الجمعة، 18 سبتمبر 2020

مدفون حيّاً

تأليف : امل شانوحة 

طعنة غدر !


ظلامٌ دامس .. مكانٌ ضيّق .. أنفاسٌ خانقة .. ومخاوف سيطرت على كل جوارحه ، بعد استفاقته مُحتجزاً في مكانٍ مجهول ! يبدو كصندوق خشبيّ ، بالكاد يستطيع التقلّب داخله .. 

أخرج جورج ولّاعته من جيبه وأضائها ، وليته لم يفعل ! فقد تحقّقت اسوء كوابيسه : مدفون حياً في تابوتٍ تحت الأرض !


فماذا حصل ؟ هل تعرّض لنوبةٍ قلبية مفاجئة او حادثٍ مروريّ ؟ ام انه تعارك مع أحدهم ، فانتقم منه بهذه الطريقة الوحشية ؟ لابد انه حدث عراك ما ، فذراعيه اللتان تؤلمانه كبقية جسده مليئة بالرضوض والخدوش ! فلما أراد أحدهم قتله ؟ فهو رجلٌ مسالم لم يؤذي احداً ، رغم عمله كحارسٍ شخصيّ !

حاول استرجاع الماضي ، لكن تفكيره ظلّ مشوّشاً .. وآخر ما تذكّره هو لحظة خروجه من الطائرة ..


ولأن الوقت يمرّ بسرعة ، وكل ثانية تُحسب من حياته .. كان عليه الإختيار بين قرارين صعبين : اما الإنتظار لحين نفاذ الهواء في التابوت والموت بسلام ، او محاولة الخروج من الجحيم مهما كلّفه الأمر .. 


وبدأ يفكّر بطريقة لفعل ذلك دون المخاطرة بحياته : ففي حال كسر الخشب العلويّ ، سيهبط الرمل عليه ويقتله إختناقاً .. اذاً الأفضل لوّ يتصرّف بطريقةٍ معكوسة ..

فبدأ يطرق بكلتا قدميه بقوة ، الى ان خرق الجزء السفليّ للتابوت .. 


ثم تكوّر على نفسه ، ليتمكّن من الوصول الى الحفرة الصغيرة التي بدأ يكسرها بيديه ، الى ان صار بإمكانه المرور منها.. 

وحين لمس التراب اسفل التابوت وجده موحلاً ، فعلم انها أمطرت قبل قليل .. فتمتّم قائلاً :

- سأحفر نفقاً يوصلني للأعلى ..


وبدأ يُخرج الطين من الأسفل ، ويدخله من الفتحة .. ليكدّسه في مقدّمة التابوت.. 

هكذا الى ان تمكّن من إنزال قدميه ..

ولم يبقى امامه سوى المجازفة بعد امتلاء التابوت بالطين .. 


فنزل الحفرة بعد أخذه نفساً عميقاً .. ثم كتم انفاسه وهو يحفر بكلتا يديه  صعوداً للسطح الذي لم يبعد سوى نصف متر عن التابوت ، وكأنه دُفن على عجل ! 

  

وفور إخراج رأسه من الحفرة ، تنفّس الصعداء .. 

ثم جمع ما تبقى من قوته لدفع جسمه للأعلى ، الى ان تملّص تماماً من القبر 


فاستلقى على الأرض ، مُلتقطاً انفاسه المتسارعه .. وقد أوشك على الإغماء من شدة التعب ، لكن مخاوفه أن يكون القاتل قريبٌ منه ، جعله ينهض لاستكشاف المكان الذي لم يكن سوى ارضاً قاحلة موحلة ، ليس فيها مقابر أخرى ! 


ومع الظلام الحالك ، ظهرت اضواءٌ خافتة من بعيد 

فمشى باتجاهها ، ليتبين أنها انوار فوانيس عُلّقت على ابواب اكواخٍ قديمة!

***


واثناء تجوّله في القرية الريفية ، قابل بعض الأشخاص جميعهم من البشرة السمراء ، الذين هربوا فزعاً حين حاول محادثتهم !

فتذكّر فيديو قديم شاهده عن الزومبي الإفريقي : لأشخاص أُستعبدوا بعد خروجهم أحياء من القبور ، لاعتقاد ذويهم ان الجن تلبّست بجثثهم 

ربما هذا ما أخافهم ، بعد رؤيتهم لملابسه الموحلة ووجهه الشاحب !


فأكمل سيره تائهاً وهو يشعر بعطشٍ شديد ، ويتمنى لوّ السماء تمطر ثانيةً .. فهو بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه من شدة التعب 

وأوشك على الإنهيار والإستسلام ، قبل رؤيته لكشكٍ صغير يبيع المنتجات الغذائية ..


