تأليف : امل شانوحة
العلماء الفضوليين
حاول العالِم البحري جاهداً التواصل مع زملائه المتواجدين على السفينة ، بعد انزاله مع رفيقه داخل كرةٍ حديديّةٍ مجوّفة الى اعماق المحيط الهادئ .. والتي انفصلت ، عقب انقطاع الحبل الذي يربطها بالسفينة .. ليسقطا عشرات الأمتار ، قبل أن تستقرّ غوّاصتهما عند حافّة واديٍ سحيق.
وبعد فشله الإتصال بهم .. اطفأ العالم الآخر الأجهزة الإلكترونية ، في محاولة لتهدئة زميله الذي انتابه نوبة ذعرٍ شديدة..
- سنموت من قلّة الأكسجين !!
- اهدأ قليلاً ، فالهواء يكفينا يومين آخرين
- وهذا اسوء !! لأننا سنحتضر ببطء في هذا الظلام الدامس.. رجاءً أضيء نورنا الخارجي من جديد
- أُفضّل التقليل من استهلاكنا البطارية ، لحين إيجاد زملائنا طريقة لإخراجنا من هنا
- وكيف ؟! فهم لا يملكون حبلاً يصل الى هذه الأعماق
- يمكنهم العودة للشاطئ ، وأحضار حبلٍ اطول.. فمن حسن حظنا ان غوّاصتنا لم تكمل غرقها في الوادي السحيق .. وإلا لوصلنا لأعمق نقطة في المحيط ، عندها سيسحقنا الضغط حتماً.. والآن حاول ان تهدأ .. ودعنا نستمتع بمراقبة الأسماك الغريبة بالخارج
- وكيف سنراها دون المصابيح الخارجية ؟
- ضوءنا سيخيفها.. دعها تقترب منا ، ونحن نصوّرها بالكاميرات الحسّاسة للظلام.. فنحن سنبقى هنا لبعض الوقت ، قبل ان يتمكّن زملائنا من اخراجنا من هذه الورطة
- ليتني كنت متفائلاً مثلك
وسرعان ما انشغل العالمان بتصوير الأنواع النادرة للأسماك ، لدرجة انهما نسيا أنهما عالقين في قاع المحيط.
لكن شيئاً ما حصل ، ارعب كيانهما ! بعد رؤيتهما لمخلوقٍ ضخم يصعد ببطء من قاع الوادي ! حيث ظلّ الكائن يقترب من غواصتهما ، الى ان وقف مباشرةً امام نافذتهما الزجاجية !
العالم الأول بقلق : ما هذا الشيء امامنا ؟! هل هو حبّارٌ ضخم ؟!
العالم الثاني بفزع : هل يعقل ان غوّاصتنا بحجم عينه فقط ؟! أضيء الأنوار فوراً!!
- لا ، اخاف ان نرى مخلوقاً ارعب بكثير
وفي اللحظة التي ركّز فيها المخلوق عينيه عليهما ، شعر العالمان بدوارٍ مفاجئ.. قبل ان ينطفئ كل شيء داخل غواصتهما التي تحوّلت لكرةٍ مظلمة !
^^^
على متن السفينة ، كان الطبيب يراقب جهازاً متصلاً بخوذتي العالمين ، لقياس نشاطهما العصبي ، ثم ارسال البيانات إلى السفينة.
وإذّ به ينادي بقية العلماء بفزع :
- لقد توقفت الإشارتان في اللحظة نفسها !!
فسأله عالمٌ آخر باستغراب :
- أتقصد انهما ماتا معاً ؟!
الطبيب : لا ادري ، لكن اتصالي انقطع معهما تماماً !
- وماذا نفعل الآن ؟ هل نطلب من المروحية العودة لشاطئ.. فالحبل الطويل الذي يحضرونه ، لا فائدة منه بعد فشل تجربتنا
عالمٌ آخر : لا طبعاً !! حتى لوّ ماتا ، علينا إعادتهما.. على الأقل نراجع كاميراتهما ، فربما تحتوي على اكتشافاتٍ علمية لم يرها إنسان من قبل..وبذلك لا يذهب موتهما سدى
وبالفعل وصلت المروحية الى السفينة ومعها الحبل الطويل في نهايته مغناطيس ضخم ، صُممّ لسحب الكرة الحديدية.
وبعد جهدٍ طويل ، نجح الفريق في انتشالها من اعماق المحيط
ليجدا العالمين مازالا يتنفسان ، لكنهما بغيبوبةٍ مؤقتة ..ربما من ضغط المحيط او من هول ما رأياه !
***
في مستشفى تابع للمختبر العلمي في العاصمة ، بقيّ العالمان فاقدَي الوعي لعدة ايام
وقبل نهاية الإسبوع الأول .. استيقظ احدهما وهو لا يصدّق خروجه سالماً من جحيم البحر ! ومع ذلك يبدو عدم استقراره عقلياً ، بعد إخبار زملائه عن العين العملاقة التي سيطرت على عقليهما.
ثم وصف خروجهما طواعية من الغواصة ، دون اقنعة اوكسجين ! حيث قيّدهما المخلوق بإحدى اذرعته الكثيرة اثناء سحبهما للأسفل ، لأعمق نقطة في المحيط.. الى ان وصلا أخيراً إلى أرضيةٍ رمليةٍ مظلمة.
