الثلاثاء، 2 نوفمبر 2021

التفاحة الفاسدة

فكرة : احمد محمد سنان
كتابة : امل شانوحة 

المخيّم الصحراويّ


وصلت الحافلة الصغيرة عصراً الى منزل الشاب مروان لنقله مع رفاقه الى الصحراء للتخييم بعطلة نهاية الإسبوع ..

ودخل الحافلة وهو يحمل عدّة التخييم ، وجلس في المقاعد الخلفية بعد سلامه على رفاقه الخمسة الذين يعرفهم منذ المرحلة الثانوية


وانطلقوا باتجاه الطريق العام ، وهم يرقصون على الموسيقى الصاخبة ويشربون الخمر .. فيما عدا صديقهم وليد الذي يقود الحافلة التي استأجرها لهذه الرحلة ، والذي قال لهم :

- حاولوا أن لا تسكروا ، فمازال امامنا نصب الخيام وإعداد الشواء 

سامي : نحن مدمني خمور ، لن نسكر من قناني صغيرة 

حسام : ماذا عنك يا وليد ، هل أحضرت المخدرات التي وعدتنا بها؟

وليد : هي معي ، سأعطيكم إياها في المساء.. ثم متى وعدّتكم بشيء وأخلفت وعدي ؟

سعيد : كلامك صحيح ، وبسببك أصبحنا مدمنين وفاسدين

وليد بلؤم : انا لم أغصبكم على تجربتها 

سعيد بتهكّم : أحقاً ، دعنا لا نفتح الدفاتر القديمة 


ثم عمّ الصمت بضعة دقائق ، قبل أن يقول مروان :

- أتدرون انني سأبلغ الأربعين الأسبوع القادم ؟

سامي : وانا بعد شهر 

ماجد : وانا بعد شهرين 

سعيد : جميعنا كبرنا بعد ضياع شبابنا بالمحرّمات

وليد بعصبية : بالله عليكم إسكتوا ذلك المتديّن !! 


سعيد : ليتني كنت صالحاً بالفعل .. اساساً قلت الحقيقة ، فمن منّا يعمل في وظيفةٍ جيدة ؟ ..لا احد طبعاً ، لأننا لم نحصل على الشهادة الثانوية ، ولم ندرس في الجامعات ، فمن سيوظّفنا دون شهادةٍ رسميّة

ماجد : رجاءً سعيد ، أجّل الندب للمساء 

حسام : نعم أجّل الملامة لبعد إستمتاعنا بالمخدرات .. وليد !! إرفع الموسيقى ودعنا نرقص دون تفكيرنا بهموم الحياة 


ورفع وليد الموسيقى ، ليرقص أصدقائه بغباء في ممرّات الحافلة الضيّقة غير مباليين بضياع مستقبلهم ! 

*** 


قبل غروب الشمس ، إنحرف السائق وليد عن الطريق العام للتعمّق في الصحراء .. وظلّ يقودها إلى أن انغرزت إطاراتها بالتراب ، موقفةً الحافلة في مكانها !

سامي معاتباً : ليتك سمعت كلامنا وتوقفت قبل ساعة

وليد : كنت أبحث عن الإشارة التي اقترحها ماجد

ماجد باستغراب : أيّةِ إشارة ؟!

وليد : الم تقترح علينا أن نخيّم قرب البئر المهجور ، كما فعلنا في مراهقتنا ؟

ماجد بدهشة : انا لم أقل شيئاً !


سامي : بلى ، انت ارسلت إقتراح التخييم الى (جروب واتساب) وجميعنا وافقنا عليه

ماجد : كان جوّالي معطلاً قبل يومين .. وحين أصلحته ، وجدتكم متفقين على كل شيء من دوني ! 

ففتح مروان جوّاله ليريه : أنظر يا ماجد ، اليس هذا رقمك ؟ انت من اقترحت الرحلة علينا  

ماجد بعصبية : قلت لكم !! جوّالي وقتها كان معطّلاً  

وليد : حسناً لا تتشاجروا ، فالبئر يبعد عنا امتاراً قليلة .. سنخيّم هنا ، وفي الصباح نحاول تحريك الحافلة.. هيا بنا !!

