السبت، 16 يناير 2021

قرارٌ مُتسرّع

 تأليف : امل شانوحة

لا تثق بأحد


في تلك الليلة .. نُقل جاك لإحدى غرف المشفى ، بعد علاج كسرٍ في ذراعه .. 

واثناء قيام الممرضة الشقراء بسحب عيّنة من دمه ، سألها باستنكار:

- لما نقلتموني الى هنا ؟! ولما أجريتم الكثير من الفحوصات ، وصوّرتم ظهري بالأشعة رغم انه لا يؤلمني ؟ .. كان مجرّد حادث بسيط بدراجتي النارية ، فلما لم يسمحوا بذهابي بعد تجبير يدي ؟

- لأن الطبيب يشكّ بحدوث نزيفٍ داخلي إثر سقوطك بقوة على الرصيف ، لذا عليك الإنتظار لحين ظهور نتائج الفحوصات 

وغادرت الغرفة ، بعد أن أرعبته بكلامها !

***


في صباح اليوم التالي .. أيقظته ممرضة سمراء وهي تحمل ورقة قانونية وقلم ، قائلةً بابتسامةٍ عريضة :

- الربّ يحبك يا جاك

- هل اختفى نزيفي الداخلي ؟

- لا ، لم تظهر نتيجته بعد .. فقط نتائج فحص الدم ، وأشعة كليتك

جاك بقلق : وهل كل شيء سليم ؟

- بل أفضل من ذلك .. فئة دمك وكليتك الصحيّة تناسبان المريض تماماً

- لم أفهم !

الممرضة : إن وقّعت بالموافقة ، ستخرج من هنا غنياً .. فهناك عائلة ثرية لديها ولد في العاشرة مُصاب بفشلٍ كلويّ ، وزمرة دمهُ نادرة مثل دمك


جاك بعصبية : ومن قال اني موافق على التبرّع بكليتي ؟!!

- لا تستعجل ، فهم سيدفعون لك مليون دولار .. كما ستنقذ حياة ولدٍ صغير ، إحتمالية نجاته معدومة .. وطالما انك تدفع للمستشفى عن طريق الضمان الإجتماعي ، فهذا يعني انك بحاجة للمال ..

جاك بحزم : لن أبيع كليتي بكنوز الدنيا ، وهذا قراري النهائيّ !! 


وحاول النزول من سريره ، لكنها أوقفته :

- لحظة ! لم تظهر بقية نتائجك المخبريّة 

- كذب !! انت صوّرتم كليتي لأجل زبونكم الثريّ

الممرضة : صدّقني هناك نزيف ، إنتظر للغد حتى لا تسوء حالتك ..

فعاد لسريره على مضضّ

***


في المساء ، نُقلت سيدة بقدمٍ مكسورة الى غرفة جاك .. وقبل خروج الممرضة السمراء من الغرفة ، قالت له :

- جاك .. غرفة النساء مكتظّة بالمرضى ، لهذا نقلناها الى هنا .. ليشفيكما الرب 


وحين التفت جاك الى المريضة الشقراء ، سألها :

- هل أعرفك ؟!

فأجابت بتعب : انا الممرضة التي سحبت عيّنة دمك البارحة

جاك بدهشة : أحقاً ! وكيف كسرتِ قدمك ؟

- صدمني سائقٌ مخمور اثناء عودتي الى المنزل .. (وسكتت قليلاً) ..آه صحيح ! سمعت قبل قليل زميلتي تتحدث مع الطبيب عن رفضك التبرّع بكليتك للصبي ! 

- انا لا اؤمن بالتبرّع بالأعضاء 

المرأة : الصغير يتعالج عندنا منذ شهور ، وصحته تدهور كل يوم 

- لا اريد المخاطرة بصحتي ، فأنا المسؤول عن والدايّ 

- معك حق ، الصحة اهم شيء... 


وصمتا قليلاً ، قبل ان يقول :

- اسمي جاك ، وانت ؟ 

- جاكلين

جاك : تشرّفنا.. يبدو إصابتك سهلة ، فهم جبّروا قدمك بالجبيرة البلاستيكية ، بينما انا بالجبيرة التقليدية الثقيلة 

- نعم ، مجرّد شعرٍ بالقدم 

- أنصحك بعدم فكّ جبيرتك بنفسك ، والا ستضرّين ساقك

جاكلين : انا ممرضة ، هل نسيت ؟ 

فابتسم لها بحنان .. ثم أخذا يتبادلان الحديث من وقتٍ لآخر ، بعد ان لاحظا توافقهما بالأفكار والمعتقدات .. 

***


بعد يومين .. فحص الطبيب جاك للمرة الأخيرة :

- لقد خفّ النزيف ، يمكنك العودة الى منزلك .. وبعد شهر تأتي الينا لإزالة جبيرتك .. الحمد الله على سلامتك

جاك بارتياح : شكراً لك دكتور 

الطبيب : وانتِ جاكلين ، يمكنك الذهاب لبيتك .. فقد وقّعت على إجازتك لحين شفاء قدمك 

جاكلين : شكراً دكتور

***


قبل خروج جاكلين وجاك من المشفى ، فاجأته بسؤالها عن رقم جواله .. وقد أسعده ذلك ، فهو منجذبٌ لها ايضاً .. وبعد تبادلهما الأرقام ، عادا لبيوتهما 

***


وفي ليلته الأولى في منزله ، إتصلت جاكلين للإطمئنان على يده ، وبدوره سألها عن قدمها .. وتحدثا لساعتين عن الصعوبات التي واجهتما بأطرافهما المكسورة .. 


ونام جاك تلك الليلة وهو سعيد بصديقته الجديدة الذي ظلّ يحدّثها كل يوم  الى ان مر شهرٌ كامل .. واتفقا على لقاءٍ في المشفى لفكّ جبيرتهما ..

***


في المستشفى .. وبعد الإطمئنان على سلامتهما ، عزمها جاك على حلوى بالمقهى القريب من الطوارىء .. 


وبعد ان تحدثا مطوّلاً ، سألته : 

- لما لم تتزوج حتى الآن ؟

جاك : أعيش في غرفة بفندقٍ رديء ، ومعظم راتبي أرسله لوالديّ بالقرية ، فعملي هو توصيل الطلبات للمنازل .. فمن ستقبل العيش معي بهذا الفقر؟


فلم تجيبه ، بل وقفت قائلةً :

- هل توصلني الى بيتي ؟

فقال بحماس : نعم ، سأوصلك بدراجتي 

فأعطته المفاتيح وهي تقول :

- الأفضل ان نذهب بسيارتي ، هي بموقف المشفى .. انت ستقودها 

*** 


وقد تفاجأ جاك من طراز سيارتها الفاخرة ، لكنه لم يقل شيئاً الى ان وصلا لفلةٍ كبيرة !

جاكلين : نعم توقف هنا .. هذا بيتي

جاك بدهشة : لم أكن اعرف انك ميسورة الحال ! هل والداك بالداخل ؟

- كلاهما توفيا منذ سنوات ، ولا إخوة لي

- أتعيشين وحدك بهذا البيت الضخم ؟!

- نعم

جاك باستغراب : ولما تعملين بمجال التمريض ؟!  

- لأني احب مساعدة الغير 


ونزلت من السيارة .. وقبل فتحها بوّابة الفيلا ، وجدته خلفها 

فأدخلته وهي تكتم سعادتها ..

*** 


في الداخل .. صبّت له الكأس تلوّ الآخر ، اثناء تجوّلهما في المنزل الكبير 

وقبل وصولهما غرفة نوم ، كاد يتعثر .. فأسندته قائلة :

- يبدو انك لا تسكر بالعادة 

جاك مترنّحاً : لست متعوداً على هذا النوع الفاخر من الشراب 

- أتريد الذهاب الى بيتك ام البقاء معي ؟

فأجاب بابتسامة : وهل ستسمحي برحيلي وانا أشعر بالدوار هكذا ؟

- لا طبعاً ، إدخل واسترح على السرير ريثما اعود 

***


بعد قليل .. عادت ومعها أصفاد حديديّة بلونٍ زهريّ ..

فقال جاك بحماس : جميلٌ جدا !!


وبعد تقيديها يديه ، جلست بجانبه مُخفضة الرأس وهي تتنّهد بحزن!

- لما توقفتِ ؟!

جاكلين : آسفة يا جاك ، قيّدتك لأني لا أثق بك

- لم افهم !

- لديّ عقدة نفسية من الرجال بسبب ما حصل لصديقتي

- وماذا حصل لها ؟!


جاكلين بحزن : هربت مع حبيبها بعد رفض اهلها الإرتباط به 

- وهل كان عاطلاً عن العمل ، او يعاملها بقسوة ؟

- كان يتخصّص بالجراحة بعد تخرّجه من كلية الطب ، لكنه سيء الأخلاق والطباع 

- وهل خوف اهلها في محلّه ؟

جاكلين بقهر : نعم .. رحمها الله


جاك بارتباك : هل .. قتلها ؟!

- للأسف .. بعد إزالته كليتها

- ولما فعل ذلك ؟!

جاكلين : لإنقاذ ابنه الكبير الذي يعاني من فشلٍ كلويّ 

- لكني لست مثله ! انا انسان بسيط ، فلا تخافي مني

فهمست جاكلين في اذنه : بالحقيقة ... انا خائفة عليك


وقبل ان يفهم ما تقصده ! دخل رجلٌ غرفة النوم بثياب الجرّاح الخضراء ، وهو يضع الكمّامة والقفازين الطبّيبن الزرقاوين ، ويجرّ طاولة حديدية عليها انواع السكاكين الجراحية ..قائلاً لها :

- جاكلين ! لما لم ينمّ بعد ؟

فأجابته : لا ادري ، مع اني وضعت حبتيّ مخدّر في شرابه .. لكن لا تقلق ، عندي الحل


وأخرجت من الدرج ، حقنة مخدّر .. ما ان رآها جاك حتى حاول جاهداً فكّ اصفاده ، وهو يصرخ بعلوّ صوته :

- ماذا تريدان مني !!! .. أنقذوني يا ناس !!!


