الثلاثاء، 6 أكتوبر 2020

سحرٌ وراثيّ

فكرة : محمد بيومي آل غلاب
كتابة : امل شانوحة 

سحر الأجيال


جبينٌ مُتعرّق .. رعشةٌ لا ارادية .. أنفاسٌ متقطّعة .. إستيقظت ريم من كابوسها الذي تكرّر يومياً على مدار اسبوع ..

وتساءلت بضيق : 

- لما تلاحقني العروس المشلولة في منامي كأنها تريد الإنتقام مني ؟!

***


وعلى مائدة الفطور .. لاحظت امها وجدتها نعاسها وإرهاقها الجسدي .. فسألتها امها :  

- أمازال متنمّروا المدرسة يضايقونك ؟

ريم بيأس : لا ، تعوّدت عليهم

الجدة : اذاً مابك متعبة هكذا ؟

ريم : كابوسٌ لعين لا يفارقني

الأم : قلتِ ذلك مراراً ، لكنك لم تخبرينا بما ترينه 

ابنتها : 

- نفس المشاهد تتكرّر كل مرة : رجلٌ يضرب ابنته بعنف .. عروسٌ على كرسي متحرّك .. وحبلٌ ناريّ يربطني بكما  

الأم والجدة باستغراب : نحن ايضاً ؟!

ريم : نعم .. وأكثر ما يخيفني : نظرات العجوز وهو يراقبني طيلة المنام  

الجدة : أيّ عجوز ؟

وهنا سمعت بوق حافلة مدرستها.. فوقفت ريم وهي تقول :

- عليّ الذهاب ، نُكمل كلامنا لاحقاً 

***


مرّ الوقت ببطء في مدرستها ، فالمعلمون لا يسمحون لها المشاركة في الحصص ، كأنهم لا يرونها ! 

كما عانت ايضاً من الوحدة ، فلا احد يريد مصاحبتها بعد تلقيبها بالفتاة المنحوسة لكثرة تعثّراتها ، وضياع اغراضها وسقوط طعامها دون سبب ، وتلوّث ملابسها من مطرٍ وطين وغيرهما ، كأن هناك شيءٌ خفيّ يريد جعلها محطّ سخرية الآخرين !

***


في نهاية المدرسة ، توجهت للحافلة .. وقبل صعود درجاته ، لمحت عجوزاً يختبأ بين الأشجار ويشير لها بالقدوم اليه ! 

المخيف في الموضوع انه نفس العجوز الأعور الذي تراه في كوابيسها المتكرّرة ! 

فأسرعت بركوب الحافلة وقلبها ينبض بقوة .. وحين نظرت من النافذة كان اختفى تماماً ! رغم كبر سنه وعرجته الواضحة  

***


حين وصلت المنزل .. وجدت جدتها نائمة وامها في عملها الوظيفي ، ولا غذاء كالعادة .. فأكلت شطيرة جبن على عجل ، ودخلت غرفتها .. وما ان استلقت على سريرها ، حتى غفت من إرهاقها النفسي والجسدي 


لترى ذات الكابوس ، لكن هذه المرة عاتبها العجوز لأنها لم تلحقه !

ولأول مرة لم تهرب منه ، بل تجرّأت على سؤاله عمّا يريده منها .. فأجابها :

- فكّي رباطي لأعود لعائلتي

لتنتبه بأن الحبل الناريّ الذي يجمعها بجدتها وامها مُقيدٌ ايضاً بقدم العجوز الذي أراد الشرح لها طريقة فكّ الرباط ، لكنه التزم الصمت بعد رؤيته العروس المشلولة تراقبهما من بعيد ! 

واستيقظت ريم من نومها وهي تتصبّب عرقاً..

***


في المساء .. سألتها امها :

- لما لا تأكلين ؟

ريم بنبرةٍ حزينة : شبعت

الجدة : وضعك يزداد سوءاً كل يوم ، ما السبب ؟ 

ريم : أرهقني الكابوس اللعين  

الأم : آه صحيح ، لم تكمليه لنا .. فماذا ترين بالضبط ؟ 

فأخبرتهم عن عجوز الكابوس الذي رأته يراقبها خارج المدرسة .. 

الجدة : صفيه لنا ؟


ريم : عجوزٌ أعور ، بلحيةٍ بيضاء خفيفة ..ومسكة عكازه على شكل أفعى

الأم بدهشة : أهو أعرج وأسمر اللون ؟

ريم باستغراب : نعم ! 

الجدة : وأصلع ايضاً ؟ 

ريم : هل رأيتماه في منطقتنا من قبل ؟

فسألت الأم الجدة : لحظة ! هل شاهدته انت ايضاً ؟ 

الجدة : نعم بعد ترمّلي بشهر ، صار يلاحقني كلما ذهبت للسوق .. ثم اختفى فجأة  

الأم : يعني رأيته بعد وفاة والدي ؟ أيّ بعد انتقالنا للمدينة 

الجدة : نعم .. ماذا عنك ؟

الأم : رأيته بعد ايام من طلاقي ، وكنت حاملاً بريم 

ريم : تقصدان انه بدأ اولاً بمراقبة جدتي قبل ثلاثين سنة ؟!

الجدة : نعم ، وكان عجوزاً ايضاً 

ريم باستغراب : وكيف لم يمت بعد ؟!


الجدة بتردّد : أظنه جني تربّص بعائلتنا جيلاً بعد جيل ، كسحرٍ متوارث أصابنا جميعاً بسوء الطالع 

ريم بخوف : جني !

الأم : امي !! لا تخيفيها رجاءً 

ريم : وهل كنتما منحوستان مثلي ؟

الأم : أذكر ان مصائبنا زادت بعد انتقالنا للمدينة .. فجدتك ترمّلت .. وانا تطلّقت بعد أشهر من زواجي .. كما عانيت من التنمّر طوال مرحلتي الدراسية والوظيفية ايضاً

الجدة : وانا تأذّيت كثيراً من الجيران ، لهذا تنقّلنا بين العديد من المنازل


ريم : اذاً لما لا نعود للقرية ، فربما تتحسّن احوالنا

الجدة بفزع : لا !! فالساحرة تعيش هناك

ريم : هل تقصدين العروس المشلولة ؟

الجدة : بل خالتها 

ريم : اذاً انت تعرفين الصبية جيداً ! من تكون ؟ وهل فعلاً تقدّم أحد للزواج منها وهي مشلولة ؟!

الجدة بحزم : ريم !! إذهبي الى غرفتك واكملي دراستك ، فالقصة قديمة ولا اريد التحدّث فيها ..

ريم : لكن جدتي ..

وهنا فضّلت الأم والجدة دخول غرفتهما دون الإجابة عن اسئلتها ! فعرفت ريم انهما يخفيان سراً عنها ، ولن تهدأ قبل ان تعرفه ..

***


في ظهر اليوم التالي .. وقبل صعودها الحافلة للعودة الى منزلها ، تلفتّت في جميع الإتجاهات بحثاً عن العجوز .. لكنها لم تره ..

فصرخ عليها السائق : هل ستركبين ام ماذا ؟!!

فصعدت لتجلس على كرسي بجانب النافذة .. وقبل تحرّك الحافلة ، لمحت العجوز يشير لها من بعيد ..


فأوقفت الحافلة وأسرعت باتجاهه .. لكنها تجمّدت حين رأت نظراته الحادّة ، وسألته بارتباكٍ وخوف :

- هل انت جني بالفعل ؟!

وتمنت ان يجيبها بالنفي او يضحك ساخراً من سؤالها ، لكنه اكتفى بالإشارة لها أن تلحقه دون التفوه بكلمةٍ واحدة مما زاد من رهبة الموقف


وظلّت تمشي خلفه قرابة ساعة دون ان يلتفت لها او يحدّثها ، الى ان ابتعدا كثيراً عن المناطق التي تعرفها .. فسألته بخوف :

- الى اين تأخذني ؟! 

لكنه لم يجيبها ، وتابع سيره ببطء (بسبب عرجته) .. الى ان صعد تلّة مرتفعة ، فلحقته .. وتوقف عند الحافة وهو يشير الى قريةٍ بعيدة 


ثم التفت اليها بعد تحوّل عينيه لحمراواتين مضيئتين ، أوقفت الدم في عروقها .. قائلاً بنبرةٍ حانقة : 

- سحركم مدفون هناك !!

واختفى فجأة ! لتُصاب بنوبة فزعٍ جعلتها تركض بأقصى سرعتها في نفس الإتجاه الذي أتت منه ، لكنها تاهت في الطرقات ..ولساعاتٍ طويلة


الى ان وصلت عصراً قرب منزلٍ قديم ، تصطفّ النسوة امامه ..

وحين اقتربت منهنّ ، سمعت إحداهنّ تقول للأخرى : 

- لا تقلقي ، الشيخ أحمد يفكّ جميع الأسحار 

فلم تجد ريم نفسها الا وهي تمرّ بين الجموع ، حتى وصلت الى ساحة المنزل .. وحين رآها حارس الشيخ ، أدخلها اليه اولاً ! رغم وجود نساءٌ كثيرات يقفن بالدور قبلها 


فوجدت نفسها في غرفةٍ صغيرة ، وشيخٌ هرم يفترش الأرض .. فجلست امامه ، ليبادر هو بسؤالها :

- لماذا ترتجفين يا ابنتي ؟

- رأيت جني قبل قليل 

- أحقاً ! إخبريني القصة منذ البداية

فأخبرته بشأن الكابوس والعجوز الأعرج ..


الشيخ باهتمام : هل أشار الى القرية المجاورة ؟

ريم : نعم ، يبدو ان سحرنا مدفون هناك 

- سحر الأجيال هو أخطر الأسحار ، ينتقل من فردٍ لآخر ..ومن الصعب فكّه ..

ثم أخذ يتمّتم جانباً ، وكأنه يتحدث مع الجني الذي يخاويه .. 


وبعد دقائق ، قال لها :

- اسألي جدتك عن ذنبها مع العروس المشلولة 

- ذنبها ؟!

الشيخ : نعم .. إحضريها غداً مع امك بنفس الموعد ، وسأحاول مساعدتكن .. الآن عودي الى منزلك

- لا أعرف كيف ! فالعجوز توّهني في الطرقات

- اذاً أوصفي الشارع الذي تعيشين فيه لحارسي فهو يعرف المنطقة جيداً ، وسيوصلك سالمة الى بيتك .. اراكِ غداً مع عائلتك

***


وبالفعل أعادها الحارس الى بيتها ، لتجد امها وجدتها تنتظرانها بقلقٍ شديد بعد تأخر موعد عودتها من المدرسة .. فأخبرتهما بما حصل

الأم معاتبة بعصبية : هل جننت ؟! كيف لحقتي الجني ؟

- لأني تعبت من النحس الذي رافقني طوال حياتي ، واريد فكّ سحرنا .. ولن أتوقف عن سؤالكما حتى تخبراني بقصة الفتاة المشلولة ، فماذا فعلتي بها يا جدتي ؟ 


فتنهدت الجدة بضيق ، قبل ان تخبرهما القصة التي كانت ابنتها تجهل بعض تفاصيلها .. حيث بدأت الحكاية بعودة رجلٍ من اهل القرية ثرياً من غربته ، طالباً عروساً لإبنه الشاب .. فعرضت الأمهات بناتهنّ من عمر 12 حتى اواخر العشرينات .. وبعد عدة لقاءات بين الوالد والأهالي ، إحتار ابنه بين عروستين : منال (ام ريم) وهي بعمر 13 .. والصبية جواهر بعمر 25 ، أجمل بنات القرية .. 


