الأحد، 13 سبتمبر 2026

وحش المحيط

تأليف : امل شانوحة 

العلماء الفضوليين


حاول العالِم البحري جاهداً التواصل مع زملائه المتواجدين على السفينة ، بعد انزاله مع رفيقه داخل كرةٍ حديديّةٍ مجوّفة الى اعماق المحيط الهادئ .. والتي انفصلت ، عقب انقطاع الحبل الذي يربطها بالسفينة .. ليسقطا عشرات الأمتار ، قبل أن تستقرّ غوّاصتهما عند حافّة واديٍ سحيق.


وبعد فشله الإتصال بهم .. اطفأ العالم الآخر الأجهزة الإلكترونية ، في محاولة لتهدئة زميله الذي انتابه نوبة ذعرٍ شديدة..

- سنموت من قلّة الأكسجين !!

- اهدأ قليلاً ، فالهواء يكفينا يومين آخرين 

- وهذا اسوء !! لأننا سنحتضر ببطء في هذا الظلام الدامس.. رجاءً أضيء نورنا الخارجي من جديد

- أُفضّل التقليل من استهلاكنا البطارية ، لحين إيجاد زملائنا طريقة لإخراجنا من هنا

- وكيف ؟! فهم لا يملكون حبلاً يصل الى هذه الأعماق

- يمكنهم العودة للشاطئ ، وأحضار حبلٍ اطول.. فمن حسن حظنا ان غوّاصتنا لم تكمل غرقها في الوادي السحيق .. وإلا لوصلنا لأعمق نقطة في المحيط ، عندها سيسحقنا الضغط حتماً.. والآن حاول ان تهدأ .. ودعنا نستمتع بمراقبة الأسماك الغريبة بالخارج

- وكيف سنراها دون المصابيح الخارجية ؟ 

- ضوءنا سيخيفها.. دعها تقترب منا ، ونحن نصوّرها بالكاميرات الحسّاسة للظلام.. فنحن سنبقى هنا لبعض الوقت ، قبل ان يتمكّن زملائنا من اخراجنا من هذه الورطة

- ليتني كنت متفائلاً مثلك


وسرعان ما انشغل العالمان بتصوير الأنواع النادرة للأسماك ، لدرجة انهما نسيا أنهما عالقين في قاع المحيط.


لكن شيئاً ما حصل ، ارعب كيانهما ! بعد رؤيتهما لمخلوقٍ ضخم يصعد ببطء من قاع الوادي ! حيث ظلّ الكائن يقترب من غواصتهما ، الى ان وقف مباشرةً امام نافذتهما الزجاجية ! 


العالم الأول بقلق : ما هذا الشيء امامنا ؟! هل هو حبّارٌ ضخم ؟!

العالم الثاني بفزع : هل يعقل ان غوّاصتنا بحجم عينه فقط ؟! أضيء الأنوار فوراً!! 

- لا ، اخاف ان نرى مخلوقاً ارعب بكثير


وفي اللحظة التي ركّز فيها المخلوق عينيه عليهما ، شعر العالمان بدوارٍ مفاجئ.. قبل ان ينطفئ كل شيء داخل غواصتهما التي تحوّلت لكرةٍ مظلمة !

 ^^^


على متن السفينة ، كان الطبيب يراقب جهازاً متصلاً بخوذتي العالمين ، لقياس نشاطهما العصبي ، ثم ارسال البيانات إلى السفينة.

وإذّ به ينادي بقية العلماء بفزع :

- لقد توقفت الإشارتان في اللحظة نفسها !!

فسأله عالمٌ آخر باستغراب :

- أتقصد انهما ماتا معاً ؟!

الطبيب : لا ادري ، لكن اتصالي انقطع معهما تماماً !

- وماذا نفعل الآن ؟ هل نطلب من المروحية العودة لشاطئ.. فالحبل الطويل الذي يحضرونه ، لا فائدة منه بعد فشل تجربتنا

عالمٌ آخر : لا طبعاً !! حتى لوّ ماتا ، علينا إعادتهما.. على الأقل نراجع كاميراتهما ، فربما تحتوي على اكتشافاتٍ علمية لم يرها إنسان من قبل..وبذلك لا يذهب موتهما سدى 


وبالفعل وصلت المروحية الى السفينة ومعها الحبل الطويل في نهايته مغناطيس ضخم ، صُممّ لسحب الكرة الحديدية.

وبعد جهدٍ طويل ، نجح الفريق في انتشالها من اعماق المحيط

ليجدا العالمين مازالا يتنفسان ، لكنهما بغيبوبةٍ مؤقتة ..ربما من ضغط المحيط او من هول ما رأياه !

***


في مستشفى تابع للمختبر العلمي في العاصمة ، بقيّ العالمان فاقدَي الوعي لعدة ايام 


وقبل نهاية الإسبوع الأول .. استيقظ احدهما وهو لا يصدّق خروجه سالماً من جحيم البحر ! ومع ذلك يبدو عدم استقراره عقلياً ، بعد إخبار زملائه عن العين العملاقة التي سيطرت على عقليهما.


ثم وصف خروجهما طواعية من الغواصة ، دون اقنعة اوكسجين ! حيث قيّدهما المخلوق بإحدى اذرعته الكثيرة اثناء سحبهما للأسفل ، لأعمق نقطة في المحيط.. الى ان وصلا أخيراً إلى أرضيةٍ رمليةٍ مظلمة.


