الخميس، 16 ديسمبر 2021

احلام العصر

فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة

إنتقام الأزواج 


إستيقظت سارة عصراً بعد رؤيتها مناماً أربكها : عن طليقها وهو يُعاملها بحنانٍ ورفق ، ويساعدها بأعمال المنزل على غير عادته ، ويلاعب ابنه بلطف .. حيث ابتسم لها طوال الحلم ، كأنه يذكّرها بأيامهما السعيدة !


والغريب إن هذه الأحلام اللطيفة تكرّرت على مدى إسبوعين .. فقرّرت إخبار أهلها بقرارها الصادم : بالعودة مع إبنها الى منزل طليقها !

ممّا ضايق عائلتها الذين حاولوا تذكيرها بطرقه النفسيّة الملتويّة التي كادت تدمّر صحّتها .. كما معاملته السيئة لها ، وإهماله واجباته اتجاه ابنه ، وخيانته المتكرّرة لها .. 

لكنها أصرّت على الإتصال به لمعرفة رأيه بالموضوع ، مُعتبرةً الأحلام رسائل ربانيّة لإعادتها الى حياتها الزوجيّة 


وكما توقعت ، رحّب طليقها بقرار عودتها ..وحدّد موعداً لزيارة عائلتها لإرجاعها منزله ، قبل انتهاء عدّة طلاقها  

*** 


وبالفعل عادت سارة الى زوجها سمير ، رغم اعتراض اهلها .. ليستقبلها باحتفالٍ لطيف في منزله ..


واستمرّت معاملته الجيدة طوال شهرين ، الى أن عاد لطبعه القديم وصار يُهمل عائلته ، ويسهر لساعاتٍ طويلة مع اصدقائه.. ويثور غاضباً إن لم تطبخ بنفسها (فهو بخيل رغم ثرائه ، ويرفض إحضار خادمة لها)..

وعندما عاد لضرب ابنه الصغير ، ندمت لعدم سماعها نصيحة اهلها .. وشعرت بالحرج للعودة اليهم مُطلّقة للمرة الثانية 

***


وقبل نهاية الشهر .. وصلها إتصالٌ على الهاتف الأرضيّ من رجلٍ يُخبرها أن زوجها لم يدفع بقيّة مستحقّاته ..

سارة : وبكم يدين لك سمير ؟

الرجل : ب200 دولار .. فرغم ثرائه ، يرفض دفعها بعد رجوعك منزله 

سارة باستغراب : وما دخلي أنا بالموضوع ؟!

- هو طلب أن أسحرك ، لتعودي اليه من خلال منامات العصر .. فهو يرفض دفع المؤخّر الكبير لك

 

وجاء الخبر صادماً لها ! فقالت للمشعوذ :

- سأدفع ضعف المبلغ ، إن سحرته بأحلام تبيّن رغبتي بقتله 

الساحر : أقبل بشرط !! أن تدفعي مُقدّماً على حسابي البنكيّ

- حسناً ، إرسل المعلومات على هذا الإيميل


وأنهت المكالمة وهي تحاول بصعوبة كتم غضبها امام زوجها ، لرغبتها برؤيته مسحوراً وضعيفاً !

***


في الأيام التالية .. تركت سارة زوجها ينام على راحته وقت العصر ، لتلاحظ إستيقاظه مرتعباً كل مرة .. حتى نظراته بدت خائفة ، وصار يرفض تناول طعامها ، وينام في غرفةٍ أخرى بعد الإقفال على نفسه.. ويحاول إرضائها بشتّى الطرق ، كأنه مرتعباً منها ! 

ممّا أسعدها ، لعودته حملاً وديعاً كما كان قبل الطلاق

***


بعد اسابيع .. شكّ سمير بكوابيسه المتكرّرة ، وتغيّر طباعه بشكلٍ لا إراديّ ! 


فذهب الى ذات المشعوذ (بعد دفعه مستحقّاته السابقة) والذي أطلعه على اتفاقه المُسبق مع زوجته .. 

وحين علم سمير بسحرها ! طلب من المشعوذ أن يجعلها تحلم : أنها تسلّمه ابنه وتطلب الخلع..  

فوافق المشعوذ بعد حصوله على المبلغ المطلوب

***


في الأسابيع التالية .. بادر زوجها الإهتمام بإبنه ، لتنام سارة على راحتها عصراً .. حيث راودتها احلاماً غريبة باستغنائها عن ابنها ، وعودتها لأهلها لإكمال تعليمها ! 


وبعد تكرّر المنامات .. بدأت تفكّر جدّياً بتنفيذ رسالة حلمها ، فهي اشتاقت لدراستها الجامعية التي تركتها بعد عرسها .. ولم تعد تكترث لإبنها الذي نام عند جدته اكثر من مرة .. 


ولم تنتبه للموضوع إلاّ بعد زيارة اختها التي لاحظت إهمالها لنفسها ومنزلها ، فحاولت نصحها :  

- يا سارة .. كل مرة ازورك ، تخبريني إن زوجك وابنك ينامان عند حماتك ! فماذا يحصل معك ؟! 


فأخبرتها سارة عن الرسائل السماويّة التي تأمرها بالعودة لدراستها.. 

فقالت اختها مُستنكرة : الرؤى الصالحة تأتي فجراً وليس عصراً .. ثم ألم تكن منامتك سبب عودتك لزوجك الذي تشتكين منه ثانيةً ؟ 

- ماذا تقصدين ؟!

- أقصد انها أضغاث احلام ، ولا اظن والدي سيقبل عودتك مُطلّقة من جديد .. فانسي موضوع الدراسة ، واهتمي بإبنك قبل تعلّقه الشديد بعائلة والده  


وهنا تذكّرت سارة موضوع المشعوذ ! لكنها لم تخبر اختها عنه ، لأنها متورّطة بالأمر .. ووعدتها التفكير بالموضوع

***


بعد ذهابها ..إتصلت سارة بالمشعوذ الذي كان صريحاً معها ، وأخبرها عمّا حصل .. فوافقت على الدفع له ، مقابل أن يسحر زوجها بمناماتٍ كئيبة تُشعره برغبة الإنتحار عن طريق رميّ نفسه فوق الجبل الشاهق الموجود خلف مدينتهم  

فوافق الساحر ، بعد تحويلها المال اليه من حاسوبها

***


لم تمضي اسابيع .. حتى تدهورت صحّة سمير بعد إصابته باكتئابٍ مفاجىء ، جعله يُهمل عمله وطعامه.. وصار يسهر لساعاتٍ طويلة بشرب القهوة والسجائر.. 


إلى أن جاءت ليلة فاتحها برغبته التخلّص من عذابه.. فردّت بلؤم :

- اذاً أكتب رسالة الإنتحار بخطّك ، كيّ لا تتهمني الشرطة بقتلك

 فحزن لعدم اهتمامها بانهاء حياته ! 

***


قبيل الفجر .. كتب رسالة الإنتحار اثناء نومها ، ووضعها فوق وسادته ..

واستيقظت سارة على صوت إغلاقه الباب الخارجيّ ! 

وشعرت بتأنيب الضمير بعد قراءتها رسالته الحزينة ، فأسرعت للّحاق به 

***


وقبل لحظات من قفزه فوق الجبل ، أمسكت ذراعه بقوة وهي تبكي: 

- سامحني يا سمير .. غضبت كثيراً بعد علمي بسحرك ، فأردّت الإنتقام منك بمساعدة المشعوذ .. لكني لا اريد حرمان ابني من ابيه 


فحصل شجارٌ عنيف بينهما ، كل واحد يتهم الآخر بافساد العلاقة .. 

الى أن هدّدها قائلاً : 

- سأطلّقك يا سارة !! وسأحرمك من ابنك طوال عمرك ، وسأشوّه سمعتك ايتها الساحرة امام عائلتك وزميلاتك .. ولن تحصلي على دولار واحد من ميراثي


وقبل إكمال تهديداته ، دفعته سارة للخلف من شدّة يأسها .. لتتعثّر قدمه ويسقط من الجبل ، وتتبعثر اشلائه في الوادي !

 

فهربت بسرعة الى منزلها قبل أن يراها احد ، فرسالة الإنتحار تُثبت براءتها من الجريمة 


في الجانب الآخر من الجبل ، أقفل المشعوذ كاميرا جواله وهو يقول:

- بهذا الدليل المصوّر ، سأحصل على نصف ميراثها  

وابتسم بخبث !


الثلاثاء، 14 ديسمبر 2021

فندق المسافرون

تأليف : امل شانوحة 

ضربة حظّ


قاد جيم (الثلاثيني) سيارته على غير هدى في طريقٍ صحراويّ .. بعد أن طرده زوج امه من منزلها ، عُقب وفاتها !

