الخميس، 14 مارس 2019

واجه ماضيك

تأليف : امل شانوحة


 
عقدنا النفسيّة المدمّرة 

امتلأت قاعة الإنتظار بالمرضى في عيادة الطبيب سليم , أمهر الأطباء النفسيين , رغم ان هذا النوع من العلاج غير مُستحبّ في البلاد العربية ! لكنه أصبح مشهوراً بعد ان ذيّع صيته بقدرته على علاج العقد النفسية والإضطرابات العاطفية بجلسةٍ واحدة للتنويم المغناطيسي ! وارتفعت سمعته بعد نجاحه في إقناع العديد من الأزواج بالتخلّي عن فكرة الطلاق , مُنقذاً بذلك أطفالهم من خطر التفككّ الأسريّ .. 
***

وفي ظهر هذا اليوم .. دخل الشاب أحمد متردّداً الى العيادة , لعلاج مشاكله العاطفية المتأزّمة .. واستلقى على الكنبة , بناءً على اوامر الدكتور سليم الذي سأله : 
- ماهي مشكلتك بالضبط ؟
فأجاب الشاب بنبرةٍ حزينة : دائماً أبعد احبائي كلما اقتربوا مني 
- وهل تقوم بذلك دون إرادةٍ منك ؟
أحمد : نعم , ولا أدري ما السبب ! فأنا أغضبهم بأيّة طريقة لإبعادهم عن طريقي , رغم انني أتوق للقياهم ! وبسبب ذلك إنفصلت عن العديد من الصداقات .. لكن هناك علاقة كسرت قلبي , بعد ان خسرت فتاة أظنها توأم روحي 
الطبيب : ما اسمها ؟
- رؤى
- حسنا فهمت المشكلة .. اريدك ان تغمض عينيك وتسترخي تماماً , وسأقوم بالعدّ الى الرقم 7.. سأبدأ : 1 – 2 – 3.....7 .. انت الآن في نومٍ عميق

وفي اللحظة التي غفى فيها الشاب .. قام الطبيب بتسليط نور جهازه السرّي (الذي أخرجه من الخزانة) على رأس المريض , لتخرج ذكرياته كفيلمٍ قصير على شاشة الحائط ..
فبدأ الدكتور سليم يشاهد أهم اللحظات السعيدة والسيئة التي مرّت في حياة أحمد :
الذي يبدو انه عاش طفولةً سعيدة في ظلّ والدين حنونين وأخوة اكبر منه سناً .. وفي المدرسة كان طالباً نجيباً ومميزاً , حظيّ بالكثير من الأصدقاء , خاصة الفتيات  .. لكن بعمر التاسعة , حصلت له اول صدمة في حياته ! حيث شاهد الدكتور على الشاشة : والد أحمد وهو يحمل ابنه البكر (المراهق) الذي وقع على الأرضيّة دون حراك , وأسرع به للمستشفى ..ثم مضى وقت العزاء ثقيلاً على أحمد , أثّر كثيراً على تركيزه الدراسيّ 

ثم مرّ الفيلم سريعاً , الى ان توقف عند صدمة أحمد الثانية بعد وفاة والده , عقب دخوله الجامعة  ..مما جعله يهتم أكثر بالرياضة والطعام الصحيّ .. كما زاد تعلّقه بأمه وأخيه واخته الأكبر سناً , فهو آخر العنقود 

واستمر فيلم حياته بشكلٍ متسارع , الى ان توقف عند الحادثة التي تسبّبت في عقدته الأساسية : وهي خوفه من الإرتباط العاطفيّ .. بعد وفاة خطيبته قبل شهرين من زواجهما , إثر حادث سيارة .. ويبدو انهما كانا على خلافٍ قبلها ! 