وهناك اضيئت عيناه لأول مرة ، ليشاهدا حجم المخلوق المرعب .. الأشبه بحبّارٍ عملاق يصل طوله لمبنى من عشرة طوابق ، ربما يعود لزمن الديناصورات ! 

والذي اوصلهما الى قصرٍ اسود موجود داخل كهفٍ عميق ..


ثم اطلق سراحهما ، قبل سباحته بعيداً عنهما.. فلم يكن امامها سوى اكمال السباحة عبر ممرٍ طويل تحيط به شعلات الضوء الزرقاء التي تصدر من عيون مخلوقاتٍ غريبة تسبح على جانبيه : أجسادها بشريّة من الأعلى ، لكن أجزاءها السفلية مغطّاة بزعانف غريبة.. لم يكونوا حوريات البحر ، بل اشبه بجن المحيط ! 

وظلّ العالمان يسبحان الى ان وصلا لصالة القصر .. في آخره عرشٌ ذهبيّ ضخم ، يجلس عليه كيانٌ شيطانيٌ مرعب 


فسأله عالمٌ آخر بذهول : أتقصد ابليس ؟!

ليردّ المريض : نعم !! وكان غاضباً من فضول البشر الذي اوصلنا اليه.. فحسب كلامه : انه ترك نعيم الدنيا لذريّة آدم.. واختار اسوء واصعب مكان للعيش مع ابنائه .. ومع ذلك تبعناه الى هناك !

- وماذا حصل بعدها ؟

- عرض علينا أن نكون من جنوده ، مقابل ثروةٍ ماليةٍ ضخمة.

- وهل قبلتما ؟

المريض : انا لم اتردّد برفض عرضه ، خوفاً من عصيان ربي.. لكن زميلي وافق على الفور ! وبعدها استيقظت بالمشفى.. مع اني ظننت انه سيقتلني ، بسبب تعابير وجهه الغاضبة حين سمع جوابي !

^^^


وبعد هذا الحوار ، استأذنهم المريض للعودة للنوم مجدداً من شدة ارهاقه .. فتوجه بقية العلماء الى مكتب المشفى

- هل تصدقون ما قاله ؟

- لا ، هو يهذي حتماً

- وماذا لوّ كان يقول الحقيقة ؟

- مستحيل !! لا احد يعرف مكان ابليس

- نحن نعلم انه يسكن البحار.. فلما لا يكون اختار اعمق نقطة بالمحيط الهادي ؟


فسكتوا قليلاً ، قبل ان يستنكر احدهم :

- لوّ كان كلامه صحيحاً ، لما تركه ابليس حياً بعد عصيان اوامره


ولم يكمل جملته ، حتى دخلت الممرضة وهي تصرخ فزعة :

- تعالوا بسرعة ، وانظروا ما حصل لزميلكم !!

^^^


فركضوا خلفها ، عائدين الى غرفة المريض الأول.. ليجدوا دمائه واشلائه ملطّخة على جدران الغرفه ، كأنه انفجر لأجزاء صغيرة ! 

وهناك عبارة مكتوبة بدمائه على الجدار :

((هذا جزاء من يخالف اوامري))

فنظروا لبعضهم برعب :

- يا الهي ! لقد قابل ابليس بالفعل 

^^^


ثم توجهوا مسرعين ، لرؤية ان كان زميله توفيّ ام لا.. ليجداه متربّعاً فوق سريره باستعلاء ، وعيونه تلمع بحديةٍ مخيفة 

فقال احد العلماء :

- اخيراً استيقظت !! خفنا عليك يا رجل

فظهر صوت المريض ، مخالفاً عن صوته الأصلي :

- انا ابليس المعظّم !! فبعد شعوري بالمللّ من عيشي بظلمة المحيط الخانقة ، قرّرت تجسّد هذا العالم .. وبذلك أتابع خططي بينكم.. فهل ستطيعون اوامري ؟ ام تفضّلون ان أصبغ ارضيّة المشفى بدمائكم ، كما حصل لزميلكم المتديّن؟!

فردّوا جميعاً بخوف : لا سيدي ، نحن طوع امرك !!

ابليس بابتسامةٍ مريبة : ممتاز !! اذاً لنبدأ بالأمر الأول ضمن سلّسلة طويلة من القرارات المصيرية ، التي ستجعلني أحققّ حلم حياتي بتدمير البشريّة جمعاء !!


ثم اطلق ضحكةً مجلّجلة امام العلماء الذين ارتجفوا خوفاً بعد ان تسبّب فضولهم بإخراج ارعب مخلوق من مخبئة ، لتدمير العالم كلّه! 


هناك تعليق واحد:

  1. ملاحظة : صورة الحبّار الضخم حقيقية ، وهي مأخوذة من المحيط على عمق أكتر من 10,000 متر تحت الماء .. لكن صورة الغواص بجانب الحبّار ، هي صورة بالذكاء الإصطناعي لتوضيح فرق الطول بين الحبّار العملاق والإنسان .. حيث قدّر طول المخلوق ، بارتفاع مبنى من عشرة طوابق .. وبسببه ، توقف البحث بأعماق المحيطات ، خوفاً من استكشاف المزيد من المخلوقات المرعبة !

    ردحذف

وحش المحيط

تأليف : امل شانوحة  العلماء الفضوليين حاول العالِم البحري جاهداً التواصل مع زملائه المتواجدين على السفينة ، بعد انزاله مع رفيقه داخل كرةٍ حد...