وكان مهموماً طوال الطريق لأنه لم يُنهى تعليمه الجامعيّ ، او يحصل على وظيفةٍ لائقة .. وكل ما يملكه هو سيارة والده القديمة ، وحقيبة ملابسه التي رماها زوج امه خارجاً بعد تغيره قفل المنزل !


وكان متعباً للغاية ، حين رأى انوار لافتة فندق المسافرين قرب محطّة البنزين .. فتوجّه اليها ، بعد أن أوشكت سيارته على التوقف وسط الشارع 

ليجد المحطّة مهجورة ، وخالية من البنزين ! ولم يعثر إلاّ على علبةٍ صغيرة فوق الرفّ ، لا تكفيه لتجاوز الصحراء الشاسعة

فقطع الشارع للجهة المقابلة ، لطلب المساعدة من صاحب الفندق ..

***


حين دخل غرفة المدير ، رنّ جرس مكتبه عدّة مرات دون إجابة .. فظن انه نائماً في إحدى الغرف العشرة للفندق ..

فذهب الى هناك ، ليجدها جميعاً مقفلة .. وقبل عودته للمكتب لأخذ المفاتيح المعلّقة على الجدار ، وجد انوار غرفة مضاءة وبابها مفتوح ! 


وما أن دخل ، حتى تراجع للوراء بعد رؤيته الفئران تقرض جثة عجوزٍ يبدو انه صاحب الفندق الذي مات وحده بالصحراء ! فليس هناك عمّال آخرين في الفندق المريب ..


فأغلق الغرفة سريعاً ، وعاد الى سيارته .. خوفاً من قدوم الشرطة ، واتهامه بموت العجوز ..

لكن لسوء حظّه لم تتحرّك سيارته ، حتى بعد تعبأتها بعلبة البنزين الوحيدة التي وجدها بالمحطّة ! والتي تبدو منتهية الصلاحية ، بسبب الدخان الذي خرج من محرّك السيارة 


فعلم جيم انه علق في هذا المكان المهجور ، لذا عليه اولاً دفن الجثة وتنظيف الغرفة التي عبقت برائحة جسده المتحلّل ، وقتله الفئران والحشرات المنتشرة في الغرفة الموبوءة !

وأمضى ليلته في إنهاء مهمّته الصعبة .. 

***


مع بزوغ الفجر .. إنتهى جيم من دفن العجوز خلف الفندق ، وتنظيف الغرفة  جيداً .. 

ورغم علمه إن بقيّة الغرف بحاجة لتنظيفٍ ايضاً ، لكنه كان متعباً للغاية 


فنام في غرفةٍ قريبة من المكتب ، فوق سريرها المُترب .. بعد أكله السردين وعلبة نقانق وجدهما في مكتب المدير .. ومن حسن حظه لم تنهي صلاحية الصناديق الأربعة للمعلّبات المتواجدة في مخزن المكتب.. 

كما عثر على 5 جالونات كبيرة من المياه الصالحة للشرب ، وهذا يعني إن لديه طعام وشراب يكفيه لشهر على الأقل ، لحين مرور أيّةِ سيارة او شاحنة بجانب الفندق لنقله الى المدينة بعد تعطّل سيارته ..

***


إستيقظ في اليوم التالي عصراً .. وبدأ على الفور بتنظيف بقيّة الغرف ، الى أن انتهى منها جميعاً في منتصف الليل .. فتناول وجبة معلّبات ، قبل نومه وهو يتخيّل نفسه مدير الفندق ، وما كان سيفعله من إصلاحات لوّ ملك مالاً كافياً لجذب الزبائن اليه ..

***


مرّ اسبوعٌ كامل دون جديد ، قضى جيم وقته بتصفّح المجلاّت القديمة التي وجدها في مكتب المدير ، الذي حاول إصلاح تلفازه المُعطّل دون فائدة .. كما قرأ الملفّات الرسميّة التي وجدها في المخزن : ليجد إن الفندق بُنيّ في السبعينات من القرن الماضي ..ويبدو (من الصور التي وجدها في خزانة العجوز) إن المكان حظيّ بشعبيّة في شباب المدير المتوفي ، قبل قيام البلديّة بافتتاح شارعٍ سريع يصل المدينتين بطريقٍ جانبيّ للصحراء .. ليصبح الفندق مهجوراً مع مرور الوقت ..


كما قرأ مذكّرات العجوز الذي عانى من الوحدة ، بعد طلاقه من زوجته التي انتقلت مع ابنه الوحيد الى العاصمة .. ويبدو من وثيقة الميلاد ، إن ابنه مايكل من جيل جيم 

كما وصف في مذكراته : مدى حزنه بفراق صديقه الوحيد (صاحب المحطّة) بعد تعسّر احواله الماديّة .. كما عثر على إستقالة موظفة التنظيفات (لقلّة الزبائن) ، ورسالة ابن العجوز الذي يبدو إنه كتبها بعمرٍ صغير لكثرة اخطائها الإملائية ! وكان يترجّى والده أن يترك الفندق للّحاق بهما ، قبل زواج امه من جارهم الجديد 


فحزن جيم على العجوز الذي أمضى عشرين سنة وحده في هذا المكان المنعزل ! وخاف أن يواجه المصير ذاته ، إن لم يمرّ أحد قبل انتهاء مخزون الطعام والشراب 

***


في الإسبوع الثاني .. إستيقظ جيم في منتصف الليل ، بعد سماعه صوت درّاجات ناريّة تقترب من فندقه ! 

فنظر من النافذة ليجد 4 درّاجات ناريّة : عليها رجال بذقونٍ وشعورٍ طويلة ، وجسمهم مليء بالأوشام ، ومعهم سيدة لعوب.. 

فقال بنفسه بضيق :

((جميلٌ جداً .. اول زبائني ، عصابةٌ خطيرة))

وأسرع الى مكتبه لاستقبالهم ، وهو يدعو ربه أن لا يقتلوه لسرقة خزنته الفارغة 

***


في المكتب .. تقدّم رئيس العصابة (بوشم العقرب على ذراعه) وهو يسأله عن غرفٍ فارغة ، لثلاثة ايام .. 

جيم : نعم سيدي ، يوجد لدينا 9 غرف فارغة.. هل أحجز لك 5 ؟

- 4 فقط ، فهذه حبيبتي

- كما تشاء .. الليلة ب50 دولار !

الزعيم باستغراب : 50 ! لطالما كانت ب 30 فقط 

- اضّطرنا لرفع السعر بسبب الأزمة الإقتصاديّة للبلد

- وما دخلك بالأزمة ، فأنت تعيش بالصحراء يا رجل ؟!

ولم يردّ جيم إغضابه ، فقال : إن أردّت ، أخفّض لك السعر

فردّ بعصبية : لا تتكارم عليّ يا ولد !! خذّ المبلغ كاملاً


ورمى له المال ، ثم سأله عن الطعام .. فأجاب جيم :

- آسف سيدي ، لا يوجد مطاعم هنا 

- وكيف تأكل انت ؟

جيم : لديّ معلّبات سردين ونقانق ، يمكنني مشاركتها معكم

- لا داعي لذلك ، مازال معنا طعام .. وغداً أرسل مساعدي لإحضار الغداء  

- من اين ؟!

الزعيم : يوجد مطعم على بعد 3 كيلومترات من هنا ، الا تعرفه ؟!

- لا سيدي ، انا موظّفٌ جديد 

- أعرف انك جديد ، فأنا زبون قديم للفندق .. اين مديرك العجوز ؟ 


جيم بارتباك : تقصد والدي 

- أحقاً ! حدّثنا كثيراً عنك .. انا سعيد بعودتك اليه .. اين هو الآن ؟ 

- مريض بالمستشفى ، وامي بجواره

الزعيم باستغراب : امك ! أخبرنا والدك انها ماتت قبل سنوات

جيم بارتباك : أقصد زوجته الجديدة 

- ياله من عجوزٍ ماكر ! لطالما أخبرني عن كرهه للنساء ، بعد طلاقه من امك الجاحدة  .. آسف ، رحمها الله

- لا بأس سيدي .. أتريدني ان اريك الغرف ؟

الزعيم : لا ، فقط أعطني المفاتيح .. وإيّاك أن تزعجنا ، فأنا ورجالي متعبين من السفر لساعاتٍ طويلة  

- كما تشاء سيدي


وذهبوا الى غرفهم ، ليناموا على الفور .. وعاد جيم الى غرفته لينام هو ايضاً ، وهو سعيد بأول مالٍ يحصل عليه في حياته

***  


مرّت الأيام الثلاثة بهدوء ..حيث خرجت العصابة كل صباح ، لتعود مساءً للنوم دون مشاكل .. 