***


مرّت الساعات بسرعة ، بين نصب الخيام وإشعال النار وتحضير الطعام 


وبحلول المساء .. إحتفل الأصدقاء الستة بجمعتهم بعد غياب سنتين ، وأخذوا يتحدّثون عن مشاكلهم الإجتماعية : 

حيث أخبرهم سامي عن طلاقه بسبب عقمه .. وأطلعهم حسام على تفاصيل طرده من شركة العائلة ، لعدم إلتزامه بالمواعيد .. أما ماجد فأخبرهم عن خلافه القضائيّ مع إخوته على تقسيم الميراث .. وتحدّث سعيد عن تعثّر خطوباته المتعدّدة ، وإصرار والدته بتزويجه رغم انه عاطل عن العمل ..اما مروان فأخبرهم عن تعبه من الإهتمام بوالديه العاجزين ، وخروجه معهم للترويح عن نفسه ..

فقال وليد : يكفي يا شباب هذا القدر من الإكتئاب .. الآن تفضلوا !! أحضرت لكم صنفاً قوياً سيجعلكم تحلّقون بعالم الأحلام والسعادة


فأسرع كل واحدٍ منهم ببلع حبة المخدّر ، رغبةً في الهروب من واقعه الأليم 


ولم تمضي دقائق .. حتى علت ضحكاتهم ونكاتهم وهم يرقصون على الحان الموسيقى ، غير آبهين بوحشة المكان الذين علقوا فيه !

***


بحلول منتصف المساء ، سألهم حسام : 

- هل تظنون إن البئر المهجور الذي خلفنا ، تسكنه الجن والعفاريت؟

مروان : رجاءً لا تعد الى قصصك المخيفة ثانيةً

سامي بضيق : نعم أنت في كل تخييم تخيفنا بذات الموضوع ، إرحمنا يا اخي

حسام : فكروا قليلاً .. البئر مهجور منذ سنوات ، وأكيد إستوطنته الجن 

فوقف ماجد وهو يقول : لن أستمع الى هذه الأحاديث ، اساساً رأسي يؤلمني من المخدّر.. سأذهب لأنام

سعيد : وانا ايضاً ، تصبحون على خير 


وتوجّه كل واحدٍ منهم الى خيمته لينام .. وغفى بعضهم على الفور لعدم وجود الإنترنت في ذلك المكان المعزول ، بينما تقلّب الآخرون على فراشهم وهم يستذكرون الماضي بذاكرةٍ مشوّشة بسبب المخدّر الذي أوشك أثره على انتهاء من جسمهم  


وقبل إستسلامهم للنوم ، سمعوا صرخة مروان المدويّة :

- آخ ياللعين !! متّ يا قذر .. ساعدوني !!

 

فدخل الجميع الى خيمته ، ليجدوا عقرباً ميتاً قرب فراشه ! ومروان يمسك بأصبع قدمه وهو يتألّم بشدة

سامي بقلق : هل لدغك قبل أن تقتله ؟

مروان متألّماً : نعم ، وأشعر بحرارة في قدمي .. خذوني الى المستشفى فوراً

وليد : هل نسيت إن الحافلة عالقة في الرمال ؟!

مروان بخوف : رجاءً لا اريد الموت في الصحراء !

حسام : لما لم تضع القطران حول خيمتك ، كما فعلنا ؟

مروان صارخاً : وهل كنت في وعيّ !!

ماجد : لا وقت الآن للعتاب ، علينا إنقاذه


وكان حينها سعيد يتفحّص العقرب الميت بالعصا ، فسأله وليد : 

- انت خبير بالحشرات ، فهل هو سام ؟

فأومأ سعيد برأسه إيجاباً ، وهو يضع إصبعه على فمه كيّ لا يسمعهم مروان الذي يتلوّى بفراشه .. 