ولرغبة الجدة أن تحظى ابنتها بعريسٍ مثالي قامت بنشر إشاعةٍ عن علاقة محرّمة تجمع جواهر بشابٍ مزارع يعمل في ارض والدها.. وانتشرت الإشاعة بين اهالي القرية كالنار في الهشيم ، الى ان وصلت لأسماع والدها الذي انهال ضرباً عليها دون رحمة .. واثناء محاولتها الهرب منه ، دفعها بغضب وهي تنزل الأدراج .. لتسقط بعنف على ظهرها ، وتُصاب بشلل قدميها ... وبعد ايام سافر والدها للخارج نادماً ، بعد ان أخبرته طبيبة المشفى ان ابنته شريفة .. وهربت الجدة للمدينة خوفاً من غضب عائلتها ، خاصة ان خالتها تمتهن الشعوذة والتي يبدو انها انتقمت لشرف (ابنة اختها) بسحر الجدة وابنتها ، لينتقل السحر لريم بالتوارث  


الأم بصدمة : لا أصدق يا امي انك انت من نشرتِ تلك الإشاعة القذرة ؟!

الجدة بندم : أردّت فقط ان يختارك العريس بدلاً منها

الأم بعصبية : وبالنهاية تزوج العريس أجنبية ، وجواهر المسكينة شُلّت للأبد ..وانا وابنتي سُحرنا بذنبك ، هل أنت سعيدة الآن ؟!!

ريم : رغم صدمتي بجدتي ، الا ان علينا الذهاب غداً للشيخ لفكّ سحرنا .. فجدتي ترمّلت .. وانت يا امي تطلّقتي .. وأخاف ان يكون نصيبي من السحر ان أصبح عانساً ، فالناس لا تراني ولا تنتبه لوجودي .. لذا رجاءً فكّا السحر لأجلي

فوافقتا مرغمتين 

***


في عصر اليوم التالي .. إجتمعنّ في بيت الشيخ الذي دلّهم على منزلٍ مهجور بالقرية ، حيث سحرهم مدفون اسفل شجرة مزروعة في ساحته .. 

فتطوّعت الأم بالذهاب وحدها الى هناك ، لأنها تركت القرية بسن المراهقة ولن يتذكّرها احد 

***


بعد يومين .. توجّهت الأم للقرية التي تغيرت كثيراً عن ايام طفولتها .. وفي طريقها للمكان المنشود ، حاولت جاهداً عدم لفت انظار السكّان اليها ، وتجاهلت شوقها لزيارة بيتها القديم .. وظلّت تمشي بجانب الأراضي الزراعية ، الى ان وصلت لبيتٍ مهجور ببابٍ صدئٍ مكسور ، تماماً كما وصفه الشيخ .. 

ودخلت ساحته من بابه المخلوع ، ووقفت قرب الشجرة المُعمّرة .. وظلّت تحفر اسفلها الى ان أخرجت صندوقاً نحاسياً صغيراً ، إكتفت بوضعه داخل حقيبتها دون فتحه ..

ثم خرجت من هناك ، مُتوجهة لمكان تجمّع الحافلات للعودة الى مدينتها بأسرع وقتٍ ممكن ..


ولأنها كانت تمشي مُخفضة الرأس (كي لا ينتبه اليها احد) لم تلاحظ مرورها بجانب منزل جواهر التي رأتها من نافذة غرفتها ، لتناديها بعلوّ صوتها : 

- هاى انت !! انا أتكلّم معك

فالتفتت منال الى مصدر الصوت ! لترى جواهر وقد كبرت في العمر ، وهي تجلس على كرسيها المتحرّك وتسألها :

- انت منال ابنة اللعينة هند ، اليس كذلك ؟ عرفتك من وحمة وجهك القبيح .. كنت متأكدة انك ستعودين الى هنا .. أمازالت امك ذات اللسان الطويل حيّة ؟!!


فهربت منال بسرعة ، قبل سماع المارّة إتهامات جواهر التي ظلّت تصرخ بغضبٍ شديد :

- أتمنى ان تُشلّي انت وجميع عائلتك .. يا ظلمة !! يا فسقة !!!

وتنفّست منال الصعداء بعد تحرّك الحافلة مُبتعدةً عن قريتها القديمة 

***


وصلت منال الى بيتها بحلول المساء .. لتستقبلها ابنتها بلهفة :

- أخيراً عُدّتِ !! خفنا عليك 

وخرجت الجدة من غرفتها لتسألها : هل استخرجت السحر ؟

منال وهي تريهما الصندوق النحاسيّ : نعم ، غداً نوصله للشيخ احمد

ريم بارتياح : ممتاز !! سنتخلّص من نحسنا أخيراً


وهنا لاحظت الجدة ضيق ابنتها ، فسألتها بقلق :

- هل قابلتِ أحداً من اهل قريتنا ؟

- فقط العزيزة جواهر

الجدة بقلق : ماذا ! هل قالت شيئاً ؟

الأم : لولا لطف الله لتجمّع الأهالي حولنا وهي تشتمنا وتدعي علينا ، لكني تمكّنت الهرب قبل سماعهم إتهاماتها وصراخها الغاضب .. وبصراحة يا امي لا ألومها ، فأنت أضعتِ شبابها وشرفها بإشاعتك الظالمة .. وبرأيّ خالتها لم تظلمنا بسحرها لنا

ريم بحزن : وما ذنبي انا يا امي ؟

فربتّت امها على ظهرها وهي تقول : نعم لا ذنب لك ، لهذا سنذهب غداً للشيخ لإنهاء شقائك

***


في اليوم التالي .. إجتمعنّ عند الشيخ الذي استطاع بصعوبة فكّ العقد الأربعة للحبل الصغير الموجود في الصندوق النحاسيّ

الشيخ : مبروك !! أخيراً تحرّرتم من نحسكم 

ريم : كانت هناك اربعة عقد في الحبل ، ونحن ثلاثة فقط ؟!

الشيخ : لوّ أنجبت طفلة ، لانتحست هي الأخرى .. فالسحر معمول لأربعة اجيال من الإناث 

فتنهدت امها بارتياح : اذاً الحمد الله انك فكّكت السحر قبل زواج ابنتي..


الجدة : بماذا تنصحنا يا شيخ ؟

الشيخ : لوّ كنت مكانك لاعتذرت من جواهر ، فأنت ظلمتها بقسوة

الجدة : أخاف العودة للقرية فتراني خالتها وتسحرنا من جديد 

الشيخ : اذاً تصدّقي دائماً للفقراء ، عسى ربك ان يسامحك عن ذنبك الكبير 

وبعد دفع أجرته ، عدنّ الى بيتهن وهن يشعرن بارتياح على انتهاء أزمتهن

***


في تلك الليلة .. حلمت ريم بالرجل العجوز وهو يفكّ الحبل الناريّ عنها وعن جدتها وامها .. ليعود فرحاً الى عائلته الجنية الذين استقبلوه بشوقٍ كبير ، بعد ان قُيّد معهنّ لسنواتٍ عديدة 


ومنامها هذا أسعد امها وجدتها ، لتأكّدهما من انتهاء مرحلة العذاب والقهر الذي رافق عائلتهم لأعوامٍ طويلة 

***


في ظهر اليوم التالي .. خرجت ريم سعيدة من مدرستها بعد قضائها يوماً رائعاً : شاركت فيه بجميع الحصص ، ومدح المعلمون ذكائها ونشاطها لأول مرة طيلة سنوات دراستها .. وحظيت بالعديد من الأصدقاء دفعةً واحدة ، شاركوها الأحاديث والطعام في فرصة الغداء .. كما تغاضى المتنمرون عن مضايقتها على غير عادتهم ! 


وقبل صعودها درجات الحافلة .. لمحت العجوز الأعور من بعيد وهو يُجرّ كرسياً متحرّك ، ويشير لها بالجلوس عليه .. 

وقبل ان تستوعب ما تراه ! سمعت صرخات صديقاتها اللآتي أشرنّ لها فزعين بالإبتعاد عن الحافلة ، لتتفاجىء بسيارةٍ مُسرعة تصطدم بها بعنف ، وتفقدها الوعيّ

***


إستيقظت ريم مساءً في المشفى على بكاء امها وجدتها ، بعد ان أخبرهما الطبيب بشللها الرباعيّ ..

في هذه اللحظات تذكّرت انها داست شيئاً لزجاً وكريه الرائحة عند عتبة منزلها قبل ذهابها الى المدرسة ، لكنها لم تستطع النطق بشيء لأنها لا تستطع تحريك سوى عينيها اللتين لمحتا سيدة مشلولة تبتسم بشماتة عند باب غرفتها بالمشفى ، قبل ان تجرّ كرسيها مُبتعدة .. 

فعلمت ان خالة جواهر عرفت من الجن : إنهن فكّكن عقد الحبل .. لذا قامت بسحرٍ أقوى ، أصاب ريم بشللٍ دائم كعقوبة لذنبٍ لا يد لها فيه .. ليكون في انتظارها حياةٍ بائسة كئيبة ، ومملّة للغاية !


الجمعة، 2 أكتوبر 2020

تسونامي

 *تأليف : امل شانوحة*

النجاة من الطوفان


استيقظ سمير عصراً على صرخات جيرانه! فأطلّ من النافذة، ليرى مشهداً مروعاً، بعد أن اجتاح تسونامي مفاجئ البلاد دون سابق إنذار، مترافقاً مع هطول غزير للأمطار، ساهم في رفع مستوى مياه البحر التي غمرت ثلاثة طوابق من مبناه، وأوشكت على الوصول إلى الطابق الخامس الذي يسكن فيه.


وحين نظر للمباني المجاورة، شاهد بعض السكان فوق الأسطح وهم يراقبون الكارثة برعب، فمعظم مباني منطقته لا تتجاوز الثمانية طوابق.

وكان أمام سمير خياران: إما الصعود إلى السطح مثلهم، أو الإسراع ببناء قارب نجاة.


لذا كان عليه التفكير بسرعة بالأشياء التي يحتاجها للبقاء حياً في ظل هذه الظروف الاستثنائية الصعبة. فتوجه إلى الصالة لجرّ طاولة السفرة المصنوعة من الخشب الأصلي، بطول مترين تكفيه لتمدد بداخلها.


وبعد إخراجها للشرفة، قلبها على ظهرها لوضع الأغراض بداخلها، ليلاحظ أن حوافها قصيرة ولن تحميه من الأمواج الهائجة.


فدخل المطبخ لأخذ نيلون تغليف الطعام، ولفّه حول الأرجل الأربعة لطاولته في محاولة لرفع جوانب سفينته الافتراضية. كما وجد ورقاً لاصقاً سميكاً (اشترى منذ فترة لتغطية تسربات خزان الماء)، وضعه فوق النيلون زيادةً في الحرص.


وبعد إنهاء مهمته الأولى، كان عليه إيجاد مجذاف لسفينته، فعاد لتفتيش خزائن المطبخ بحثاً عن الملعقة الخشبية الضخمة التي استخدمتها والدته المرحومة بعمل عصائد الأعياد. وظل يبحث عنها إلى أن وجدها، وكان رأسها عبارة عن لوح عريض من الأسفل، مع ذراع بارتفاع متر، ورغم صغرها إلا أنها تنفع بحل أزمته، فربط طرفها بحبل في إحدى أرجل الطاولة كي لا تفلت من يده مع تلاطم الأمواج العنيفة.