فأسرعت جاكلين بغرز الحقنة في ذراعه ، وهي تقول :

- عزيزي جاك .. كان قرارك مُتسرعاً برفضك المليون دولار ، وبذهابك لمنزل امرأة غريبة .. حاول ان تنام ، فبعد قليل تستيقظ في الجنة


وبعد فقده الوعيّ ، قال لها الطبيب :

- إنزلي واطمأني على الولدين 

جاكلين : أتمنى ان لا يكونا سمعا صراخه .. الا تريد المساعدة ؟

- لا ، سأضع كليته بالحافظة الثلجية ، وغداً أنقلها للمشفى 

- بالتوفيق حبيبي

***


ونزلت زوجته جاكلين الى القبو ، حيث يوجد غرفة طبّية للإعتناء بإبنها الصغير المريض بالفشل الكلويّ ، والذي كان نائماً بجوار آلة غسل الكلى .. وبجانبه اخيه التوأم الذي سألها : 

- امي ! هل أصبحت قدمك بخير ؟

- هي لم تصبّ بأذى ، كنت أضع الجبيرة البلاستيكية للإيقاع بال.. 


لكنها لم تكمل كلامها ، بل إحتضنته وهي تقول بابتسامة :

- هيا إمسح دموعك ، فقد وجدنا متبرعاً لأخيك 

- أحقاً امي ! الم يقل والدي ان زمرة دم اخي (O) مثلي ؟

جاكلين : نعم ، لهذا أجرينا العديد من الفحوصات الطبّية على حسابنا للكثير من المرضى .. الى ان تطوّع شاب فئة دمه (O) ولديه صحة ممتازة .. وبعد مزجّ عينة من دم المتبرّع مع دم حبيبي الصغير ، وجدنا ان الأجسام المضادة لأخيك لم تحاربه ، وهذا يعني ان جسمه لن يدمّر الكلية بعد زراعتها .. 


ابنها مقاطعاً : امي أعرف كل هذه المعلومات ... متى موعد العملية؟ 

امه : غداً يُجريها والدك له ، كما فعل معك قبل سنوات 

فحضنها وهو يبكي بسعادة لنجاة أخيه الصغير من موتٍ محتّم ! 

***


بهذا الوقت .. وضع الطبيب كلية جاك في الحافظة الثلجية ، قائلاً له:

- الآن عليّ التخلّص من جثتك قبل بزوغ الفجر .. سأدفنك بجانب صديقتي البلهاء التي رفضت المليون ايضاً 

وابتسم بخبث !


الأربعاء، 13 يناير 2021

سطور الحياة

تأليف : امل شانوحة 

دفتر مذكّراتٍ سحريّ ! 


بعد سنوات من عمل احمد في بريطانيا قرّر إنهاء غربته والعودة لوطنه لبنان ، مباشرةً بعد انتهاء إحتفالات رأس السنة 2021 .. الا انه تفاجأ بخبر إغلاق مطارات انجلترا بعد تطوّر سلالة خطيرة لكورونا .. وكان عليه الإنتظار لحين انتهاء الأزمة ، رغم قيامه بحزم امتعته والتخلّص من العديد من اغراض شقته المستأجرة .. وكان من ضمن الأشياء التي وضعها جانباً : دفتر مذكراته .. ولشدة ملّله ، قرّر قراءته للمرة الأخيرة 


وكانت صفحاته الأولى مكتوبة بخطٍ سيء مليء بالأخطاء الإملائية ، وفيه ذكر يوم استلامه شهادة التفوق بصفه الرابع .. حيث تكلّم عن فرحته بهدايا والده ، واصفاً لعبته الجديدة والحلويات التي اشتراها له ..وبآخر سطرٍ ، رسم مربعاً بداخله كلمة (إضغط هنا)

فاستغرب الشاب احمد قيامه بذلك ! ولم يجد نفسه الا وهو يضع أصبعه فوق الكلمة 


وفجأة ! شعر بدوارٍ شديد كأنه يركب إفعوانية سريعة ، في مكانٍ شديد البياض ! 

^^^^


حين فتح عيناه .. رأى نفسه عاد الى سن العاشرة ! وكان ذهنه مُشوّشاً : فهل رجع لزمن الثمانينات ؟ ام مجرّد حلم ؟!

وهنا سمع والده يقول : 

- إخترّ لعبتك كيّ نذهب للبقالة


وكانت ردّة فعله : أن حضن والده بشوق ، فهو لم يره منذ بدء جائحة كورونا .. كما تفاجأ برؤيته باللحية السوداء والجسم الرياضيّ المثاليّ !

فأبعده والده عنه بحنان :

- أشكرني لاحقاً ، واستعجل باختيار لعبتك  


فتلّفت أحمد حوله بذهول ! بعد رؤيته المتجر الذي كان بمثابة عالم الأحلام في طفولته .. وأخذ يتجوّل بداخله ، والذي بدى أصغر بكثير مما تخيّله ! 

وكانت معظم العابه تعمل على البطارية لإصدار اضواءٍ ملونة مع موسيقى عالية مزعجة .. ولم يكن فيها أيّ شيء إلكتروني : فلا طائرات تطير بالفعل ، ولا نظّارات ثلاثية الأبعاد .. حتى سيارات الريموت من النوع الرديء الذي يعطل بسرعة .. اما الألعاب الأخرى فعبارة عن مجسّمات لأبطال رسوم متحركة قديمة مثل : جريندايزر وقرصان جزيرة الكنز وسندباد ، الذي كان حلم كل طفل في ذلك الزمان إمتلاكها والتفاخر بها امام اصحابه .. 


وهنا قال والده :

- أتعبتني يا أحمد .. هيا اختر واحدة ..

- لا اريد شيئاً ، لنذهب للبقالة .. سأسبقك للخارج

فاستغرب والده لعدم شرائه لعبة ، على غير عادته ! 

^^^^


وفور خروج احمد الى الشارع .. تفاجأ بعدد المباني القليل في منطقته التي أصبحت لاحقاً مزدحمة بالعمائر .. 

وأشار الى الحديقة العامة ، وهو يقول لوالده :

- ياه ! أذكر تلك الحديقة جيداً ، كنت العب فيها مع اصدقائي بعد خروجنا من المدرسة

الأب : ومازلت تلعب فيها من وقتٍ لآخر ، مالذي تغير الآن ؟

ففضّل احمد السكوت ، لأن الحديقة ستُزال في المستقبل لتوسعة الشارع ..

 

وظلّ يمشي بذهول امام المحال القديمة ، بموضة ملابسها الغريبة الفضفاضة ذات الألوان الغير متناسقة !

وحين رأى صور قصّات الشعر المُلصقة على زجاج محل الحلاقة ، إنفجر ضاحكاً : 

- لا أصدق ان الشعر المنكوش كانت موضة عصركم

الأب باستغراب : عصرنا ؟!

احمد بارتباك : أقصد يومنا الحالي

- انا ايضاً لم تعجبني ، لكنها موضة الشباب هذه الأيام .. هيا لنقطع الشارع 

^^^^


وحين دخل احمد البقالة .. وجد فيها حلويات طفولته التي كان يتمنى تذوقها ثانية ، فالكثير منها توقف إنتاجها في زمانه .. 

فأخذ يضع بالكيس قطعة من كل نوع

الأب : هذا كثير يا احمد !

- سآخذ بثمن اللعبة التي لم أشتريها

- يا محتال ! يبدو ستصبح تاجراً حينما تكبر 

- بل سأدرس إدارة الفنادق  

الأب : أحقاً ! لكنك أخبرتني مراراً برغبتك بأن تصبح طياراً

- ابي .. جميع الأطفال يحلمون بذلك ، لكنه حلم صعب المنال  

- كلامك ناضجٌ اليوم !


فحاول احمد تدارك الموقف : 

- هآقد انتهيت !! حاسبه يا ابي لنعود الى المنزل ، فأنا متشوّق لرؤية امي واختي

- متشوّق ! لا يهم .. هل اشتريت حلوى لأختك ؟

احمد : نعم ، فمازلت أذكر ما تحب 

- تذكر ! كلامك يزداد غرابة .. المهم ، دعني أدفع الحساب

ودفع عشرين ليرة ..


احمد : أتدري يا ابي ان الأغراض التي اشتريتها الآن تساوي 30 الفاً في عام 2019 ، و80 الفاً في سنة 2020 بعد ارتفاع سعر الدولار ؟

- لن أجادلك ، فأنت غير طبيعي هذا النهار .. هيا بنا ، فأمك بانتظارك 

^^^^


في المنزل .. تفاجأ احمد برؤية امه شابة صغيرة ونحيفة ، فحضنها بقوة وهو يقول :  

- انا سعيد برؤيتك بكامل صحتك يا امي ، شكلك أجمل وانت نحيفة

- انا رشيقة طوال عمري يا بنيّ !

فتنهد احمد بحزن : كل شيء سيتغير بعد بلوغك الخمسين 

فنظرت الأم الى الأب باستغراب ! الذي قال لها :

- يبدو شهادة التفوق أفقدته عقله ..

وضحك الوالدان .. 

^^^^


بينما أسرع احمد الى غرفة اخته التي ما زالت في سن السادسة ..

وحضنها وهو يخفي دموعه :

- الحمد الله ان قدمك مازالت بخير 

اخته باستغراب : ماذا تقصد ؟!


ففضّل عدم إخبارها إنها ستفقد قدمها قبل نهاية الحرب الأهلية .. ومسح دموعه ، وهو يريها كيس الحلويات :  

- هيا نتذوقهم جميعاً !!

اخته باستغراب : بالعادة ترفض مقاسمتها !

- هذه المرة سنتذوقها معاً ، فأنا متشوّق لتذكّر طعمها


وأخذا يأكلان الحلويات بشهيّة ، فطعمها ألذّ بكثير مما تصوّر ! فهي كانت تُرسل مباشرةً من اوروبا واميركا الى لبنان عن طريق الوكلاء .. بعكس زمننا الحاضر ، التي تُصنّع في المعامل الآسيويّة التي استرخصت جودة المواد الرئيسية للمنتج ! 

^^^^


في المساء .. حضر صديق والده ومعه هدية لأحمد بمناسبة نجاحه ، وكانت دفتر مذكّرات ..وقال له : 

- أخبرني والدك انك تجيد الكتابة.. فأحضرت دفتراً مميزاً ، لكتابة ذكرياتك عليه 

احمد بحماس : اذاً سأبدأ بكتابة هذا اليوم الجميل

- أحسنت !!

^^^^


وقبل نوم احمد في سريره الصغير تلك الليلة .. كتب ملخصاً عمّا حصل طيلة يومه .. 