وقبل إستيعابهم الكارثة ، سمعوا عواء ذئبٍ يقترب من خيمهم ! فأسرع ماجد وسعيد بحمل مروان ، للحاق بالباقين الذين احتموا داخل الحافلة ..

***


في الحافلة .. نظروا من نوافذهم دون رؤيتهم الذئاب ! خاصة بعد إطفاء الرياح الباردة لنار مخيّمهم..

سامي : هل ترون الذئب ؟

سعيد : مازال عوائه يقترب منا .. هل تظنه ذئبٌ واحد ام قطيع ؟

حسام : عادةً الذئاب تمشي في مجموعات

وليد : ليتنا لم نختر هذا المكان

ماجد : انه مكاننا المعتاد قرب البئر المهجور ، وهذه المرة الأولى التي تصادفنا العقارب والذئاب !


حسام : انا لا استطيع البقاء هنا طوال الليل ، أكاد أختنق

وليد : إفتحوا النوافذ قليلاً ، لكن لا تخرجوا من الحافلة قبل شروق الشمس

سامي : لا أظنني سأتحمّل حتى الصباح ، اريد دخول الحمام

ماجد : لما انتظرت كل هذا الوقت ؟ 

سامي : كنّا منشغلين بإصابة مروان 


فالتفت الجميع نحو مروان المستلقي فوق المقاعد الخلفيّة للحافلة .. وتوجّه اليه وليد وهو يسأله : 

- كيف أصبحت ؟

مروان وهو يحسّ بالدوار : لا أشعر بقدمي ، كأنها مخدّرة تماماً

فقال حسام لوليد : أعطه حبة مخدّر لينام 

وليد : الحبوب التي معي قوية جداً ، ولن يتحمّل قلبه حبة أخرى .. هل بقيّ لدينا خمر ؟

ماجد : لا ، شربناها كلّها

مروان بألم : رجاءً وليد أعطني حبة مخدّر ، فحرارة رِجلي لا تطاق 


فنظروا الى إصبع قدمه ، ليجدوه مزّرقاً ومنتفخاً بشكلٍ مريب !

وليد : حسنا خذّ هذه ، لكن على مسؤوليتك

وبلع مروان الحبة وهو مازال يتلوّى بألمٍ شديد

***


بعد ساعتين .. إختفى عواء الذئب ، فقرّر سامي النزول لقضاء حاجته اثناء نوم رفاقه ..


ولم تمضي دقائق ، حتى علا صراخه من الخارج : أنقذوني !!

متزامناً مع صوت الذئب الذي بدى كأنه ينهش لحمه ! 


فحاول حسام الخروج لمساعدته ، لكن وليد أوقفه :

- إن خرجت ، لن ينقذك أحد !!

سعيد بخوف : لا تفعل يا حسام ، هناك قطيعاً من الذئاب في الخارج

حسام : وهل سندعه يموت ؟! .. دعوني أساعده !!

وليد بحزم : لن أجازف بفتح الباب لكما ، وصعود الذئاب الينا .. إبقى هنا!!


وظلوا يستمعون لصراخ سامي إلى أن اختفى تماماً ، فعلموا بموته .. وانهار بعضهم بالبكاء لإحساسهم بالذنب .. 


وحين توجّه ماجد للخلف لإخبار مروان بما حصل ، وجد عينيه شاخصتين ! فصرخ فزعاً : 

- مات مروان !! 

فتجمّعوا حوله ، بينما يحاول سعيد إنعاشه بالتنفّس الإصطناعي ..دون تحرّك مروان ، فعلموا بوفاته هو الآخر !


وليد صارخاً : قلت لكم إن قلبه لن يتحمّل حبة مخدّر ثانية !!