ثم نظر نظرة سريعة من الشرفة لمعاينة الوضع في الخارج بعد تزايد صرخات الجيران، ليرى المياه غمرت الطابق الرابع! وهذا يعني أنه عليه الإسراع بتجهيز سفينته، فهو لا يعرف متى سيتوقف المطر أو تنحسر مياه البحر.


وعاد إلى المطبخ لحمل جالون مياه الشرب ووضعه داخل الطاولة بعد ربطه جيداً بالحبل، خوفاً من فقدان أهم أسباب النجاة. ثم فتح الثلاجة لأخذ معلبات الفاصوليا والفول والسردين، مع ربطتي خبز، بالإضافة إلى ملعقتين وشوكة وسكينتين حادّتين وكوب بلاستيكي. كما أخذ طنجرة كبيرة وموقد غاز صغير في حال بقي تائهاً لأسابيع، لاستخدامها في طبخ السمك الذي يصطاده، لأنه يعلم مسبقاً أن قوة الجزر ستسحبه إلى وسط البحر.


كما أخذ منشفة وبعض المناديل الورقية وغياريْن من الملابس، ووضع جميع أغراضه داخل أكياس نيلون لحمايتها من البلل. ثم أسرع إلى غرفة والدته لأخذ مرآتها وكشاف الضوء لإرشاد السفن إليه.


وبعد سماعه صوت تسرب المياه من حواف شرفته باتجاه طاولته، عرف أنه عليه الاستعجال بأخذ ما تبقى من حاجياته الضرورية لرحلة مجهولة العواقب. فأخذ وسادة ولحافاً سميكاً، فالجو بارد مساءً مع بداية فصل الخريف.


ومن بعدها جلس داخل الطاولة، وكان آخر ما قام به: تمزيق ستارة الشرفة البلاستيكية وربطها بأرجل الطاولة الأربعة، لحمايته هو والأغراض من المطر.


ثم جلس يراقب بحسرة المياه وهي تتسرّب إلى داخل بيته، والتي أدت لارتفاع طاولته شيئاً فشيئاً إلى أن وصلت حافة الشرفة.


فدفع سفينته بالمجذاف الصغير مبتعداً عن شقته، في محاولة للوصول إلى منتصف الشارع، خوفاً أن يسحبه التيار مجدداً إلى نوافذ وشرفات الطوابق العلوية.


وصار يجذف بكل قوته للخروج من الحي نحو الشاطئ الذي لا يبعد كثيراً عن مبناه. وآخر ما شاهده قبل ابتعاده عن المنطقة: جيرانه الذين أشاروا له من فوق سطح مبناه لأخذهم معه، لكن قاربه صغير ومليء بالأغراض المهمة التي لا يمكنه الاستغناء عنها، فلم يكن بيده سوى الدعاء بعدم وصول مستوى الماء إليهم.


وظل يجذف بقوة حتى وصل إلى الشاطئ الذي اختفى تماماً مع امتداد البحر الهائج أمامه.


ليبدأ كابوس آخر مع عملية الجزر المخيفة، كتسونامي جديد باتجاه عكسي، فربط سمير نفسه بالحبل بإحدى أرجل الطاولة التي سُحبت بعنف وبسرعة مهولة نحو البحر الذي ابتلع كل شيء. وفي نفس الوقت كان عليه إبعاد النفايات وأغصان الأشجار وبقايا السيارات المحطمة عن الارتطام بسفينته الصغيرة بواسطة مجذافه الصغير.

^^^


ومرّت نصف ساعة كالجحيم، حتى هدأ الوضع أخيراً، ليجد نفسه وسط البحر، بينما بدت بلدته من بعيد كجزيرة مهجورة، لا يُرى منها سوى الجبل بعد غرق العاصمة الساحلية بمن فيها.

فحمد ربه لأنه الابن الوحيد لوالديه المتوفين، رغم حزنه على الأقارب والأصدقاء الذين لن يراهم ثانية.

^^^


في تلك الأثناء، كانت الشمس على وشك الغروب، فأراد الاستفادة من الضوء المتبقي لتنظيم سفينته، فقام بإزالة الستارة البلاستيكية بعد توقف المطر، وربطها على هيئة شراع. وبعد تجفيف أرضية الطاولة بالمنشفة، فرش بطانيته ووسادته بعد ترتيب علب الطعام في آخر الطاولة، التي حفظها بأكياس مربوطة بالحبال بأرجل قاربه.


وفور انتهائه من تناول علبة فاصوليا وشربه القليل من مياه الجالون، عم الظلام المرعب. استلقى في سفينته وهو يفكر بما حصل، حامداً ربه على النجاة من غرق محتّم، مع خوفه من البقاء طويلاً في عرض البحر حتى انتهاء طعامه وشرابه، متمنياً أن يصادف قريباً سفينة تنقذه مما هو فيه، وظل يفكر حتى غفى من التعب، فقد كان يومه عصيباً للغاية.

^^^


ومرّت الأيام ومازال سمير تائهاً بعد اختفاء بلاده عن الأنظار إثر تعمقه وسط البحر. وما كان يخشاه حصل: فطعامه انتهى، ولم يبق في الجالون سوى القليل من مياه الشرب.


فبحث مطولاً في طاولته حتى وجد مسماراً غير مثبت جيداً بالخشب، فهزه بقوة حتى أزاله، ثم ربطه بطرف الحبل. وكانت ما زالت معه علبة ذرة صغيرة، غرز حبتيّن بطرف المسمار ورماه بالبحر لاصطياد السمك.


وماهي إلا دقائق حتى اهتز الحبل، فشده سمير بقوة، ليرى سمكة متوسطة الحجم تتجه نحوه. لكن فرحته لم تكتمل بعد رؤيته زعنفة سمكة قرش تلاحق صيده، فما كان أمامه إلا التخلّي عن الحبل، ليلتهم القرش السمكة.


ثم استلقى سمير فزعا داخل سفينته دون حراك، على أمل أن يبتعد القرش عن جوانب سفينته المنخفضة. وبعد دوران القرش أكثر من مرة حول الطاولة، ابتعد لعدم شعوره بذبذبات تدل على وجود كائن حي فوق الخشبة.

^^^


وبعد هدوء الوضع، رفع سمير رأسه ليلمح سفينة صيد من بعيد، لكنه كان خائفاً من إصدار صوت يعيد القرش إليه من جديد. فاكتفى بعكس أشعة الشمس على مرآته التي وجهها على الصياد العجوز المشغول برفع شبكته، والذي ما إن أنهى عمله حتى أدار محرّكه الكهربائي مبتعداً عن المكان، لينهار سمير باكياً من شدة يأسه.

^^^


في المساء، استيقظ من نومه بعد تبلل ملابسه بالماء المتسرب من جوانب الطاولة، ليلاحظ أنوار سفينة شحن من بعيد. فأخرج الكشاف من كيس الأغراض، وصار يلوّح لهم دون فائدة، ثم أخذ يضيئها ويطفئها كإشارة مورس التي تعلّمها بالكشافة. ويبدو أن خطته نجحت، لأن نور السفينة العملاقة بدأ يقترب منه أكثر فأكثر.

وهنا سمع صوت امرأة تصرخ بعصبية:

- كم مرة طلبت منك دخول الحمام قبل النوم؟!!

***


فتح سمير عينيه بصعوبة، ليرى نفسه في غرفة نومه، وزوجته تعاتب ابنهما (7 سنوات) الذي نام معهما في السرير دون علمهما.

وحين التفت سمير نحو ابنه، وجده يُبرّر متلعثماً:

- استيقظت مساءً بسبب كابوس مزعج.

الأم معاتبة: ولماذا لم تدخل الحمام، بدل تلويث سريرنا؟!

الولد: كانت أنوار المنزل مطفأة، وخفت أن يلاحقني الوحش الذي رأيته في منامي، فأسرعت إلى غرفتكما.

الأم بغضب: اذهب واستحم فوراً!! سأحضر ملابسك بعد قليل.


وبعد ذهابه باكياً إلى الحمام، نظرت إلى زوجها وهي تقول:

- بسببه حلمت أنني سبّاحة أولمبياد.. ماذا عنك؟

فقال سمير مبتسماً:

- حلمت بتسونامي دمّر البلاد بأكملها!


وبينما كان الولد يستحم وهو يشعر بالخزي، كان والداه غارقان في الضحك.


الثلاثاء، 29 سبتمبر 2020

مُتنبأة الجرائم

 تأليف : امل شانوحة

كشف خيوط الجريمة


في مكتب قصرٍ فخم .. سألت المراهقة والدها :

- ابي ، وصلني إيميل غريب قبل قليل 

- مِن مَن ؟

- من سيدة تملك مالاً وفيراً ، وتريد تحويله عبر رصيدنا البنكي.. 

الأب مقاطعاً : إحذفي الرسالة فوراً ، فهي إمّا فيروس او عملية إحتيال او عصابة لتبييض الأموال 

- وماذا يعني تبييض الأموال ؟

- ارباح أُكتسبت من تجارة المخدرات والسرقات وبيع السلاح .. ولخوف العصابات أن تكون الأرقام التسلّسلية لنقودهم معروفة لدى الشرطة ، يقومون بتحويلها لحسابات أشخاصٍ لديهم سجلّات نظيفة من بلادٍ مختلفة.. 

فأكملت ابنته : وفي حال إكتشفت مخابراتهم الأمر ، نتورّط نحن بالموضوع ؟

- بالتأكيد !!

- اذاً سأحظر إيميلها ، شكراً ابي على التوضيح

***


مع بداية فصل الصيف .. ضجّت الصحف ومواقع التواصل الإجتماعي بخبر إختطاف الإبنة المراهقة لتاجرٍ ثريّ الذي عرض جائزةً مالية ضخمة لمن يجدها ، بعد فشل الشرطة خلال إسبوعين من البحث المتواصل من القبض على مرتكبيّ الجريمة  


وبعد ايام من الإعلان ، وفي منتصف الليل .. رنّ جرس القصر !

لتخبرهما الخادمة أن عجوزاً تملك تفاصيل حادثة إختطاف ابنتهما.. 

فأسرع الوالدان الى الصالة لملاقاتها ، حيث عرّفت السيدة عن نفسها من خلال قصاصات جرائدٍ قديمة :

- اسمي ماري جونسون .. متنبأة مختصّة بحلّ الجرائم .. 

الأب مقاطعاً : متنبأة ! تقصدين مشعوذة ؟

- لا سيد مايكل ، انا امرأة ذات بصيرة ..

فعاتبها بعصبية : تأتين الينا في وقتٍ متأخر ، وفي ظلّ ظروفنا السيئة لتخبرينا بتعويذاتك وتُرّهاتك السخيفة !!


بهذه الأثناء ، أنهت زوجته قراءة عناوين قصاصات الجرائد .. وقالت لزوجها :

- هي كشفت بالفعل جرائم عجزت الشرطة عن حلّها !

الأب بتهكّم : انا لا أعترف بهذه السخافات

فأسرعت العجوز قائلة : 

- هل الصورة التي نُشرت لأبنتكما في الأخبار هي صورتها الأخيرة ؟ أقصد هل خُطفت بذات الملابس ؟

الأم : لا ، لكنا عرفنا من خلال كاميرات القصر ما كانت تلبسه قبل ذهابها لحفلة اصدقائها 

البصّارة : اذاً دعوني أصفّ ثيابها يوم الإختطاف ، لتصدّقا موهبتي


وأغمضت عيناها ، وكأنها تشاهد رؤى خفيّة .. ثم قالت :

- كانت تلبس فستاناً احمر ، بشريطةٍ سوداء على الخصر وحذاءٍ اسودٍ لامع 

الأم بدهشة : هذا صحيح !

