الأربعاء، 20 مارس 2019

إنهيار مبنى

تأليف : امل شانوحة

اين سنعيش الآن ؟!

في حيٍّ شعبيٍّ فقير , وفي منتصف الليل .. إستيقظ سكّان العمارة على صوت البوّاب وهو يطرق بهستيريا على ابواب شققهم , صارخاً بفزع : 
- إستيقظوا , المبنى سينهار !! إنزلوا فوراً الى الشارع .. بسرعة !!!

وكان المبنى مكوّناً من اربعة أدوار : كل دور فيه شقتين .. بالإضافة الى منزل البواب وعائلته ..

تسع عائلات تسكن هذا المبنى القديم المتهالك .. وفي هذه الليلة , لاحظ حارسها تصدّعاً هائلاً لإحدى أعمدتها الرئيسية ! فما كان منه الا ان أخرج زوجته واولاده الثلاثة الى الشارع , قبل صعوده الطوابق الأربعة لتنبيه بقيّة السكّان ..

وتجمّع الناس حول المبنى , بعد سماعهم لصرخات زوجة البوّاب المرتعبة التي منعت اولادها من اللحاق بوالدهم ..

وكان يسكن في الطابق الأول : رجلٌ أرمل مع ابنه 6 سنوات .. وفي الشقة المجاورة له : يسكن عجوزٌ لوحده .. 
وقد إضّطر الرجل لكسر باب العجوز الأصمّ ومساعدته لنزول الأدراج , بينما امسك طفله بملابسه وهو مازال نعساً 

اما في الطابق الثاني : فكانت شقة والدين , كانا زوّجا ابنهما الوحيد قبل شهور .. وبدورهما طرقا كثيراً على باب جارهم (المعروف ببخله) .. لكنه لم يفتح لهما الباب , فظنّا بأنه مازال في دوامه المسائيّ .. ونزلا الأدراج بأسرع ما يمكنهما , رغم معاناتهما من البدانة وآلام المفاصل  

في الطابق الثالث : أسرعت أم بحمل طفلها 3 سنوات , وإمساك يد ابنتها 9 سنوات .. وركضوا للأسفل بعد تساقط الأتربة عليهم من سقف شقتهم .. ولم تبالي بتنبيه جارتها بوسي (سيئة الخلق) التي عادةً تكون في البار بهذا الوقت المتأخّر .. كما لم تسمع بكاء طفل بوسي , لِذا ظنّت بأن الشقة فارغة بعد ان حملته الخادمة الى الشارع .. 

اما في الطابق الرابع والأخير : فيعيش شاب جامعي لوحده .. وفي الشقة المقابلة له : تسكن عائلة مكوّنة من والدين وابنٌ في العاشرة وفتاةٌ مراهقة ..جميعهم كانوا من الناجيين ..
***

تجمّع السكّان اسفل عمارتهم , مع وصول اول سيارة شرطة استطاعت إبعاد الحشود عن المبنى المتهالك .. 

في هذه الأثناء.. وصل الجار البخيل الى العمارة , ليتفاجأ بالخبر ! وإذّ به يسرع كالمجنون بصعود الأدراج نحو منزله لإنقاذ ماله المُخبأ داخل خزنته , الذي جمعه خلال سنواتٍ من دواميه المرهقين الصباحيّ والمسائيّ .. ولم تستطع الشرطة اللحاق به , بعد ازدياد ميلان العمارة نحو الأمام !

فأسرع الشرطي بسؤال البوّاب : هل هناك أحدٌ غيره في المبنى ؟ 
فنظر البواب سريعاً للجيران الذين كانوا يبكون على منازلهم التي أوشكوا على خسارتها .. وأجاب الشرطي : 
- انا لا ارى فتاة الليل التي تسكن الطابق الثالث مع طفلها ! وهذه السيدة هي جارتها بنفس الطابق 

فأسرع الشرطي نحوها وسألها ان كانت رأتها , فأجابته بخبث :
- نعم نزلت قبلي مع طفلها .. ورأيتها تركب التاكسي قبل قليل

وهي كذبت لأنها ارادت التخلّص من تلك السيدة الفاسدة , خوفاً على ابنتها الصغيرة التي وجدتها ذات يوم في شقتها وهي تعلّمها الرقص , مما أدّى الى شجارٍ عنيف بين الجارتين .. 
***

وفي الوقت الذي انتظر فيه الجميع خروج البخيل من المبنى الذي بات على وشك الإنهيار , غافل الولد الصغير اباه (الأرمل) وركض بسرعة باتجاه المبنى بعد تذكّره لقطته التي نساها بالمنزل  
وحاول والده اللحاق به , لكنه سقط مغشياً عليه بعد سقوط إحدى الشرفات فوق رأس ابنه , لتسحقه على الفور ! 