وفي نهايتها : رسم مربعاً فيه كلمة (إضغط هنا) وهو يتمّتم : 

- كلما اشتقت لهذه المناسبة ، سأضغط هنا لتكرارها 


وحين وضع إصبعه عليها ، عاد احمد لحاضره في شقته المستأجرة بإنجلترا !

- يا الهي ! هل كان حلماً ؟ لا يبدو ذلك ، فأنا مازلت امام مكتبي .. ماذا أفعل الآن ؟ هل أضغط على المربع ثانيةً ؟ .. لا الأفضل أن أكمل قراءة المذكّرات ، ثم أفكّر لاحقاً بما حصل !


وكان ذكر في صفحته التالية حادثةً سيئة حصلت في مراهقته ! كتبها اثناء وجوده في الملجأ المكتظّ بالعائلات بعد الإجتياح الإسرائيلي لبيروت .. واصفاً إرتجاج العمارة مع تحليقات الطيران الحربي بشكلٍ منخفض فوق المباني المتهالكة من المعارك المتواصلة .. 

ورغم كونه في المرحلة المتوسطة ، الا انه أنهى كتابة الذكرى بالعبارة ذاتها : (إضغط هنا) داخل المربع !


وحين ضغط الشاب احمد عليها .. دخل الدهليز الأبيض مجدداً ، ليجد نفسه في الملجأ المضاء بالشموع ، المعبّق برائحة الرطوبة .. ومن حوله الجيران يدعون بصمتٍ وفزع مع كل إنفجارٍ يحدث بالخارج ..


ورغم صرخات الأطفال الخائفة الا انه لم يكن قلقاً ، فهو يعلم بأن عائلته ستنجو من الحرب .. فأخذ يتجوّل في الملجأ وهو يراقب الجيران القدامى الذين تفرّقوا في المستقبل : فمنهم من هاجر للخارج ، ومنهم من انتقل للعيش في مناطق متفرّقة من لبنان .. اما كبار السن فماتوا طبيعياً .. لكن بعضهم قُتل بالحرب ! 


وحين رأى جاره الحنون خالد ، أسرع بحضنه وهو يبكي شوقاً .. فسأله العجوز باستغراب : 

- مابك ترتجف ؟.. لا يا أحمد ! أصبحت كبيراً على البكاء 

- انا لست خائفاً من الموت ، لكني مشتاق اليك عمي خالد

- هل نوى اهلك السفر ؟ ام رأيت كابوساً عني ؟ 

احمد : لا تقلق عمي .. فأنت لن تموت بالقصف ، بل ... 

- بل ماذا ؟ 

- بسرطان الدم الذي أُصبت به عقب ارتعابك من الإنفجار

خالد بقلق : أيّ إنفجار ؟! 


وهنا شدّه والده من ذراعه وهو يعاتبه : 

- ماهذا الكلام يا احمد ! تفاءل بالخير .. آسف سيد خالد ، هو لا يعيّ ما يقوله .. أطال الله عمرك

وأعاده الى امه ، بينما ظلّ العجوز شارداً بما سمعه !


بهذه اللحظة .. تذكّر احمد سبب كتابته هذه الليلة بالذات في مذكّراته ، وسأل امه بقلق :

- اين اختي ؟

- تلعب في زاوية الملجأ مع الأطفال 

وما ان رآها ، حتى صرخ احمد بعلوّ صوته :

- إبتعدوا عن ذلك الجدار فوراً !!!! 


وإذّ بصاروخٍ يخترق ذاك الجزء من الملجأ ، ويقتل 5 اطفال ورجلين .. لتعلو معها صرخات اخته المؤلمة ، بعد أن سحق الجدار المتهدّم ساقها ..


وفي الوقت الذي هرع فيه الجيران لإزالة الأحجار عنها وإسعاف المصابين ، أسرع احمد الى حقيبته المدرسية لإخراج دفتر مذكراته والضغط على المربع بيده التي ترتجف بشدة ..


ليعود غاضباً الى زمنه الحاضر ، ويقوم بتمزيق تلك الصفحة من مذكّراته لعدم رغبته بتذكّرها ثانيةً 

***  


وبعد ان هدأ روعه ، قرّر قراءة الذكريات السعيدة فقط .. لكنه تفاجأ انه بعد دخوله الجامعة ، لم يكتب سوى الأحداث الصعبة التي مرّ بها لبنان : ومنها مقتل الحريري وحرب تموز ، وانفجار المرفأ (الذي شهده بعطلته الصيفية) والذي رسم امامهم المربع ذاته ، رغم انه لا يذكر سبب تكراره ذلك ! 


ولأنه لم يردّ عيش تلك الأحداث العصيبة مجدداً ، قلب صفحات الدفتر الى أن وصل لسنة 2019 : الذي تحدّث فيه عن عطلته الصيفية في لبنان الذي عانى من مشاكل سياسية تلك السنة ، لكنها تظلّ أفضل بكثير من السنتين التاليتين اللتان تدهور فيهما الإقتصاد بعد إرتفاعٍ مُفاجىء للدولار مُسبباً غلاء المنتجات الغذائية والمعيشيّة.. 

لهذا قرّر الضغط على المربع للعودة لعطلته الرائعة التي قضاها في بلاده 

***


وفجأة ! وجد نفسه مع عائلته داخل المول المكتظّ بالمتسوقين ، ووالده يقترح عليهم مشاهدة فيلم بالسينما قبل تناول الطعام ، وامه واخته متردّدتان بالقبول .. 

فأجابه احمد بحماس :

- بالتأكيد سنشاهد الفيلم !! وسنختار أفضل مقاعد السينما ، وسنشتري البوشار المالح والحلوّ ، وعلى حسابي !!

اخته باستغراب : مابك متحمسٌ هكذا ؟!

احمد : ابي ، غداً آخذك لحضور مباراة كرة قدم .. 

- جميعها مبارايات محلّية 

- لا بأس .. فأنا مشتاق كثيراً للهتاف الملاعب

الأم بدهشة : مابه الولد ؟!

احمد : امي ، لا رجيم هذا اليوم .. سنتناول كل شيء !! مأكولات وحلوياتٍ غير صحية .. علينا الإستمتاع بالحياة قبل نهايتها

اخته : نهايتها ؟!  


احمد بنبرةٍ حزينة : نعم ، سينتهي كل شي ببداية السنة القادمة .. فسنة 2020 ستكون اسوء سنة بتاريخ العالم 

الأب مستفسراً بقلق : هل ستندلع حربٌ عالمية ؟ أهذا ما ذُكره إعلامكم الغربيّ ؟

احمد : والله يا ابي الحرب العالمية أهون من قطع ارزاق الناس .. ففي السنة القادمة ستغلق المدارس والبنوك والمطارات والشركات والمعامل ، وتكتظّ المستشفيات بالمرضى .. وسنُحظر في بيوتنا لأسابيع وشهور ، وسنُرغم على وضع الكمّامات التي كتمت أنفاسنا وأرواحنا جميعاً


اخته : انت تهذي يا احمد ، مستحيل ان تتوقف الحياة في يومٍ وليلة !

احمد : صدقوني !! هذا ما سيحصل قريباً .. وسيتمنى العالم لوّ إن هذه السنة لم تنتهي ابداً .. وعلى فكرة .. اريدكم ان تسحبوا اموالكم من البنوك بعد تحويلها الى دولارات ، فسعره سيرتفع بشكلٍ مهول في السنة القادمة 

الأم : نحن نجمّع المال لشراء بيتٍ جديد ، وصار في رصيدنا ما يقارب 30 الف دولار 

احمد : سأضيف عليها 20 الف لشراء شقة كبيرة

والده : سعر المنازل حالياً يتجاوز 100 الف دولار يا احمد

- صدّقني ابي ، الدولارات التي نملكها الآن تكفي لشراء منزل احلامكم .. 

الأم : ابني أصبح ميشال حايك !

اخته مازحة : بل ليلى عبد اللطيف

وضحكوا ساخرين من توقعاته ، فتوقف عن قول المزيد ..


وفي السينما .. حاول الإستمتاع بالفيلم رغم شعوره بغصّة في قلبه ، لأن كل هذا النعيم سينتهي قريباً .. 

^^^^


لذلك لم ينمّ تلك الليلة ، خوفاً من عودته لسنة 2021 .. وسهر حتى الصباح .. وفور استيقاظ والده ، أصرّ على أخذه للبنك لسحب امواله بالدولار قبل فوات الأوان 


وبعد عودتهما الى المنزل .. وضع رزمة المال في جيب معطفه ، وضغط على المربع في دفتر مذكراته للرجوع الى زمانه 

***


واستفاق في إنجلترا ، ليجد المال مازال في جيب معطفه داخل حقيبة سفره 

ثم أخذ يفكّر :

- هذه 30 الف دولار لأهلي ، وسأضيف عليها 20 الف التي معي .. لكن كيف سأحوّل 50 الف دولار الى لبنان ثمن المنزل ؟ فالبنوك لن تعطيهم المبلغ كاملاً ، ومكاتب الحوالات مغلقة لحين انتهاء الحظر !


وظلّ يفكّر طويلاً ، الى ان خطر بباله فكرة عبقرية : وهي كتابة شيئاً لم يحدث في مذكّراته السحريّة ، بتاريخ 2022 .. لربما في المستقبل يرتفع قيمة الدولار اكثر ، ويشتري لهم فلّة فخمة بدل الشقة التي يحلمون بها .. 

***


وبعد ضغطه على المربع الذي رسمه ، فتح عيناه ليجد نفسه واقفاً قرب مبنى عائلته المدمّر ! 

فأسرع بسؤال أحد المارّة بفزع : 

- ماذا حصل هنا ؟ لما المنطقة مدمّرة بالكامل ؟! 

- هل أتيت من المريخ ؟

- بل من بريطانيا 

- الم تسمع الأخبار ؟

احمد بعصبية :  قلّ يارجل !! مالذي حصل هنا ؟ ولما عمارة اهلي مهدّمة؟

- حصل ذلك بعد الإنفجار الضخم في المنطقة المجاورة الذي قُتل فيه المئات وشُرّد الآلاف ، عدا المصابين 

- ومن فعل ذلك ؟ ولماذا ؟

الرجل : لقتل شخصيةٍ سياسية .. اما الفاعل فمعروف ، ورجاءً لا تورّطني بالكلام

- واين سكّان المبنى ؟ اين ذهبوا ؟ 


لكن الرجل ابتعد دون إجابته .. فأكمل احمد سيره في شوارع لبنان ، وهو مذهول من حجم الدمار الذي يشابه الحرب الأهلية ! 