وفي ليلتها الأخيرة ، تفاجأ جيم بأصوات درّاجاتٍ ناريّة أخرى تقترب من الفندق!


فأسرع الى مكتبه لاستقبال المزيد من الزبائن ، ظنّا إنهم من العصابة ذاتها .. ليفاجئه رئيسهم بالقول :

- هل لديك مفاتيح إضافيّة للغرف ؟

جيم : لدينا 10 غرف .. 4 منها مُحتجزة الليلة ، وغداً صباحاً تصبح فارغة

الزعيم (بوشم الأفعى على ذراعه) بعصبية : 

- الم تفهم سؤالي يا غبي ؟!! اريد مفاتيح غرف عصابة العقرب 

- هم نائمون الآن !

الزعيم بمكر : وانا اريد قتلهم اثناء نومهم


فارتجف جيم بقوة ، بعد إدراكه إنه امام عصابةٍ منافسة لزبائنه القدامى ! وهذا يعني إن معركة ستحصل قريباً

 

وقبل أن يجيبه ، دخلت الفتاة الّلعوب مكتبه لطلب قارورة ماء ..لتتفاجأ بعصابة الأفعى امامها !

وظنّ جيم انها ستصرخ وتركض لإيقاظ عصابتها ، لكنها فاجأت الجميع بحضنها لرئيس عصابة الأفعى وهي تقول :

- اشتقت اليك يا رجل 

الزعيم بصدمة : جوليان ! مالذي أحضرك الى هنا ؟

فأخبرته انها برفقة عصابة العقرب ، فجنّ جنونه .. 


فأخرجته من المكتب ، للتحدّث معه على انفراد .. 

وراقبهما جيم من بابه المفتوح .. ليشعر بعصبية الزعيم بعد علمه بخيانتها له ، والذي سرعان ما أمر رجاله بالهجوم على عصابة العقرب ..


فاختبأ جيم في مخزن المكتب ، لحين انتهاء شجارهم الذي بدى عنيفاً .. وظنّ انه سيسمع صوت الرصاص قريباً .. 

لكن فجأة إختفى صراخهم ! ليتحوّل بعد دقائق الى ضحكٍ هستيريّ ، مُتزامناً مع ارتفاع الموسيقى 

فظنّ إن عصابة الأفعى تحتفل بقتلها افراد عصابة العقرب ذبحاً او خنقاً !

 

فتوجّه خائفاً نحو الغرف .. ليجدهم يحتفلون معاً بشرب الخمور ، وجوليان ترقص بينهم !

وحين رآه زعيم العقرب ، مدّ يده وهو يحمل سيجارة المخدّر :

- تعال وشاركنا حفلتنا !!

 

فعلم إن جوليان هدّأت الموقف بتوزيعها المخدرات المجانيّة على عصابة الأفعى التي شاركت الحفل بخمورها .. وعُقد الصلح بينهما ، باحتفالٍ صاخبٍ طوال الليل..


ولم يستطع جيم الطلب منهم إخفاض الصوت .. ونام في المخزن بعد إغلاقه باب مكتبه ، على أمل الحصول على بعض الراحة

***


في الصباح .. كان الوضع هادئاً بعد مشاركة العصابتين الغرف ، إثر تناولهم كميات كبيرة من المخدرات والخمور طوال الليل 


وبعد جلوس جيم في مكتبه ، دخل شابٌ ببذلةٍ رسميّة وهو يسأله باستغراب: 

- من انت ؟!

جيم : آسف ، لا يوجد غرفٌ شاغرة هذه الفترة

- اين ابي ؟!

جيم بصدمة : ابوك !

- نعم ، صاحب الفندق

جيم بارتباك : آه ! انت ابنه مايكل ..أخبرني الكثير عنك  

- حقاً ! واين هو الآن ؟!

- سلّمني الفندق وذهب

الشاب : الى اين ؟!

- لم يخبرني ، أخذ سيارته ورحل من هنا 

- ابي توقف عن قيادة درّاجته الناريّة بعد تعرّضه لحادثٍ في شبابه ، ولم يملك سيارة في حياته 


جيم بتردّد : أعني انتقل مع صاحبه 

- لكنه أخبرني في رسالته الأخيرة إن صاحب المحطّة رحل للمدينة منذ سنوات !

- نعم ، وعاد قبل شهرين لأخذه معه 

الشاب : يعني انت هنا منذ شهرين ؟

- نعم

- هل أخبرك ابي أن تحلّ مكانه لحين عودته ؟ 

جيم : لا ، انا المالك الجديد

- لا ! مستحيل ابي يبيع فندقه ، فهو حلم حياته


جيم بعصبية : باعها لي ورحل ، كم مرة عليّ إعادة كلامي !!

- وبكم باعها ؟ واين اوراق البيع والشراء ؟

- أحتفظ بها في مكانٍ ما 

الشاب بحزم : اريد رؤيتها في الحال !!

- ومن انت لأريك اوراقي الرسميّة ؟

- انا محامي مشهور .. ووريث ابي الوحيد ، أطال الله عمره ..ولي الحق بمعرفة من يدير املاك ابي

فقال جيم في نفسه بقلق : ((يالا هذه المصيبة !))


وهنا دخلت جوليان وهي تقول : 

- من هذا الشاب الأنيق ؟! الن تعرّفنا عليه يا جيم ؟

جيم : ابن المالك القديم

جوليان : أحقاً ، يبدو ثرياً

المحامي بضيق : يا سيدة .. انا مشغولٌ الآن ، ولا وقت أضيّعه معك

جوليان بغيظ : وهل تظنني فتاة ليل ؟

المحامي بازدراء : هذا ما يبدو من ملابسك الرديئة

جوليان : طباعك فظّة ! وهو نوعي المفضّل من الرجال .. ما رأيك أن نتكلّم جانباً ؟ هل تدخن ؟ (وهي تمدّ يدها بسيجارة المخدّر)

المحامي : لا 

جوليان بإصرار : اذاً لنتشارك الشراب ، هيا معي

فقال المحامي لجيم : إبحث عن اوراق البيع ، ريثما أعود 


فأسرع جيم الى سيارته للهرب من المكان ، قبل إتصال المحامي بالشرطة وتوريطه بموت والده واحتلاله الغير قانوني لفندقه..


وحين ادار سيارته ، خرج صوتٌ مزعج من المحرّك .. فاقترب منه رجل من عصابة العقرب ، وهو يقول :  

- أوقف المحرّك حالاً !! يبدو من الصوت انك وضعت زيتاً فاسداً ، قد يحرق سيارتك 

جيم : إن كنت خبيراً بالميكانيك ، فساعدني لتحريكها

- نحتاج اولاً لمضخّة لإزالة الزيت الفاسد ، وابداله بجديد

- ومن اين نحضر البنزين ؟ 

الرجل : معنا صفيحة بنزين إضافيّة ، سأسأل الزعيم أن أعيرك بعضها.. سأعود بعد قليل  


فنزل جيم من سيارته في انتظار عودته ، ليلمح جوليان وهي تلاحق المحامي في زقاق الفندق (البعيد عن أنظار العصابتين) .. 

ليرى المحامي يصفعها بقوةٍ أوقعتها ارضاً ! ثم أشار الى جيم وهو يصرخ غاضباً : 

- قبرٌ من خلف الفندق ؟.. أجبني !! هل قتلت ابي وسرقت فندقه ؟


فتجمّد جيم مكانه ! قبل رؤيته جوليان تضرب رأس المحامي بالعصا ، ليقع على الأرض جثةً هامدة ! وهي تقول بعصبية :

- لا احد يرفضني ايها المتغطرس !!

ثم سحبته من يديه ، ورمته من باب القبو المفتوح .. ليتدحرج فوق الأدراج الى داخل مخزن المكتب !

ثم نظرت لجيم ويديها وثيابها ملوثتين بدماء المحامي ، وهي تهدّده:

- إن نطقت بحرف ، سأقتلك !!


وعادت الى غرفتها لتغير ملابسها ، لتتفاجأ بزعيم عصابة الأفعى يسألها بقلق :

- من فعل بك ذلك ؟ هل حبيبك اللعين ضربك ؟

وقبل إفهامه أنه ليس دمائها ، صرخ لرجاله مُعلناً الحرب على عصابة العقرب 


وخلال ثوانيٍ ، نشبت معركة دمويّة بين العصابيتين .. إزدادت عنفاً بعد مقتل جوليان برصاصةٍ طائشة ! 