فأسرع الى ثلاجتها القديمة وهو يشير على قارورة الماء .. لكن البائع كبقية افرد القرية لا يعرف الإنجليزية او الفرنسية ..

الا ان جورج فهم من إشارة يده : ان عليه دفع ثمنها اولاً 

فبحث في جيوبه مطولاً ، دون ان يجد شيئاً .. 


حينها فقط ! إنتبه أنه يلبس ملابس صديقه مايكل .. وتأكّدت شكوكه بعد رؤيته لأزرار الأكمام الذهبية التي كان يتباهى دائماً بتشكيلته الفريدة منها..

وبينما هو شارد بأفكاره ، لاحظ إبتسامة البائع وهو يشير الى الزرّ الذهبيّ 


فنزع جورج إحداها واعطاها له ، مقابل قارورة ماء التي شربها بثوانيٍ لشدّة عطشه 

وبعد ارتواء ظمئه ، اراد إستعارة جوّال البائع الذي أشار بابتسامةٍ عريضة الى الزرّ الثاني للقميص 

فنزعه جورج واعطاه له ، مقابل استخدام جواله لبعض الوقت.. 


ومن حسن حظه ان الإنترنت يعمل جيداً ، كأن هناك محطة اتصالات قريبة من القرية !

فقام ببحثٍ سريع على جوجل لمعرفة اسم البلد الأفريقي الذي هو فيه ، بعد رؤية علمها يُرفّرف فوق عامود الإنارة خارج القرية ..

فعلم انه في زيمبابويّ ..

- زيمبابويّ !

قالها بصوتٍ مسموع ، ليرى البائع يهزّ رأسه إيجاباً ..


فقرأ بعض المعلومات السريعة عن الدولة من (ويكيبيديا)..قائلاً في نفسه :

(غريب ! اللغة الرئيسية في المدن الكبرى هي الإنجليزية ، لأنها كانت مستعمرة بريطانية .. ولسوء حظي علقت في قرية لا يتكلمون سوى لغتهم (الشونا) .. لكن طالما هناك 2 في المئة من السكّان اجانب ، لابد ان يكون هناك سفارة تهتم بشؤونهم او على الأقل قنصلية)


بهذه اللحظة ! إستعاد جزءاً من ماضيه : حين فاجأه صديقه مايكل برحلةٍ سياحية الى افريقيا .. وكان على جورج مرافقته ، بما أنه حارسه الشخصيّ .. فوالد مايكل هو محامي مشهور وثريّ ، والمرشّح الأول لرئاسة مجلس العموم البريطاني .. اما ابنه الفاشل فاعتاد صرف الأموال على رحلاته السياحية ، لتحقيق حلمه بزيارة دول العالم .. ولأنه من اسرةٍ ثرية ، فرقمه الدوليّ مميز ومن السهل تذكّره .. فاتصل عليه ، آملاً ان يكون بخير .. لكن خطّه كان مغلقاً على غير عادته ! فهل سُرق جواله من نفس العصابة التي قامت بدفنه حياً ؟  


وهنا انتبه على البائع يُطالبه بإعادة جواله .. فترجّاه جورج لإجراء اتصالٍ أخير .. فوافق البائع متأفّفاً .. 

فأجرى جورج بحثاً سريعاً على جوجل ، لإيجاد رقم سفارةٍ اجنبية في زيمبابويّ .. ليقوم بتسجيل رقم القنصلية البريطانية على يده .. ثم اتصل بهم , رغم شكوكه أن تكون مغلقة بهذا الوقت المتأخر .. 


ومن حسن حظه ان موظفاً أجابه باللغة الإنجليزية .. فتنفّس جورج الصعداء , وهو يقول : 

- اسمي جورج دايموند , بريطاني الجنسية .. وصلت برفقة السيد (مايكل اندرسون) الى هنا قبل يومين .. وانا تائهٌ الآن في إحدى القرى التي لا اعرف لغتها ، واريد الوصول الى قنصليتكم .. فهناك من حاول دفني حياً .. ارجوك ساعدني !!

الموظف : لحظة ! دعني أفهم .. انت تعمل لدى مايكل اندرسون ، ابن المحامي البريطاني آدم اندرسون

- نعم , المرشّح لرئاسة مجلس العموم في الشهر القادم .. وابنه صديقي منذ ايام الجامعة ، وأعمل حارسه الشخصيّ .. وانا قلقٌ على مصيره 

- ما آخر شيء تتذكّره ؟ 


جورج : سكرنا سوياً في إحدى فنادق زيمبابويّ .. واستيقظت قبل ساعتين داخل تابوتٍ ، مدفون خارج قريةٍ ريفية .. وأخشى ان يكون صديقي مدفوناً حياً في مكانٍ ما !  