الأب مُستنكراً : كلامك لا يدلّ على شيء ، فربما عرفتي المعلومة من موظفيّ القصر 

العجوز : سيد مايكل .. لا اعرف أحداً هنا ، فأنا اعيش في الأرياف .. وفور رؤيتي الخبر ، قُدت سيارتي لساعات الى أن وصلت اليكم بهذا الوقت المتأخر .. 

الأم : حبيبي دعها تخبرنا بما حصل ، ماذا سنخسر ؟

فوافق الزوج على مضضّ .. 


فعادت العجوز لإغماض عينيها بضعة دقائق ، قبل ان تقول :

- سأخبركم بما حصل منذ البداية .. ابنتكما وصلت الحفلة في الوقت المحدّد .. قضت وقتاً سعيداً مع اصدقائها .. وقبيل خروجها من البار ، إقترب منها شاب ..

الأم مقاطعة : صديقها اليس كذلك ؟

- لا ، ليس الفاعل .. والأفضل ان تسحبوا دعوتكم ضدّه ليخرج من التوقيف ، فهو ليس مذنباً

الأم : إكملي رجاءً ، من ذلك الشاب ؟

- شاب ترصّد حركاتها منذ أشهر .. وبعد تحدّثه معها قرابة ساعة ، عرض عليها نزهةً لطيفة بالحديقة العامة .. أعتقد عمره في أواخر الثلاثينات ، لديه لحية وشارب .. وكان يلبس قميصاً أحمر وبنطالاً أسود..

الأب مقاطعاً بعصبية : المهم !! ماذا فعل بإبنتي ؟

- بعد ركوبها سيارته الرياضية ، تحجّج بالكورونا لتغطية وجهه بكمامةٍ خاصة تحميه من تنشّق المخدّر الذي تسرّب من فتحات التكييف ، بعكس ابنتكما التي غفت في سباتٍ عميق

الأم بقلق : واين أخذها ؟

- الى قبو مستودعٍ مهجور بأطراف المدينة 


الأب بعصبية : هل أذاها اللعين ؟!!

- لا ابداً ، إكتفى بربطها بالسرير مع عَصب عينيها وتكميم فمها 

- وماذا ينتظر ؟

- يريد إرهاق اعصابكما قبل طلبه الفدية .. 

- وهل تعرفين عنوان المستودع ؟ 

البصّارة : نعم سأصفه كما رأيته في مخيّلتي ، لكيّ تبلّغوا الشرطة  

الأب بغضب : لا !! سأذهب بنفسي لقتل السافل

- أنصحك ان لا تفعل ، فهو عضو بعصابةٍ كبيرة متخصّصة بخطف ابناء الأثرياء .. لذا دعّ الشرطة تتوجه للمستودع .. وأعدك ان الجبان سيهرب فور سماعه صافراتها ، تاركاً ابنتك وحدها في القبو


الأم بقلق : ماذا لوّ جعلها رهينة ؟

البصّارة : المستودع بالعادة يحرسه سبعة رجال مسلحين .. لكنهم في هذه الليلة سيذهبون في مهمّةٍ سرّية للميناء ، تاركين الشاب المُختطف معها ، وهو جبان ولا يجيد استخدام السلاح .. (ثم قالت للأب) .. لهذا لا تفوت الفرصة ، إتصل بالشرطة حالاً .. ولا تخبرهم عن تنبؤاتي .. قلّ انك حصلت على العنوان من إتصالٍ مجهول ، ليأخذوا الموضوع بجدّية


وفي الوقت الذي كان فيه الأب يجري إتصالاً مع الشرطة ليخبرهم بالمعلومات الجديدة ، همست زوجته للعجوز :  

- سأضاعف جائزتك المالية ، إن صحّت توقعاتك  

فأعطتها العجوز رقم جوالها لإخبارها بالمستجدّات ، ثم خرجت من القصر

***


بعد شهر .. فُجع مجتمع الأثرياء بخطف ابن احدهم في حفلة عيد ميلاد صديقه .. وبعد فشل الشرطة بالوصول للخاطفين ، تلقّت العجوز ماري إتصالاً من امه التي أخبرتها باكية :

- أخذت رقمك من زوجة مايكل التي أعدّتِ لها ابنتها المُختطفة  

ماري : وانا توقعت إتصالك بعد رؤيتي ابنك في المنام 

- أحقاً ! ماذا رأيتي ؟

- عليّ مقابلتك في الحال


فأعطتها عنوان القصر ، الذي وصلت اليه المُتبصّرة بحلول المساء 

ودخلت الصالة ، لتجد الوالدين في انتظارها على أحرّ من الجمر ..

الأب بعصبية : رجاءً إخبرينا عن اللعين الذي تجرّأ على خطف ابني ؟!!

فتنهّدت ماري تنهيدة طويلة ، قبل ان تقول : 

- على حسب منامي : قام عامل المطعم الذي أُقيم فيه الحفل بوضع المنوّم في عصير الصغير الذي أغميّ عليه في الرواق .. ثم أخرجه من الباب الخلفيّ ، ووضعه في سيارته .. متوجهاً لكوخٍ صغير في الغابة

الأم وهي تمسح دموعها : هل ابني بخير ؟ 

- نعم ، فالشاب يعتني به جيداً 

الأب : وماذا يريد ؟

- فدية طبعاً

- لا أحد اتصل بنا منذ ايام !

- انها استراتيجية الخاطفين : ينتظرون بعض الوقت لحرق اعصاب الأهل ، لجعلهم يقبلون شروطهم دون اعتراض 


الأم : رجاءً أكتبي عنوان الكوخ ، وسنعطيك مكافئة مالية ضخمة

- من حسن حظكما انني شاهدت لافتات الطرق بوضوح في منامي ...(ثم قالت للأب) .. أرجو ان تتصرّف بهدوء ورويّة كما فعل السيد مايكل ، وأن تدع الشرطة تتكفّل بالموضوع 

الأب بغضب : أحلف انني سأقطّعه بأسناني !! 

- لن تفعل ، لأنه سيهرب فور رؤيته أنوار الشرطة تقترب من المكان

- اذاً سأطلب منهم التوقف خارج الغابة ، والذهاب اليه سيراً على الأقدام

البصّارة : لا أنصحك بذلك ، والا سيأخذ ابنك رهينة .. دعه يهرب ، فهو وحده بالكوخ ولا يملك سلاحاً 


فقبل الوالدان مشورتها ، وأعطتها الأم شيكاً مالياً :

- هذه نصف الجائزة ، والنصف الآخر بعد عودة ابني سالماً الينا 

البصّارة : وهذه بطاقتي ، فيها حسابي البنكي 

ثم ودّعتها وخرجت من القصر 

***  


بعد شهرين .. وفي منزلٍ ريفيّ ، تجمّع الشباب الأربعة (هما ابنا ماري الشابين ، وصديقاهما) لتناول العشاء .. 

وبعد شربهم الشاي ، سألها ابنها الكبير :

- امي .. مضى شهران على آخر عملية خطف لنا ، متى سنبدأ العملية الثانية ؟

العجوز ماري : ولما الطمع يا اولاد ؟ الجائزتان المالية التي قبضتهما من العائلتين تكفينا لسنةٍ كاملة .. والأفضّل ان يكون هناك بعدٌ زمانيّ بين العمليات ، كيّ لا نثير شكوك الشرطة .. 

صديق ابنها بضيق : اذاً لن نفعل شيئاً في الفترة القادمة ؟ 

فأجابت : إستمتعوا بنصيبكم من الجائزة .. فكل شيء مسموح الا المخدرات ، فعملنا يحتاج الى تركيزٍ شديد 

- وماذا ستفعلين بنصيبك يا امي ؟ 

اخوه الكبير ممازحاً : أكيد ستجري عمليات تجميل لإعادة صباها

- لا طبعاً ، فشكلي الهرم يناسب عملي ويُبعد الشبهات عني 

- تفكيرك مخيف يا امي ! 


الأم : على فكرة ، أقوم حالياً بجمع معلومات عن عائلة رونالد دين 

صديق ابنها : هل هم من الأثرياء ؟ 

- طبعاً ، والوالدان أنجبا ابنهما بعد عشرين سنة من علاج العقم ، وأكيد سيدفعون نصف ثروتهم لاستعادته .. 

- ومن أخبرك عنهم ؟ 

ماري : إكتشفتهم بالصدفة ، فالأغبياء يعرضون حياة صغيرهم المترفة على وسائل التواصل الإجتماعي .. ولأنهما نادراً ما يخرجان ابنهما الوحيد من القصر ، علينا إنتظار رحلتهم الى ملاهي ديزني بمناسبة عيد ميلاده قبل نهاية السنة  

- وكيف عرفتي هذه المعلومة يا امي ؟!

- أخبرتني مربيته بذلك ، هي ابنة صديقتي .. والخبيثة طلبت مبلغاً كبيراً لتطلعني على التوقيت المحدّد للرحلة .. لكن لا بأس ، فأرباحنا ستكون ضخمة ايضاً 


ابنها الصغير بضيق : لما تركّزين دائماً على الأطفال يا امي ؟

- ماذا تقصد ؟!

اخوه الأكبر بابتسامة ماكرة : اخي المنحرف يُفضّل الصبايا ، فهو أخبرني انه بالكاد أمسك نفسه عن إستغلال جسد المراهقة المثيرة

الأم بحزم : إيّاكم التفكير بالإعتداء على المخطوفين ، فهذا سيوّرطنا أكثر مع الأغنياء الذين سيصرّون على معرفة هوية المجرم الذي استغلّ ابنائهم ... لذلك سنكتفي بربط اولادهم وتنويمهم لحين دفعهم الجائزة ، هل كلامي مفهوم ؟!! 

فأومأ الشباب الأربعة رؤوسهم موافقين ..


وهنا سألها صديق ابنها : كيف خطرت ببالك الفكرة يا خالة ؟

- رأيت قصة متنبأة محترفة في القناة المخصّصة للجرائم .. فبحثت بالإنترنت عن أشهر متبصّرة في التاريخ ، لأجد (ماري جونسون) التي اشتهرت في القرن الماضي بحلّ عشرات القضايا المعقدة .. فصوّرت مقالات الجرائد التي تحدثت عن تنبؤاتها وإنجازاتها ، وعرضتهم على الأهالي ..

- الم يلاحظ احد وفاتها منذ مدة طويلة ؟!

ماري : لا ، حتى انهم لم يروا بطاقتي الشخصية المزوّرة .. فمصابهم الكبير أفقدهم رشدهم .. وربما شعري الشائب أوهمهم بأني سيدة وقورة  


ابنها الصغير : ولما اعتمدنا هذه الطريقة الغريبة ؟ لما لا تدعينا نحصل على مال الفدية كجرائم الخطف المعتادة ؟ 

امه : لوّ كنت مثقفاً مثلي لفهمت السبب .. فالشرطة بالعادة تسلّم الخاطف نقوداً بأرقام تسلّسلية محفوظة بحواسيبها , وأحيانا يصبغون اوراقها بحبرٍ سرّي لا يُرى بالعين المجرّدة .. وعند محاولة الخاطف صرف أموال الفدية ، يقبضون عليه فوراً

صديق ابنها : ما يضايقني يا خالة انك تطلبين منا الهروب فور سماعنا صافرات الشرطة ، مع اننا اقوياء ونستطيع مقاومتهم ببسالة؟

ماري : لن اراهن على خسارة أيّ واحدٍ منكم ، فأنتما ولدايّ ايضاً .. ثم لا حاجة للمقاومة ، طالما دفعوا لي مبلغاً ضخماً يكفينا جميعاً  


ابنها الكبير : طريقتك بالإحتيال أدهى من فكرة والدي المرحوم ! 