ومن حسن حظه انه رأى بوّاب العمارة في السوق ، الذي قال باستغراب : 

- سيد احمد ! لم ارك منذ زمن

- رجاءً إخبرني .. اين عائلتي ؟  

- تقصد والدك .. هو يعيش في منزلكم الجبلي الذي اشتريتهُ لهم ، هل نسيت ؟!

- انا اشتريته !


ووضع يده في معطفه ، ليجد المبلغ اختفى ! فعلم انه تمكّن من إرسالهم بطريقةٍ ما 

فتنهّد احمد بارتياح : الحمد الله .. هل تعرف عنوان بيت اهلي ؟

- سأعطيك رقم جوّال والدك الجديد ، فهو مازال يتواصل معي من حينٍ لآخر  


وبعد أخذه الرقم ، سأله وهو يشير للناس : 

- سؤال آخر .. أين كمّاماتكم ؟

البوّاب باستغراب : وهل مازلتم تضعونها في انجلترا ؟!

- أفهم من كلامك ان أزمة كورونا انتهت عام 2022 ؟ 

- بل منتصف السنة الفائتة ، فهي كانت مخطّط سياسيّ .. وحين انفضح الأمر ، إنتهى كل شيء .. ظننت ان إعلام الأجانب أكثر تطوّراً من أخبارنا ؟! 

- عليّ الإتصال بأبي ، اراك لاحقاً

- سلّملي عليه


وكان والده سعيداً باتصاله .. وأعطاه عنوان المنزل الذي سارع احمد اليه بعد استئجاره سيارة اجرة بدولارٍ واحد !

***


حين وصل الى هناك .. فتحت امرأة غريبة الباب بملابس النوم ، وهي تسأله :

- انت احمد ، اليس كذلك ؟

لكنه تجمّد في مكانه ! فنادت والده : 

- ابنك وصل !!! .. هيا تفضّل ، والدك ينتظرك بالصالة 


وحين دخل .. رأى والده يلبس الشورت الشبابي ، وقد صبغ رأسه وذقنه باللون البنيّ ! والذي قام باحتضانه بشوق وهو يقول :

- اخيراً رضيت عن والدك ، وأتيت لزيارتي

احمد بقلق : ابي ! من تلك المرأة ؟... هل تخون امي ؟ 

- امك ! هل أذيت رأسك ؟

احمد بعصبية : ابي رجاءً تكلّم !!

- انت قرّرت مقاطعتي بعد زواجي بأخرى ، عقب سفر اختك مع عريسها للخارج وموت امك بالإنفجار ، هل نسيت ؟! 

احمد بصدمة : امي ماتت ! 

- نعم فور انتقالنا الى هنا ، أصرّت على تنظيف شقتنا القديمة قبل عرضها للبيع .. حينها حصل الإنفجار ، رحمها الله 


فصار احمد يبحث في ارجاء الصالة بهستيريا ، وهو يسأل والده : 

- اين دفتر مذكّراتي ؟!! 

- ماذا تقصد ؟ 

- اين أغراضي ؟!! 

الأب : مازالت في الفندق الذي تعمل فيه 

- هل انتقلت للعمل في لبنان ؟!

الأب بقلق : بنيّ ! هل أصبت بفقدان الذاكرة ؟

احمد : رجاءً إخبرني بإسم الفندق الذي أسكن فيه  


وما ان أخبره ، حتى انطلق فوراً الى هناك وهو ينوي تمزيق الصفحة الأخيرة التي كتبها في مذكراته للعودة لحاضره ، وإنقاذ امه من الموت

***


بعد وصوله لغرفته بالفندق ، بحث جاهداً عن دفتر مذكّراته ..

وبعد بعثرته أغراضه في ارجاء الغرفة ، تذكّر أخيراً انه رماه فور انتقالهم لمنزلهم الجديد .. حينها علم انه لن يتمكّن من العودة للماضي مجدداً .. فانهار باكياً وهو يلعن صديق والده الذي أهداه الدفتر السحريّ الذي لخبط زمانه وكيانه ، مُشتّتاً عائله وحياته للأبد !  


الأحد، 10 يناير 2021

ضرّة من العالم السفليّ

 تأليف : امل شانوحة

إحتلال عائلة


نهاد فتاةٌ ثريّة مُدلّلة ، رفضت العديد من العرسان لعشقها للحرّية وكرهها لتحمّل المسؤولية .. وبعد تعرّض البلاد لأزمةٍ اقتصادية ، تضرّرت تجارة والدها الذي أصيب بنوبةٍ قلبية .. لهذا لم يعد بإمكانها رفض العريس الذي ترجّاها والدها الزواج منه ، رغم انه موظفٌ بسيط !

***


بعد 8 سنوات .. أخبر الزوج اباها بنيّته للطلاق بسبب إهمالها واجباتها المنزلية : فهي لا تتقن الطبخ ، والأوساخ تملأ منزله .. وابنه الوحيد (7 سنوات) يعاني بدراسته ، بسبب إنشغالها الدائم بالتسوّق ونزهاتها مع صديقاتها التافهات !


فعاتبها والدها باتصالٍ هاتفيّ : مُهدّداً بعدم سماحه بعودتها لمنزله ، وأن عليها إصلاح علاقتها بعائلتها قبل فوات الآوان

وقد صدمها كلامه كثيراً ، فهي متعوّدة على دلاله وسخائه الماديّ لإبنته الوحيدة !


وبعد خروج زوجها برفقة ابنه من المنزل .. بكت في غرفتها بقهر ، وهي تنظر في المرآة :

- والله حرام ان يُفنى جمالي بأعمال المنزل المملّة ، ورعاية ولدٍ مشاغب ، وتنفيذ طلبات زوجي التي لا تنتهي ابداً .. انا فعلاً متعبة 

فسمعت صوتاً أنثويّ يقول : 

- دعيني اساعدك


فارتعبت نهاد كثيراً ، قائلةً بفزع :

- من هناك ؟!!

فإذّ بإمرأة تشبهها ، تخرج من المرآة :

- انا قرينتك 

فصرخت نهاد بعلوّ صوتها ، برعبٍ شديد : 

- إبتعدي عني يا شيطانة !!

- لست شريرة ، بل العكس تماماً .. انا طيبة ، وأحب مساعدة الغير .. فرجاءً دعيني أهتم بأمور المنزل ، كيّ تتفرّغي لنزهاتك واصدقائك والإعتناء بجمالك


فهدأ روع نهاد قليلاً ، وسألتها : أحقاً !.. هل تعرفين الطبخ ؟

- أعرف كل شيء .. وسأريك حالاً 


وفجأة ! تحرّكت القرينة بسرعةٍ هائلة حول الغرفة .. 

وحين توقفت ، لاحظت نهاد بأن غرفتها أصبحت نظيفة ! بعد إعادة القرينة الملابس المبعثرة الى الخزانة ، وترتيبها السرير وادوات الزينة ..


نهاد بدهشة : كيف فعلتِ ذلك بدقيقةٍ واحدة ؟! 

- انت شعرتِ أنها دقيقة ، لكن مرّت ساعتين بتوقيتي .. فالزمن يختلف بين عالمينا .. وإن إردّتِ ..أنظّف المنزل كله ، وأعدّ العشاء لعائلتك .. فهذا سيسعد زوجك ويخفّف غضبه .. 

- لكن البيت وسخٌ جداً ، فأنا لم أنظفه منذ شهرين .. والبخيل لم يوافق على إحضاري الخادمة

- انا أفضل من خدمكم البشريين

نهاد : حسناً سأفتح لك الباب لتري الغرف

- لا داعي ، يمكنني إختراق الأبواب والجدران .. 


وخرجت من الباب المقفل ، ولحقتها نهاد .. لتلاحظ على الفور نظافة كل غرفة دخلتها القرينة ! 


وماهي الا دقائق ، حتى تصاعدت رائحة الطعام من المطبخ ! 

فاقتربت نهاد من الطنجرة بحذر ..

القرينة : لا تخافي ، طعامنا مُتشابهٌ تماماً

فتذوقته نهاد بتردّد ، ثم قالت :

- لذيذ ، لكن ينقصه الملح

القرينة : نحن نكره الملح ، يمكنك إضافته بعد رحيلي

- والى اين تذهبين ؟

- سأعود للمرآة ، فزوجك على وشك الوصول .. حاولي ان تصالحيه ..وكلما أردتني ، نادني لأساعدك 

- وما اسمك ؟

القرينة : رؤى 

وفور دخول الزوج وابنه المنزل ، إختفت القرينة على الفور .. 


بعد قليل .. دخل الزوج المطبخ مذهولاً وهو يقول : 

- وطبختي ايضاً ؟!

رؤى : نعم ، رتّبت المنزل وأعدّدت العشاء .. هيا نأكل سوياً


ولأول مرة تناولوا طعامهم كعائلةٍ محبة ، مُعتقداً أن تهديده بالطلاق أتى بنتيجةٍ إيجابية ..

*** 


ومرّت الشهور بسعادة على نهاد التي قضتها بالتنزه والتسوّق ، تاركةً قرينتها تهتم بعائلتها بعد السماح لها بالظهور امامهم ، بشرط إختفائها فور عودتها المنزل .. كما اشترطت عليها ان لا تلمس زوجها ، لأنها شديدة الغيرة .. 


فكان العمل والشقاء لرؤى ، والدلال والليالي الرومنسية لنهاد .. كما تحسّنت علامات ابنها لاهتمام رؤى بتدريسه ، واللعب معه وإخباره القصص الخيالية قبل النوم .. في المقابل ، زاد حبه لأمه نهاد !

***


وفي إحدى الأيام .. تأخرت نهاد بالعودة لبيتها ، بعد ذهابها بنزهةٍ سياحية مع صديقاتها .. 

وعادت مساءً ، لتتفاجأ بنوم زوجها بجانب رؤى في السرير ! 


وكادت تصرخ ، لولا ان رؤى أسرعت بأخذها الى المطبخ ..

- رجاءً لا توقظي زوجك وابنك

نهاد بعصبية : جيد انك مازلتي تذكرين انه زوجي ، يا خائنة !!

- تأخرتي كثيراً ، ولم أستطع إبعاده عني بعد إلحاحه الشديد 

- خالفتِ شروطي ، ومنذ اللحظة لا اريدك في بيتي !! 