حسام : الا ترى قدمه المتورّمة ؟ لقد قتله سمّ العقرب 

ماجد : وماذا نفعل الآن ؟

وليد : نرميه خارج الحافلة

سعيد : هل جننت ؟!! سترميه للذئاب لتنهش جثته 

وليد : وهل تريده أن يتحلّل بيننا ؟

سعيد : لن يتحلّل بين يومٍ وليلة


وليد : غداً ترتفع حرارة الحافلة وقت الظهيرة ، وينتفخ جسمه على الفور .. عندها لن يطيق أحد رائحته الكريهة

سعيد : في الصباح الباكر تعود الذئاب لجحورها ، وحينها نخرج لدفنه بشكلٍ لائق

حسام : ندفن مروان .. وسامي ايضاً ، او ما تبقّى منه

وانهار باكياً .. 

فقام وليد بتغطية مروان بالملاءة ، وهو يقول : 

- إذاً ننتظر حتى الصباح لدفن الجثتين  


وجلس كل واحدٍ على كرسيه ، وهو يفكّر حزيناً بما حصل ..

***


بعد ساعة .. تفاجأوا بماجد يتوجه نحو الباب .. 

وليد : ماذا تظن نفسك فاعلاً ؟!

ماجد : عليّ الذهاب للحمام ، لم أعد أحتمل

حسام : هل جننت ؟!! أتريد أن تأكلك الذئاب ، كما فعلت مع سامي؟

ماجد : لم نسمع شيئاً منذ ساعة .. وأشكّ انه كان ذئباً واحداً ، فنحن لم نسمع عواء قطيعٍ من الذئاب


سعيد : حتى لوّ افترضنا إن الذئب ابتعد عن المكان ، فهل ستخرج بهذه العتمة ؟ 

ماجد : معي قدّاحة ، سأشعل حطباً وآخذه معي .. وإن اقترب الذئب ، أخيفه بالنار 

وليد : حاول أن لا تتأخّر بالعودة


وتوجّه ماجد نحو المخيّم وهو يتلفّت حوله بخوف .. وأشعل النار على عجل .. ثم أخذ الحطب المشتعل ، وابتعد خلف الشجرة اليابسة 


وبعد دقيقتين ، سمعوا صراخه المفزع ! 

فتجمّعوا حول النافذة ، ليروا ثياب ماجد مشتعلة ! وهو يركض متألماً باتجاه الحافلة .. وصار يطرق على زجاج الباب ، ليفتحوا له .. لكنهم تجمّدوا مكانهم ، خوفاً من إنتشار النار بينهم..

 

حسام بخوف : الجن أحرقته ، وأكيد تلاحقه .. لا تفتحوا الباب !! 

وليد : إن أدخلناه ، سيحرقنا جميعاً


وظلّ ماجد يطرق الباب ، إلى أن سقط دون حراك بعد تفحّمه بالكامل !

***


تركت تلك الحادثة أثراً مدمّراً بنفوس الشباب الثلاثة الذين شعروا بلعنةٍ تلاحقهم في المكان ، وهي تنوي قتلهم جميعاً .. ولم يعد سعيد ووليد يشكّكان بمخاوف حسام أن يكون جن البئر إنتقم منهم ، لإزعاجهم بالموسيقى العالية مع بداية السهرة ..


ورغم هذا فضّل سعيد ووليد النوم لتمضية الوقت ، على أمل النجاة في الصباح..دون انتباههما لما يفعله حسام الذي وجد نصف قارورة خمر بجانب مقعده ، فأخذ يشربها بهدوء كيّ لا يتشاركها مع صديقيه .. وكانت من النوع الثقيل الذي جعله يسكر على الفور ..فأسند رأسه الدائخ على النافذة وهو ينظر الى البئر المهجور 


وخلال لحظات تراءى له : فتاة جميلة ترقص على حافّة البئر بشعرها الطويل المنسدل ، وهي تشير بيدها ليلحق بها ! 

فاستغلّ نوم صديقيه لفتح الباب ، وتجاوز جثة ماجد المتفحّمة ، متوجّهاً للبئر الموجود خلف الخيام 


وهنا أحسّ وليد بلفحة هواءٍ باردة ! فاستفاق متعباً وهو ينظر لمصدر البرودة ، ليجد باب الحافلة مفتوحاً .. 