وقد أدّى موتها المفاجىء الى ارتباكٍ كبير في حياته , جعلته يهمل واجباته العائلية والدراسية والعمل , كما صحته بعد إكثاره من الشرب .. والأسوء ان رفقاء السوء نصحوه بالعلاقات العابرة لنسيان حبيبته .. وبدوره انغمس بالملذّات من شدة يأسه .. ولخوف عائلته عليه من الضياع , قاموا بتسفيره الى الخارج 

من بعدها بدأت مرحلة جديدة من حياته في الغربة , لكن ما ان بدأ يتعوّد عليها حتى أصيب بعارضٍ صحيّ مفاجىء , حيث لم تنفع الأدوية العادية لعلاج صداعه المستمرّ .. فأخبره الطبيب انه مصاب بصداعٍ نصفيّ سيعاني من اعراضه طوال حياته .. لكن الأمر الجيد بالموضوع انه التقى بزوجته الأجنبية التي تعمل في المستشفى كطبيبة اطفال .. وقد لاحظ الطبيب سليم على الفور (من الشاشة) : التشابه الكبير بينها وبين خطيبة أحمد المتوفاة ! وربما لهذا استعجل بالزواج منها خلال شهرٍ واحد .. 

ثم عُرضت السنوات اللاحقة لأحمد في خلال ثوانيٍ مرّت بالشريط : كبرت فيها ابنته المدلّلة على قلبه , التي أسماها على اسم خطيبته السابقة 

لكن ظهر ايضاً على الشاشة : انه خان زوجته أكثر من مرة مع فتيات تعرّف عليهنّ من خلال الإنترنت , لم تدمّ علاقته معهنّ اياماً! 

ووصل الفيلم الى المرحلة الأهم من حياته : وهي تعرّفه على الفتاة رؤى من خلال الفيسبوك ..التي يبدو من تعابيره المنشرحة وهو يكلّمها , بأنها استطاعت إقتحام قلبه المكسور !

لكن مع تتابع الشريط .. شاهد الطبيب (من عينيّ أحمد) عباراته القاسية اتجاهها .. وكأنه يثير المشاكل لإبعادها , كلما قربت المسافة بينهما ! 
الى ان وصله ردّها الأخير : بإنهائها العلاقة بعد يأسها منه .. ويبدو ان رسالتها الأخيرة أخافته لدرجة انه قبل فكرة العلاج النفسيّ..

وهنا أطفأ الطبيب الجهاز (الذي أخفاه في الخزانة) .. واقترب من المريض النائم لإيقاظه , بعد ان أصبحت لديه فكرة شاملة عن الظروف التي مرّت في حياته 
وهمس في إذن أحمد :
- ستستيقط عند رقم سبعة : 1 , 2....7 .. استيقظ الآن !!
واستفاق أحمد وهو يسأله : هل شُفيت دكتور ؟
الطبيب : ليس بهذه السهولة .. اريد اولاً مراجعة بعض الأحداث التي ذكرتها اثناء نومك المغناطيسيّ
أحمد : تفضّل , مع اني لا أذكر انني قلت شيئاً عن ماضيّ ! 
- بل قلت الكثير .. لنعدّ بذاكرتك الى الوراء .. ماهو شعورك اتجاه وفاة اخيك ؟

فتنهّد أحمد بضيق : كنت أظن في صغري ان الموت لا يصيب سوى العجائز .. وأخي كان مراهقاً قوياً , ومات من دون سبب ! 
- وهل كان موته المفاجىء سبباً لخوفك من خسارة أحبائك ؟
- كان صدمتي الأولى في الحياة 
الطبيب : وماذا عن وفاة والدك ؟
- ابي كان سندي , وهو من توصّت لي لدخول الإختصاص الذي اريده في الجامعة بعد إكتمال العدد ..وكنت متعلقاً به أكثر من امي , وخسارته جعلتني أشعر باليتم ولوّ كنت كبيراً

الطبيب : وماذا عن خطيبتك السابقة ؟
فسكت أحمد طويلاً , قبل ان يقول : 
- كان التشابه بيننا كبيراً , وكأنها مخلوقة مني .. فهي تفهم مشاعري دون ان أتكلم .. وأكثر ما يحزنني انني لا أتذكّر سبب خلافنا الأخير .. (يسكت قليلاً) .. ربما أثرت غيرتها بكلامي عن جمال ورقّة صديقاتي بالجامعة , كما أفعل عادةً 
الطبيب : وهل كنت تفعل ذلك لتشعرها بخطر فقدانك , فتهتم بك أكثر ؟ 
- ربما .. لكنها غضبت وسافرت على الفور , فهي مضيفة طيران .. وقرّرت مصالحتها فور عودتها , لكن مرضاً ألمّ بي منعني من الذهاب للمطار , فذهبت بسيارة الشركة
- وحصل الحادث
فأجاب أحمد بصوتٍ متهدّجٍ مكسور : نعم للأسف 
- وانت سافرت بعدها للخارج ؟
- اهلي رتّبوا كل شيء لخوفهم من فقدان عقلي بسبب إدماني على الشرب ..فكل شيء بمنطقتي يذكّرني بحبيبتي , فهي كانت جارتي 