رؤى بقلق : لن تقدري على اعمال المنزل وحدك ، فعائلتك تعودّت على اهتمامي الزائد

نهاد بنبرة تهديدٍ غاضبة : عودي فوراً والا كسرت مرآتي ، وحرمتك من رؤية عالمك من جديد !!

رؤى بحزن : حسناً .. لن تريني ثانية

واختفت القرينة من المنزل ..

***


في الأيام التالية .. حاولت نهاد جاهدةً الإهتمام بمنزلها ، مما أرهقها كثيراً .. فرجعت لتصرّفاتها القديمة بإهمال عائلتها ، وهذا أحزن ابنها الذي عاد لانطوائه ، وأغضب زوجها الذي تشاجر معها ثانيةً 

في الوقت الذي كانت فيه رؤى تراقب الوضع من بعيد بحسرةٍ وقهر 

***


وذات يوم .. عاد الزوج الى منزله ، وهو يسألها بحماس :

- اين هديتي ؟

نهاد باستغراب : أيّة هدية ؟!

زوجها بدهشة : هل نسيتي إن عيد ميلادي في 10 يناير ؟! 

فارتبكت نهاد لأنها نسيت التاريخ بالفعل !

 

وفجأة ! دخلت رؤى الصالة ، حاملةً الكيك المليء بالشموع وهي تغني أغنية شيرين :

((كل عام وانت حبيبي .. كل عام وانت بخير....))

فقاطعتها نهاد بعصبية : مالذي أحضرك الآن !!


الزوج بدهشة : لم تخبريني إن لديك اخت توأم !

نهاد بغضب : ليست اختي ، بل ضرّتي التي تنوي سرقة عائلتي !!

الزوج : لم أفهم شيئاً !

رؤى : لا اريدك إخافتك ، لكني قرينتها 

الزوج بفزع : انت شيطانة ؟!

رؤى : لا ابداً !!.. انا طيبة وحنونة وأحب مساعدة الغير ، بعكس زوجتك الغيورة الحقودة .. أظن ادوارنا معكوسة !

نهاد بغضب : عودي لعالمك السفليّ يا حقيرة ، فلا مكان لك بيننا !!


فاقتربت رؤى من الزوج وهي تقول بحنان : 

- أمجد .. أتذكر ليلتنا الرومنسية التي قلت عنها انها أجمل من ليلة عرسك ؟

فارتبك الزوج مذهولاً ! وعاتبتها نهاد بعصبية :

- أتقولين ذلك امامي يا خائنة ؟!!


لكن رؤى لم تكترث لغضبها ، وأكملت كلامها مع الزوج : 

- انا من اهتمّمت بك في مرضك ، وطبخت لك الأكلات الشهيّة

نهاد : طبخها خالي من الملح !!

الزوج : أخبرتني أن هذا يخفّف ضغطي العالي !

نهاد بصدمة : أتقف معها ضدّي ؟!


وهنا دخل ابنها الصالة ، ليتفاجأ بشبيهة امه ..والتي سألها :

- هل انت خالتي ؟!

رؤى : بل امك التي أخبرتك قصص النوم ، ولعبت معك في الحديقة

نهاد بلؤم : كل هذه الأشياء أستطيع فعلها مع ابني حبيبي

رؤى بعصبية : كاذبة !! لم تحبي يوماً ابنك او زوجك ، بل تهتمين بنفسك فقط لأنك انانية !!

نهاد : أمجد قل شيئاً ! فهذه الشيطانة تريد احتلال عائلتي 


الزوج : إخبريني اولاً يا نهاد .. ما الأغنية التي تجعلني أغفو حين أصاب بالأرق ؟

نهاد باستهزاء : وهل انت صغير لأغني لك ؟

رؤى : انا أجيبك .. أغنية (لذبحلك طير الحمام)

فضحكت نهاد بسخرية : هل هو طفل يا غبية ؟

الزوج : بالفعل أنام عليها ، لأنها تذكّرني بأمي المرحومة التي ماتت في صغري 


فسكتت نهاد بامتعاض.. فاقترب منها ابنها وأمسك يدها :

- امي  ، هل ستكملين لي رحلة سندباد ؟

فأبعدته عنها ، وهي تأمره بقسوة :  

- عدّ الى غرفتك !! لست بمزاجٍ جيد لقصصك السخيفة 


فاقتربت رؤى منه ، ومسحت رأسه بحنان : 

- لا تحزن حبيبي ، سأخبرك الليلة ما فعله سندباد بجزيرة القرود

الصبي بسعادة : أحقاً !! وهل ستنامين بجانبي ؟  

نهاد : لا أنصحكِ بذلك ، فهو يعاني من التبوّل اللا إرداي

الصبي بغضب : لم أعد أبلّل سريري !!

رؤى : لأني أيقظه مساءً لدخول الحمام ، وانتِ غارقة في النوم


نهاد بعصبية : أمجد !! قلّ شيئاً يا رجل

الزوج : هل تريدني ان أختار بين امرأة حوّلت حياتي جنة بالشهور الماضية ، وبين امرأة أنغصت عيشتي منذ عرسنا ؟

نهاد بصدمة : هل تفضّلها عليّ ؟!  

الزوج بلؤم : بالحقيقة نعم ، انا أختارها هي .. ماذا عنك بنيّ ؟

الصبي : اريد هذه (وأشار على رؤى) .. فهي تخبرني القصص الجميلة ، وتساعدني في دراستي ، وتصنع لي الحلوى اللذيذة


رؤى بلؤم : كما سمعتي نهاد ، عائلتك إختارتني .. يمكنك الذهاب

نهاد بقلق : الى اين ؟ والدي يرفض عودتي لمنزله ! 

رؤى : لن تعودي لأبيك ، بل لعالمي .. فنحن سنبدّل الأدوار

نهاد : أتريدين إخافة الصغير حين يراني أختفي فجأة من امامه ؟

رؤى : لا تقلقي .. زوجك وابنك سينسيان كل شيء فور ذهابك ، وسأكون نهاد بالنسبة لهما


وصفّقت القرينة بيديها .. لتنسحب روح نهاد الى داخل مرآة غرفتها ، ومنها الى العالم السفليّ المخيف المليء بالقرائن الشيطانية ! 

***


في البداية شعرت نهاد بالخوف الشديد من حياتها الجديدة في باطن الأرض .. لكنها مع الأيام تعوّدت على احاديثهم الماكرة ، وكوّنت العديد من الصداقات مع الجنيات اللآتي تشابهن معها بالصفات السيئة : كالغيرة والشك واللؤم والنوايا الخبيثة !  

ورغم ذلك لم تنسى نهاد ما حصل ، وظلّت تراقب رؤى من بعيد بغيظ لفوزها بقلب زوجها وابنها الصغير ..

***


في احد الأيام .. إلتقت نهاد بقرينة ابنه عمتها التي اخبرتها بنوايا قريبتها : 

- على فكرة ، ابنة عمتك تنوي سحرك 

نهاد بدهشة : لماذا ؟!

القرينة : لأنها تغار من حياتك الزوجية السعيدة 

نهاد بغيظ : التي احتلّتها رؤى

- هي لا تعرف بشأنها 

- ولما تغار مني ! هي التي ارسلت العريس لبيتنا ؟ 


القرينة : ما لا تعرفينه ، انها عشقت امجد من ايام الجامعة .. لكنهما اختلفا في العمل ، فأخبرها برغبته الزواج بأخرى .. فدلّته عليك ، لأنها تعلم أنك ستكونين زوجة فاشلة .. وراهنت على طلاقكما بغضون سنة ، وعودته اليها نادماً 

نهاد بدهشة : اللعينة ! لم اعلم بخبث نواياها 

قرينة ابنة عمتها : اذاً ستمنعيها من سحر رؤى ؟


نهاد بقهر : هل جننتِ ؟!! بل سأدعم قرارها .. فأنا أحلم كل ليلة بقلب حياة رؤى رأساً على عقب .. ولن أرتاح قبل طلاقها ، ومقاطعة والدي لها .. وسأفعل المستحيل لجعلها تندم على استيلائها حياتي  

القرينة مبتسمة : الم أقل انك تنتمين لعالمنا ؟ 

نهاد : يبدو اني إنسيّة متشيّطنة بالفعل ! 

وضحكتا بمكرٍ وخبث !


الخميس، 7 يناير 2021

اللقيط

 تأليف : امل شانوحة

الوريث الوحيد 


إستلقى نور في فراشه متعباً .. ورغم نعاسه ، أخذ يفكّر بالأسئلة ذاتها التي حيّرته طوال 30 سنة من عمره : 

((من هي عائلته الحقيقية ؟ ومن رماه في الميتم ؟ هل هي امه ؟ أم أُجبر والده لتخلّي عنه لسوء احواله المعيشية ؟ هل هو ابن حرام ، كما ينادوه اهل منطقته ؟)) 


فإدارة الميتم لم تخبره عن هويّته الحقيقية ، فهم وجدوه امام بابهم في ليلةٍ باردة ملفوفاً ببطانية صغيرة زرقاء (مازال محتفظاً بها) مُطرزاً بطرفها حرفيّ (ن،م) مع قلبٍ مكسور .. 

فإن كان (ن) يرمز لإسمه نور .. فهل (م) هو الحرف الأول لوالده ، ام اسم عائلته ؟ 

كما أعطته الإدارة (بعد تسريحه من الميتم بعمره 18) رسالة امه التي فيها سطرٌ واحد : ((رجاءً ، إهتموا بإبني نور)) !


ففكّر في نفسه : 

- هناك سرّ وراء الحرفين .. ولن اهدأ لحين إيجاد عائلتي ، ومعرفة سبب تخلّيهم عني !

قال ذلك بحنق ، قبل استسلامه للنوم 

***


بمرور الأيام ..إنشغل نور بوظيفته كميكانيكي سيارات ..

وفي أحد الأيام ، وصلت سيارة فارهة الى كراجه .. 

وقال السائق :

- الدكتور يحتاجها غداً .. فهل يمكنك الإستعجال بإصلاحها ، كي آخذها مساءً 

فأجابه نور : سأحاول ، أعطني المفاتيح ورقم جوالك للإتصال بك فور انتهائها


وبعد ذهاب الرجل ، دخل نور الى السيارة لإدارة المحرّك .. فلمح زينةً خشبية صغيرة مُعلّقة على المرآة الأمامية ، محفوراً عليها الحرفين (ن،م) .. وقد أربكته هذه الصدفة الغريبة ! 