ماري : النصب عبر الإنترنت وتبيض الأموال التي اخترعها والدك نجحت مع بداية ظهور الإيميلات ورسائل النصّية لجوالات .. لكنها فشلت مع الجيل الجديد المُدرك للإحتيالات الإلكترونية .. لهذا اعتمدت هذه الطريقة المميزة للحصول على المال مباشرةً من الأهالي الذين يدفعون لي بسخاء ، فور عودة ابنائهم سالمين الى قصورهم


وهنا رنّ جوال ماري ، فأسرعت بإعطائه لإبنها :

- أجب انت 

وبعد قليل ، سأل امه بصوتٍ منخفض :

- انها عائلة ادموند ، يقولون ان رضيعهم خُطف قبل ايام

فسألت ماري الشباب : هل أحدكم متورّط بالموضوع ؟

- لا ابداً ، نحن لا نتعامل مع الرضّع 

- ابني .. قلّ لهم ان الرقم خاطىء ، واقفل الخط فوراً


فأنهى المكالمة ، وأعاد الجوال لأمه التي قالت : 

ماري : يبدو موهبتي الكاذبة إنتشرت بين الأغنياء ! لكني بالحقيقة لست مُبصّرة او مشعوذة ، ولا ملاكاً لأحلّ كل الجرائم الغامضة 

- الأغبياء لا يدركون انهم وقعوا في فخّ مجرمين محترفين 

- بل قلّ شياطين ، فإبليس نفسه لم يخطر في باله الخطّط المريبة لأمي الوقور 

وضحكوا بخبث !


الجمعة، 25 سبتمبر 2020

سحر التفريق

 تأليف : امل شانوحة

 

خططٌ شيطانية


في عصر ذلك اليوم .. أقفل الدكتور عادل عيادته ، وخرج من المبنى باتجاه سيارته ..

وبالكاد تحرّك بضعة امتار ، قبل اصطدامه بإحدى المشاة !

فخرج فزعاً ! ليرى صبيّة (16 سنة ، بائعة مناديل في الشارع) تنزف بغزارة من جبينها الذي ارتطم بمقدمة سيارته ..

فأصرّ على أخذها للعيادة ، لتقطيب جرحها قبل ان يتجرثم ..


وبعد ركوبها سيارته ، لاحظت ملصق الأطباء على الواجهة .. فسألته :

- هل انت طبيب ؟!

- نعم طبيبٌ نفسيّ ، لذا سآخذك الى زميلي في قسم الطوارىء .. (ثم نظر اليها) .. ما اسمك ؟ 

- هند 

- أعتذر يا هند ، فأنا لم ارك حين قطعتِ الشارع 

- لا بأس دكتور

الطبيب باستغراب : مع اني كنت أسير ببطء ! فكيف تسبّبتُ بجرحك العميق ؟!

- لا أذكر شيئاً .. (ومسحت دماء رأسها بالمنديل) .. بدأت أشعر بالدوار

- سنصل قريباً ، لا تقلقي 


هند : ماذا يعني طبيب نفسيّ ؟

- يعني أعالج الناس من عقدهم الطفولية ومشاكلهم مع عائلاتهم 

- لا أظن كل المشاكل لها حلول ، مثل علاقتي بجدتي اللعينة

الطبيب معاتباً : لا تشتمي كبار السن يا هند ، هذا غير لائق

- لكنها مشعوذة ماكرة

- تقصدين انها تعقد الأسحار للناس ؟!


هند : نعم .. عرفت ذلك بعد انتقالي للعيش معها ، عقب وفاة والدايّ .. كنت في العاشرة حين طلبت مني سكب سائلاً كريهاً على عتبة احدى المحلات التجارية .. ويبدو ان صاحب المتجر رآني من كاميرا البوّابة ، فانهال ضرباً عليّ وهو يشتم جدتي الشريرة .. عندها فقط فهمت سبب غموضها ، وبقائها لساعاتٍ طويلة في قبوٍ معتم ، وخروجها كل ليلة للقبور ، وربطها الشرائط الملونة على الأشجار ، ورميها القاذورات في بئرٍ جافّ ، وإشعالها حلقات النار في البيوت المهجورة

- وهل جعلتك ترافقينها الى تلك الأماكن المخيفة ؟!


هند : ليس دائماً .. (ثم تنهدت بضيق) .. بعد ازدياد فضولي عن عملها المريب ، سألت الجيران عنها .. فأخبروني انهم يتجنبونها خوفاً من أذيتها ، فهي تسبّبت بالكثير من الطلاقات وإفلاس التجار والأمراض المزمنة .. ولأني أخاف الله بعكسها ، قرّرت إبطال اعمالها الشريرة مهما كلّفني الأمر .. وصرت أراقبها لأعرف اماكن دفنها للأسحار .. وبعد ذهابها ، أنبش القبور لأزيل أعمالها الشريرة وأضعها قرب منازل اصحابها ، مع ملاحظةٍ مكتوبة : بأن يسارعوا بفكّ اسحارهم .. كما قمت بمسح رسوماتها الشيطانية على جدران وأرضيات المباني المهجورة .. وخاطرت بحياتي بالنزول للبئر الجاف المليء بالزواحف السامة ، لإخراج قاروات السحر التي وضعتها امام منزل شيخ منطقتنا المعروف بقدرته على فكّ الأسحار .. وكُدّت أكسر يدي اثناء تسلّقي الشجرة العملاقة لفكّ الشرائط وكسر الأقفال المعلّقة على أغصانها .. ورغم عملي بسرّيةٍ تامة ، الا ان الجنية التي تتعامل معها جدتي أخبرتها بما فعلت ، فرمتني  بالشارع دون رحمة ! ومن حسن حظي ان البائع العجوز أشفق عليّ ، ووظّفني ببيع المناديل الصغيرة في الشوارع مقابل أجرٍ زهيد  


الطبيب : واين تنامين ؟

هند : في الحديقة العامة او قرب الشاطىء الذي يصبح مخيفاً مساءً بعد خروج السكارى والمدمنين 

- هذا خطرٌ عليك ! فأنت مازلتي صبية ، وتحتاجين لبيتٍ يؤويك 

فتنهّدت هند بضيق : ليتني أعمل خادمة في منزل عائلةٍ محترمة ، لأكسب قوتي بالحلال 

الطبيب : سنفكّر بالأمر لاحقاً ، لنعالج جرحك اولاً

***


وبعد قيام زميله بتقطيب الجرح ، أخذه جانباً :

- هل أنت متأكّد انك صدمت الفتاة ؟

عادل : نعم ، لماذا تسأل ؟

زميله الطبيب : لأنه يبدو جرحها مشقوق بشفرة او سكين !

- كنت مشغولاً بجوالي وقت الحادثة ، ولم ارى ما حصل بالضبط 

- وهل ستعيدها للشارع ؟

- لا أعرف بعد ! أفكّر بمساعدتها ، فحياتها بائسة للغاية 

صديقه محذّراً : إنتبه يا عادل ، فأولاد الشوارع يكونوا بالعادة على صلة بشبكة مجرميّ التسوّل 

- هي ليست شحاذة ، وتعمل بشرف للكسب الحلال .. (ثم سلّم عليه) .. أشكرك يا صديقي على خوفك عليّ ، القاك لاحقاً

***


وركبت هند سيارته ، وابتعدا عن المستشفى .. 

وبعد قليل سألته :

- الى اين نذهب ؟

- سأشتري الشاورما والعصير لنا 

هند بارتياح : أحقاً ! انا جائعة جداً .. شكراً لك

 

وبعد ان أكلا ، سألته :

- هل ستعيدني للمكان الذي وجدتني فيه ؟

عادل : أتريدين ذلك ؟

- بالحقيقة لا .. فأنا لم أبعّ شيئاً من مناديل الجيب ، وهذا سيغضب البائع الذي وعدّته .. 

الطبيب مقاطعاً : لا تقلقي ، سأشتريها كلها  

- انت شهم دكتور ، شكراً لك 

- بصراحة أحاول مساعدتك ، لأني واجهت حادثة تشبه قصتك

هند بدهشة : أكانت جدتك ساحرة ايضاً ؟! 


الطبيب : لا ، لكني طلقت زوجتي عقب اكتشافي لعملٍ سحريّ في بيتي .. وبعد مشاجرة عنيفة معها ، إعترفت انها سحرتني لأطيعها وأعصي اهلي .. (ثم تنهد بارتياح) .. الحمد لله اني لم أنجب اطفالاً من تلك الشيطانة .. 

-  وهل تعيش وحدك الآن ؟

الطبيب : لا ، تزوجت امرأة ثانية قبل شهور 

- وهل تُسعدك العروس ؟

- هي انسانة طيبة والحمد الله


ثم فكّر قليلاً ، قبل إخراج جواله :

- أتدرين يا هند ؟ زوجتي طلبت خادمة قبل اسابيع ، لأن تنظيف الفلة يُرهقها كثيراً .. لكني رفضت دخول الغرباء الى بيتي ، لخوفي من الأسحار وعيونهم الحاسدة .. 

- وهل غيّرت رأيك الآن ؟

- دعيني اسألها اولاً ، ثم أجيبك


واتصل على زوجته ليخبرها عن هند ، والتي رفضت في البداية توظيف بنت شوارع .. لكن بعد تأكيده حسن سلوكها ، وافقت على طلبه 


وبعد انهاء الإتصال ، قال لها بابتسامة :

- الله يحبك يا هند 

هند بابتسامة : هل وافقت زوجتك على العمل لديكم ؟

- نعم ، واريدك ان تُريها شطارتك منذ الغد

بحماس : منذ اليوم ان أردّت !!

- لا ، انت متعبة من الحادث .. نامي الليلة ، وغداً تبدأين العمل بعد ذهابي الى العيادة

- كما تشاء دكتور عادل .. يا سلام !! اخيراً سأحصل على رزقٍ  حلال وثابت ، الحمد لله

فابتسم لها بحنان

***


في منزل الدكتور .. نامت هند في غرفةٍ موجودة بحديقة الفلة ، وهي سعيدة ببيتها الجديد ..


في الصباح .. وبعد ذهاب الدكتور الى عمله ، بدأت عملها بتنظيف الغرف 

واثناء مسحها الغبار , سألت زوجته :

- آسفة على السؤال ، لكن ما هذه الأشياء المعلّقة في سقف الغرف ؟

- هذه كاميرات ، رجاءً لا تلمسيها .. 

هند : أتقصدين ان الطبيب يراقبنا من خلالها ؟

- نعم ، فهو معقّد من زوجته الأولى ويكره الغرباء بسبب حادثةٍ قديمة

- تقصدين خوفه من السحر ؟

السيدة باستغراب : ومن أخبرك بذلك ؟!

- الدكتور عادل

- ولماذا يطلعك على اسراره ؟!

- لا ادري ..


