الأحد، 1 فبراير 2026

رسالة العاشق الهارب

 تأليف : امل شانوحة

توأم الروح


((إلى روحي المنفصلة عني…

لا تظني أنني نسيتكِ يوماً ، او أن البعد خفّف شوقي اليك .. فأنتِ آخر ما يخطر في بالي قبل النوم ، وأول فكرة توقظني صباحاً.. حتى في ذرّوة انشغالي ، يكفي لحنٌ عابر أو موقفٌ بسيط ليعيدني إليكِ ! كأن ذاكرتي تعاقبني على تردّدي باتخاذ قرارٍ بشأن علاقتنا البريئة 


لطالما كنتُ رجلاً عنيداً مكابراً ، اعتدتُ تحمّل متاعب الحياة بصمت.. فطفولتي علّمتني أن لا أطلب عوناً من أحد.. وبذلك كبرتُ دون ثقتي بالعالم ، مؤمناً أن كل علاقة تحمل مصلحةً خفيّة ! 

 

وحين التقيتُكِ ، أربكتِ كياني .. وأخافتني براءتك وثقتك العمياء بي ، فظننته قناعاً آخر عليّ الهرب منه قبل تحطيمكِ قلبي .. 


ومع الوقت فهمت انك لست بساحرة او قارئة أسرار ، بل توأم روحي التي تواصلت مع طفلي الداخلي دون استئذان ! 

أدركت ذلك مُتأخراً بعد استهانتي بمشاعركِ النبيلة التي جعلتني أندم على كل لحظةٍ عشتها بعيداً عنكِ ، وكل محاولةٍ يائسة للبحث عن بديلٍ لا وجود له. 


واليوم أقف حائراً : هل ما زال مكاني محفوظاً في قلبكِ ، أم صرتُ ذكرى رجلٍ جبان تخجلين من معرفته ؟  


إن قبلتِ عودتي : فأعدكِ أن أكون زوجاً مخلصاً صادقاً ، وسنداً لكِ مدى الحياة 

وإن رفضتِ مسامحتي : سأتفهّم قرارك بالهجران 

لكني أطمع بطيبة قلبك الذي وقعت في غرامه للأبد))


كانت هذه رسالته المئة التي لم يحذفها كسابقاتها .. بل ضغط بيده المرتجفة على زر الإرسال .. تاركاً مصيره بيد امرأة غابت عنه خمس سنوات ، ولم تغبّ ثانية عن تفكيره ! 

***


في هذه الليلة ..لم ينم جيداً بعد فتح بريده كل خمس دقائق ، وهو يتخيّل كل ردودها الممكنة : 

شتيمة تكسر ما تبقى من غروره ، شماتة موجعة بعد عودته نادماً ، خبر خطوبتها التي ستُشعل غيرته… أو الأسوأ : صمتٌ طويل يُعلن حذفه من حياتها ، كما فعل سابقاً ! 

***


وجاء ردّها صباحاً : 

((أعرفك منذ عشر سنوات ، وافترقنا قبل خمس سنوات .. يعني لوّ كنتُ مخطوبة لسلحفاة ، لكان لديّ ثلاثة أبناء الآن)) 

وأرفقت الجملة بوجهٍ ضاحك..


فانشرح قلبه لأول مرة منذ سنوات ، كأن جبلاً انزاح عن صدره ! 

وارسل قائلاً : 

((كنتُ حصاناً مكسور القدم ، أنتظر إعدامي.. أما الآن ، فلا شيء سيوقفني.. أنا قادمٌ إليكِ ، وخاتم الخطوبة في جيبي.. إنتظريني يا توأم روحي)) 

***


بعد أسبوع .. وجدته واقفاً أمام عمارتها ، وهو يقول بحماس :

- هآقد أتيت !! 

نظرت إليه مذهولة :

- لم أعطك العنوان ! هل تعمل في المخابرات؟

ابتسم بثقة : لا شيء يمنعني من الوصول إليكِ.


فضغطت زر المصعد وهي تحذّره : 

- بالمناسبة ، أخي عندنا .. وإن رآك ، ستعلق معي للأبد.. ما زالت لديك فرصة للهرب.

فهزّ رأسه نافياً :

- لا ، تعبت من نكران قدري .. وجئتُ لأخذكِ معي.. فتجهّزي يا عروس.


وحين وصلا إلى الشقة ، قالت بابتسامة : 

- حسناً ، تذكّر انني حذّرتك.. ابقى هنا ، ريثما أخبر أمي وأخي أنني عدتُ من السوق … ومعي عريسٌ متهوّر.


استقبلته عائلتها .. ناقشوه وسألوه ، واختبروه.

فوافق على كل طلباتهم دون تردّد ! 

***


ورغم أن معرفتهما امتدتّ لسنوات الا ان زواجهما جاء سريعاً ، كأنه سباقٌ مع الزمن ! مُفاجآن الأقارب والأصدقاء بعرسهما اللطيف .. قبل سفرها معه إلى بلدته ، لبدء حياةً جديدة .. تعويضاً عمّا سرقه العناد والتجاهل من اعوام حياتهما ! 

فالحب إن كان صادقاً ، فهو حتماً يستحق فرصةً أخرى 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

رسالة العاشق الهارب

 تأليف : امل شانوحة توأم الروح ((إلى روحي المنفصلة عني… لا تظني أنني نسيتكِ يوماً ، او أن البعد خفّف شوقي اليك .. فأنتِ آخر ما يخطر في بالي ...