لهذا سارع بإصلاح العطل .. واتصل بالسائق لاستلامها ..

***


بعد ساعة .. وصل السائق لإعطائه مبلغاً كبيراً 

نور : العطل لم يكلّف كثيراً !

السائق : هذه مكافأة من الدكتور لسرعة عملك .. ولا تهتم للمبلغ ، فهو رجلٌ ثريّ وكريم .. مع انه عاتبني لإحضار سيارته لكراجك المتواضع ، فأنا بالعادة أصلحها في شركتها الخاصة .. لكني قرأت إعلانكم ، والمحلاّت المجاورة مدحوا مهارتك .. ويبدو كلامهم صحيحاً ، فقد اختفى الصوت المزعج للمحرّك الذي ظهر فجأة هذا الصباح ! .. والآن عليّ الذهاب لإيصالها لموقف القصر 


نور : لحظة ! قبل ذهابك ، اريد سؤالك عن الزينة الخشبية .. هل الحرفين يرمزان لإسم الدكتور ؟

- بل إسم ابنه الميت (نور مروان) .. مروان هو اسم الدكتور

- نور !

- هل تفاجأت لتشابه إسميكما ؟ 

نور : بل لأن لديّ ذكرى من والدتي بنفس الحروف ! هل يمكنك إخباري كيف مات ابنه ؟


وقبل ان يجيبه ، وصله اتصال من الطبيب .. 

وبعد إغلاقه المكالمة ، قال لنور : 

- الدكتور ينتظرني لإيصاله لعيادته النسائية ، عليّ الذهاب

وبعد رحيله .. حاول نور إقناع نفسه بأنها صدفة ، وعاد الى عمله

***


في المساء .. جافاه النوم من جديد ، فنور يعاني من أرقٍ مزمن .. واثناء انشغاله بالجوال ، خطرت بباله فكرة البحث في جوجل عن :

((الدكتور مروان .. عيادة نسائية))


فظهر له اسمين : الدكتور مروان مرتضى ، والطبيب مروان سعيد .. وكلا العيادتين لا تبعدان كثيراً عن منطقته .. فقرّر الذهاب اليهما

***


وفي يوم عطلته .. ذهب نور للعيادة الأولى ، وهو يحمل كيساً كبيراً ..وانتظر دوره لدخول مكتب الدكتور مروان سعيد .. 


وبعد ساعة .. دخل اليه ، ليجده شاباً ثلاثينيّ .. فاعتذر منه وخرج على الفور .. فهو يبحث عن رجلٍ في خريف العمر .. 


ووصل للعيادة الثانية متأخراً .. وأصرّ على رؤية الطبيب مروان مرتضى لأمرٍ مهم .. 

وحين دخل مكتبه .. وجد رجلاً في الستينات من عمره ، يضع عقداً فضياً بالحرفين (ن،م) ! 

فسأله نور وهو يشير للعقد :

- هل يرمزان لإسم ابنك ..(نور مروان) ؟

- كيف عرفت ؟!

- رأيت تعليقة سيارتك .. أقصد انا الميكانيكي الذي أصلحها ، وأخبرني سائقك انها حرفيّ ابنك المتوفي

الطبيب باستغراب : ولما يهمّك الأمر ؟!

- رجاءً إخبرني كيف مات ؟ 

- اسئلتك الغريبة تضايقني ، ثم هذه عيادة نسائية 

فأخرج نور من الكيس : بطانية طفولته المطرّزة بالحرفين ، وهو يخبره بموجز قصته ..


فأخذ الطبيب يتفحّص البطانية ويشمّها بتأثرٍ شديد ، مما فاجأ نور !

ثم قال بعينين دامعتين : 

- كانت المرحومة ترسم قلباً مكسوراً في رسائلها الأخيرة 

نور : من تقصد ؟

- امك

نور بدهشة : هل تعرفها ؟!

- كانت خادمة اهلي ، وحبيبتي السابقة التي أخبرتني كثيراً بأنها لوّ حملت مني ، فستسمّي اببنا نور وابنتنا نورا .. لهذا حفرت حرفيّ اسمه بكل مكان 

نور بتردّد وارتباك : أتقصد انني ابنك ؟

- أتمنى ذلك ، فأنا عقيم

- كيف ابنك وانت عقيم ؟!


الدكتور بحزن : يبدو ان الله عاقبني لرفضي الإعتراف بك .. فبعد ان طردها والدي من القصر .. زوّجني بإمرأة ثريّة ، طلّقتني لاحقاً بسبب عقمي الذي أصبت به في حادثٍ مروريّ فور تخرّجي الجامعي .. لهذا بحثت كثيراً عن امك التي طردها اهلها بسبب حملها الغير شرعي 

نور بعصبية : هل رميتم امي في الشارع ؟!!

- هي أخبرتني سابقاً عن جارتها الحنونة .. وكان ظني بمحله ، فقد عاشت عندها لحين ولادتك .. قبل إرسالك لدار الأيتام ، والإنتحار 

نور بصدمة : امي انتحرت ؟!

- نعم ..الخبر دمّرني ايضاً ، وأحسّست بذنبها طوال حياتي


نور معاتباً : ولما لم تبحث عني بدار الأيتام ؟

- فعلت ، وأخبروني بموتك بالحمّى في عمر الثانية !

- ليس صحيحاً !! تبنّتني عائلة لسنوات ، قبل إعادتي للدار بسن السابعة بعد إستيقاظ ابنهم من غيبوبته الدائمة .. يبدو ان الإدارة لم ترغب بمشاكل بينك وبين العائلة الأخرى ! 

الدكتور بعصبية : سأقاضي الملاعيين لتلاعبهم بالمعلومات !!

- ألهذا تضع حرفيّ اسمي في عقدك وسيارتك ؟

- وفي غرفتي وعيادتي الثانية ، كيّ لا انساك ابداً


وسكت الإثنان بحزن لدقائق ، قبل ان يسأله نور :

- ماذا سنفعل الآن ؟

- علينا القيام بتحليل الـ DNAلتأكّد من النسب ، قبل تغير هويتك 

نور بحزم : وانا مستعد لذلك !!

- اذاً تعال الى هنا غداً ، لذهاب معاً للمختبر 

وخرج نور من العيادة بعد اتفاقهما على الموعد

***


في صباح اليوم التالي بالمختبر .. رفض نور إعطائهم عينة من لعابه ، واكتفى بتسليمهم شعرة من رأسه .. 


وبعد خروجهما من المشفى ، سأله الدكتور :

- لماذا رفضت إجراء الفحص يا نور ؟

- ابي .. أقصد دكتور مروان .. قديماً في الميتم أتانا طبيب اسنان إستخدم الخشبة الصغيرة ذاتها لرؤية اسناننا .. فانصاب عدداً منا بفطرياتٍ مؤلمة في الّلثة واللسان ، وكنت واحداً منهم .. لهذا أقلقني الفحص

- لكن الممرضة استخدمت اشياء معقّمة ؟

نور : هي إحدى مخاوفي الكثيرة ، فالأيتام لديهم الكثير من العقد النفسية


فربت الطبيب على كتفه بحنان :

- لا عليك ، الشعرة التي أعطيتهم إياها تفي بالغرض 

- ومتى ستظهر النتيجة ؟ 

الدكتور : خلال اسبوع سنعرف إن كنت والدك ام لا ، حينها يتغير كل شيء .. (ثم ركب سيارته خلف السائق وهو يقول).. لنبقى على اتصال

وافترقا كلاً الى عمله ..

***


بعد اسبوع ، ظهرت النتيجة إيجابية .. 

فشعر الدكتور بفرحةٍ عارمة لإيجاده طفله اخيراً .. وأقام الإحتفالات بعد تعديل نسب نور قانوناً ، ليصبح ابنه رسمياً .. والذي انتقل للعيش في قصره ، بعد ان اهداه والده سيارة ووظيفة لائقة بأفخم شركة سيارات بالبلد 

***


وبعد سنة .. فاجأه والده برغبته زيارة قبر ام نور لأول مرة في حياته ، فهو لم يجرأ على ذلك من قبل .. 


وفي طريقهما الى المقبرة ، لاحظ ارتباك ابنه ..فسأله :  

- مابك يا نور ؟ الا ترغب بزيارة والدتك ؟

نور بتلعثم : بلى ، لكن .. 

- ماذا حبيبي ؟

نور : هل تسمح لي بزيارتها اولاً ؟

- لماذا ؟

- لأني تعوّدت بدار الأيتام ان لا أبكي امام احد ، فمن يفعل ذلك يتعرّض لسخريةٍ جارحة من اصدقائه 

الدكتور : آه فهمت ، سأبقى بالسيارة لحين عودتك .. هل ستجد قبرها وحدك ؟

- سأسال المسؤول هناك ، لا تقلق .. فقط انتظرني بالسيارة

- كما تشاء بنيّ

***


وانتظر الأب في سيارته امام البوّابة الخارجية للمقبرة الشعبية الخاصة بالفقراء .. 

ودخل نور اولاً .. ووقف قرب قبر امه التي كان بجوارها قبراً صغيراً بإسم (الطفل اليتيم نور) والحرفين (ن،م) محفورة على شاهده الخشبي..


فاستغلّ نور إبتعاد حفّار القبور عن المكان ، ليقوم بإزالة شاهد الطفل ودفنه بالأرض .. 

ثم نفض يديه من التراب ، ووضع قطرات ماء في عينيه ..وخرج من المقبرة 


وحين عاد الى السيارة .. لاحظ والده عينيه الدامعتين ، فربت على كتفه بحنان وهو يقول :

- لا بأس بنيّ ، هي اضّطرت لتخلّي عنك .. فلا تلومها ، ولومني انا .. فأنا لم أتحمّل مسؤوليتكما ، لهذا انتحرت

نور وهو يمسح دموعه : انا بخير ابي ، يمكنك زيارتها .. سأنتظرك هنا

وخرج الأب من السيارة ، لدخول المقبرة وحده ..