فأسرع لإقفاله .. ليتفاجأ بحسام يترنّح في الظلام ، متجّهاً نحو البئر 

فصرخ بعلوّ صوته : 

- الى اين انت ذاهب ؟!!


فاستيقظ سعيد فزعاً ، ونظر من النافذة .. ليرى حسام يطلّ لأسفل البئر (بحافّته المنخفضة) قبل سقوطه فيه ! 

فعلم وليد وسعيد بموته المحتّم ، لمعرفتهما المُسبقة بعمق البئر المهجور !


وليد بصدمة : لما انتحر الغبي ؟!! 

سعيد : ربما كلامه صحيح ! والجن التي تسكن البئر ، تنتقم منّا الواحد تلوّ الآخر


فتوجّه وليد لمقعد حسام ، رافعاً قارورة الخمر الفارغة :

- لا ليس الجن والعفاريت ، بل كان مخموراً 

سعيد : هل نخرج لنتأكّد من موته ؟

وليد : هل جننت ؟ بالتأكيد مات ..ولن نخرج من الحافلة قبل شروق الشمس 

سعيد : ومتى يحين الصباح ؟

فنظر وليد الى ساعته : مازال هناك ساعتين لبزوغ الفجر  

سعيد بضيق : هذه أطول ليلة في حياتي ! 

وليد : علينا البقاء هادئيّن ، إلى أن يمرّ الوقت اللعين


فسكت سعيد قليلاً ، قبل أن يقول بحزم : لا ، لن أفعل !!

وليد : ماذا تقصد ؟!

سعيد : لن انتظر هنا الى أن يحين أجلي ، سأنزل لأقاومهم 

وليد : تقاوم من يا مجنون ؟!

سعيد : الجن والعفاريت 

وأخرج سكينته الحربية من جيبه ، متجّهاً نحو باب الحافلة .. فحاول وليد إيقافه قائلاً :

- لا يمكنك قتلهم بالسكين يا متخلّف !! 

سعيد : سكينتي حادّة ، وستبعد شرّهم عني


وأبعد وليد جانباً ، ونزل راكضاً امام الحافلة .. الى أن اختفى في الظلام !

فظن وليد انه فقد عقله ، وأسرع بإقفال باب الحافلة وهو يفكّر بحلّ للخروج من هذا المأزق 

*** 


بعد نصف ساعة من إدارة المحرّك ، لم يستطع وليد تحريك الحافلة التي مازالت إطاراتها الخلفية غارزة في الرمال ..

فلم يكن امامه سوى حلٍ غير إنسانيّ ، للخروج من الصحراء المخيفة ..


فتوجّه للمقاعد الخلفية ، وحمل جثة مروان على كتفه وخرج من باب الحافلة ، متجنّباً الدوس على جثة ماجد المتفحّمة .. 

ووضع مروان اسفل الإطار الخلفيّ .. ثم جرّ ماجد من قدميه ، ووضعه أسفل الإطار الثاني الخلفيّ .. ثم عاد للحافلة لإدارة المحرّك ..


وكما توقع ، خرجت الحافلة من الحفرة بعد دهسها الجثتين !

فانطلق وليد بأسرع ما يمكنه باتجاه الطريق العام .. 


وبعد سيره امتاراً قليلة ، تفاجأ بجثة سعيد مقطوعة الرأس ! 

مما جعله يدوس على البنزين بقوة للهرب من الصحراء ، بعد تأكّده بوجود من يتربّص بهم سواءً من الإنس او الجن 

 

ليتفاجأ بسكينة موضوعة على رقبته من الخلف ! ..وشاهد رجلاً مقنّعاً من مرآته الأمامية وهو يأمره بإيقاف الحافلة !

فتوقف وليد على الفور ، ورفع يديه مستسلماً امام الرجل الذي ازال قناعه 

وليد بصدمة : صالح ! 

