تأليف : امل شانوحة
حب القراءة
في ذلك المساء الهادئ ، صرخ ولدٌ (8 سنوات) بعصبية :
- انا اكره معلمتي !!
امه مستفسرة : لما يا لؤي ؟!
- لأنها اعطتنا مهمّة قراءة قصة ما ، وتلخيصها بعد عطلة نصف السنة .. انها عطلة !! لما عليّ ان أقرأ ؟!
- القراءة تُنمي عقلك ومخيّلتك .. ثم لديك شهرٌ كامل ، لحلّ الواجب المطلوب .. اقرأ قليلًا كل يوم ، وستجد الأمر ممتعاً.. هيا قم واخترّ قصة من مكتبة والدك ..
- مازال لديّ وقت لفعل ذلك
الأم : على الأقل اخترّ كتابك ، قبل حلول موعد نومك
فبدأ بتصفّح القصص الموجودة بمكتبة صالة منزله ، بينما عائلته مجتمعة حول التلفاز ..
لؤيّ بتأفّف :
- جميع الكتب بلا صور ، ما هذا المللّ ؟!
وهنا سمع صوتاً غريباً خلف النافذة :
- طالما لا تحب الكتب… فسأجعل حياتك كتاباً
ليلمح ساحرةً عجوز ، تلوّح بعصاها نحوه .. وهي تضحك ساخرة !
وفجأة ! اختفت عائلته مع المكتبة .. ولم يبقى سوى كتابٌ ضخم أمام التلفاز المعطّل عنوانه : ((عائلة لؤيّ))
ففتح الكتاب بيدٍ مرتجفة ، ليجد مكتوباً في الصفحة الأولى :
((إهداء الى ابننا البكر : لؤيّ))
اتسعت عيناه ، وهو يفتح الصفحة التالية .. ليجد عبارة مكتوبة بخط يد امه (التي لطالما ساعدته بحلّ واجباته المدرسيّة) :
الأم : هي مقدّمة الكتاب ، فبها تبدأ كل الحكايات.
ثم وجد الملخّص :
الجد : هو حكمة السنين التي سأنقلها اليك في سطورٍ قليلة..
ومن شدة ارتباك لؤي ، فتح الصفحة الأخيرة من الكتاب الضخم ، ليجد الفهرس بخطّ يد والده :
الأب : هو من ينظّم فصول حياتك ، ويرشدك للطريق الصحيح
فبدأ بتصفّح الكتاب : ليجد ان كل فصلٍ يروي حكمة أو ذكرى أو موقفاً من حياة عائلته .. كأن الكتاب موسوعة أسريّة : تتضمّن قصصاً حزينة ومضحكة ، وكشف اسرار وتجارب سابقة لهم.. مع وجود رسمات لأخته الصغرى !
وقبل اخذ الكتاب لغرفته ، لبدء قراءة الفصل الأول .. لاحظ جملة تحذيرية ، مكتوبة من الساحرة :
((ستبقى عائلتك على قيد الحياة ، ما دُمت تقرأ كل يوم))
فسارع الاستلقاء في سريره ، لقراءة الكتاب ..وإزالة اللعنة ، لإعادة عائلته من جديد
قرأ بدايةً بصوتٍ مرتجف .. ثم بصوتٍ أوضح… ثم بحماس ، الى ان غلبه النوم
^^^
في الصباح.. اكتشف أن عائلته ما زالت مُختفية ، وباب منزله مغلقاً بإحكام!
لم يشعر بالجوع أو العطش ، كأنه مسجون داخل مهمّة واحدة : وهي إنهاء الكتاب الذي ما ان فتحه ، حتى لاحظ تجدّد صفحاته بقصصٍ مختلفة : كوصفة كعكة أمه المميزة ، وموقف طريف لوالده ، وذكرى قديمة لجده المحارب ، ورسومات مُعبّرة من أخته الصغيرة التي كان يتجاهلها سابقاً !
^^^
كل يوم…كانت صفحات أخرى تُضاف للكتاب الضخم !
وكل فصل يكشف له ، جانباً جديداً من حياة أحبائه..
ومع الوقت ، زاد شوقه لأسرته بعد شعوره بقيمتهم.. حتى تعوّد على القراءة قبل نومه .. ولم يعد يتذمّر من ضخامة الكتاب ، وكثرة القصص التي فيه
واستمرّ هكذا ، حتى مرّ شهر العطلة ..
حينها ظهرت الساحرة امام سريره ، وهي تقول بابتسامة :
- يبدو انك تعلّمت درسك يا لؤيّ .. فالكتب لا تسرق بهجة الحياة .. بل تُفهمنا كيف نعيشها ، من خلال الإستفادة من تجارب غيرنا
ثم لوّحت بعصاها ، قبل اختفائها من الغرفة .. مع ارتفاع صوت التلفاز بالصالة !
***
فقفز لؤي من سريره .. ليجد والداه وجده واخته يشاهدون مسلسلهم المفضل.. فصار يعانقهم بشوقٍ كبير ، وسط دهشتهم !
الأم : هل شاهدت كابوساً مفزعاً ؟ فأنت لم تنم اكثر من ساعة !
لؤيّ بدهشة : ماذا ! أيعني هذا إن عطلتي لم تنتهي بعد ؟!
اخته : لا اخي ، مازال امامنا شهر للعودة للدراسة .. هل نسيت ؟!
***
ومنذ ذلك اليوم .. صار لؤيّ اول من يفتح كتاباً في عائلته ، بعد اعتياده على قراءة القصص قبل النوم .. بل ويطلب ان تكون هداياه ، كتباً جديدة !
ورغم ان الساحرة الغامضة لم تعد تظهر في منامه .. الا ان مكتبة لؤيّ الخاصة ، أخذت تكبر كل يوم ، مع رجاحة عقله وتفكيره !

هذه القصة الأولى بعد العطلة .. وكل عام وانتم بخير
ردحذف