فتنهّد نور بارتياح ، وهو يستذكر الماضي الذي أخفاه عن الجميع : 

((فنور بالحقيقة هو سمير ..أحد اليتامى الذي فضّل التوظّف في إدراة الميتم ، رغم تخرّجه من معهد الميكانيك بامتياز .. وفعل ذلك للبحث في ارشيف الدار عن أهله الحقيقين .. ليعلم لاحقاً إنه ابن فتاة ليل ، وتتأكّد مخاوفه بأنه ابن حرام .. وبذات الوقت آثار انتباهه صندوق الطفل نور الذي مات فعلاً بالحمى في سن الثانية .. وقرأ رسالة الأم التي فيها جميع المعلومات عن الوالد الثريّ .. كما ذكرت ايضاً عنوان منزل جارتها التي تسكن عندها (قبل تفكيرها بالإنتحار) .. فذهب سمير الى العجوز قبل وفاتها ، التي أطلعته على قبر الأم وطفلها (بعد تسلّمها جثمانه من الدار).. واستفاد من معلومات الجارة لانتحال هويّة الطفل الذي كان يصغره بسنة .. فقام بتزوير وثائق الميتم لتغير اسمه الى إسم نور .. ثم استقال من هناك ، دون ان يلاحظ الموظفون إختفاء البطانية ورسالة الأم من الإرشيف .. وبعد عمله في الكراج .. زار عيادة الطبيب الفخمة لمراقبته من بعيد .. وحين نزل للشارع ، وجد سائقه يشتري من المحل المجاور .. فأسرع بتعطيل اسلاك المحرّك من اسفل السيارة ، ووضع بطاقة كراجه على زجاجها الأماميّ .. ونجحت حيلته بجلب السائق لمكان عمله .. ولم يبقى امامه سوى تحليل DNA.. ولأنه احتفظ بشعرة الطفل التي وجدها عالقة في البطانية ، فقد خبأها في يده اثناء تمثيله على والده والممرضة بأنه نزعها من شعره .. وبذلك أثبت نسبه للرجل الثريّ الذي فاجأه اليوم بزيارة المقبرة .. لهذا سبقه لداخل ، لإخفاء قبر الطفل نور للأبد .. وبذلك أتمّ خطته بنجاح)) 


بهذه الأثناء ..عاد الدكتور الى سيارته متأثّراً ، قائلاً لإبنه بصوتٍ متهدّج :

- اعتذرت كثيراً لأمك ، فهل تظنها تسامحني ؟ 

- ستسامحك يا ابي طالما اعترفت بي 

- بالتأكيد سأفعل ، فأنت ابني الوحيد ..

نور مبتسماً : وهل ستعزم ابنك على المطعم ، ام أعزمك انا ؟

- بل سنذهب حالاً في رحلة صيد بسفينتي ، فطباخي بارع بالمأكولات البحرية ..هل تحبها ؟

نور بحماس : انا أعشق الصيد والسمك !!

الأب بابتسامةٍ حنونة : تماماً كوالدك ..

وذهبا باتجاه الشاطىء ، والدكتور يدندن بسعادةٍ غامرة .. 


وهنا تخاطب نور مع القّراء في قرارة نفسه : 

((إن كنتم تتساءلون عن مقدمة القصة ؟ فأنا أردّت إيهامكم بأكاذيبي ، تماماً كما فعلت مع والدي العزيز الذي أخطّط لتخلّص منه قريباً للحصول على ثروته .. بالنهاية ، هذا تفكير ابن الحرام )) 

وكتم ضحكته الماكرة !


الاثنين، 4 يناير 2021

الشهرة الزائفة

 كتابة : امل شانوحة

 

وسائل التواصل الإجتماعي


إشتهرت لورا (الفتاة العشرينية) برقصها الجميل والمثير على التيك توك ، لتحصد في غضون سنة على ملايين المتابعين .. 

وفي كل مرة تصوّر رقصةً جديدة ، تصلها عشرات التعليقات الداعمة والمشجّعة لموهبتها الفريدة .. 


وذات يوم .. آثار إهتمامها تعليقاً جاد من أحدهم :

((انت موهوبة حقاً ، وأريد دعمك لتصبحي راقصة عالمية .. إن كان يهمّك الأمر ، إتصلي بي)) 


وحين تواصلت معه ..أخبرها انه يعمل ضمن فرقةٍ داعمة للمواهب الشابّة ، ولديهم عروض بأهم مسارح العالم .. 

واثناء حديثها معه ، لاحظت صورة شابٍ وسيم موضوعة على صفحته ، فسألته إن كان هو ؟ 

فطلب منها فتح الكاميرا ، ليؤكّد لها انه الشخص ذاته .. 


ولم تمضي ساعات ، حتى أسرها بابتسامته الجذّابة وحديثه المعسول 

وفي غضون اسابيع ، توطّدت العلاقة بينهما ..

***


وفي أحد الأيام .. أخبرها أنه قادم الى مدينتها لأخذها في رحلةٍ كشفية مع زملائه الذين يعملون في تنظيم العروض الإستعراضية ، وأقنعها بأن مصادقتهم سيدعم عملها المستقبلي ..

فتردّدت خوفاً من رفض اهلها ، فاقترح عليها إخفاء الأمر..  

وبالفعل كذبت عليهم , بقضائها عطلة الإسبوع عند صديقتها 

*** 


وفي الموعد المحدّد .. أقلّها مارك من المطعم المُتفق عليه ، بسيارته المليئة بأغراض الكشّافة .. 

وانطلقا بالطريق الجبلي للوصول للمخيّم قبل غروب الشمس ، وهما متحمّسان للرحلة ..

***


وحين وصلا عصراً الى تلٍ مرتفع ، توقفت سيارته فجأة .. 

فقال متضايقاً :

- اللعنة !! ليس الآن

لورا بقلق : مارك ، ماذا هناك ؟!

- تعطّلت الخردة من جديد 

- إتصل بأصدقائك 

فأخرج جواله .. ثم قال بضيق :

- يالا غبائي ! نسيت شحنه

فأعطته جوالها :

- خذّ !! إتصل بشركة التصليح

- سأفعل .. لكن دعيني ارى العطل اولاً ، لربما أصلحته بنفسي .. إبقي هنا ، فالجوّ بارد في الخارج ..

ونزل وحده ، وفتح الغطاء الأماميّ .. 


بهذا الوقت ، خرج دخانٌ ابيض من فتحات المكيف ! فحاولت لورا الخروج من السيارة ، الا ان جميع الأبواب والنوافذ مقفلة بعد اطفاء المحرّك ..

فطرقت على نافذتها بقوة ، لكن مارك مختفياً خلف غطاء سيارته المفتوح.. 

فظلّت تصرخ بعلوّ صوتها ، حتى أصابها دوار شديد أفقدها الوعيّ!

***


إستيقظت لاحقاً ، لتجد نفسها مُستلقية على كنبة في غرفة مكتب .. فظنت انها في المشفى .. 

وحين خرجت ، وجدت صفاً من الفتيات يقفنّ بالطابور 

فسألت إحداهن :

- اين نحن ؟

فالتفتت اليها بوجهٍ مُزيّن بالمكياج الرخيص رغم صغر سنها ، حيث بدت تحت السن القانونية للبس ثيابها الفاضحة ! كما لم تجبها ، بل ظلّت تمضغ اللبان باستفزاز ..


وقبل سؤال لورا فتاةً أخرى ، تحرّك الطابور للأمام .. حيث رأت رجلاً ضخماً في المقدمة يتشاجر مع إحداهنّ :

- 30 دولار فقط !

فردّت الفتاة بصوتٍ مرتجف : سائق الشاحنة رفض إعطائي المزيد

فصفعها بقوة وهو يعاتبها :

- أسعارنا موحّدة !! 100 دولار على الليلة .. هل انت رخيصة هكذا؟ عقاباً لك ، ستنامين دون عشاء .. هيا أغربي عن وجهي !!

فبكت بقهر ، وهي تدخل الى غرفة ثانية ..

 

ثم نادى الرجل :

- من التالية ؟!!

فتقدّمت صبية أخرى : 

- سيدي .. إختارني إثنين ، وحصلت على 200 دولار

- ممتاز !!

- لكني لست بخير ، فأنا أنزف بشدة 

- دعي الممرضة تفحصك .. 

فمشت في ممرٍ طويل وهي تعرج بألم .. 


وهنا شعرت لورا بالخوف ! فملابس الفتيات المزركشة الفاضحة تُظهر أنهن بنات ليل ، والرجل قوادهنّ .. فمالذي أحضرها الى هنا ؟! واين صديقها مارك ؟ 

وانسحبت للوراء بخفة ، للعودة الى الغرفة التي خرجت منها 


وهناك بحثت في الأوراق المتناثرة فوق المكتب .. لتجد جداولاً بأسماء الفتيات تتراوح أعمارهن بين 13 و30 عاماً .. كما وجدت تاريخ انضمامهنّ للجمعية المشبوهة ، التي تبدو كعصابة خطف البنات وتوريطهن بالدعارة

 

فحاولت الهرب ، لكن جميع النوافذ مقفلة بالقضبان الحديدية .. 

فنظرت من خلال كسرٍ بإحدى النوافذ ، لترى من بعيد الجبل الذي تعطّلت سيارة صديقها فوقه ، لكن لا أثر للسيارة !

فهل قامت العصابة باختطافها ، وقتل صديقها وسرقة السيارة ؟


وبدأت تراودها افكارٌ مرعبة ، قبل إطلاقها صرخةً مفزعة بعد سماعها صوت امرأة من الخلف تقول : 

- إستيقظتي اخيراً .. هاى ! مابك تصرخين كالبلهاء ؟!

وكانت سيدة سمينة وكبيرة في السن .. فقالت لها لورا وهي ترتجف خوفاً:

- ارجوك اريد الخروج من هنا

- من ينضمّ الينا لا يخرج الا بإذني  

- هل اختطفتموني ؟! واين صديقي ؟ هل أذيتموه ؟ 


لكنها لم تجيبها .. بل جلست امام مكتبها ، بعد إخراجها ورقة وقلم من الدرج وهي تسألها :

- أعطني كافة المعلومات عنك لأدونها في ملفّك الجديد

لورا بعصبية : لا اريد العمل مع عصابتك النجسة !!

فأجابتها المرأة بنبرة تهديدٍ هادئة : 

- يمكنك استخدام الألفاظ البذيئة مع الجميع ، ما عدايّ !! والاّ قطعت لسانك .. والآن إخبريني بإسمك الكامل


بهذه اللحظة ، خطرت ببال لورا فكرةً ذكية .. وأخذت تسعل بقوة ، قبل ان تقول : 

- اللعنة نسيت أدويتي 

- هل انت مريضة ؟

لورا : ليتني سمعت كلام امي ولازمت غرفتي لإسبوعين ، لكني لم اردّ تفويت النزهة مع صديقي الجديد ..