ليجنّ كلا الرئيسين ، ويتراشقان بزجاجات الخمر المُحترقة التي اشعلت غرف الفندق بالكامل .. 

ولم يكن امام جيم سوى الهرب من المكان بأسرع وقتٍ ممكن .. 


فتسلّل لموقف الفندق ، ليجد درّاجة ناريّة نسيّ صاحبها المفتاح فيها .. لكنه خاف التنقّل بها ، لكون لوحتها مُسجّلة لدى الشرطة .. وتذكّر درّاجة مالك الفندق المحطّمة بالمخزن  


فنزل الأدراج ، وهو خائف الإقتراب من جثة المحامي المرمية هناك .. وأخذ المفكّ ، وأزال رقمها القديم .. 


ثم اسرع لدرّاجة العصابة ، وأزال رقمها المشبوه .. 

لكن إزدياد طلقات النار ، منعه من تثبيت اللوحة القديمة .. فظلّت بيده وهو يُسرع مبتعداً عن فندق المسافرين ..

***


بعد اقترابه من المطعم (الذي ارتاده أفراد العصابتين) توقف جانباً لوضع لوحة الرقم القديم (لدرّاجة العجوز) حينها عثر على حقيبة ظهر في صندوقها الخلفيّ ! 

ففتحها ، ليجد آلاف الدولارات ! ويبدو إن احد افراد العصابة استغلّ المعركة ، لسرقة اموال العصابتين .. لكنه قُتل ، قبل سرقته المخدرات ايضاً 


فحمل جيم حقيبة الظهر ، ودخل المطعم لتناول الغداء..

وعند انهائه الوجبة ، دخل سائق حافلة وهو يخبرهم عن محاصرة الشرطة لفندق المسافرين القديم ! وانه سمعهم باللاّسلكي يخبرون المركز : عن مجّزرة راح ضحيّتها افراد أشهر عصابتين في المنطقة ! 

فتنفّس جيم الصعداء لخروجه حيّاً من هناك .. 


ثم خرج من المطعم ، ليركب الدرّاجة النارية متجهاً للمدينة .. ومعه مالاً كافياً لافتتاح مشروعه الجديد ، الذي حتماً لن يكون فندقاً للمسافرين !


الأحد، 12 ديسمبر 2021

برج الشيطان

تأليف : امل شانوحة 

 

عالم السحرة


فور سماع الأم لصرير باب البرج الشاهق (المبني وسط القرى الريفيّة) وهو يُفتح من بعيد ، حتى شدّت ذراع ابنها وهي تقول بخوف :

- إسرع الخطى دون النظر للبرج .. دعنا نصل بسلام لمنزلنا ، قبل غياب الشمس


لم يفهم ابنها ما حصل ! لكنه ركض معها ، إلى أن تجاوزا البرج الحجريّ الذي يبدو مهجوراً ، لولا النور الساطع من عليّته ..

***


بعد وصولهما الى المنزل ، سأل أمه عن سبب خوفها من البرج المضيء  

الأم باستغراب : لما سمّيته البرج المضيء ؟!

ابنها : لأن نور طابقه العلويّ يظلّ مُشعاً طوال الليل

فقالت جدته بضيق : هذا ليس نور المصباح ، بل نار الشيطان

الحفيد بخوف : الشيطان !

ابنتها معاتبة : امي رجاءً .. لا تخبريه عن الحوداث المخيفة ، فهو مازال صغيراً 

الجدة : إريد تنبيهه بعدم الذهاب الى هناك ، كما فعل الصغار المُختطفين قبل اعوام 


فقالت الأم لإبنها : يكفي يا بنيّ أن تعرف إن ذلك البرج مليء بالنّسوة الأشرار ، لذا إيّاك اللعب بجانبه او التحدّث مع الشابات والعجائز اللآتي تخرجنّ من بوّابته الكبيرة .. وعليك التواجد في المنزل قبل غروب الشمس ، هل كلامي مفهوم ؟!!

فأكملت الجدة : ولا تقترب من المقبرة ، فهنّ يتواجدنّ هناك طوال الليل

الولد باهتمام : وماذا تفعل النساء في المقابر ؟!

فقالت الأم للجدة : رجاءً توقفي عن إرعابه ..

ثم قالت لإبنها : أوعدني يا صغيري بعدم الإقتراب من البرج المخيف مهما حصل

فأومأ برأسه موافقاً ..

***


وفي منزلٍ ريفيٍّ آخر ، سألت فتاةٌ امها :

- لما لا نزور خالتي ؟ إشتقت لها كثيراً

الأم : منزلها خلف البرج ، وأخاف المرور بجانبه

- تقصدين برج السحرة ؟

- لا ترفعي صوتك ، حتى لا يسمعك الشيطان  

ابنتها : إذاً نذهب اليها صباحاً ، فالبرج يُضاء في المساء فقط  

- مهما يكن ، لن أجازف بالإقتراب منه .. الا ترين ما حصل لجارتنا ؟ فمنذ جِدالها مع الساحرة وهي طريحة الفراش .. وصديق والدك الذي أُصيب بالعمى ..وتاجر القماش الذي احترق محله ، بعد رميه الحجارة على بوّابة البرج .. أوعديني يا ابنتي أن لا تمرّي بجانبه ابداً

ابنتها بضيق : وإلى متى سنبقى على هذه الحالة ؟

الأم بغضب : الى أن يخسف الله ببرجهم اللعين !! 

***


في منزلٍ آخر ، أغلقت الأم النافذة بعصبية.. 

ابنها الصغير : لحظة امي !! كنت أنتظر إضاءة الطابق العلويّ للبرج 

- لا تنظر مُطلقاً الى تلك الجهة الملعونة !!

 

وبعد قليل سألها : هل صحيح إن البرج ظهر فجأة ؟ 

فتنهّدت الأم بضيق : نعم .. بناه الجن خلال ثلاثة ايام ، ليقطعوا التواصل بين القرى الأربعة 

- وهل صحيح ما تقوله الإشاعة : إن الشيطان إختبر جميع الساحرات في بلادنا .. ومن فازت منهن ، أعطاها غرفة في برجه؟

الأم بدهشة : من أخبرك بهذه القصص ؟! 

- سمِعها أصدقائي من اهلهم ، فهل الحادثة صحيحة ؟

- هذا ما يُقال 


الإبن : وماذا يوجد بالداخل ؟

- عدّة طوابق حسب منزلة الساحر او وظيفته .. لا أحد بالضبط يدري ما يحصل هناك ! حتى المشايخ لم تتجرّأ على اقتحام البرج ، واكتفوا بنصحنا : بتحصين أنفسنا بأدعية الصباح والمساء 

- وماذا عن الطابق العلويّ ؟ هل يظهر فيه الشيطان من وقتٍ لآخر ؟ وهل هو من يجلب الطعام للساحرات ؟ 

الأم بعصبية : وما دخلك انت بقصص الشياطين ؟ أحرقهم الله في القريب العاجل.. هيا الى سريرك !! وكفاك تفكيراً بأعداء الله 

*** 


في منزلٍ آخر .. عاد الرجل الى بيته مهموماً ، فسألته زوجته :

- لما أغلقت محلّك باكراً ؟ لم تمضي ساعة على غروب الشمس ! 

زوجها بيأس : لم يأتيني زبونٌ واحد طيلة النهار ، أخشى أن أكون مسحوراً في رزقي !

فقالت مُطمّئنة : صحيح إننا نعيش قرب برج السحرة ، لكن لا أحد يستطيع العبث بالقدر .. فالرزق مثل الموت ، يلحقك أينما كنت ..ولن ينتهي أجلك قبل حصولك على رزقك كاملاً 

زوجها : لكن السحرة لديهم القدرة على تعسير أمورنا ، لهذا لا توبة لهم بعد تدخلهم بعمل الله .. 

- هذا صحيح .. لكنهم لا يلغون الرزق الذي كتبه الله لك ، منذ وجودك في بطن امك .. بل أرى أنه علينا شُكر من سحرنا 

- ماذا تقصدين ؟!


زوجته : إن كانوا سحروك بالفعل ، فهم أجّلوا رزقك لليوم الذي يقدّر فيه الله إنهاء شرّهم ، وحينها ستتفاجىء برزقك ينزل اليك دفعةً واحدة .. تماماً كالغيمة التي امتلأت بالأمطار ، او كسرك للحصّالة المليئة بالنقود .. الم تسمع بأشخاصٍ عاشوا طوال حياتهم فقراء ، وفجأة أصبحوا اثرياء بحصولهم على ميراث او صفقةٍ رابحة ؟

الزوج : أتمنى أن يكون كلامك صحيحاً ، فقد تعبت من كثرة العمل وقلّة الرزق .. وفي حال لم تتحسّن أوضاعنا قريباً ، سأفكّر جدّياً بانتقالنا من هذا المنطقة الملعونة 

*** 


في منزلٍ آخر ، بعد حلول المساء .. وفور عودة سيدة من عند جارتها ، بحثت في غرف منزلها عن آمنة (إبنة أختها) .. 