- لا أظن ذلك 

جورج بدهشة : لما انت واثقٌ هكذا ؟!

- سأخبرك لاحقاً .. من اين حصلت على الجوال ؟

- من بائع كشكٍ افريقي ، يريد استرجاعه الآن

الموظف : دعني أكلّمه لأعرف عنوانك بالضبط .. ثم أعيدك الى فندقك ، او اوصلك الى المطار

- نعم رجاءً


واعاد الجوال الى البائع الذي تكلّم مع موظف القنصلية بلغته الأفريقية .. ثم أعطى الجوال ثانيةً لجورج ، ليسمع الموظف يقول له:

-إسمع سيد جورج .. هناك فندقٌ قريب من المنطقة التي انت متواجد فيها الآن .. سأتصل بهم لأتأكّد أن اسمك واسم صديقك مقيّدان في سجلاّتهم.. 

جورج مقاطعاً بضيق : تلك التفاصيل غير مهمة الآن .. تعال وخذني رجاءً!!


الموظف : سآتي قريباً .. طلبت من البائع تخبأتك لحين قدومي ، فهناك عصابات مسلّحة تخطف الأجانب والسوّاح لطلب الفدية .. وهو في المقابل طلب مني مبلغاً كبيراً ، سيكون ديناً عليك 

جورج : انا بالعادة استودع مالي في صندوق الأمانات للفنادق التي أحجز فيها ، سأدفع لك ما تشاء حين تعيدني الى هناك 

- حسناً ، القاك قريباً .. سلام


وأعاد جورج الجوال للبائع الذي فتح له باب كشكه الصغير.. وخبّأه اسفل طاولته ، بعد ان أعطاه علبة فاصوليا وسردين ومشروباً غازياً .. أكلهم جورج على عجل من شدّة جوعه ..


وما ان انهاهم ، حتى سمع مركبةً حربية تقترب من الكشك .. فأشار البائع له بالتزام الصمت .. فظلّ جورج مختبأً ، لحين استيلاء المسلحين على بعض حاجيات البائع دون دفع ثمنها ، وذهبوا بعيداً 

***  


بعد ساعة أحسّها جورج كأنها دهر ، وصل الموظف الإنجليزي وهو ينادي بصوتٍ عالي : 

- جورج اين انت ؟!! 


وما ان سمع لكنته البريطانية ، حتى خرج من تحت الطاولة وهو يشكر الربّ على انتهاء الأزمة .. 

وبعد دفع الموظف المبلغ المتفق عليه للبائع ، إستقلّ جورج سيارته السوداء وانطلقا باتجاه المدينة .. 

*** 


في السيارة .. وبعد ان أخبره جورج بملخّص ما حصل له ، قال له الموظف :

- انها تجربة مؤلمة بالفعل ! الحمد الله على سلامتك

جورج : شكراً لك .. وآسف لتوسيخ سيارتك بثيابي الموحلة 

الموظف : لا بأس .. فصديقك دفع كامل المصاريف للإهتمام بك

- أتعني انك تواصلت مع مايكل ؟! هل هو بخير ؟ 

- ليس هذا ما قصدّته .. هو طلب مني البقاء في القنصلية حتى الصباح ، في انتظار مكالمتك او خبرٌ عنك .. فهو توقع نجاتك لقوتك البدنية ، وأنك ستتصل بنا لإنقاذك 

جورج باستغراب : لم أفهم شيئاً !


فنظر الموظف الى ملابس جورج وهو يقول :

- الم تتساءل كيف لبست ثياب السيد مايكل ؟

- أظني لبستها بالخطأ وانا سكران

الموظف : لا ، هو ألبسك إيّاها بنفسه

- أشرح اكثر لوّ سمحت 

- باختصار .. سكرتما سوياً في غرفته ، الى ان أغميّ عليك .. فتركك ونزل الى الشارع .. وهناك رأى صبية بعمر الزهور ، لحقها بين الأزقّة الى ان اعتدى عليها .. 

جورج مقاطعاً بصدمة : ماذا !


الموظف : نعم ، وحارس الفندق شاهد ما حصل بالصدفة .. فأخبره بعد هرب الفتاة باكية ، انها ابنة زعيم قريةٍ معروف ببطشه وجبروته واتباعه المسلحين .. فأسرع مايكل فزعاً الى غرفته .. وبدّل ملابسه معك ، ووضع كمّامته الثمينة على وجهك .. 

جورج بصدمة : اللعين !

- لم يكتفي بهذا فقط ، بل حقنك بمخدرٍ قوي حتى لا تستيقظ لحين سفره .. وأعطى رشوة للحارس ليدلّ افراد قبيلتها عليك ، في حال هجموا على الفندق 

جورج والدموع في عينيه : لا أصدّق ما اسمعه ! 