الطبيب : وماذا عن زوجتك الأجنبية ؟
- هي ام ابنتي , وانا أحبها كثيراً
الطبيب : لكنك لست مخلصاً لها , لماذا ؟
ففكّر قليلاً قبل ان يقول : لا ادري .. أشعر بأن لديّ العديد من الخيارات , فأنا وسيم وغني وموهوب وذكي  .. والفتيات بالغربة سهل الحصول عليهنّ , فلما اكتفي بواحدة ؟
الطبيب : أهذا هو السبب , ام انك تخشى الوقوع بالحب ؟ 
- انا أحببت الكثيرات.. 
الطبيب مقاطعاً : أقصد العشق الذي يجعلك ضعيفاً امام امرأة واحدة دون غيرها.... يمكنك إجابتي , فأنا طبيبك واريد مساعدتك 
فأومأ أحمد برأسه إيجاباً.. 

فأردف الطبيب قائلاً :
- أتخاف ان أحببتها لهذه الدرجة , يُفرّق الموت بينكما من جديد ؟
- او أخسر قيمتي امامها , فأنا اريد ان ابدو دائماً كرجلٍ قويّ 
الطبيب : وهل تظن الرجل الذي يُغدق على حبيبته بالمشاعر هو رجلٌ ضعيف ؟
أحمد : نعم
- مخطئٌ تماماً.. فالرجولة ليست ان تحب إمرأة مختلفة كل يوم , بل انت تحب المرأة ذاتها كل يوم
أحمد : لكن دكتور ..

الطبيب مقاطعاً : ما رأيك لوّ نتكلّم قليلاً عن رؤى..باختصار كيف تراها ؟ 
- زوجة وأم مثالية 
- وما المختلف فيها عن بقية النساء اللآتي تعرّفت عليهنّ بحياتك ؟ 
فأجابه أحمد بعصبية : هي نكدية وعنادية جداً , وهذا يغضبني للغاية
- هل تضايقك لأنها تشبهك ؟ 
فسكت أحمد مطولاً , قبل ان يقول : 
- سابقاً كنت أتلوّن على حسب ما تريده كل فتاة لكيّ أتقرّب منها وأحصل على ما اريده , ثم اختفي من حياتها .. اما رؤى فلم تنفع معها أية وسيلة , فهي تطالبني بالتعامل معها على طبيعتي ! وهذا يثير حيرتي .. والأغرب انها تصرّ على إنني أضع قناع القسوة على وجهي البريء ! هل تصدّق ذلك ؟!
الطبيب : طالما انها تعرفك لهذه الدرجة , فلما لا تتكلّم معها بصراحة دون تصنّع ؟

فأجاب أحمد بعصبية وتوتر : لأنني لا اعرف كيف يا دكتور !! فلي سنوات طويلة وانا أتصرّف هكذا , حتى نسيت من أكون ! 
- إهدأ يا احمد .. انا أتفهمك جيداً .. فأحيانا نغير شخصيتنا لكي نتناسب مع المحيط من حولنا , او لكسب اصدقاء جدد .. لكن ما لا تعرفه انك محظوظ لأنك وجدت فتاة تتقبّلك كما انت , بعيوبك التي تحاول جاهداً إخفائها عن الجميع 
أحمد بقلق : وماذا لوّ تركتني بعد معرفتها بقلبي الهشّ الرقيق , وبأنني مرهف المشاعر كالشعراء ؟ أكيد ستتحطّم صورة الشاب القوي امامها , وربما أخسرها للأبد

الطبيب بحماس : ممتاز !! بدأنا نصل الى نتيجة 
أحمد باستغراب : لم أفهم !
- لقد اعترفت للتوّ ان قسوتك ماهي الا خوف من خسارة حبيبتك , وهذه الخطوة الأولى للعلاج .. 
- آسف , لم استوعب بعد !
الطبيب : لأفسّرها لك بطريقةٍ أخرى .. هل ترغب في معرفة المشكلة الرئيسية بينكما ؟
- نعم 