فأخبرها زوجها انه أرسلها للبقالة ، لشراء السجائر ..

فردّت زوجته بعصبية : هل جننت يا رجل ؟!! أترسل فتاةً صغيرة مساءً الى بقالةٍ قريبة من برج الشيطان ؟! 

- الا يكفي موافقتي على تربيتها مع اولادي ، الآن تمنعيني من إرسالها بمهمّاتٍ منزليّة ؟! 

- إرسل ابنك الكبير ، فإبنة اختي زوهريّة .. وإن عرفت الساحرات بذلك  سيقدّموها قرباناً للشيطان ، كما حصل مع اختها التوأم رحمها الله  

زوجها بلا مبالاة : لا تخافي ، ستعود بعد قليل

*** 


بعد شراء آمنة الدخان ..وقفت بجانب البوّابة الحديديّة ، وهي تعدّ طوابق البرج بعد إنارة طابقه الأخير.. 


لتتفاجأ بعجوز تلمس كتفها من الخلف ، وهي تقول : 

- لم ارك من قبل ! من انتِ ؟

آمنة بارتباك : انا أعيش عند خالتي ، في منزلٍ قريب من هنا

العجوز : ولما لا تعيشين مع اهلك ؟ 

آمنة بحزن : امي توفيّت ، وابي سافر بعد العزاء وانقطعت اخباره 

- وكيف ماتت امك ؟

- حزناً على أختي التوأم التي بيعت للعالم السفليّ ، بشوالٍ من الذهب

العجوز باهتمام : أحقاً ! وهل كانت اختك زوهريّة ؟ 

آمنة : لم أفهم سؤالك ! 

فسحبت العجوز كفّها الصغير نحو نظّارتها ، وهي تقول : 

- دعيني أرى 


وفور مشاهدتها الخطّ الطولي الذي يفصل راحة يدها ، حتى ارتسمت على وجهها ابتسامةٍ عريضة .. 

وأمسكت ذراع الصغيرة وهي تقول :

- ما رأيك أن اريك البرج من الداخل ؟

آمنة بحماس : أحقاً يا خالة !! لطالما أحببت الدخول الى هناك .. لكن خالتي تمنعني الإقتراب منه ، دون إفهامي السبب !

- سأريك كل الغرف ، حتى الطابق العلويّ 

آمنة : الطابق المُضاء بأنوارٍ قويّة ؟

- نعم !! فيها مصباحٌ عملاق ، أتريدين رؤيته ؟ 

آمنة بسعادة : بالتأكيد !! دعيني اولاً أوصل الدخان لزوج خالتي ، ثم أعود اليك

فسحبت العجوز العلبة من يدها ، وهي تقول : 

- سأوصلها بنفسي ، بعد اكتشافكِ لبرجي الجميل .. هيا بنا


ودخلت آمنة من بوّابته الصدئة .. لتجد أمامها سلالم طويلة حلزونيّة ، مُضاءة بشعلات النار على جوانبه ..

وأول ما لاحظته : هي خطوات العجوز السريعة على الدرج رغم كبر سنها ، وكأنها تطفو ! 


وبمرورها عند كل طابق ، لمحت آمنة أشياءً غريبة ! رفضت العجوز التوضيح لها ، مُكتفية بالقول : ((مرتبة الساحر ترتقي مع كل طابق ، حسب قوّة وتأثير تعويذاته على المسحور))


ففي الطابق الأول : رأت آمنة مجموعة من النساء بعباءاتٍ سوداءٍ مُجعّدة وهم يعقدون اطراف الثياب بعد نفثهنّ فيها ، وخلفهنّ اكوام الملابس الملوّنة بأحجامٍ مختلفة ! واللآتي ما أن رأين الصغيرة ، حتى توقفن عن تلاوة تعويذاتهنّ وهن ينظرن اليها بدهشة ! 

فقالت العجوز لهنّ بصوتٍ منخفض ، وهي تُشير لآمنة : 

- هذه زوهريّة

فابتسمن جميعاً بارتياح.. 

 

وأكملا صعودهما للطابق الثاني الذي فيه : مجموعة من الشابات يقمنّ بغرز الدبابيس في العابٍ قماشيّة .. وبعضهن يضعن الأقفال على اقدام اللعبة ، وهن يرتلن ترتيلاتٍ بنبرةٍ مخيفة ! 


وكن مندمجات بعملهنّ ، لدرجة عدم ملاحظتهن الصغيرة التي أكملت صعودها مع العجوز للطابق الثالث الذي فيه :

عجائز يعدّون الطعام الذي لم تستسيغ آمنة رائحته الغريبة ! 


فأغلقت أنفها وهي تُكمل طريقها للطابق الرابع الذي فيه : 

نساء تجلسن حول شعلة النار ، وهنّ يرمين التراب فوق رؤوسهن ويضربن بالعظام على الدفوف !  


اما في الطابق الخامس : فرأت أقفاصاً مُعلّقة بالسقف ، فيها هياكل عظميّة صغيرة الحجم تبدو لأولادٍ لم يتجاوزوا العاشرة ، وفي البعض الآخر : بقايا اطفالٍ رضّع ! 


فشهقت آمنة بخوف ، بعد تذكّرها كلام خالتها : عن إختفاء عددٍ من اطفال القرى الأربعة ، فور ظهور البرج الملعون !

وحين تجمّدت في مكانها ! شدّت العجوز ذراعها بعنف لإكمال طريقها الى العلّية المُضاءة ، التي فيها شعلة نارٍ تطفو وسط الغرفة!


وعلى الفور !! سجدت العجوز للنار وهي تقول :

- سيدي الشيطان .. أتيتك بطفلةٍ زوهريّة ، لتقديمها قرباناً لك

فازداد لهيب النار ، كأنه وافق على هديّتها !


فأخرجت سكيناً كبيراً من خزانة الحائط بعد تثبيت آمنة بالأرض التي سارعت بالقول ، بخوفٍ شديد :  

- أرجوك لا تقتلينني !! إعتبريني ابنتك زهرة 


فجاء كلامها صادماً للعجوز ! (التي أجبرها الشيطان قديماً على التضحيّة بإبنتها الوحيدة ، للحصول على المرتبة الأعلى بين السحرة)


فسألتها بصوتٍ متهدّج : من أخبرك عن زهرة ؟!

آمنة وهي تبكي : كل الناس تقول إنها أجمل طفلة في المنطقة

العجوز وهي تحاول كتم دموعها : نعم .. إبنتي كانت الأجمل فعلاً ، كحوريّةٍ من الجنة


وفجأة ! انطفأت الشعلة .. فعاتبتها بخوف :

- إنظري ماذا فعلتي !! لقد أغضبتي الشيطان بفتحك جِراح الماضي 

آمنة : رجاءً لا تقتليني ، وربّيني مكان ابنتك  

العجوز بصدمة : ماذا قلتِ ؟!

آمنة : الم تكوني تحلمين بتعليمها أصول السحر ؟ 

- نعم

- وانا لديّ الشغف لتعلّم مهنتكم 

العجوز بصدمة : أحقاً !

آمنة : نعم ، لطالما أُعجبت بعالمكم الغامض 

- وماذا عن اهلك ؟


آمنة : قلت لك بأنّي يتيمة ، وزوج خالتي لن يُحزنه غيابي.. (ثم أمسكت يدها بحنان) .. هل تقبلين أن أكون ابنتك وتلميذتك النجيبة ؟ ..فكما يُقال : الجن تحب الزوهريين ، اليس كذلك ؟ 

العجوز : بل الجن يخشونكِ ، لأنك لا تتأثّرين بالسحر 

- وهذا سيجعلني أقوى ساحرة في المستقبل ، طالما لا تستطيع منافساتي إضعافي بسحرهنّ

العجوز باستغراب : كيف تعرفين كل هذه المعلومات ، وانت لم تبلغي 11 من عمرك ؟!