صالح : صعدتُ للحافلة اثناء إنشغالك بوضع جثتيّ صديقانا تحت العجلات لإنقاذ نفسك ايها الأناني ، وذلك بعد قيامي بذبح سعيد بسكينته الحادّة التي لطالما تفاخر بها امامنا

وليد : ولما قتلته ؟! 

صالح : انا لم أقتل سعيد فحسب ، بل جميع اصدقائنا .. 

وليد : لكن مروان مات بلدغة عقرب ، وسامي أكله الذئب ! 


صالح : أعرف هذا .. وكيّ لا أُشتّت تفكيرك ، سأخبرك القصة منذ البداية : ((كنت انا وأصدقائي الخمسة من الطلاّب الجيدين في الثانوية .. صحيح لم نكن متفوقين ، لكننا نجحنا كل سنة .. ثم التحقت انت بمدرستنا ..ولأنك طالبٌ جديد ، صاحبناك كيّ لا تشعر بالغربة بيننا .. وكيف ردّيت انت الجميل ؟ أعطيتنا المخدّر على أنه دواء يساعدنا على السهر وقت الإمتحانات ..وبسببك أدمنا عليه ، وأهملنا دراستنا وديننا وأهلنا بعد أن أصبحنا فاسدين))

وليد : انا لم أجبركم على تقليدي !

صالح : كنت التفاحة الفاسدة التي دمّرتنا جميعاً 

- طالما انا عدوك ، فلما قتلت اصدقائك ؟  

- لأن كل مرة أترك فيها المخدّر ، ترسل أحد اصدقائي لإعادتي الى مستنقعك القذر .. لهذا انتقمت منكم جميعاً ، أتريد معرفة كيف اصطدّتكم كالفئران ؟

فأومأ وليد برأسه إيجاباً ، وهو يرتجف خوفاً .. 


صالح : حصل ذلك صدفةً بعد مروري بمحل قريبي للجوّالات ، فوجدته يُصلّح جوّال ماجد ، عرفته من إطاره البرّاق .. فطلبت من قريبي إحضار شطيرة لي .. وبعد خروجه من المحل ، ارسلت إقتراح التخييم امام البئر المهجور في جروب صداقتكم ، بعد أن أخرجتموني منه قبل سنة .. 

وليد : أنت خرجت بطلبٍ من والدك ، هل نسيت ؟ 


صلاح : دعني أكمل القصة دون مقاطعتي .. (وسكت قليلاً).. في الوقت المحدّد ، سبقتكم الى هنا .. وحين وصلتم ، بدأت تنفيذ خطتي في المساء .. وانتظرت دخولكم الى خيمكم .. بعدها أخرجت عقرباً ساماً من المرطبان ، وأدخلته خيمة مروان لعلمي بخوفه من الحشرات .. اما الذئب !! فربّيته منذ صغره ، حتى أصبح صديقي الوفيّ .. ثم قمت بتجويعه ثلاثة ايام ، قبل إطلاقه على سامي.. اما ماجد ، فلم أتعب بقتله بعد رؤيته يتوجّه نحو مخبأي خلف الشجرة وبيده جذوةً مشتعلة .. وكان بيدي خمراً ، جلبته معي لخطتي القادمة .. فرميت نصفها على ناره التي توقّدت بقوة ، جعلته يرتبك ويُسقط الشعلة على ملابسه .. ويبدو إن الرياح ساعدت بحرقه بالكامل .. مع اني توقعت أن تنقذوه ايها السفلة ! .. ثم جاء دور حسام .. ولمعرفتي بعشقه للخمور ، كما أفكاره الغبية بشأن الجن والعفاريت ، وخوفه الدائم من البئر المهجور .. وضعت ما تبقى من الخمر فوق كرسيه ، اثناء إنشغالكم بحريق ماجد .. وراقبته وهو يشرب القارورة بأكملها ، بعد إطفائكم أنوار الحافلة .. وكنت اخترت خمراً قوياً لتسيهل مهمّتي التالية : وهي لبسي الفستان الأحمر ، بعد وضع الشعر الطويل فوق رأسي .. ثم رقصي على حافّة البئر المنخفضة .. وفور خروجه من الحافلة ، إختبأت خلف الشجرة اليابسة .. لعلمي انه سيطلّ من البئر بحثاً عن الفتاة ، وسيتكفّل سِكره بإسقاطه للأسفل كما توقعت ..اما سعيد !! فلحقته سريعاً ، لأجده يصرخ وهو يهدّد الجن بقتلهم ! فضربته بالعصا على مؤخرة رأسه بقوةٍ أوقعت السكينة من يده .. فقرّرت تجربتها ، فهو لطالما تفاخر بحدّيتها امامنا.. ومعه الحقّ بذلك ، لأني تمكّنت بها من فصل رأسه عن جسده بسهولة .. ثم أسرعت للإختباء في الحافلة قبل ابتعادك عن المكان .. والآن جاء دورك في العقاب !!

