الجمعة، 29 يناير 2021

بائع الحلوى الشرير

فكرة : الأستاذ Ariz Maz
كتابة : امل شانوحة

كاره الأطفال


في تسعينات القرن الماضي .. أوقف بائعٌ عربته المليئة بالحلوى في منطقةٍ شعبية قرب ساحة للعب الأطفال .. وسرعان ما تجمّعوا حوله ، فسألهم بابتسامةٍ مصطنعة : 

- هل تريدون حلوى مجانية يا اطفال ؟


فقفزوا سعيدين بكرمه ، ليُسرع بتوزيع المصّاصات الملوّنة قبل لفت أنظار البالغين اليه .. وابتعد عن المنطقة وهو يكتم ضحكاته الخبيئة!

***


في تلك الليلة .. إنشغل الأهالي بأطفالهم بعد إصابتهم بالتقيّؤ والإسهال وارتفاع الحرارة ، وأعراض أخرى مفاجئة !


واكتظّت عيادة الطبيب بالمرضى الصغار ، مما اضّطره لنقل الحالات الصعبة بسيارات الإسعاف للمشفى ، لغسيل معدتهم من المادة السامّة الغامضة .. الا أن بعضهم فارق الحياة قبل وصوله لغرفة الطوارىء !

***


وفي إحدى سيارات الإسعاف .. ترجّت أم إبنها بأن يتذكّر الطعام الفاسد الذي أصابه بالمرض .. 

فأزال قناع التنفّس عن فمه ، قائلاً بصوتٍ متعب :

- تناولنا جميعاً الحلوى المجانية من البائع العجوز


وقبل إكمال كلامه ، أصابته نوبة سعالٍ مفاجئة ! 

وحاول المسعف جاهداً إنقاذه ، لكنه لفظ انفاسه الأخيرة وسط صرخات امه المنهارة 

***


في عزاءٍ جماعيّ أقيم في الحيّ الفقير لدفن 8 من اطفالهم ، أخبرت الأم الأهالي بما قاله ابنها قبل وفاته .. 


ووصل الخبر لرئيس الشرطة الذي أجرى اتصالاً مع صديقه المحقق ، مُعرباً عن شكوكه : 

- ما حصل يُشابه جرائم (جاك دايموند) الذي حقّقت معه قبل سنوات 

المحقّق إريك باستنكار : لكنه أُعدم ، على ما أظن ! 


رئيس الشرطة : هل تأكّدت من ذلك ؟ فأحدّ المارّة شهد أن البائع العجوز لديه أثر حرقٍ في يده .. والتشريح أثبت أن مصّاصات الكراميل مُختلطة بسيانيد البوتاسيوم .. وهي الطريقة ذاتها التي قتل بها جاك 17 طفلاً في الماضي ، كما لديه نفس العلامة في يده .. فهل هرب من السجن قبل إعدامه ؟

- سأتحقّق من الأمر

***


وفي تلك الليلة .. أخرج المحقق (اريك) صندوق المتهم جاك دايموند من إرشيفه ، لمراجعة ملفاته..


ومن تحقيقاته المطوّلة معه (بعد القبض عليه قبل سنوات) أخبره عن طفولته السيئة : فهو لقيط عاش بدار الأيتام حتى سن العاشرة .. ثم تبناه رجلٌ يملك مصنع حلوى ، جعله يعمل فيه بالمجّان .. وفي يوم حاول تذوّق قطعة حلوى ، فحرق يده بسيجارته (وهذه العلامة هي السبب في القبض عليه لاحقاً ، بشهادة الأطفال الذين نجوا من التسمّم) ..وبسبب سوء معاملة والده بالتبني ، هرب من منزله ..وبقيّ مشرداً طوال فترة مراهقته ، قبل عمله في مصنع كيماويّ في شبابه.. وحين سأله اريك عن سبب إرتكابه جرمه الأول : بتسميمه الأطفال في عيد الهالووين .. أجابه أنه اغتاظ من ضحكاتهم وسعادتهم المفرطة بأزيائهم المبهرجة السخيفة ..  وأطلق سراحه لاحقاً ، لأنه قام بخلط الزجاج المكسور مع مسحوق الحلوى ، مسبّباً نزيفاً في فمهم وجهازهم الهضميّ دون موت أحد ، ولذلك حُبس سنةً واحدة فقط .. واختفى بعدها لأعوام ، قبل قيامه بجرمه الثاني : بعد مروره بجانب حفل عيد ميلاد في حديقة منزل طفلٍ مدلّل مع رفاقه ..حينها خطرت بباله فكرة خلط السمّ الكيميائي بالحلوى ، والتنكّر بهيئة بائع حلوى ، مما أدّى لمقتل 3 اطفال .. ثم كرّر عمليته بمناطق اخرى ، الى ان قُبض عليه بعد سنتين بتهمة قتل 17 طفلاً .. فهل سيُضاف لسجّله مقتل الأطفال الثمانية بالحيّ الشعبي ؟ 

***


في الصباح .. إتصل اريك بالسجن المركزي الذين أكّدوا شنقهم للعجوز الإسبوع الماضي ، ودفنه في قبرٍ خارج اسوار السجن .. 