وقبل ان يستوعب الجميع ما حصل , إنهار المبنى تماماً ليتحوّل بثوانيٍ الى جبلٍ من الركام , وسط صراخ وبكاء سكّان العمارة المتهدّمة ..
***  

وخلال ساعاتٍ قليلة .. تجمّع الصحفيون ورجال الشرطة والإسعاف , بالإضافة الى جرّافةٍ ضخمة وكلاب بوليسية في محاولة لإنقاذ الجار البخيل العالق هناك .. او بالأرجح إخراج جثته , مع أشلاء ابن الأرمل من تحت الشرفة المنهارة .. 

وفجأة ! صرخ الشرطي على الناس المتجمّهرة هناك :
- اسكتوا جميعاً !!! فهناك شخصٌ حيّ تحت الركام !
فصمت الجميع ! ليظهر صوت بكاءٍ مكتوم لطفلٍ صغير ..

البواب بدهشة : يا الهي ! أظنه طفل بوسي  
ثم وجّه كلامه لجارتها : ألم تقولي انك شاهدتها تنزل مع ابنها لأسفل العمارة ؟!
فنظر الجيران اليها بحنق , فأجابت بارتباك : 
- ظننتها في العمل , وأن خادمتها أنقذت الطفل !
فقالت لها زوجة البواب بعصبية : هي لم تذهب للبار اليوم , وخادمتها في إجازة  
السيدة : لم اكن أعرف ! فأنا لم اسمع بكاء ابنها , رغم الإهتزاز العنيف للمبنى 
فقالت زوجة البواب : لأن امه السكرانة عادةً ما تسقيه منوّماً قوياً , هذا ما أخبرتني به الخادمة .. ورغم كرهنا جميعاً لأخلاقها السيئة , لكن لا يحقّ لك ان تكذبي على الشرطة وتوقفينهم عن إنقاذ طفلٍ بريء !
فتمّتمت الجارة بازدراء وبلا مبالاة : هو بالنهاية طفلٌ غير شرعيّ 

الغريب انهم أخرجوا الطفل سليماً من تحت الأنقاض , مع إصابته ببعض الخدوش الغير خطيرة ! اما امه , فلم يعثروا الا على جزء من جمّجمتها المهشّمة 

وبعد ساعتين .. وجدوا نصف الرجل البخيل وهو يحتضن خزنته الحديدية التي انكسر بابها بفعل الأنقاض , لتتطاير بقايا امواله الممزّقة في الهواء  وتتبعثر فوق الركام !

اما طفل الأرمل , فقد سحقته الشرفة تماماً ..ولم يجدوا من أشلائه , سوى عظمة ساعده الأيمن !
***

حلّ الصباح , ومازالت الشرطة تطوّق المكان .. بينما ذهب الناس الى اعمالهم وبيوتهم , تاركيّ جيران العمارة المنهارة في حيرةٍ من أمرهم بعد خسارتهم لسكناهم , وهم يفكّرون بمكانٍ آخر يأوون اليه 

أتدرون مالذي حصل لهم ؟ .. سأترك البوّاب يخبركم ببقيّة القصة 
*** 

مرحباً .. انا عثمان ..حارس البناية المنكوبة .. في ذلك الصباح المشؤوم , أخذتنا الشرطة لنبيت في جامع قيد الإنشاء , بعد ان تكرّم علينا الناس ببطانيات وغيارات للأولاد , مع سندويشة فلافل لكل واحداً منا .. 
وجلسنا هناك ونحن مصابون بالذهول ! حتى اننا لم نتكلّم كثيراً في الموضوع .. بينما كان اولادنا يلعبون في ارجاء الجامع الفارغ .. 

وكان اول الخارجين من هناك : عائلة الطابق الرابع .. حيث قامت ابنتهم الصبية بعملٍ بطوليّ .. حين استغلّت نوم اهلها ظهراً , لتذهب الى محل العجوز(ميسور الحال) وتخبره بأنها قبلت الزواج منه (بعد ان كانت رفضته سابقاً) بشرط ان يجد بيتاً مفروشاً لأهلها , وبأسرع وقتٍ ممكن .. 