- عمري 12 ، وموت أختي التوأم جعلني اسأل كبار السن عن الموضوع 

- الم يخيفك الأمر ؟

آمنة : لا ابداً !! بل حسدّت أختي لانتقال روحها الى العالم السفليّ .. ومنذ موتها ، رغبت بمعرفة المزيد عن عالم الجن والشياطين الشيّق


ففكّرت العجوز مطوّلاً ، قبل أن تقول :

- حسناً موافقة ، لكن بشرط !! لا تفارقيني ابداً ، خوفاً أن تضحّي بك زميلاتي ، لأن دمك كنز بالنسبة لهنّ 

آمنة : لا تقلقي ، لن تخسري ابنتك الثانية يا امي

العجوز بصدمة : امي ! كم اشتقت لهذه الكلمة

آمنة بحزن : وانا اشتقت لقولها ثانيةً

وحضنتها بحنان ، لتنهار الساحرة بالبكاء بعد تذكّر ابنتها زهرة

*** 


في هذه الأثناء بالقرية ، بحثت الخالة وزوجها عن آمنة بعد تأخّر الوقت .. فأخبرهم صاحب البقالة : انه شاهد عجوزاً تنظر لكفّ يدها ، قبل إختفائهما عن أنظاره .. 


فعلمت الخالة انها خُطفت الى برج الشيطان .. وارادت الذهاب للمقبرة لإنقاذها ،  قبل ذبحها هناك .. لكن زوجها منعها ، خوفاً عليها من أذى السحرة إن أعاقت عملهنّ ، وذكّرها بلزوم حماية أولادها من شرّهن 

فعادت حزينة لمنزلها ، بعد معرفتها أن آمنة ستلاقي قريباً مصير أختها التوأم ! 

***


بهذه اللحظات ، نزلت آمنة مع العجوز الى الطابق الأرضيّ (حيث غرف نوم السحرة) .. 

وهذه المرة قرّرت العجوز شرح ما يحصل في كل طابق يمرّان به ، دون إخبارها عن الطابق الخامس التي اكتفت بالقول : إن الهياكل العظميّة عبارة عن تماثيل وليست قرابين قديمة ، كيّ لا تخيفها ..


وبنزولهما للطابق الرابع : أخبرتها إن النّسوة اللآتي تجلسن في الغرفة المُتربة وهن يضربنّ الدفوف بالعظام ، مهمّتهن سحر الأشخاص بتعويذة الموت بعد تقرّبهن لجن المقابر 


وفي الطابق الثالث : قلّت رتبة السحرة ! وانحصرت قدرتهنّ بإمراض المسحور دون قتله ، بوضعهنّ السحر في طعامه او شرابه 

آمنة : وكيف يصل الطعام الى المسحور ؟

العجوز : نُرسل الطلبيات لمنازل النساء التي دفعت مبلغاً كبيراً مقابل سحرنا 

آمنة بدهشة : لم اكن أعلم إن هناك متورطّين من خارج البرج !

- صدّقيني يا ابنتي .. لا أبالغ إن قلت : نصف سكّان القرى متواطئين معنا ، والنصف الآخر مسحورين .. المهم لنُتابع النزول  


وحين وصلتا للطابق الثاني ، حيث الدمى القماشيّة .. سألتها آمنة بحماس :

- هل يمكنني الحصول على إحدى اللعب ؟!! 

- لا طبعاً !! هي مُخصّصة للسحر 

آمنة : أتقصدين بسبب الدبابيس ؟

- نعم .. فكل واحدة منها ، تسبّب الأوجاع في جسم المسحور

- تعنين إن اللعبة تُمثّل جسم المسحور ؟

العجوز : أحسنت !! انت تتعلّمين بسرعة 

- الهذا تكتبون على وجه اللعبة ؟

- نكتب اسم الشخص المراد سحره

آمنة : وماذا عن الأقفال ؟

- هي للعرائس الجدّد

- ولماذا تقفلنّ أقدام اللعبة ؟

فضحكت العجوز : ستعرفين حين تكبيرين .. لنُكمل النزول الى غرفتي


ووصلتا للطابق الأول .. وسألتها آمنة عن اكوام الملابس ، ولما يعقدن اطرافها بعد النفث عليها ؟ 

فأجابتها العجوز :

- يُعدّ هذا أضعف الأسحار ، وهو يسبّب تعقيدات وتعسّرات في حياة المسحور من الناحية العاطفية والدراسيّة او العمليّة  

آمنة : لكن لا يقتل المسحور ؟!

- لا ، وبالعادة يُفكّ بعد مدة .. وساحرات هذا الطابق نجحنّ بتقديراتٍ مقبولة ، بعكس المتواجدات في الطوابق العليا


آمنة : وماذا كان إمتحان الشيطان ؟

العجوز بحزن : لا أريد تذكّر ذلك اليوم العصيب

- كما تشائين .. آه لم اسألك ، أنت تعملين في أيّ طابق ؟

العجوز : انا حصلت على المركز الأول ، وأُشرف حالياً على عمل الساحرات .. فمهنة السحر متوارثة بعائلتي منذ الأجداد ، لهذا تفوّقت عليهنّ بسهولة .. المهم لا تغيبي عن ناظري مهما حصل ، ولن تجرأ إحداهنّ على أذيّتك ...وهآ نحن وصلنا للطابق الأرضيّ ، دعيني اريك غرفتنا 

***


في الغرفة ، سألتها العجوز :

- هل أفرش لك على الأرضيّة ؟

آمنة بحزن : كنت أفضّل النوم بجانبك ، لاشتياقي لأمي 

- حبيبتي ، وانا ايضاً اشتقت لإبنتي .. اذاً سأضع لك وسادة بجانبي

- هل سننام في الحال ؟ اريد تعلّم المزيد عن عالمكم 

العجوز : ستتعلمين كل شيء في الأيام القادمة 


وبعد أن غطّتها بالّلحاف ..

آمنة : امي ، هل يُعتبر البرج مدرسة السحرة ؟

العجوز : مدرسة ! لا هي مدينتنا الصغيرة التي جمعنا فيها الشيطان من القرى والمدن المجاورة 

- اليس هذا خاطئاً ؟

- ماذا تقصدين ؟!

آمنة : أقصد الم يكن أفضل لوّ امتهنتنّ السحر في الخفاء ، بدل إمتناع الناس عن الإقتراب من برجكنّ ؟!

- بصراحة نعم ، فعملنا كان مزدهراً في السابق .. وما أن علموا الناس بانضمامنا للبرج ، حتى أحرقوا منازلنا القديمة.. وعلقنا هنا 

آمنة : وإن هدم الأهالي البرج او أحرقوه ، تتشرّدون جميعاً !

العجوز : لا تقلقي .. فالشيطان وجنوده الجن يعرفون المستقبل ، وسيحذّرونا للهرب قبل قضاء الناس علينا  

آمنة : وماذا لوّ علقتم في البرج بشكلٍ او بآخر ؟

- بسبب تضحيتي بابنتي ، ميّزني الشيطان بإخباري عن باب البرج السرّي الذي يُوصلني قرب البئر المهجور.. وهذا سرٌّ بيننا ، لا تخبريه للساحرات الحقودات


آمنة : حاضر امي .. وماذا بشأن الطعام ؟ من يحضره لكم ؟

- الجن تطبخ لنا 

آمنة : وهل طعامهم لذيذ ؟

- هو لا طعم له .. لكن لا خيار امامنا ، بعد رفض التجّار بيعنا او التعامل معنا  

- اذاً مارأيك لوّ توكّليني بهذه المهمّة ؟ 

العجوز : تقصدين شراء حاجياتنا ؟!

- نعم ، لن يشكّ أحد بطفلة

- أخاف إن خرجتِ من البرج ، أن يُعيدوك لخالتك

آمنة : الم تخبريني إن للبرج اربعة بوّابات ، كل واحدة منها تصلنا لقريةٍ مختلفة

- ألن تخافي السير في قريةٍ لا تعرفين طرقاتها ؟

- سأسأل الناس ، وهم سيدلّوني لأقرب بقالة .. لا تخافين عليّ 


ففكّرت العجوز قليلاً ، قبل أن تقول : 

- حسناً ، سأطلع زميلاتي على اقتراحك غداً .. والآن تعالي لحضني ، فقد اشتقت لتنويم ابنتي ، يا عزيزتي آمنة

- إن شئتِ ، يمكنك مناداتي بزهرة

فحضنتها بحنان والدموع في عينيها : حبيبتي زهرة ، كم اشتقت لمناداة اسمك الجميل

ونامت العجوز وهي تشعر بالسعادة لأول مرة منذ وقتٍ طويل 

***


في اليوم التالي ..هلّلت الساحرات فرحاً باقتراح آمنة ، وسارعن بطلب الأغراض الخاصة لهنّ ..  