وليد : لحظة ! قبل أن تقتلني ، إفهمني سبب كرهك لنا لهذه الدرجة ..فنحن لم نلمّ بعضنا على فشلنا ، كما فعلت انت  


فتنهّد صالح بضيق ، قبل أن يقول : 

- مات ابي بحادثٍ مروريّ بعد توصيلي الى المصحّ ، لعلاجي من الإدمان .. أتدري آخر كلمة قالها قبل موته : ((انا غاضبٌ عليك دنيا وآخرة)) .. وبعد تعافيّ من المخدرات ، رفضت عائلتي إستقبالي ! واضّطررت لإستئجار غرفة حقيرة ، عشت فيها خلال طردي من عملٍ تلوّ الآخر.. لهذا حين رأيت جوال ماجد في محل قريبي ، عرفت انه لن يهدأ بالي قبل الإنتقام منكم .. والآن جاء دورك ايتها التفاحة الفاسدة !! 


وليد وهو ينظر للسكينة الحادّة برعب : هل ستذبحني ؟!

- لا ، اريدك أن تتمنّى الموت ألف مرة ..هيا أخرج من الحافلة!!

- لكننا وسط الصحراء !

صالح : بالضبط !! سأتركك وحيداً هنا ، بعد أن تعطيني كل ما في جيبك من مالٍ وجوال وحتى هويّتك .. اريدهم حين يجدوا هيكلك العظميّ ، أن لا يعرفوا من تكون ..هيا أخرج ، قبل أن أطعنك حتى الموت !! 


فنزل وليد من الحافلة التي قادها صالح مسرعاً باتجاه الطريق العام الذي يبعد اميالاً عن المكان الذي رماه فيه.. حيث ظلّ وليد يطلب النجدة في الظلام وهو يمشي دون وجهةٍ محدّدة ، حتى ضاعت صرخاته وسط الصحراء القاحلة !  

هناك 5 تعليقات:

  1. أخبرني الأخ (احمد سنان) عن قصةٍ حقيقية قرأها قديماً بالإنترنت : عن شباب مدمني مخدرات تابوا بعد رؤيتهم الذئب يأكل صاحبهم في رحلة تخييمهم بالصحراء ، وطلب مني تحويلها الى قصةٍ واقعية .. أتمنى أن أكون توفّقت في ذلك

    ردحذف
  2. قصة مبدعة جدا ورائعة تستحق أن تكون فيلم سينمائي تحياتي لك استاذة امل وللاخ سنان

    ردحذف
  3. وانا عندي أفكار منها واقعي أن احببتي اناقشها معك وتنظميها بقصة

    ردحذف
    الردود
    1. إرسلها لإيميل المدونة ، موجود الرابط اعلى الصفحة

      حذف
  4. حلوه القصه ...طالما احببت الافلام من نوع هذه القصه

    ردحذف

الصداقة الأبديّة

تأليف : امل شانوحة  التعلّق المرضي إلتحق جاك بالمدرسة المتوسطة في منتصف العام .. وحين نزل الى قاعة الطعام ، لاحظ طالباً يأكل وحده بوجهٍ حزين...