(ولم تردّ هند إخبارها بشأن جدتها كي لا تخيفها ، فحاولت تغير الموضوع)

- هل أنظّف غرفة نومك ؟

السيدة : لا ..فزوجي يمنع دخول أحد اليها ، حتى امي واختي ! ولا اريد إغضابه 

- سأمسح أرضيتها وأخرج حالاً 


ففكّرت السيدة قليلاً ، قبل ان تقول : 

- حسناً الأرض فقط يا هند ، ولا تلمسي شيئاً آخر

- حاضر سيدتي


وأخذت أغراض المسح ، وذهبت لغرفة العرسان ..

وبعد قليل ، خرجت ..

السيدة : هل أنهيت مسح غرفتي ؟

هند : نعم .. سأخرج النفايات ، ثم أعود لإكمال عملي

- حسناً , إنتبهي اثناء قطعك الشارع 

- لا تخافي عليّ ، فأنا عشت قرابة السنة في الشوارع 

- آه نسيت !

***


خارج الفلة .. وقفت هند قرب حاوية النفايات ، وأخرجت جوالها التي كانت تخفيه في ملابسها .. واتصلت على رقمٍ محدّد ، قائلةً بصوتٍ منخفض : 

((الو جدتي .. نفذت المهمّة .. إخبرني زبونتك انني وضعت السحر أسفل فراش الطبيب .. وخلال شهر واحد ، سيُطلّق عروسته ويعود اليها .. وقبل ان أنسى ، هذه المرة ستضاعفين أجري .. (بنبرةٍ غاضبة) .. أتسألين لماذا ؟!! لإني شوّهت جبيني بالشفرة ، بعد مراقبة عيادة الطبيب لساعتين في طقسٍ حار ورطب .. وقضيت اليوم في تنظيف فلته .. كل هذا التعب ليس مجاناً يا جدتي العزيزة .. نعم ، قادمة اليك بعد قليل .. سلام)

وأغلقت جوالها بعصبية :

- أعرف ان جدتي البخيلة لن تعطيني الكثير ، لذا أخذت احتياطاتي


وفتحت كيس الزبالة الذي حوى بالحقيقة : ذهب العروس وبعض ثيابها وأحذيتها الغالية التي سرقتهم من خزانة غرفتها ..

قائلةً في نفسها :

(سأبيعهم قبل عودتي الى وكر جدتي)


ثم نظرت نظرة أخيرة للفلة ، وبنبرةٍ حزينة :

- آسفة دكتور عادل لخيانة ثقتك بي .. ليتك أبقيت على حرصك ووضعت كاميرا أخرى في غرفة نومك ، لما تجرّأت على تنفيذ خطة جدتي .. أعتذر منك ، لكن الأشرار يفوزون دائماً في هذه الدنيا الظالمة ..


ومضت في طريقها دون رجعة !  


الاثنين، 21 سبتمبر 2020

هوس الشهرة

 تأليف : امل شانوحة

حلم النجومية


في وقت الظهيرة .. واثناء تناول ديانا الغداء مع ابنائها الثلاثة في المطبخ ، عاد والدهم من عمله وهو يقول بحزم :

- لن تدخلوا الملهى قبل رؤية بطاقتكم الشخصيّة !!

ديانا باهتمام : هل حصلت على الدور ؟

فأجاب زوجها بحماس : نعم !! سأكون حارساً لملهى ليليّ في فيلم أكشن بإنتاجٍ ضخم  

ابنه الأكبر : وكم ستظهر في الفيلم يا ابي ؟

فأجابه : دقيقتان فقط 

فضحك اولاده عليه .. 


ديانا : أكل هذا الحماس لدور كومبارس صغير ؟!

مايكل : كل الفنانين بدأوا مسيرتهم بأدوارٍ ثانوية .. وقريباً سأصبح فناناً مشهوراً بعد حصولي على جائزة ..

فأكمل اولاده العبارة باستهزاء : الأوسكار !!

والدهم بعصبية : بالتأكيد !! فلا احد متفاني بعمله مثلي .. وعقاباً على سخريتكم ، لن ترافقوني الى حفلات التكريم المستقبلية 

زوجته بضيق : الم تعدني صباحاً بالبحث عن عملٍ جدّي ؟ فراتبي كمعلمة لا يكفي مصاريفنا 

زوجها بغضب : وهل تريني أضيّع الوقت ؟!! انا أسعى دائماً لدورٍ يرفع مستوانا ويجعلنا من الأثرياء


ابنه الأكبر : ابي عمرك 45 ، وكبرت على ادوار البطولة

ابوه : وهذا ما يغضبني منكم !! فلوّ لم تكونوا كسالى ، وضغطّم على انفسكم لحفظ سيناريوهات افلام الأطفال والمراهقين ، لنال احدكم دور البطولة 

اولاده الثلاثة بضيق : نحن لا نحب التمثيل يا ابي !! 

الأب بغرور : اساساً لا أحد يملك موهبة التمثيل سوايّ 

زوجته : المهم الآن ، كم سيدفعوا لك ثمن تصوير دقيقيتن في الفيلم؟

زوجها : 70 دولار

فضحك اولاده بسخرية ..


الأب : لولا نفسيتي الجيدة ، لعاقبتكم جميعاً 

زوجته : مايكل عزيزي , لما ترفض الذهاب الى طبيبي النفسيّ لتحدّثه عن هوسك بالشهرة !

زوجها بلؤم : انت أعصابك متعبة من التلاميذ .. اما انا ، فبصحةٍ جيدة .. ولن أسمح لطبيبك بإقناعي التخلّي عن حلم حياتي

فتنهدت زوجته بضيق : مايكل ..الشهرة هو حلم امك ، هي من أجبرتك على الإشتراك بمعظم المسرحيات المدرسية وحفلات الأطفال .. ولست مرغماً بالمضيّ في هذا الطريق الشاقّ !  

الإبن الأوسط : جدتي تعامله كفنانٍ مشهور ! وبسبب دلالها ، نعاني نحن من قلّة المصروف 

الأب بغضب : أسكت يا ولد ، والاّ ضربتك !!


ديانا : حسناً ليهدأ الجميع ، ولنتناول طعامنا بسلام

مايكل : بدأت حميتي الغذائية ، فدوري يتطلّب ان أكون رشيقاُ

الإبن الأكبر : الحرّاس بالعادة يكونوا مفتوليّ العضلات

الأب : أعرف هذا .. (واقترب من زوجته) .. ديانا ، أحتاج 300 دولار للتسجيل في نادي رياضيّ

زوجته : لن تنمو عضلاتك بهذه السرعة

مايكل : سيبدأون تصوير الفيلم بعد شهرين ، ووعدّتُ المخرج ان أتمرّن بجهد الى ذلك الحين 

فأجابته بضيق : آسفة يا مايكل ، فالمصروف بالكاد يكفينا لآخر الشهر

فردّ بعصبية : لا اريد شيئاً منك !! سأستلفّ من امي , هي الوحيدة التي تقدّر موهبتي ايها الفاشلين

وخرج غاضباً من المنزل ، بعد صفقه الباب بعنف ..


الإبن الأوسط بحزن : ليتك لم تتزوجي هذا الفاشل 

امه معاتبة : تأدّب يا ولد !!

اخوه الأكبر : هو يقول الحقيقية ، فأنت من تصرفين على المنزل  

فتنهّدت بضيق : أُغرمتُ بوسامته حين كنت مراهقة ، وبسبب غبائي أعمل دوامين لتسديد الفواتير ..

ابنها الأكبر : فور تخرّجي من الثانوية ، سأبحث عن عمل لمساعدتك يا امي

- ليس قبل تخرّجك الجامعي ، مفهوم !!

- هذا إن أبقى ابي مالاً لجامعتي ، فهو يصرف اموالنا على الكريمات والعطور والأدوات الرياضية ليبقى وسيماً لتحقيق حلمه السخيف


اخوه الصغير : المهم ان لا يجبرني على حفظ النصوص ثانيةً ، فهي طويلة ومملّة للغاية

الأخ الأكبر : المسكين ، كان يوقظه فجراً في ايام العطل لأخذه الى ولايةٍ ثانية لإمتحانات التمثيل لشركة والت ديزني

الأخ الأوسط : لوّ لم تمنعه امي ، لكنا لليوم نحفظ السيناريوهات الطويلة ! وكأن وظائفنا المدرسية لا تكفي 

الأم : لا تتشاءموا هكذا .. فربما قريباً يحصل والدكم على دور البطولة ، وتتغير حياتنا للأفضل كما يحلم دائماً 

- وهل تظني يا امي انه سيُكافىء جهودك وصبرك في حال أصبح غنياً ومشهوراً ؟ 

اخوه : بالتأكيد سيهجرك ليُصاحب فنانة رشيقة وجميلة تُناسب مستواه الجديد

فسكتت الأم بضيق ، لأنها إحدى مخاوفها بالفعل !  

*** 


ومرّت الشهور .. ومايكل لم يحصل الا على ادوارٍ بسيطة بأجرٍ زهيد ، لكنه مصرّ على تحقيق حلمه مهما كلّفه الأمر !


وفي أحد الأيام .. عاد بيده نصّاً سينمائياً ، وقال لزوجته بحماس :

- يريدون سيدة في نفس مواصفاتك للقيام بالدور

- انا مشغولة يا مايكل ، ولا وقت لديّ للتمثيل 

- رجاءً اقرأي النص قبل رفضه 


وما ان قرأت سطوره الأولى ، حتى صفعته بغضب :

- أتريديني ان أمثّل فتاة ليل !! هل انت مجنون ؟

مايكل : ستكون بداية شهرتك

فصرخت بعصبية : أحلف يا مايكل ان لم تغرب عن وجهي الآن ، سأرفع دعوى طلاق وحضانة اولادك ، وأحرمك منهم للأبد !! اساساً انا من يصرف عليهم.. 

مقاطعاً بضيق : حسناً اهدأي , اصلاً لا تملكين موهبة التمثيل  

ودخل غرفته ، تاركاً زوجته تشتعل من الغضب ..

***


وبسبب هوسه ، إعتادت عائلته على تقمّصه شخصياتٍ متعدّدة لبعض الوقت ، قبل اداء دوره امام لجنة اختيار الممثلين .. 

فحين اشترك في فيلمٍ موسيقيّ : اشترى بيانو لتدرّب عليه ، أملاً بالحصول على دور البطولة لقصة عازفٍ مشهور .. ودرس طريقة العزف بالإنترنت التي ضايقت عائلته وجيرانه .. ولم يتوقف عزفه المزعج ، الا بعد اختيار المنتج لبطل فيلمه من المشاهير .. ليبدأ نوع آخر من الإزعاج وهو الرقص النقريّ ، رغبةً منه ليكون أحد راقصيّ الفيلم .. لكنهم اختاروا متسابقين يملكون خبرة في هذا المجال ، بعكسه 


وفي فيلمٍ آخر يحكي قصة طبيب بيطريّ : استأجر مايكل مجموعة من القطط والكلاب لتدريبها في المنزل من أجل الدور

لكنهم كالعادة , اختاروا غيره ..


وحين قُبل أخيراً في دور كومبارس بفيلم كارتيه : عاد لمنزله بيدٍ مُجبّرة بعد تحمّسه في مشهد ضربه للبطل الذي ابتعد في آخر لحظة ، لترطم يده بالجدار وتنكسر كسراً مضاعفاً ! 

لكن مايكل لم يهتم للألم ، متوهماً أن إتقانه للدور سيفتح مجالاً لأدوارٍ أفضل.. وهذا لم يحصل بعد !