وهناك اضيئت عيناه لأول مرة ، ليشاهدا حجم المخلوق المرعب .. الأشبه بحبّارٍ عملاق يصل طوله لمبنى من عشرة طوابق ، ربما يعود لزمن الديناصورات !
والذي اوصلهما الى قصرٍ اسود موجود داخل كهفٍ عميق ..
ثم اطلق سراحهما ، قبل سباحته بعيداً عنهما.. فلم يكن امامها سوى اكمال السباحة عبر ممرٍ طويل تحيط به شعلات الضوء الزرقاء التي تصدر من عيون مخلوقاتٍ غريبة تسبح على جانبيه : أجسادها بشريّة من الأعلى ، لكن أجزاءها السفلية مغطّاة بزعانف غريبة.. لم يكونوا حوريات البحر ، بل اشبه بجن المحيط !
وظلّ العالمان يسبحان الى ان وصلا لصالة القصر .. في آخره عرشٌ ذهبيّ ضخم ، يجلس عليه كيانٌ شيطانيٌ مرعب
فسأله عالمٌ آخر بذهول : أتقصد ابليس ؟!
ليردّ المريض : نعم !! وكان غاضباً من فضول البشر الذي اوصلنا اليه.. فحسب كلامه : انه ترك نعيم الدنيا لذريّة آدم.. واختار اسوء واصعب مكان للعيش مع ابنائه .. ومع ذلك تبعناه الى هناك !
- وماذا حصل بعدها ؟
- عرض علينا أن نكون من جنوده ، مقابل ثروةٍ ماليةٍ ضخمة.
- وهل قبلتما ؟
المريض : انا لم اتردّد برفض عرضه ، خوفاً من عصيان ربي.. لكن زميلي وافق على الفور ! وبعدها استيقظت بالمشفى.. مع اني ظننت انه سيقتلني ، بسبب تعابير وجهه الغاضبة حين سمع جوابي !
^^^
وبعد هذا الحوار ، استأذنهم المريض للعودة للنوم مجدداً من شدة ارهاقه .. فتوجه بقية العلماء الى مكتب المشفى
- هل تصدقون ما قاله ؟
- لا ، هو يهذي حتماً
- وماذا لوّ كان يقول الحقيقة ؟
- مستحيل !! لا احد يعرف مكان ابليس
- نحن نعلم انه يسكن البحار.. فلما لا يكون اختار اعمق نقطة بالمحيط الهادي ؟
فسكتوا قليلاً ، قبل ان يستنكر احدهم :
- لوّ كان كلامه صحيحاً ، لما تركه ابليس حياً بعد عصيان اوامره
ولم يكمل جملته ، حتى دخلت الممرضة وهي تصرخ فزعة :
- تعالوا بسرعة ، وانظروا ما حصل لزميلكم !!
^^^
فركضوا خلفها ، عائدين الى غرفة المريض الأول.. ليجدوا دمائه واشلائه ملطّخة على جدران الغرفه ، كأنه انفجر لأجزاء صغيرة !
وهناك عبارة مكتوبة بدمائه على الجدار :
((هذا جزاء من يخالف اوامري))
فنظروا لبعضهم برعب :
- يا الهي ! لقد قابل ابليس بالفعل
^^^
ثم توجهوا مسرعين ، لرؤية ان كان زميله توفيّ ام لا.. ليجداه متربّعاً فوق سريره باستعلاء ، وعيونه تلمع بحديةٍ مخيفة
فقال احد العلماء :
- اخيراً استيقظت !! خفنا عليك يا رجل
فظهر صوت المريض ، مخالفاً عن صوته الأصلي :
- انا ابليس المعظّم !! فبعد شعوري بالمللّ من عيشي بظلمة المحيط الخانقة ، قرّرت تجسّد هذا العالم .. وبذلك أتابع خططي بينكم.. فهل ستطيعون اوامري ؟ ام تفضّلون ان أصبغ ارضيّة المشفى بدمائكم ، كما حصل لزميلكم المتديّن؟!
فردّوا جميعاً بخوف : لا سيدي ، نحن طوع امرك !!
ابليس بابتسامةٍ مريبة : ممتاز !! اذاً لنبدأ بالأمر الأول ضمن سلّسلة طويلة من القرارات المصيرية ، التي ستجعلني أحققّ حلم حياتي بتدمير البشريّة جمعاء !!
ثم اطلق ضحكةً مجلّجلة امام العلماء الذين ارتجفوا خوفاً بعد ان تسبّب فضولهم بإخراج ارعب مخلوق من مخبئة ، لتدمير العالم كلّه!


ملاحظة : صورة الحبّار الضخم حقيقية ، وهي مأخوذة من المحيط على عمق أكتر من 10,000 متر تحت الماء .. لكن صورة الغواص بجانب الحبّار ، هي صورة بالذكاء الإصطناعي لتوضيح فرق الطول بين الحبّار العملاق والإنسان .. حيث قدّر طول المخلوق ، بارتفاع مبنى من عشرة طوابق .. وبسببه ، توقف البحث بأعماق المحيطات ، خوفاً من استكشاف المزيد من المخلوقات المرعبة !
ردحذف