- لم تجيبيني !! هل انت مريضة ؟

- نعم ، لكن رجاءً لا تخبري احداً .. فأنا مصابة بالكورونا


فابتسمت العجوز بلؤم : كذبة جيدة

لورا : لا حقاً ، انا اقول الحقيقة .. ويمكنني إثبات ذلك

- كيف ؟

- الا يُقال إن مُصاب كورونا يفقد حاسّة الشمّ والتذوق ؟ إحضري لي شيئاً حادّاً او حامضاً ، وسآكلهم امامك ..

 

فنادت الزعيمة مساعدتها لإحضار بصل وحرّ وحامض .. 

وأخذتا تراقبان لورا وهي تأكلهم بنهمّ دون تأثّر ، وهي تقول في نفسها :

((جيد انني شاركت بمسابقات تحدّي الطعام ، الى أن إعتّدتُ المأكولات الحارّة والحامضة).. 


وبعد إنهائها الأكل ، قالت لهما :

- لم أشعر بالطعم ، كأني آكل الورق !


فهربت المساعدة من المكتب ، بينما أسرعت الزعيمة بلبس كمّامتها وهي تقول : 

- ستبقين محجورة لإسبوعين 

وأقفلت باب المكتب عليها من الخارج .. 

 

ورغم شعور لورا بالإرتياح لابتعادها عن الإنغماس بالرذيلة ، الا انها تعلم ان عليها الهرب من وكر العصابة خلال اسبوعين ..


فبدأت البحث في أرجاء المكتب التي لم تجد فيه سوى الملفّات المكدّسة لعشرات الفتيات اللآتي إختطفن قبل سنوات ، بينما البعض الآخر عملنّ طواعية بسبب الفقر والإدمان !

***  


بعد ساعتين .. فتحت المساعدة الباب (وهي تضع الكمّامة) وتحمل صحن العصيدة وتفاحة وقارورة ماء ..وضعتهم جانباً ، وهي تقول :

- ستنامين على الأريكة .. وهناك بطانية ووسادة في الخزانة ، ويمكنك استخدام حمام المكتب .. وبعد اسبوعين نطهّر كل شيء لتبدأي العمل ، فموهبتك فريدة بالرقص وستعجب زبائننا .. مفهوم!!

وعادت لإقفال الباب من جديد .. 


فارتعبت لورا من كلامها ، وتساءلت في نفسها :

((كيف عرفت بموهبتي ؟! هل يتابعون صفحتي ؟ أم مارك إعترف لهم بعد تعذيبه ؟ واين يحتجزونه الآن ؟ هل يفكّرون باستغلال وسامته ؟ إن فعلوا ذلك ، فسأخسره تماماً بعد تحويله الى شاذّ ! يا الهي ماهذه الورطة ؟ ليتني سمعت نصيحة اهلي وحذفت التيك توك اللعين !!))

ثم تناولت عصيدتها السيئة ، وهي منهارة بالبكاء ..

***


في المدينة ، كانت الشرطة تبحث عن لورا في كل مكان .. 

وبعد تفتيش المحقّق لحاسوبها ، وجد محادثاتها مع مارك واتفاقهما على الرحلة الكشفية .. فأمر رجاله بالبحث في أماكن التخييم المعتادة في الجبال المحيطة بالمدينة ..

***


بعد مرور اسبوعين .. فتحت الزعيمة باب مكتبها وهي تقول :

- توقف المطر اخيراً .. بإمكانك الذهاب مع السائق للعمل هذه الليلة في الأحياء الشعبية.. 

لورا مقاطعة بارتباك : لا ! مازلت متوعّكة

- كاذبة !! الحارسة التي وضعتها خارج بابك أخبرتني انها لم تسمعك تسعلين او تعطسين او تختنقي بأنفاسك طوال الفترة الماضية 

- مازلت مصابة بالكورونا ، فلا تخاطري بحياتك

الزعيمة بلا مبالاة : خطرك الحقيقي على الزبائن ، وليس عليّ

لورا بعصبية : لن أعمل بمهنتكم القذرة !! الا تفهمين ؟!!  

- ستعملين مقابل ما دفعته ل... 


وقبل إنهاء جملتها .. دخل الرجل الضخم وهو يقول لرئيسته بفزع :

- معلمتي !! الشرطة تقترب من هنا .. يبدو انها تبحث عن المخطوفة الجديدة  

الرئيسة بقلق : حسناً إجمع الفتيات بالحافلتين ، وابتعدوا عن هنا .. وخذّ لورا معك

- لا !! لن أضعها معنا ، حتى لا نصاب بالمرض

- لقد مرّ اسبوعين على ..

الرجل مقاطعاً : لن أخاطر يا معلمتي ، فرزقنا يعتمد على صحّة البنات

الزعيمة : حسناً ، سآخذها معي بسيارتي

- اذاً لا تنسي وضع الكمّامة .. سنسبقكما !!


وخرج مسرعاً من المكتب .. بينما وجّهت الزعيمة مسدسها نحو لورا وهي تقول :

- تعالي معي 


فاضّطرت لورا لمرافقتها الى موقف السيارات المتواجد أسفل مقرّهم السرّي .. وجلست في المقعد الخلفي لسيارة الزعيمة التي تبعت الحافلتين المليئة ببنات الليل 


وكان الوقت عصراً حين سلكت العصابة الجهة المقابلة للجبل ، بعيداً عن اضواء سيارات الشرطة التي تبحث في الغابة ...


وبعد ابتعاد الحافلتين ، إستغلّت لورا بقائها وحدها مع العجوز .. وقامت بفكّ رباط حذائها الرياضيّ وربطهما معاً كحبلٍ قصير .. خنقت به رقبة الزعيمة من الخلف ، التي أفزعها الأمر لدرجة إنحراف سيارتها ووقوعها في الجرف ، بعد إنقلابها عدّة مرات ..


وتمكّنت لورا الخروج من السيارة المحطمة بجسمٍ مليء بالرضوض والجروح ، بينما سحق سقف السيارة رأس العجوز وقتلها على الفور 


ثم تسلّقت التلّ بسرعة ، خوفاً من عودة حافلتيّ العصابة (في حال سمعوا صوت الحادثة) 


وكانت تنوي الركض باتجاه الشرطة المنتشرين بالغابة القريبة من المكان ..الا انها فور وصولها قمّة الجبل ، تفاجأت بسيارة مارك متوقفة هناك !


فاختبأت خلف الشجرة ، لترى صديقها يقوم بالحيلة ذاتها .. ويترك الصبية محتجزة داخل سيارته المليئة بالدخان المخدّر ..


ثم سمعته يتكلّم بجواله بعصبية :

((ماذا يعني انك لن تأخذ الضحية ؟! هي من مشاهير التيك توك .. وراقصة بارعة ، وعذراء ايضاً .. لا يهمّني إن كانت الشرطة قريبة من مقرّكم ، فأنا لا استطيع العودة بها الى المدينة .. إستلمها مني وادفع نصيبي من العملية ، ودعني أعود الى بيتي قبل المساء .. آه !! لا تريد المخاطرة .. اذاً سأترك الفتاة فوق التلّ .... لا يهمّني أمرها !! .. إسمعني جيداً ..سأبحث عن عصابة أخرى ، فأنتم لم تقدّروا جهودي بخطف زميلاتي بالجامعة والنادي الرياضيّ ، لذا لن أخاطر ثانيةً بوسامتي وسمعتي لأجلكم .. إبلغ معلمتك انني أنهيت عملي معكم .. سلام)) 


وأغلق المكالمة بعصبية .. ثم أخرج الفتاة الغائبة عن الوعيّ من سيارته ، ووضعها على الأرضٍ العشبية المُبتلة .. 

وقبل إغلاقه الغطاء الأماميّ لسيارته ، رأى انوار سيارة الشرطة تقترب من الجبل ! فركض هارباً باتجاه الأشجار الكثيفة .. 


فأسرعت لورا الى الفتاة للإطمئنان عليها ، لتلاحظ سكينة مارك واقعة بقربها .. فأخذتها لقطع سلك الفرامل (فهي تدرس الميكانيك) .. قائلة في نفسها بغضب : 

((لنرى كيف ستنزل الطريق الجبلي المُبتلّ دون فرامل ، ايها التافه اللعين؟!!) 


ثم حملت الفتاة النحيلة .. ونزلت التلّ لإيقاف سيارة الشرطة التي أسرعت بنقلهما الى مركز الشرطة .. 

***


وهناك اجتمعت الفتاتان المخطوفتان مع عائلاتهما بدموع الفرح لنجاتهما من العصابة الخطيرة ..


اما الشاب الوسيم ، فوُجد ميتاً داخل سيارته المحطّمة في الوادي !

وبالنسبة للعصابة .. فقد تمّ القبض عليهم بعد شهورٍ من إعطاء لورا مواصفات القوّاد ومساعدة الرئيسة للشرطة .. ليتفاجأ المجتمع بعودة بعضهن للشارع هرباً من عائلاتهم بعد إنغماسهنّ بحياة الرذيلة ، وعملهن منفردين .. بينما الأكثرية تعاقدن مع قوّادين آخرين ! 


فحمدت لورا ربها الذي حماها من التورّط بتلك الحياة القذرة ..وأكملت دراستها ، بعد إغلاق صفحاتها على وسائل التواصل الإجتماعي .. 


ولاحقاً قامت بحملات توعية في المدارس والجامعات .. كما حذّرت الأهالي من خطر الشهرة الزائفة على الإنترنت ، ونيل النفوس المريضة من المواهب الصاعدة ، خصوصاً صغار السن الذين مازالوا يتعرضون للإستغلال حتى يومنا الحالي !  

******


ملاحظة :

القصة مستوحاة من حادثة إختطاف حصلت بسبب وسائل التواصل الإجتماعي ، لهذا وجب التنبيه لأخذ الحيطة والحذر .. 

حمانا الله من شرور البشر وخبثهم ... اللهم آمين 


الزوبعة النورانية الجزء الثالث والأخير

تأليف : امل شانوحة  رابط الجزء الأول من القصة https://www.lonlywriter.com/2026/09/blog-post.html رابط الجزء الثاني من القصة  https://www.lon...