وبهذا الخبر ، سُجّلت القضية ضدّ مجهول ..

***


في الشهور التالية ، لم تحصل حوادث مشابهة بعد توعية الأهالي لأبنائهم بأخذ الحيطة والحذر من الغرباء ..


وبعد رأس السنة بأيام .. رفضت ام شراء الحلوى لإبنها ، بحجّة أكله الكثير من حلويات العيد .. فقال متضايقاً : 

- ليتني قبلت حلوى العجوز

فأوقت الأم سيارتها جانباً ، وسألته بقلق :

- عن من تتكلّم ؟!


((فأخبرها بأن عجوزاً اقترب منه البارحة اثناء لعبه مع اصدقائه في الشارع لإعطائه مصّاصة سكّرية ، لكن صديقه حذّرهم منه .. فابتعد العجوز غاضباً وهو يشتمهم بكلماتٍ بذيئة ، ورمى كيس حلوياته في الزبالة))

فطلبت الأم ان يدّلها على الحاوية التي رماهم فيها .. 


لكنها وصلت متأخرة ، بعد إفراغها من عمّال النظافة .. 

وقبل ابتعادها عن المكان ، لاحظت شيئاً ورديّاً خلف الحاوية الفارغة ! لتجد مصّاصة حلوى واقعة هناك .. 


فأسرعت بأخذها للشرطة وهي تقول :

- أمسكتها بالمنديل .. أظن بصمات القاتل مازالت عليها

***


وبالفعل وجد المختبر بصمة تعود لجاك دايموند ! 

وأوكلت الشرطة المحقق اريك لاكتشاف اللغز .. فسافر الى المدينة ، ومنها الى السجن المركزي الذي تؤكدّ سجلاّته بأن السجين أُعدم بالفعل .. 

ومع ذلك طلب اريك رؤية مسؤول الإعدام ، الذي حاول التهرّب من اسئلته! 


لكن بعد إصرار المحقق ، أخبره بارتباك : 

- كان المفترض ان يتواجد ثلاثة اشخاص عند تنفيذ الحكم في ساحة السجن الخارجية .. لكن الجوّ في تلك الليلة كان بارداً وعاصفاً ، والقاضي رفض تأجيل الحكم للصباح .. فلم يستطع صديقايّ البقاء في الخارج : فأحدهم يعاني من الربو ، والآخر لديه آلام مفاصل .. فقمت بشنقه وحدي .. لكن الحبل الرديء إنقطع بعد دقيقتين من انتفاضاته القوية 

اريك : الم تتأكّد من موته ؟

- كان وجهه مزرقاً ، وجسمه هامد .. فلم أشكّ بموته ، فهو كبير في السن 

المحقق : الم يتأكّد طبيب السجن من موته ؟

- كان سكراناً تلك الليلة  

اريك بسخرية : جميلٌ جداً ، ماذا حصل بعدها ؟

الموظف : ناديت حارسين لدفنه خارج اسوار السجن


المحقّق : هل حفرتم عميقاً ؟

- كان المطر على وشك الهطول ، فحفرنا متراً او مترين ..لا اذكر بالضبط .. وبعد ردمنا التراب فوقه ، عدنا سريعاً للداخل قبل تجمّدنا من البرد

المحقق اريك بحزم : خذني لمكان القبر

***


وفي خارج اسوار السجن .. طلب المحقق من الحارس نبش قبر المجرم ، ليتفاجأوا جميعاً بأنه فارغ !

الموظف بصدمة : اللعين ! هرب منا 

المحقق : وأظنه سرق ملابس منشورة في مكانٍ ما ، ليتخلّص من ملابس سجنه المخطّطة  

- هل تظنه عاد لمقرّه القديم بالغابة ؟ 

اريك : أرسلت دورّية قبل مجيئي الى هنا ، وأخبروني ان كوخه فارغ 

- ربما عاد لأهله او اصدقائه

اريك : هو يتيم ولا اصدقاء له 

- اذاً كيف صنع الحلوى ؟


اريك : آه صحيح ! المصنع .. 

الشرطي : أتقصد الذي عمل فيه بفترة طفولته ؟

اريك : نعم ، أظنه قريب من هنا 

- لكنه مهجور بعد موت صاحبه قبل سنوات 

المحقق : سنتأكّد من الأمر 

***


بعد ذهابهم الى هناك .. وجدوا القدر الكبير الذي يُستخدم لصنع الحلوى دبِقاً ، وهذا يعني ان المجرم استعمله منذ فترةٍ وجيزة .. لهذا مات الأطفال سريعاً : فهو عدا عن إضافته السمّ الكيميائي للحلوى ، إستخدم ايضاً ادواتٍ صدِئة ! 

كما وجدوا في مخزن المصنع ، فراشاً وبعض الملابس المهلّلة ! فعرفوا انه بات فيه ، قبل انتقاله للقرى المجاورة .. 


وقبل خروجهم من هناك .. أزال المحقق الوسادة العفنة ، ليجد تحتها دفتراً كتب جاك فيه : اعداد ضحاياه الذي قدّر أعمارهم .. ويبدو أن عددهم تجاوز المئة ! رغم انه حُوكم عن قتله 17 فقط .. 