وازداد جنونه مع الأيام ! حيث غيّر قصّة شعره وملابسه على حسب الفيلم المراد تمثيله .. ولبس ملابس قديمة تعود لزمن الخمسينات والسبعينات لإتقان ادواره المختلفة ، غير آبه بسخرية الجيران والأصدقاء .. فتركيزه مُنصبّ على هدفه أن يكون أحد المشاهير ، مهما طال الزمن .. لدرجة انه كتب خطاباً مؤثراً ألقاه امام عائلته : لما سيقوله للجماهير لحظة تتويجيه بجائزة الأوسكار ! 

 

ليس هذا فحسب ، بل استأجر مصوراً للحاق به وتصويره اثناء وجوده بالأماكن العامة.. ورشى بعض الصغار بالحلوى لتوقيع قمصانهم امام الناس ، لإيهامهم أنه شخصٌ مهم ومشهور .. 

عدا عن نشره قصة كفاحه ونجاحه المرهق في جميع وسائل التواصل الإجتماعي ، كأنه وصل للنجومية بالفعل !  

 

ولأنه يعيش وهم الشهرة ، أجبر عائلته على لبس أجمل ثيابهم عند خروجهم معه ، كعائلة الفنان البطل .. الى ان اتفقوا على الخروج دونه ، بعد تعبهم من تدقيقاته بأقل التفاصيل في لبسهم وطريقة تصرّفهم امام العامّة ! 

*** 


وفي تلك الأمسية الباردة ، وبعد قراءته لنصّ فيلم رعب .. عاد الى بيته ونار الغضب تشتعل في صدره .. 

فقال له ابنه الأصغر : لا تحزن يا ابي , سيختارونك بالفيلم القادم

وهنا فاجأهم بإخراج مسدسٍ من جيبه , ووجّه نحوهم !


فضحك ابنه الكبير : هل ستمثّل دور القاتل في الفيلم الجديد ؟

فأجابه بلؤم : بل سفّاح مُتسلّسل .. وهذه المرة سأكون البطل في فيلمٍ دمويّ لخمسة اجزاء متتالية 

فهلّلت زوجته بفرح : اخيراً قبلوك بدور البطولة ؟!! 

مايكل بجدّية : نعم .. والآن لنبدأ التمثيل .. 3-2- 1.. آكشن !!!


فابتسمت عائلته ، لظنها ان مسدسه لعبة .. لكنهم شهقوا بفزع بعد تلطّخهم بدماء الإبن الأوسط ، عقب تفجير الأب لرأسه ! 

وانطلقوا في ارجاء البيت محاولين الهروب من والدهم المجنون الذي لحقهم الى الطابق العلويّ ، وقتل ولديه بدمٍ بارد .. ثم أمسك بذراع زوجته وضربها بوحشيّة بالمسدس على رأسها ..


وحين سمع الجيران صراخها الهستيريّ ، إتصلوا بالشرطة التي اقتحمت بيتهم .. ليروه يُفرغ مسدسه في جثة زوجته ! 

فهجموا عليه وكبّلوا يديه .. وأخرجوه بالقوة ، ليشاهد جيرانه مجتمعين امام بيته .. فصرخ لهم قائلاً :

- لا تصفّقوا الآن !! الفيلم لم ينتهي بعد .. والمخرج لم يقلّ : CUT .. لما أوقفتموني في ذرّوة إندماجي بالتمثيل ؟ مازال عليّ قتل ثلاثين شخصاً ، لأصبح سفاحاً متسلّسلاً .. لا تفسدوا السيناريو الرائع !!

***


لاحقاً .. حكمت المحكمة الجنائية (بناءً على تقرير الطبيب النفسي) : أن هوسه للشهرة أوصله لحدّ الجنون ! 

وأُرسل لمستشفى المجانين بقسمٍ خاص لمرتكبيّ الجرائم بحراسةٍ مشدّدة ، والذين عانوا من طرقاته العنيفة على الباب , وصراخه الدائم من داخل سجنه الإنفراديّ :  

((قتلت عائلتي لأتقن دور السفّاح .. والشرطة أوقفتني قبل المشهد الختاميّ .. فيلمي لم ينتهي بعد ، عليّ إكماله للحصول على الأوسكار .. أنا أفضل ممثل بالعالم !! انا رجلٌ مشهور !! انا نجمٌ عالميّ !!!!!)) 


ويظلّ يردّد ذات العبارات كل ليلة ، الى أن يُعطى إبرة مخدّر تجعله ينام بسباتٍ عميق !  


الجمعة، 18 سبتمبر 2020

مدفون حيّاً

تأليف : امل شانوحة 

طعنة غدر !


ظلامٌ دامس .. مكانٌ ضيّق .. أنفاسٌ خانقة .. ومخاوف سيطرت على كل جوارحه ، بعد استفاقته مُحتجزاً في مكانٍ مجهول ! يبدو كصندوق خشبيّ ، بالكاد يستطيع التقلّب داخله .. 

أخرج جورج ولّاعته من جيبه وأضائها ، وليته لم يفعل ! فقد تحقّقت اسوء كوابيسه : مدفون حياً في تابوتٍ تحت الأرض !


فماذا حصل ؟ هل تعرّض لنوبةٍ قلبية مفاجئة او حادثٍ مروريّ ؟ ام انه تعارك مع أحدهم ، فانتقم منه بهذه الطريقة الوحشية ؟ لابد انه حدث عراك ما ، فذراعيه اللتان تؤلمانه كبقية جسده مليئة بالرضوض والخدوش ! فلما أراد أحدهم قتله ؟ فهو رجلٌ مسالم لم يؤذي احداً ، رغم عمله كحارسٍ شخصيّ !

حاول استرجاع الماضي ، لكن تفكيره ظلّ مشوّشاً .. وآخر ما تذكّره هو لحظة خروجه من الطائرة ..


ولأن الوقت يمرّ بسرعة ، وكل ثانية تُحسب من حياته .. كان عليه الإختيار بين قرارين صعبين : اما الإنتظار لحين نفاذ الهواء في التابوت والموت بسلام ، او محاولة الخروج من الجحيم مهما كلّفه الأمر .. 


وبدأ يفكّر بطريقة لفعل ذلك دون المخاطرة بحياته : ففي حال كسر الخشب العلويّ ، سيهبط الرمل عليه ويقتله إختناقاً .. اذاً الأفضل لوّ يتصرّف بطريقةٍ معكوسة ..

فبدأ يطرق بكلتا قدميه بقوة ، الى ان خرق الجزء السفليّ للتابوت .. 


ثم تكوّر على نفسه ، ليتمكّن من الوصول الى الحفرة الصغيرة التي بدأ يكسرها بيديه ، الى ان صار بإمكانه المرور منها.. 

وحين لمس التراب اسفل التابوت وجده موحلاً ، فعلم انها أمطرت قبل قليل .. فتمتّم قائلاً :

- سأحفر نفقاً يوصلني للأعلى ..


وبدأ يُخرج الطين من الأسفل ، ويدخله من الفتحة .. ليكدّسه في مقدّمة التابوت.. 

هكذا الى ان تمكّن من إنزال قدميه ..

ولم يبقى امامه سوى المجازفة بعد امتلاء التابوت بالطين .. 


فنزل الحفرة بعد أخذه نفساً عميقاً .. ثم كتم انفاسه وهو يحفر بكلتا يديه  صعوداً للسطح الذي لم يبعد سوى نصف متر عن التابوت ، وكأنه دُفن على عجل ! 

  

وفور إخراج رأسه من الحفرة ، تنفّس الصعداء .. 

ثم جمع ما تبقى من قوته لدفع جسمه للأعلى ، الى ان تملّص تماماً من القبر 


فاستلقى على الأرض ، مُلتقطاً انفاسه المتسارعه .. وقد أوشك على الإغماء من شدة التعب ، لكن مخاوفه أن يكون القاتل قريبٌ منه ، جعله ينهض لاستكشاف المكان الذي لم يكن سوى ارضاً قاحلة موحلة ، ليس فيها مقابر أخرى ! 


ومع الظلام الحالك ، ظهرت اضواءٌ خافتة من بعيد 

فمشى باتجاهها ، ليتبين أنها انوار فوانيس عُلّقت على ابواب اكواخٍ قديمة!

***


واثناء تجوّله في القرية الريفية ، قابل بعض الأشخاص جميعهم من البشرة السمراء ، الذين هربوا فزعاً حين حاول محادثتهم !

فتذكّر فيديو قديم شاهده عن الزومبي الإفريقي : لأشخاص أُستعبدوا بعد خروجهم أحياء من القبور ، لاعتقاد ذويهم ان الجن تلبّست بجثثهم 

ربما هذا ما أخافهم ، بعد رؤيتهم لملابسه الموحلة ووجهه الشاحب !


فأكمل سيره تائهاً وهو يشعر بعطشٍ شديد ، ويتمنى لوّ السماء تمطر ثانيةً .. فهو بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه من شدة التعب 

وأوشك على الإنهيار والإستسلام ، قبل رؤيته لكشكٍ صغير يبيع المنتجات الغذائية ..


فأسرع الى ثلاجتها القديمة وهو يشير على قارورة الماء .. لكن البائع كبقية افرد القرية لا يعرف الإنجليزية او الفرنسية ..

الا ان جورج فهم من إشارة يده : ان عليه دفع ثمنها اولاً 

فبحث في جيوبه مطولاً ، دون ان يجد شيئاً .. 


حينها فقط ! إنتبه أنه يلبس ملابس صديقه مايكل .. وتأكّدت شكوكه بعد رؤيته لأزرار الأكمام الذهبية التي كان يتباهى دائماً بتشكيلته الفريدة منها..

وبينما هو شارد بأفكاره ، لاحظ إبتسامة البائع وهو يشير الى الزرّ الذهبيّ 


فنزع جورج إحداها واعطاها له ، مقابل قارورة ماء التي شربها بثوانيٍ لشدّة عطشه 

وبعد ارتواء ظمئه ، اراد إستعارة جوّال البائع الذي أشار بابتسامةٍ عريضة الى الزرّ الثاني للقميص 

فنزعه جورج واعطاه له ، مقابل استخدام جواله لبعض الوقت.. 


ومن حسن حظه ان الإنترنت يعمل جيداً ، كأن هناك محطة اتصالات قريبة من القرية !

فقام ببحثٍ سريع على جوجل لمعرفة اسم البلد الأفريقي الذي هو فيه ، بعد رؤية علمها يُرفّرف فوق عامود الإنارة خارج القرية ..

فعلم انه في زيمبابويّ ..

- زيمبابويّ !

قالها بصوتٍ مسموع ، ليرى البائع يهزّ رأسه إيجاباً ..


فقرأ بعض المعلومات السريعة عن الدولة من (ويكيبيديا)..قائلاً في نفسه :

(غريب ! اللغة الرئيسية في المدن الكبرى هي الإنجليزية ، لأنها كانت مستعمرة بريطانية .. ولسوء حظي علقت في قرية لا يتكلمون سوى لغتهم (الشونا) .. لكن طالما هناك 2 في المئة من السكّان اجانب ، لابد ان يكون هناك سفارة تهتم بشؤونهم او على الأقل قنصلية)


بهذه اللحظة ! إستعاد جزءاً من ماضيه : حين فاجأه صديقه مايكل برحلةٍ سياحية الى افريقيا .. وكان على جورج مرافقته ، بما أنه حارسه الشخصيّ .. فوالد مايكل هو محامي مشهور وثريّ ، والمرشّح الأول لرئاسة مجلس العموم البريطاني .. اما ابنه الفاشل فاعتاد صرف الأموال على رحلاته السياحية ، لتحقيق حلمه بزيارة دول العالم .. ولأنه من اسرةٍ ثرية ، فرقمه الدوليّ مميز ومن السهل تذكّره .. فاتصل عليه ، آملاً ان يكون بخير .. لكن خطّه كان مغلقاً على غير عادته ! فهل سُرق جواله من نفس العصابة التي قامت بدفنه حياً ؟  


وهنا انتبه على البائع يُطالبه بإعادة جواله .. فترجّاه جورج لإجراء اتصالٍ أخير .. فوافق البائع متأفّفاً .. 