ورغم اعتراض والديها الا ان إمام الجامع قام بتزويجهما امامنا , بعد ان سلّم العجوز مفاتيح إحدى شققه المفروشة لعائلتها كمهرٍ لها  
وخرجت العروس باكية من المسجد .. تتبعها عائلتها والألم يعتصر قلبهم , لكنهم ايضاً فخورين بتضحية ابنتهم العظيمة ! 
***

وفي اليوم التالي لنا بالجامع .. ودّعنا الشاب الجامعي الذي قرّر الإلتحاق بالعسكرية بعد تخليه عن حلم الدراسة , فكل شهاداته واوارقه الرسمية دفنت تحت الركام !

اما طفل السيدة اللعوب (التي ماتت في إنهيار المبنى) : فقد قامت سيدة ثريّة بتبنيه بعد سماعها قصته من الأخبار ..وربما كان المحظوظ الوحيد بيننا

اما جارتها , فقد تمكّنت بعد اسبوعين من تشرّدنا من إيجاد عملٍ كخادمة في إحدى فللّ الأثرياء الذين رفضوا إستقبال ولديها ! ممّا اضّطرها لوضعهما في دار الإيتام , وزيارتهما مرة كل شهر .. 

وفي يوم التقت مع زوجتي في السوق وأخبرتها : بأن القدر يعاقبها على تركها لبوسي تموت هناك , فلربما كارثة الإنهيار كانت سبباً في هدايتها.. من يدري ! 

اما العجوز الأصمّ الذي سكن الطابق الأول : فقد توجّه بنفسه الى دار العجزة ليأسه من الحياة , بعد إنهيار شقته التي فيها كل ذكرياته مع زوجته المتوفاة

اما الوالدان من الطابق الثاني : فعاشا عند زوجة ابنهما التي تضايقت كثيراً من وجودهما , بحجّة انها عروس جديدة ومن حقها ان يكون منزلها لوحدها .. ولم يمضيا شهراً عندها , حتى أصيب الوالد بأزمةٍ قلبية .. وكنت انا آخر من زاره , وقد شكا لي ضعف شخصية ابنه الذي خيّب أمله بعد وقوفه المتكرّر مع زوجته , حتى انه لم يعاتبها حين قالت لهما : ان موتهما في شقتهما تلك الليلة , كان أفضل لهما ! .. وبعد مراسم الدفن والعزاء , إنتقلت الأم الى منزل صديقتها العانس , وعاشا سوياً هناك .. وهذا آخر ما عرفته عنهما 

اما جارنا الأرمل الذي فقد ابنه الصغير امام عينيه , فصار مُلقّباً لدى  الجميع : ((بمجنون الخرابة)) .. حيث يضع عظمة ساعد ابنه المتفحّمة والمتعفنة كعقدٍ حول رقبته , وينام فوق اطلال المبنى المُهدّم .. ويعيش على صدقات الناس وبقايا طعامهم !

اما انا .. فقد عدّت مع عائلتي الى قريتي للعمل مجدداً في الفلاحة , بينما تقوم زوجتي وابنائي برعاية الماشية , بعد ان ضاعت احلامنا بحياةٍ أفضل في المدينة ..

وكما رأيتم .. تسع عائلات تبعثرت حياتهم في ثوانيٍ بعد انهيار المبنى , فيالها من حياةٍ هشّة التي نعيشها ! 
لذلك إن كنتم محصّنون في بيوتكم , فاحمدوا الله ألف مرة .. فهناك آلاف العائلات تنام في عماراتٍ وبيوتٍ متهالكة , واضعةً مصيرها وأحلامها ومستقبلها على حافة الهاوية , متأمّلين بأن لا يتشابه قدرهم مع الذي حصل معي ومع سكّان عمارتنا المنكوبة .. لكن العيش على هامش الحياة سيبقى دائماً صعباً ومخيباً للآمال !  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الوسيط الروحيّ

تأليف : امل شانوحة الطفل المعجزة ! عادت ناديا الى قريتها بعد وفاة زوجها , برفقة ابنها لؤيّ (12 سنة) ..  وفي أحد الأيام .. زارتها ج...