الطبيب : انت عشت فترة طويلة بحياة زوجية روتينية , بعد ان كنت شاباً عازباً لديه الكثير من المغامرات .. وحين أغدقت عليك رؤى بحنانها , شعرت بقيمتك وزادت ثقتك بنفسك .. فشعرت الفتيات من حولك بوهجك الجديد , وازدادت الخيارات امامك .. ولذلك خنت زوجتك اولاً , كما ثقة رؤى التي وعدتها بالزواج
أحمد بقهر : لكنهنّ بالنهاية كانوا خياراتً زائفة ! 
الطبيب : وعرفت ذلك بعد خسارتك للحب الحقيقي الذي اهداه الله لك على طبقٍ من فضة , اليس كذلك ؟
أحمد : غياب رؤى قهرني من الداخل , وذكّرني بفقدان خطيبتي السابقة

الطبيب : اذاً لندخل الى صلب الموضوع .. هل تريد العودة الى رؤى؟
أحمد : بالطبع , لكن كيف ؟ فهي حظرتني من صفحتها على الفيسبوك ؟
- إذاً أعطني رابط الصفحة , وانا سأكلّمها الليلة
فردّ أحمد بارتباك : لا , لا اريد
فضحك الطبيب قائلاً : لا تخف , لن أسرقها منك .. ثم هل ستفضّل عجوزاً على شاب وسيم مثلك ؟ عليك ان تثقّ بإخلاصها لك .. هيا لا تعاندني , فأنا اريد مصلحتك ..

وبعد تردّدٌ كبير , أعطاه أحمد رابط صفحتها .. وخرج من العيادة , بعد ان أخبره الطبيب بأنه سيحدّد له موعداً لاحق
***

وفي المساء .. ارسل الطبيب سليم رسالة لرؤى يُخبرها فيها عن موجز ما حصل ..
فأجابته بدهشة :
- أتقصد ان أحمد يتعالج نفسيّاً عندك ؟ ..لا أصدّق ذلك !
فكتب لها على الفيسبوك قائلاً : كانت جلسته العلاجية الأولى , ولوّلا إهتمامه الكبير بك لما أقدم على هذه الخطة الجريئة .. فمن يتمتّع مثله بالنرجسية , من سابع المستحيلات ان يعترف بوجود خطبٍ في سلوكه .. لذلك اريدك ان تحضري الى عيادتي غداً 
رؤى بقلق : وهل هذا ضروري ؟!
- إن كنت تريدين ان يتمّ الزواج بينكما
ففكّرت قليلاً , ثم قالت : حسناً , سآتي على الموعد 
***

وفي ظهر اليوم التالي .. طلب منها الدكتور سليم الإستلقاء على الكنبة
رؤى : لكني لست مريضة !
الطبيب : صدّقيني عزيزتي .. لا يخلوّ انسان من عقدٍ نفسيّة , حتى انا 

وبعد ان استلقت , قام بتنويمها مغناطيسياً .. ثم أخرج إختراعه السرّي من الخزانة .. وسلّط نور الجهاز على رأسها , ليظهر شريط حياتها امامه على شاشة الحائط :
ويبدو انها كانت طفلة قوية ومنطلقة بالكلام , الى ان سافرت مع اهلها لبلدٍ عربي آخر .. وربما اختلاف اللهجات والعادات جعلها إنطوائية في المدرسة , رغم تفوقها الدراسيّ !

وظنّ الطبيب ان السبب هو الغربة فقط .. لكن بعد طبع عدة كلمات على الحاسوب المتصل بإختراعه , ظهر بالفيلم قريبتها وهي تضع السحر في طعامها لتجعلها غير مرئية للآخرين , بعد ان خفّفت من وهج طاقتها كثيراً  
فتمّتم الطبيب بغيظ : 
- اللعنة على السحرة , وعلى غيرة الأقارب .. لنُكمل الشريط

ثم شاهد رؤى داخل منزلها , وكانت فتاة مرضية لعائلتها ..لكن السحر تسبّب بتوترٍ كبير بين والديها , وبين علاقتها بأبيها , أدّى لاحقاً للكثير من المشاكل التي تركت أثراً كبيراً على نفسيتها  .. 