فأجرى جورج بحثاً سريعاً على جوجل ، لإيجاد رقم سفارةٍ اجنبية في زيمبابويّ .. ليقوم بتسجيل رقم القنصلية البريطانية على يده .. ثم اتصل بهم , رغم شكوكه أن تكون مغلقة بهذا الوقت المتأخر .. 


ومن حسن حظه ان موظفاً أجابه باللغة الإنجليزية .. فتنفّس جورج الصعداء , وهو يقول : 

- اسمي جورج دايموند , بريطاني الجنسية .. وصلت برفقة السيد (مايكل اندرسون) الى هنا قبل يومين .. وانا تائهٌ الآن في إحدى القرى التي لا اعرف لغتها ، واريد الوصول الى قنصليتكم .. فهناك من حاول دفني حياً .. ارجوك ساعدني !!

الموظف : لحظة ! دعني أفهم .. انت تعمل لدى مايكل اندرسون ، ابن المحامي البريطاني آدم اندرسون

- نعم , المرشّح لرئاسة مجلس العموم في الشهر القادم .. وابنه صديقي منذ ايام الجامعة ، وأعمل حارسه الشخصيّ .. وانا قلقٌ على مصيره 

- ما آخر شيء تتذكّره ؟ 


جورج : سكرنا سوياً في إحدى فنادق زيمبابويّ .. واستيقظت قبل ساعتين داخل تابوتٍ ، مدفون خارج قريةٍ ريفية .. وأخشى ان يكون صديقي مدفوناً حياً في مكانٍ ما !  

- لا أظن ذلك 

جورج بدهشة : لما انت واثقٌ هكذا ؟!

- سأخبرك لاحقاً .. من اين حصلت على الجوال ؟

- من بائع كشكٍ افريقي ، يريد استرجاعه الآن

الموظف : دعني أكلّمه لأعرف عنوانك بالضبط .. ثم أعيدك الى فندقك ، او اوصلك الى المطار

- نعم رجاءً


واعاد الجوال الى البائع الذي تكلّم مع موظف القنصلية بلغته الأفريقية .. ثم أعطى الجوال ثانيةً لجورج ، ليسمع الموظف يقول له:

-إسمع سيد جورج .. هناك فندقٌ قريب من المنطقة التي انت متواجد فيها الآن .. سأتصل بهم لأتأكّد أن اسمك واسم صديقك مقيّدان في سجلاّتهم.. 

جورج مقاطعاً بضيق : تلك التفاصيل غير مهمة الآن .. تعال وخذني رجاءً!!


الموظف : سآتي قريباً .. طلبت من البائع تخبأتك لحين قدومي ، فهناك عصابات مسلّحة تخطف الأجانب والسوّاح لطلب الفدية .. وهو في المقابل طلب مني مبلغاً كبيراً ، سيكون ديناً عليك 

جورج : انا بالعادة استودع مالي في صندوق الأمانات للفنادق التي أحجز فيها ، سأدفع لك ما تشاء حين تعيدني الى هناك 

- حسناً ، القاك قريباً .. سلام


وأعاد جورج الجوال للبائع الذي فتح له باب كشكه الصغير.. وخبّأه اسفل طاولته ، بعد ان أعطاه علبة فاصوليا وسردين ومشروباً غازياً .. أكلهم جورج على عجل من شدّة جوعه ..


وما ان انهاهم ، حتى سمع مركبةً حربية تقترب من الكشك .. فأشار البائع له بالتزام الصمت .. فظلّ جورج مختبأً ، لحين استيلاء المسلحين على بعض حاجيات البائع دون دفع ثمنها ، وذهبوا بعيداً 

***  


بعد ساعة أحسّها جورج كأنها دهر ، وصل الموظف الإنجليزي وهو ينادي بصوتٍ عالي : 

- جورج اين انت ؟!! 


وما ان سمع لكنته البريطانية ، حتى خرج من تحت الطاولة وهو يشكر الربّ على انتهاء الأزمة .. 

وبعد دفع الموظف المبلغ المتفق عليه للبائع ، إستقلّ جورج سيارته السوداء وانطلقا باتجاه المدينة .. 

*** 


في السيارة .. وبعد ان أخبره جورج بملخّص ما حصل له ، قال له الموظف :

- انها تجربة مؤلمة بالفعل ! الحمد الله على سلامتك

جورج : شكراً لك .. وآسف لتوسيخ سيارتك بثيابي الموحلة 

الموظف : لا بأس .. فصديقك دفع كامل المصاريف للإهتمام بك

- أتعني انك تواصلت مع مايكل ؟! هل هو بخير ؟ 

- ليس هذا ما قصدّته .. هو طلب مني البقاء في القنصلية حتى الصباح ، في انتظار مكالمتك او خبرٌ عنك .. فهو توقع نجاتك لقوتك البدنية ، وأنك ستتصل بنا لإنقاذك 

جورج باستغراب : لم أفهم شيئاً !


فنظر الموظف الى ملابس جورج وهو يقول :

- الم تتساءل كيف لبست ثياب السيد مايكل ؟

- أظني لبستها بالخطأ وانا سكران

الموظف : لا ، هو ألبسك إيّاها بنفسه

- أشرح اكثر لوّ سمحت 

- باختصار .. سكرتما سوياً في غرفته ، الى ان أغميّ عليك .. فتركك ونزل الى الشارع .. وهناك رأى صبية بعمر الزهور ، لحقها بين الأزقّة الى ان اعتدى عليها .. 

جورج مقاطعاً بصدمة : ماذا !


الموظف : نعم ، وحارس الفندق شاهد ما حصل بالصدفة .. فأخبره بعد هرب الفتاة باكية ، انها ابنة زعيم قريةٍ معروف ببطشه وجبروته واتباعه المسلحين .. فأسرع مايكل فزعاً الى غرفته .. وبدّل ملابسه معك ، ووضع كمّامته الثمينة على وجهك .. 

جورج بصدمة : اللعين !

- لم يكتفي بهذا فقط ، بل حقنك بمخدرٍ قوي حتى لا تستيقظ لحين سفره .. وأعطى رشوة للحارس ليدلّ افراد قبيلتها عليك ، في حال هجموا على الفندق 

جورج والدموع في عينيه : لا أصدّق ما اسمعه ! 


الموظف : وحين وصل مايكل للمطار ، إتصل بمكتبي .. وحوّل مبلغاً كبيراً على حسابي ، لأسهر وحدي في القنصلية .. مع اني أخبرته ان لا أحد ينجو من غضب تلك القبيلة الهمجية ..الا انك فاجأتني باتصالك ! تماماً كما توقع صديقك ..  

جورج : وهل فعلاً قدموا الى الفندق ؟

- طبعاً .. فوالدها جنّ جنونه بعد ان أخبرته بما حصل .. فهجم على الفندق برفقة 20 رجلاً مسلحاً .. وعلى الفور دلّهم الحارس المرتشي على غرفتك .. فانهالوا ضرباً عليك ، بعد تأكيد الفتاة إنك الشخص المعتدي : فأنت تلبس ملابس مايكل ، وكذلك كمّامته التي أخفت نصف وجهه اثناء ارتكابه الجريمة.. 

- واعتقدوا انني ميت بسبب المخدّر ؟


الموظف : مايكل خطّط لكل شيء .. واتفق مع الحارس ان يقول لهم : أنك انتحرت فور إفاقتك من سكرك وتذكّرك جريمتك ، لأنك لم تتحمّل تأنيب الضمير .. وهم تأكّدوا من موتك ، لعدم تجاوبك مع لكماتهم وركلاتهم القاسية .. فأخذوك معهم ، لدفنك خارج قريتهم .. هذا كل شيء

جورج بنبرةٍ غاضبة : أتدري مالذي سأفعله باللعين بعد عودتي لبلادي ؟

الموظف ناصحاً : لا تتهوّر ، فوالده رجلٌ مهم ولديه معارف كثيرة .. وفضيحةٌ كهذه ، تُفقده منصب رئاسة مجلس العموم 


جورج صارخاً بحنق : لا يهمّني أمرهما !! فالحقير لم يهمّه سوى إنقاذ نفسه .. لذا أحلف انني سأجرّجره للمحاكم ، وأعاقبه على خيانة صداقتنا ل15 سنة .. ولن أهدأ الى أن أدمّر سمعته ومنصب والده وثروته ، ليعودوا فقراء كما كانوا !! 

- وهذا ما كان يخشاه الأستاذ مايكل ! لذلك دفع مبلغاً كبيراً لإتمام المهمّة  

جورج بقلق : ماذا تقصد ؟!

الموظف بلؤم : الم تفهم بعد ؟ هو لا يريد شهود على جريمته ، لذلك قتلتُ حارس الفندق قبل وصولي اليك 


وفجأة ! تبلّل وجه جورج برذاذ بخاخ المخدّر الذي رشّه الموظف المرتشي عليه..

فحاول إيقافه جاهداً ، لكنه اشتمّ جزءاً كبيراً من المخدّر القوي ، جعله ينهار نائماً على كرسي السيارة الأماميّ ..

***  


قطرات المطر المُتسرّبة من شقوق التابوت الخشبيّ على وجه جورج أيقظته ، مُتزامناً مع هدير الرعد في الخارج ..

ليجد نفسه مُحتجزاً في مكانٍ ضيق .. فصرخ بضيق :

- يا الهي ! ليس ثانيةً !!


وأخرج بيده المرتجفة الولاّعة من جيبه ، ليرى ورقةً مُلصقة على صدره مكتوباً فيها :

((تركت الولاّعة في جيبك لتقرأ الملاحظة : عزيزي جورج .. لا تحاول الخروج هذه المرة ، فأنت مدفون على بعد ثلاثة امتار من سطح الأرض بعد إقناعي رئيس البلدة انك مُتّ بالكورونا .. حاول تقبّل فكرة أن حياتك انتهت اليوم ، واستغلّ لحظاتك الأخيرة في الدعاء .. ولا تحقد عليّ ، فأنا عبدٌ مأمور .. اما صديقك الغادر ، فسيُعاقب يوماً ما في الجحيم))

 

فنزلت دموع جورج على وجنتيه ، وهو يشعر بقطرات الماء تغمر تابوته شيئاً فشيئا  .. 

ومع غزارة الأمطار في الخارج ، إزداد ثقل الوحل فوق التابوت .. أدّى بالنهاية لتحطّم خشبه الرديء .. ليُردم التراب فوق وجهه ، ويلقى حتفه بطعنة غدرٍ من صديق العمر !


ثمن التنمر

تأليف : امل شانوحة  الفرصة الثانية تصدّر اسم المراهق (جاك) نشرات الأخبار بعد دخوله مسلّحاً الى مدرسته الثانوية ، وقتله بعضاً من زملاء فصله ،...