الموظف : وحين وصل مايكل للمطار ، إتصل بمكتبي .. وحوّل مبلغاً كبيراً على حسابي ، لأسهر وحدي في القنصلية .. مع اني أخبرته ان لا أحد ينجو من غضب تلك القبيلة الهمجية ..الا انك فاجأتني باتصالك ! تماماً كما توقع صديقك ..  

جورج : وهل فعلاً قدموا الى الفندق ؟

- طبعاً .. فوالدها جنّ جنونه بعد ان أخبرته بما حصل .. فهجم على الفندق برفقة 20 رجلاً مسلحاً .. وعلى الفور دلّهم الحارس المرتشي على غرفتك .. فانهالوا ضرباً عليك ، بعد تأكيد الفتاة إنك الشخص المعتدي : فأنت تلبس ملابس مايكل ، وكذلك كمّامته التي أخفت نصف وجهه اثناء ارتكابه الجريمة.. 

- واعتقدوا انني ميت بسبب المخدّر ؟


الموظف : مايكل خطّط لكل شيء .. واتفق مع الحارس ان يقول لهم : أنك انتحرت فور إفاقتك من سكرك وتذكّرك جريمتك ، لأنك لم تتحمّل تأنيب الضمير .. وهم تأكّدوا من موتك ، لعدم تجاوبك مع لكماتهم وركلاتهم القاسية .. فأخذوك معهم ، لدفنك خارج قريتهم .. هذا كل شيء

جورج بنبرةٍ غاضبة : أتدري مالذي سأفعله باللعين بعد عودتي لبلادي ؟

الموظف ناصحاً : لا تتهوّر ، فوالده رجلٌ مهم ولديه معارف كثيرة .. وفضيحةٌ كهذه ، تُفقده منصب رئاسة مجلس العموم 


جورج صارخاً بحنق : لا يهمّني أمرهما !! فالحقير لم يهمّه سوى إنقاذ نفسه .. لذا أحلف انني سأجرّجره للمحاكم ، وأعاقبه على خيانة صداقتنا ل15 سنة .. ولن أهدأ الى أن أدمّر سمعته ومنصب والده وثروته ، ليعودوا فقراء كما كانوا !! 

- وهذا ما كان يخشاه الأستاذ مايكل ! لذلك دفع مبلغاً كبيراً لإتمام المهمّة  

جورج بقلق : ماذا تقصد ؟!

الموظف بلؤم : الم تفهم بعد ؟ هو لا يريد شهود على جريمته ، لذلك قتلتُ حارس الفندق قبل وصولي اليك 


وفجأة ! تبلّل وجه جورج برذاذ بخاخ المخدّر الذي رشّه الموظف المرتشي عليه..

فحاول إيقافه جاهداً ، لكنه اشتمّ جزءاً كبيراً من المخدّر القوي ، جعله ينهار نائماً على كرسي السيارة الأماميّ ..

***  


قطرات المطر المُتسرّبة من شقوق التابوت الخشبيّ على وجه جورج أيقظته ، مُتزامناً مع هدير الرعد في الخارج ..

ليجد نفسه مُحتجزاً في مكانٍ ضيق .. فصرخ بضيق :

- يا الهي ! ليس ثانيةً !!


وأخرج بيده المرتجفة الولاّعة من جيبه ، ليرى ورقةً مُلصقة على صدره مكتوباً فيها :

((تركت الولاّعة في جيبك لتقرأ الملاحظة : عزيزي جورج .. لا تحاول الخروج هذه المرة ، فأنت مدفون على بعد ثلاثة امتار من سطح الأرض بعد إقناعي رئيس البلدة انك مُتّ بالكورونا .. حاول تقبّل فكرة أن حياتك انتهت اليوم ، واستغلّ لحظاتك الأخيرة في الدعاء .. ولا تحقد عليّ ، فأنا عبدٌ مأمور .. اما صديقك الغادر ، فسيُعاقب يوماً ما في الجحيم))

 

فنزلت دموع جورج على وجنتيه ، وهو يشعر بقطرات الماء تغمر تابوته شيئاً فشيئا  .. 

ومع غزارة الأمطار في الخارج ، إزداد ثقل الوحل فوق التابوت .. أدّى بالنهاية لتحطّم خشبه الرديء .. ليُردم التراب فوق وجهه ، ويلقى حتفه بطعنة غدرٍ من صديق العمر !


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

لقاءٌ مصيريّ

 فكرة : أختي اسمى كتابة : امل شانوحة جمعنا القدر في ذلك المساء .. ركضت سلمى بكل قوتها في الغابة المظلمة ، بفستان عرسها الأبيض هرباً من العجو...