وبعد تخرّجها الجامعيّ , حاولت جاهدة إيجاد وظيفة لكن دون جدوى .. فبقيت في المنزل , وبدأت بتطوير مواهبها الأخرى .. الى ان تعرّفت على أحمد بالإنترنت ..لكنها بعد ثلاث سنوات , أنهت العلاقة والحزن بادٍ على وجهها !

وهنا أيقظها الطبيب , ليسألها عن عدة امور :
- أحسسّت من كلامك وانت منوّمة مغناطيسياً انك تخافين ان تحظين بعلاقة سيئة , كعلاقة والدك بأمك ؟ 
رؤى : انا لا أكره ابي , فهو واجه الكثير من الصعوبات في حياته أجبرته أن يكون قاسياً  
الطبيب : كنت أعني إنك تعاقبين حبيبك على اخطاء والدك , لذلك كنت تحذفين صفحتك باستمرار , وتغيبين عنه لشهور بقصد ترويض الأسد , اليس كذلك ؟ 
رؤى : انا أعشق قوة شخصية أحمد ولا اريده ضعيفاً .. لكني لا اريد ايضاً ان أخاف منه , أو أعاني من قسوته كما عانت أمي .. كما ان معظم من حولي لم يهنأوا بحياتهم , مما جعلني أخاف من فكرة الزواج بشكلٍ عام ..لكني مستعدّة للمجازفة مع أحمد ولا أحد غيره , فهو صديق العمر وتوأم الروح

الطبيب : هذا جيد .. لكن هل تريدين منه الحب ام الأمان ؟
- الأمان طبعاً .. فأنا أرى من واجبي ان اختار زوجاً يكون والداً حنوناً لأولادي .. لا ان يخافوا دائماً من عصبيته الزائدة , كما عانيت انا واخوتي في الماضي .. فكل ما اريده هو بيت مليء بالحب والطمأنينة , فهل هذا كثير ؟! 
- وهل أحمد سيوفّر لك طلبك ؟ 
رؤى بحزن : إعتقدت ذلك في البداية وتمسّكت به كالغريق المتعلّق بقشّة .. لكنه خذلني أكثر من مرة , حتى فقدّت ثقتي به  

الطبيب : إذاً إخبريني عن سلبيات حبيبك ؟ 
فتنهدت بضيق ثم قالت : هو متغطرس واناني ..ولديه عادات سيئة تخيفني , كما انه شكّاك وغيور .. وعصبيته ترعبني كثيراً , لذلك اهرب منه خوفاً من ان أجرحه بكلامي اثناء عصبيتي .. ولأني ايضاً أكره المشاجرات , فقد عشت الكثير منها ولا اريد تجربة المزيد
- وماذا ايضاً ؟
- اريده ان يحافظ على سرّية العلاقة , وأظنه أخبر اسراري لكل اصدقائه وافراد عائلته ! ولوّ كان يحبني بالفعل لكان حافظ على سمعتي , وحماني من غيبتهم .. اليس كذلك ؟

الطبيب : معك حق , لكن ربما وقتها لم يظن بأن الأمر سيتطوّر أكثر من صداقة على الإنترنت .. فهو بالنهاية رجلٌ يعشق الحرّية وتعدّد العلاقات , وأظنك تعرفين ذلك ؟
- نعم للأسف 
الطبيب : وهل تظنين ان بإمكانك صرفه عن عاداته السيئة ؟ ..أقصد انت من جيله , فهل ستكفينه ؟  
- في حال لم أوفيه حقه , فأنا مستعدّة لتزويجه بإخرى 
الطبيب بدهشة : ألهذه الدرجة ؟!
- نعم , أحبه لدرجة انني أخشى عليه دخول النار بسبب تقصيري , وطالما انه سيتزوج بالحلال , فلما لا ؟ .. اساساً الخيانة عندي أشدّ من الطلاق , فهي تدمّر الثقة اللازمة للاستمرار العلاقة .. (ثم تسكت قليلاً) ..ومع هذا سأحاول جهدي ان أكون زوجة مثالية قدر المستطاع 