العجوز : لحظة يا أصدقاء !! هي لا تستطيع حملهم جميعاً ، ثم لا نريد لفت أنظار البائع لشرائها الكثير من الحاجيات 

فقالت إحداهن : حسناً سنختار الأهم .. نريد كيس أرز ، وعدس وزيت 

الساحرة الأصغر سناً : والقليل من الشوكولا ، رجاءً 

آمنة : لا تقلقن .. يمكنني التسوّق أكثر من مرة ، من محلاتٍ مختلفة 

العجوز : لا نريد إتعابك 

آمنة : لا بأس امي .. انا صحّتي جيدة ، ويمكنني تحمّل التعب .. هيا اكتبن طلباتكن على ورقة ، كيّ لا أنساهم 

ففرحنّ بنشاطها وحيويّتها ..

***


ومع الأيام .. علّموها كل ما يعرفونه عن طرق السحر المختلفة .. وأخذوها معهن الى المقابر والبحر للرميّ الأسحار .. كما أوصلت آمنة الطلبيّات الى المنازل مساءً ، بعد لبسها القناع على وجهها (خوفاً أن تُعيدها خالتها الى منزلها) 

***


في إحدى الليالي .. إجتمعن في العلّية بحضور الشيطان (على هيئة نارٍ تطفو وسط الغرفة) والذي كان يزورهن مرة في الشهر .. 

وحين رأى آمنة ، عاتب العجوز قائلاً : 

- ألم تضحّي بعد بهذه الزوهريّة ؟!

العجوز بخوف : رجاءً سيدي ، لا اريد خسارة ابنتي الثانية 

ساحرة أخرى : هي تساعدنا بقضاء حوائجنا

- وتعلّمت الكثير عن السحر بوقتٍ قياسيّ

- هي موهوبة بالفعل

- وجميعنا نحبها


صوت الشيطان : اذاً لتثبت براعتها !!

العجوز بقلق : ماذا عليها فعله ؟!

الشيطان : تقدّم لي البديل !! أريدها أن تخطف قرباناً لي .. وليكن ذكراً وأصغر سنّاً منها ..  

العجوز : لكن ابنتي مازالت طفلة !

الشيطان مُعاتباً بعصبية : إذاً ساعديها بالتخطيط للمهمّة ، وكفاكِ أعذاراً!! 

فارتعبت العجوز من صراخه ..


فأسرعت آمنة بالقول : دعني ابدأ بمهمّةٍ سهلة .. وإن نجحت فيها ، أعدك سيدي بالقيام بما أمرتني به 

الشيطان : ماذا تقصدين ؟

آمنة : سأسرق حملاً صغيراً ، أقدّمه لك 

الشيطان : بشرط !! أن تذبحيه امامي 

فبلعت آمنة ريقها بخوف : سأحاول سيدي 

***


بعد انتهاء الجلسة .. أخرجتها امها آخر الليل ، من بوّابة البرج القريبة من الحقول .. وهي تقول لها : 

العجوز : أترين ذلك الكوخ المُضاء خلف المزرعة ؟ 

آمنة : نعم

- بجانبه حظيرة اغنام .. وهناك نافذة صغيرة علويّة ، يمكن لجسمك الهزيل الدخول من خلالها ..إسرقي أصغر حملٍ هناك ، وأخرجي من الباب الخلفيّ .. ولا تصدري ضجيجاً ، حتى لا يستيقظ كلب الراعي 

- سأحاول امي 


وظلّت امها تراقبها من بعيد بقلقٍ شديد ، الى أن عادت ومعها الحمل الصغير .. لتصفّق لها الساحرات بعد نجاح مهمّتها الأولى ، ليبقى امامها مهمّة ذبحه .. 


وبعد صعودهنّ للعليّة ، إنتظرن ظهور الشيطان من جديد ..ثم أخذن يرتلنّ بألحانٍ مخيفة ، بعد إعطاء آمنة سكيناً حادّاً .. 

ولم يكن امامها سوى تنفيذ امر الشيطان ، خوفاً من عقابه ..

ونحرته وهي تكتم دموعها ، ليكتفي الشيطان بالقول : 

- حسناً ، يمكنها البقاء معكن

وفور اختفاء شعلة النار ، هنّئت الساحرات العجوز بنجاح ابنتها .. 

ثم طبخنّ الحمل للعشاء ..

***


ومرّت الأيام ، وآمنة مازالت تنجح من إختبارٍ لآخر !  

إلى أن جاء اليوم الذي أصرّ فيه الشيطان أن تقدّم له قرباناً بشريّاً ..

وظنّ الجميع انها ستعتذر له مجدّداً ، لكنها فاجأتهنّ بالقول :

- سأفعل ذلك !! 

الشيطان : ومن اخترتي ؟

- ولدٌ زوهريّ مثلي ، كانت امه صديقة والدتي .. سأحاول إحضاره الى البرج بعد إلقائي التعويذة عليه ، لسلب إرادته .. لكن أعذرني سيدي ، لن أذبحه بنفسي.. فمازلت صغيرة على هذه المهمّة 

الشيطان : حسناً يكفي أن تحضري القربان ، وامك تذبحه لحصولي على دمائه اللذيذة .. متى ستنفذين المهمّة ؟

آمنة : قبيل غروب الشمس ، سأذهب الى قريتي القديمة للقائه 

الشيطان : اذاً سأعود اليكنّ آخر الليل .. وإن وجدّتُ الطفل امامي ، أُعلنك ساحرة جديدة في برجي 


واختفى من جديد .. لتلتفّ الساحرات حولها ، وهن يسألنها عن جدّية ما قالته للشيطان .. فأجابت آمنة :

- بالتأكيد !! لن أمزح مع سيدي

العجوز : انا فخورة بك ، حبيبتي

ساحرة شابة : دعيها تُحضره اولاً ، لنصبح جميعاً فخورات بها  

***


وانتظرت الساحرات عودتها على أحرّ من الجمر ، ليتفاجأن بقدوم صبيٍ أصغر سناً منها الى البرج ، بعد إغرائه بالحلوى ! 

فأسرعت العجوز بفحص يده ، لتتأكّد انه زوهريّ كما قالت ابنتها !

العجوز : ممتاز !! نفّذت المهمّة بنجاح .. الآن إذهبي الى غرفتي ، ريثما انتهي من تحضير القربان للشيطان 


آمنة بحزم : لا !! اريد فعل ذلك بنفسي

فنظرنّ الساحرات لبعضهن بدهشة !

العجوز : أمتأكدة من ذلك ؟ الأمر لن يكون سهلاً ، كذبح الحمل  

آمنة بحزم : أستطيع فعل ذلك .. فأنا نفثت عليه التعويذات ، ولن يقاومني .. (ثم همست للصبي ، مسلوب التفكير) .. هيا سأريك المصباح العملاق في العلّية ..


وأمسكت يده ، ليصعدا الأدراج .. والساحرات تلحقهما ، وهما مندهشات من جرأة آمنة هذه الليلة ! 

***


في العلّية ، جلسن في حلقةٍ كبيرة بانتظار قدوم الشيطان ..

وما أن ظهرت شعلة النار ، حتى وضعت آمنة السكين على رقبة الولد المُستسلم لقدره ، وهي تقول للشيطان :

- إسمح لي بتقديمه لك 

فشعرت امها بالفخر ، والنّسوة بالدهشة !

الشيطان : حسناً إفعلي ، وسأعلنك أصغر ساحرة بالمنطقة


فهمست آمنة بإذن الصغير بضعة كلمات ، ليتفاجأ الجميع بترتيله القرآن بصوتٍ عذّب .. جعلتهنّ يسارعن بإغلاق آذانهنّ برعب ! بعد سماعهن صراخ الشيطان المتألّم الذي قال : 

- ايها الملعون الصغير !! أحرقت جلدي

وصارت شعلة النار تلتفّ بأرجاء الغرفة بطريقةٍ هوجاء ، أحرقت معها أطراف عباءات الساحرات اللآتي صرخن وهن يحاولن إطفاء ملابسهن ، قبل اختفاء الشيطان الذي توعّد بعقاب الجميع دون رحمة !


وفي ظلّ ارتباكهنّ ، سألتها العجوز :

- لما فعلتي هذا يا زهرة ؟

- إسمي آمنة !! وهذا الصبي قريبي ، وكلانا حفظة قرآن ..واتفقت معه سابقاً على الإنتقام من قتلة أختي التوأم .. والآن سنهرب لنترككن تحترقن بنار الدنيا والآخرة

فصرخت إحدى الساحرات : انت مذنبة مثلنا !!