فهل مات الكثير من الأطفال دون معرفة الأهل والأطباء السبب الحقيقي لوفاتهم ؟!  


وعلى مدار ايام ، بحثت الشرطة في محيط المصنع دون جدوى ..

***


بعد عودة المحقق الى منزله القرويّ ، وجد مسجّل هاتفه الأرضيّ مليئاً بالرسائل ، فضغط عليه اثناء عمله القهوة... ليسمع صوت طليقته تقول بفزع : 


الرسالة الأولى :

((اريك !! جون ليس بخير ، هو يتقيّأ كثيراً.. إتصل بي))

الرسالة الثانية :

((جاكلين إرتفعت حراراتها ايضاً ، ارجوك تعال الينا))

الرسالة الثالثة :

((سأنقلهما لمستشفى العاصمة .. فور سماعك رسالتي ، إلحق بنا))

الرسالة الرابعة :

((اللعنة عليك يا اريك !! لما لا تستمع لرسائلك ؟ اولادك يحتضرون !!!))

الرسالة الخامسة :

صوت طليقته وهي تنهج بالبكاء :

((لا داعي لقدومك ، جون وجاكلين ماتا مسمومين.. كم اكرهك يا اريك))


فوقعت القهوة من يده ، واتصل بطليقته وهو يرتجف بشدة ، لكنها لم تجيبه 

فأسرع لأخذ حقيبته التي لم يفرغها بعد ، وهو ينوي السفر اليهم ..


وقبل خروجه من الباب ، وصلته رسالة بصوت رجلٍ عجوز :

((تعازينا ايها المحقق .. ما كان عليك فتح الملفّات القديمة .. لوّ لم تنبش قبري ، لظلّ اولادك بخير))


فرفع اريك سمّاعة الهاتف ، وهو يصرخ بغضبٍ شديد : 

- جاك ايها الحقير !! سأقتلك بنفسي

- هذا إن وجدتني اولاً 

وأغلق المكالمة ..

***


فـأسرع اريك الى مركز الشرطة ومعه شريط المكالمات لمعرفة مصدرها ، ليكتشفوا أنه اتصل من كشك الهاتف العام بمنطقة قريبة من منزل طليقته 


ولاحقاً قامت الشرطة بعملية بحثٍ كبيرة هناك ، لكنهم لم يجدوا أثراً للعجوز الهارب ! 

***


بعد انتهاء العزاء .. ذهب اريك وحده لزيارة قبر ولديه ..

وبينما هو غارق بأحزانه ، إقترب منه ولدٌ فقير يعيش مع عائلته في المقبرة وهو يحمل مصّاصة حلوى ، ويسأله :

- سيدي ، هل تسمح لي بتناول حلّواك ؟

اريك باستغراب : حلوايّ !

- نعم ..أعطاني إيّاها العجوز قبل قليل ، وطلب مني توصيلها لك .. لكني أرغب في تذوّق مصّاصة الكراميل ، هل تسمح لي ؟ 


فأسرع اريك راكضاً الى خارج المقبرة ، لكنه لم يجد جاك هناك !  

فركب سيارته وأخذ يدور في محيط المقبرة ، الا ان العجوز اختفى تماماً  


وحين لفّ للمرة الثانية ، سمع صراخاً من داخل المقبرة .. 

فعاد الى هناك ، ليجد الأم تحمل صغيرها الذي ينتفض جسمه بقوة ، والرغوة البيضاء تخرج من فمه .. 

فعلم اريك إن الصغير تناول الحلوى المسمومة ، فنقله هو وامه للمشفى ..لكنه مات في الطريق ! 

 

وفي تقرير التشريح : وجدوا إن السمّ بالحلوى كان مضاعفاً عن المرّات السابقة ، فعرف انها رسالة تهديد من جاك  

***


وبسبب تلك الجرائم المتكرّرة ، تمّ توعية طلاّب المدارس والأهالي لمنع ابنائهم من أخذ حلوياتٍ مجانية من الغرباء ، خاصة من عجوز لديه أثر حرقٍ في يده او يلبس القفازات  

***


ومع مرور السنوات ، لم تتكرّر تلك الحوادث .. ولم يرى أحد جاك ثانية ، الذي ربما مات طبيعياً بعد إفلاته من العقاب عن جرائمه الوحشيّة ضدّ الطفولة ، والتي ظلّت محفورة بذاكرة الأهالي المكلومين للأبد !

***


ملاحظة : 

القصة مستوحاة من حادثة حقيقية لأب قتل ابنه واولاد آخرين بحلوى مسمومة في عيد الهالووين ، بنيّة حصوله على مال التأمين !

رابط الجريمة :

https://www.kabbos.com/index.php?darck=4074


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بطولةٌ يافعة

كتابة : امل شانوحة    سأجعلك فخوراً يا أبي في 16 أبريل 1945 .. بدأت القوات السوفيتيّة بشنّ هجومٍ على برلين (عاصمة الرايخ الثالث لإلمانيا الن...