقول :

- الغبية ! ذهبت الى محلٍ آخر مزوّداً بجهاز إنذار ، وهي الآن في سجن التوقيف . 

السيدة : ألن تساعدها للخروج من الورطة ؟

- مستحيل أن أذهب بنفسي الى الشرطة . ثم لا حاجة لي بها ، بعد تعرّفي عليك .  

- أشعر بالفضول لمعرفة كيف تعرّفت عليها ؟ 


الرجل : كلانا عاش حياةً صعبة ، فهي يتيمة اضطّرت للزواج من عجوز بعد طردها من دار الأيتام ببلوغها سن 18، وكان يعمل في تركيب الخزائن الحديديّة داخل غرفٍ سرّية بالقصور الفخمة . ولثقة زبائنه به ، أوكله بعضهم بوضع الرقم السرّي للخزنة ، وبدوره سجّل الأرقام في جوّاله في حال نسيها زبائنه . وبعد وفاته ، إحتفظت أرملته (سيدرا) بجوّاله . وبعد فترة وأثناء تناولها الغداء في المطعم الذي كنت طباخاً فيه . شاهدت مديري وهو يطردني ، بعد أن رآني بالكاميرات وانا أسرق خزنته مساءً . ولولا أن المبلغ قليل ، لبلّغ عني الشرطة . فلحقتني لتسألني إن كنت بارعاً بفتح الأقفال ، فأخبرتها بأن زوج أمي علّمني السرقة منذ مراهقتي . فاتفقت معي على إعطائي عناوين الخزائن وأرقامهم السرّية التي نسختهم من جوّال زوجها ، بشرط مقاسمتها الأرباح . وكان محل المجوهرات الذي سرقناه اليوم ، هو عمليتنا الثالثة . وأكيد الشرطة إحتفظت بجوّالها الآن . لكن لا يهم ، فبموهبتك سنسرق عشرات المحلاّت والقصور ..(ثم مدّ يده مصافحاً).. بما أننا أصبحنا شركاء ، سأعرّفك بنفسي : إسمي جاك .. وإن كنتِ لا تريدين إخباري بإسمك ، سأناديك بسيدرا 2

- إسمي ديانا ، وأفضّل لقب : الأرملة السوداء

- كما تشائين أيتها العقربة الماكرة

وابتسما بخبث.

***


ثم توالت الأحداث ، ونجحنا معاً بسرقة سلّسلة من خزائن المحال لمُلّاكها الأثرياء.  

وزارها جاك في بيتها من وقتٍ لآخر لتقاسم الأرباح ، ممّا وطّد علاقته بأولادها الذين أحبوا إهتمامه بهم ، وأعجبتهم هداياه المميزة.. لهذا وافقت على عرضه للزواج بها . ثم انتقلوا جميعاً الى منزلٍ كبير ، إشترياه من أرباحهما معاً .

***


وذات يوم ، عادت ديانا من السوق لتجد أولادها يبكون بقهر بعد أن ضربهم زوجها ، لأنهم كانوا يلعبون بصخب اثناء نومه . فسألتهم بغيظ :

- وأين هو الآن ؟

- في غرفتكما

فذهبت اليه ، لتجده غارقاً في النوم 

***


إستيقظ جاك مساءً وهو في قمّة نشاطه ، وطلب منها تحضير العشاء.

واثناء تناوله الطعام ، سألها بضيق :

- اين اولادك المشاغبين ؟

- أرسلتهم إلى منزل أهلي ، لقضاء عطلة الأسبوع هناك 

- هكذا أفضل


وبعد إنهائه الحساء ، شعر بمغصٍ قويّ في بطنه . 

- ديانا ! لما أشعر بالدوخة والغثيان ؟! 

- هذا ما أحسّ به زوجي ايضاً قبل وفاته

فسألها بقلق : ماذا تقصدين ؟!

- هي أعراض طبيعية للسمّ الذي وضعته في طعامكما 

فصرخ بغضبٍ شديد : ماذا تقولين ؟!!


ديانا بقهر : كان رجلاً عديم المسؤولية ، وتحمّلت جميع أخطائه . لكن بعد ضربه أبنائنا بعنف ، خطّطت أن يبدو موته إنتحاراً .. أمّا أنت !! فسأدفنك مباشرةً بالغابة .. فهمت الآن لما لقّبت نفسي بالأرملة السوداء ؟ لأني لا أسمح لأحد أن يؤذي اولادي ، أيّها الحقير !! 

فقال باكياً وهو يتألّم بشدّة : 

- آسف ، لن أضربهم ثانيةً . ارجوك خذيني الى المستشفى


فجلست امامه ، دون إكتراثها بآلامه : 

- طالما مازال امامك دقائق قبل سريان السمّ في كلّ جسمك ، سأخبرك الحقيقة . انا لست موهوبة برؤية أرقام الخزائن . كما لم أكن ربّة منزل ، بل نادلة في المطعم الذي كنت تتفق فيه مع سيدرا على السرقة . وأثناء إنشغالكما باختيار الطعام من القائمة ، سرقت بخفّة جوّالها من فوق الطاولة ، بعد سماعي لما قالته عن عمل زوجها . يعني اتصالك لم يكن خاطئاً . لكن يبدو أن ذاكرتها ضعيفة جعلها تذهب إلى عنوانٍ آخر ، أوقعها في قبضة الشرطة . وطالما إننا استخدمنا جميع الأرقام السرّية للخزائن المسجّلة في جوّالها ، فدورك إنتهى بالنسبة لي . والمال الذي سرقناه معاً ، يكفي أولادي لسنواتٍ عدّة . لهذا لم أعدّ بحاجة اليك في حياتي . ألقاك لاحقاً في الجحيم يا زوجي العزيز .


ثم أخذت تراقبه وهو يتلوّى على الأرض بألم ، إلى أن فارق الحياة .

لتبدأ بسحب قدميه بصعوبة ، باتجاه المرآب الموجود داخل المنزل. 

وبعد وضعه في صندوق السيارة ، أدرات المحرّك وهي تقول :

- مازال أمامي مهمّة دفن اللعين ، ومن بعدها أعيش بسلام مع ابنائي.


وانطلقت في الظلام ، باتجاه الغابة المُوحشة !


المشاعر المُحرّمة

تأليف : امل شانوحة    الروبوتات البشريّة في اليوم الأول من عمل طبيب الأسنان (جيمس) بعيادته التي افتتحها بعد تخرّجه .. واثناء علاجه المريض ال...