الطبيب : حبك نادر يا بنتي ! وهو محظوظٌ بك .. حسناً لننتقل الى صفاته الإيجابية ؟ 
ففكّرت رؤى قليلاً , ثم ابتسمت قائلةً : 
- أشعر انه ذكي جداً ..وفي قلبه طفلٌ بريء , لكن الظروف أجبرته ان يجاري من حوله من رفقاء السوء .. فأصبح يقلّدهم ويفكّر مثلهم بسطحية , حتى أغرقوه بعاداتهم السيئة .. لكني متأكّدة انه يتوق للعودة نظيفاً كما كان دائماً 
الطبيب : وكيف عرفت ذلك ؟
- لا ادري .. فأنا أشعر به عن بعد وكأني أراه , مع انه للآن لم يريني صورته  
الطبيب بدهشة : أحقاً ! وكيف تحبين شخصاً لم ترينه ؟

رؤى : لا تسألني دكتور , حتى انا لا أعرف السبب ! ..لكن لا أجد صعوبة في تفهّم شخصيته الصعبة وكأني زوجته منذ عصور , حتى مشاعره خلف الحاسوب أشعر بها .. وأعرف متى يكذب ومتى يحزن ومتى يغار , رغم محاولاته الجاهدة لإخفاء مشاعره , لكنه بالنسبة لي كتاب مفتوح ! ..(ثم تنهّدت بحزن) .. ليته فقط يعلم الحياة الجميلة التي تنتظرنا , لوّ إنه اختارني من بين صديقاته الكثر 
الطبيب مبتسماً : يبدو من نبرة صوتك الغاضبة انك تغارين عليه ؟
- كثيراً !! وهو يعلم ذلك , لهذا يثير غضبي بذكر محاسنهم امامي 

الطبيب : وماذا عن زوجته ؟ هل ستجبرينه على الطلاق منها ؟
رؤى : بالطبع لا .. فهي زوجته الأولى وام ابنته , وانا من اقتحمت حياتها وليس العكس .. وأشعر بتأنيب الضمير لفعل ذلك .. لكني حاولت الإبتعاد عنه عشرات المرات , الا ان القدر يجمعني به مجدداً رغماً عني ! ولا ادري ان كان أحمد مجرّد تجربة في حياتي , ام هو بالفعل نصيبي 
- أتمنى ان يتمّ الزواج بينكما 
رؤى بقلق : شكراً دكتور .. ورجاءً لا تخبره بأنني قدمت اليك 
الطبيب مبتسماً : وكيف برأيك حصلت على رابط صفحتك ؟ ..المهم لا تقلقي يا آنسة , ودعي الموضوع لي
***

بعد اسبوع وفي اليوم المحدّد .. دخلت رؤى عيادة الطبيب , لتجد شاباً هناك..
رؤى : آه آسفة دكتور ! السكرتيرة أدخلتني..
أحمد مقاطعاً بدهشة : روح !  
(وكان هذا اسم دلعها)  
رؤى باستغراب : حمادة ! أهذا انت ؟!
الطبيب : أهذه اول مرة ترين وجهه ؟
فأجابته بعينين دامعتين : نعم , لكن شكله ليس غريباً عليّ !

أحمد معاتباً الطبيب بعصبية : لم أكن اعلم انك ستجمعني بها !! 
الطبيب بحزم : رجاءً إجلس سيد أحمد , ولا تحاول الهرب من الموقف مجدداً .. وانت يا رؤى , إجلسي على المقعد المواجه له .. 
وبعد ان جلسا بتوترٍ واضح , قال الطبيب بجدّية :
- سأتحدث الآن , وانتما تسمعاني دون مقاطعة .. مفهوم !!
ثم أردف الطبيب قائلاً :
- ان كنتما تظنان بأن بإمكانكما تجاهل مشاعركما , فأنتما مخطئان تماماً .. وستعرفان السبب الآن 

ثم أخرج إختراعه الثاني من الخزانة , وهو جهاز لمعرفة المستقبل .. ليشاهدا على الشاشة حياتهما سوياً في بيتٍ جميل يجمعهما مع طفلٍ صغير .. كما رأى أحمد ابنته المراهقة تزورهما بالعطل الرسمية , بعد ان كوّنت علاقة جيدة مع خالتها رؤى التي كانت تحدّثها بلغتها .. ثم شاهدا لحظاتهما الجميلة خلال النزهات العائلية واثناء تناولهم الغداء , وايضاً وهما يعملان معاً على تطوير موهبتهما .. كما مرّت على الشاشة : الكثير من اللقطات السريعة الجميلة بينهما 

أحمد بمكر : وماذا عن غرفة النوم , دكتور ؟
الطبيب ممازحاً : لن أضع هكذا صور على شاشتي ايها المنحرف
فضحكت رؤى بخجل..
الطبيب : لكن يمكنني إظهار نسب توافقكما 

ثم طبع على حاسوبه , ليظهر على الشاشة نسب كبيرة لتوافقهما في العاطفة والعائلة ..وحتى في العمل , حيث كلاهما يملكان خيالٌ خصب وموهبة ستكبر مع الأيام بسبب دعمهما المعنويّ المتبادل بينهما  
الطبيب : ارأيتم كيف سيكون مستقبلكما جميلاً .. أتريدان خسارة تلك الحياة الجميلة بعنادكما ؟
فأجاب أحمد : لا 
وهزّت رؤى برأسها نافية..

فقال الطبيب : اذاً عليكما القيام بالخطوة الأولى
أحمد : أتقصد الخطوبة ؟
الطبيب : بل الإعتذار عن تصرّفاتكما الطائشة 
فاقترب أحمد منها , وأمسك يدها : أعتذر منك يا روح  
فابتسمت له بحنان : أعرف كم صعبٌ عليك الإعتذار , ولا أنكر ان شخصيتك المغرورة تثير جنوني .. وانا بدوري أعتذر منك عن هروبي المتكرّر .. لكن عدني ان لا تقسو عليّ مجدداً , وان تثق بحبي وإخلاصي لك 
أحمد : وانا أثق بك فعلاً 
أروى : لدرجة ان تفتح لي قلبك ؟ فهو لن يتحطّم معي , أعدك بذلك .. فقط أطلق العنان لمشاعرك , ولا تكبتها عني مجدداً 
أحمد : سأفعل إن وعدّتني ان تتوقفي عن حركاتك المجنونة
أروى بابتسامة : جنوني هو جزء من شخصيتي , عليك التعوّد عليها
أحمد بسعادة : وانا أعشق جنونك يا روح 

الطبيب : أحسنتما .. والآن الخطوة التي تليها يا أحمد
فقال أحمد لرؤى : أظنه حان الوقت لكيّ اسألك عن عنوانك , فأنا اريد شرب القهوة مع والدك
أروى : يمكننا الذهاب سوياً إن أردّت 
أحمد بقلق : الآن ؟!
أروى بجدية : هل ستهرب من الموقف ثانيةً ؟! 
أحمد بابتسامة : لا ليس هذه المرة .. على بركة الله

الطبيب : ولا تنسيا ان تعزماني على عرسكما 
أحمد : بالتأكيد .. مع اني مازلت مندهشاً من جهازك الغريب الذي استطاع رؤية المستقبل ؟!
الطبيب : رجاءً لا تخبرا أحداً بشأنه , فهو جهازي السرّي 
رؤى : لا تقلق , لن نؤذيك بعملك بعد ان ساعدتنا ..
الطبيب : والآن إذهبا , وعِداني ان تبقيا سوياَ رغم أنف الحاقدين .. الوداع

وبعد ان شكراه .. خرجا من العيادة وهما متأمّلان بمستقبلٍ جميل , يُشبه ما شاهداه على شاشة الطبيب السحريّة !

هناك تعليق واحد:

  1. كتبت هذه القصة بناءً على طلب إحدى القرّاء , أتمنى ان تساهم قصتي في إصلاح الوضع بينها وبين خطيبها , وأن يتمّ الزواج السعيد بينهما .. بالتوفيق لها وللجميع

    ردحذف

إنهيار مبنى

تأليف : امل شانوحة اين سنعيش الآن ؟! في حيٍّ شعبيٍّ فقير , وفي منتصف الليل .. إستيقظ سكّان العمارة على صوت البوّاب وهو يطرق بهستيريا...