آمنة : بالعكس !! انا فكّكت جميع الأسحار قبل توصيل الطلبات وقبل دفنها بالقبور او رميها بالبحار ، وأزلت جميع الدبابيس من اللعب القماشيّة دون علمكنّ .. وسأبلّغ رئيس بلديتنا عن المتورّطين معكم من اهل القرى ، لينالوا عقابهم .. ولوّ كان شيطانكم يعرف الغيب لفضح فكّي لأسحاركم ، او أفسد خطتي هذه الليلة 

العجوز بخوف : ابنتي رجاءً لا تحرقينا !!

آمنة : قلت لك سابقاً إن الشيطان اخطأ بجمعكنّ في البرج ، فهذا سهّل التخلّص منكن دفعةً واحدة 

ثم قالت لقريبها الذي مازال يتلو القرآن : لنهرب على الفور !!

 

ونزلا الأدراج بسرعة ، بعد أن أمسكت النيران بالمفروشات الخشبيّة بالبرج.. وحاولت الساحرات الّلحاق بهما ، دون علمهن بسرقة آمنة لمفاتيح البوّابات الأربعة من غرفة العجوز .. وبذلك هربت مع قريبها من البرج ، بعد إقفالها جميع مخارجه !


ثم وقفا بجانب الناس التي تجمّعت مذهولة لمشاهدة حريق البرج ، وسماعهم للساحرات يتعذّبنّ بالداخل ! 

إلى أن اختفى صراخهنّ تماماً ، دون معرفة الناس ببطولة الصغيرين اللذين تعاهدا على إخفاء السرّ للأبد ..

***


في اليوم التالي ، تساعد الأهالي على هدم البرج بالكامل .. والغريب انهم لم يجدوا جثث الساحرات ، كأنهن إختفين عن الوجود! 

وانتشرت إشاعة : ((إن الجن استولت على عظامهنّ المحترقة))


ومن يومها عادت العلاقات بين القرى بعد انقطاع سنوات (لخوفهم المرور بجانب البرج الملعون)

وعاد الأولاد للعب في الشارع مساءً ، دون قلق الأمهات من إختطافهم وتقديمهم قرابين للشيطان .. 


وبعد إيجاد المتورّطون بالسحر من اهالي القرى على ورقة تهديد من آمنة على عتبة منزلهم ! إنتقلوا تباعاً للمدينة ، خوفاً من فضيحتهم  

وبذلك عمّ الأمان والسلام في القرى الأربعة ، بعد خلوّها من الأشرار 

*** 


في مكانٍ بعيد ، وصلت العجوز الى إحدى الفنادق الرخيصة (بعد هربها وحدها من الباب السريّ للبرج) ..


وبعد جلوسها في الغرفة ، أخرجت بيدها المُحترقة (من جيبها) ربطة شعر آمنة (التي فيها شعرتين من رأسها) التي وجدتها قرب البوّابة اثناء الحريق 

قائلةً بحنق :

- سأسحرك لدرجة تتمنّين فيها الموت ، يا ابنتي العزيزة

وابتسمت بخبث !


الخميس، 9 ديسمبر 2021

الأم المثاليّة

تأليف : امل شانوحة 

الأولاد المشاغبون


في الساعة السادسة ، أيقظت الأم ابنها للذهاب الى المدرسة.. 

فردّ بنبرةٍ ناعسة : أمي ، دعيني أنام قليلاً

- هيا إريك ، ستتأخّر على المدرسة .. قمّ الآن ، وإلاّ سحبتك بالقوة من فِراشك !!


فأزال بطانيّته ، وهو يتأفّف بضيق : لوّ كنتِ أماً حنوناً ، لتركتني مُتدفئاً بسريري بدل ذهابي للمدرسة بهذا البرد القارص

- كفّ عن التكاسل ، فحافلة المدرسة على وشك الوصول .. هيا إسرع بتجهيز نفسك  

فدخل الحمام وهو يقول في نفسه : ((ليت لي أماً ثانية لا تحرمني من النوم)) 

***


في منزلٍ آخر .. تناول جاك شطيرته دون النظر الى امه التي سألته:

- هل ستذهب الى المدرسة بهذا الوجه المُتجهّم ؟!

جاك غاضباً : أتلوميني على عصبيّتي بعد ضربي البارحة ؟!

- لأنك لم تتوقف عن اللعب رغم تأخّر الوقت ، وهآ أنت ضيّعت ساعتين من نومك 

- لما لا تدعيني على راحتي ؟

الأم : ممنوع اللعب إلاً في ايام العطل  

- يعني لن تعطيني حاسوبي بعد عودتي من المدرسة !


الأم بحزم : هل عليّ إعادة كلامي مرتين ؟!!

جاك بضيق : ماهذه الحياة المملّة ؟

- هاهو بوق الحافلة ، إسرع اليه !!.. واغلق سحّاب معطفك ، فالجوّ باردٌ في الخارج

فخرج مُتأفّفاً ، وهو يتمنّى لوّ خلت حياته من قوانين امه الصارمة

***


في منزل جاكلين ، أمسكتها امها بالقوة وهي تحشر اللقمة الخامسة في فمها 

- امي كفى !! لا اريد تناول فطوري

الأم بعصبية : لأنك أفسدّته بتناول الشوكولا..كم مرة أخبرتك : ممنوع الحلويات قبل الطعام !!

- سآكل ما اشاء ، لا يحقّ لك إجباري على الطعام الصحيّ المقرف 

الأم : جميع أصدقائك أطول منك ، بسبب تفضيلك الحلويات على الطعام المفيد .. وعقاباً لك ، لا مصروف هذا اليوم  

جاكلين : هذا ظلم !

- وضعت لك شطيرتين وعلبة عصير ، هذا يكفيك 


فخرجت جاكلين من منزلها وهي تتمنّى لوّ تنتقل لعالمٍ مليء بالحلويات ، دون حرص الأمهات المبالغ فيه

***


في منزل جيم .. جفّفت امه شعره ، بعد لبسه ثياب المدرسة النظيفة  

فقال باكياً : انا أكره الإستحمام صباحاً 

الأم : إذاً لا تكثر شرب السوائل قبل النوم  

- هذا ليس ذنبي ، كان عليك إيقاظي في المساء 

- لا بأس بنيّ ، الأطفال يلوّثون فراشهم من وقتٍ لآخر .. المهم جفّفتك تماماً حتى لا تمرض بهذا الجوّ البارد .. هيا إسرع لمدرستك ، فقد تأخّر الوقت

فخرج من بيته ، وهو يتمنّى توقف أمه عن الإهتمام بالنظافة لهذه الدرجة

***


إجتمع الأصدقاء الأربعة في ساحة المدرسة ، وشكى كل واحداً منهم قساوة والدته .. 

فقال إريك بضيق : انا أحب النوم لساعاتٍ طويلة .. وأمي تصرّ على إيقاظي قبل ساعة من قدوم الحافلة ، وهذا يضايقني جداً

جاك بقهر : وأنا أحب السهر أثناء تسليتي بالألعاب الإلكترونيّة .. وهي تريد أن أدرس طوال اليوم ، وأنام باكراً ! 

جاكلين : اما انا !! فأحب الحلويات ، وأكره الطعام بأنواعه .. وامي ترغمني على أكل الخضار واللحوم التي تثير غثياني

جيم : وانا أكره الإستحمام ، وهي تحممّني كل يومين !


إريك باستغراب : أمازالت تحمّمك ، وأنت في الثامنة ؟!

جيم : هي لا تثقّ بنظافتي ، ألديكم الحلّ للتهرّب منها ؟

جاك : الأمهات يضيّقون الخناق علينا ، لما لا يدعوننا على راحتنا؟ 

إريك : ليتنا نعيش في عالمٍ خالي من الأمهات

جاكلين : نعم عالم خاص بالأطفال ، فيه كل ما نتمنّاه : ألعاب وحلويات وسهر دون قوانين الكبار المملّة 

وهنا ارتفع صوت الجرس ، ليذهبوا مُرغمين الى صفوف الدراسة

***


في المساء ..نام الأولاد الأربعة ، وهم يفكّرون بأمنيتهم المستحيلة ..

***


في الصباح ، إستيقظ إريك للمرة الأولى وحده ! 

فذهب الى المطبخ ، ليرى امه تعدّ الطعام.. 

إريك : امي ! ماذا تفعلين ؟

- أعدّ الغداء ..

إريك بقلق : الغداء ! كم الساعة الآن ؟

الأم : أصبحنا في وقت الظهيرة

إريك بصدمة : الظهر ! لما لم توقظيني للمدرسة ؟!!

- تركتك على راحتك

- أنت تعلمين إن لديّ إمتحان رياضيات ! 


الأم : أحزنني سهرك طوال الليل وانت منشغل بالدراسة ، فتركتك ترتاح

إريك بعصبية : سهرت لدراسة الإمتحان ، والآن سأرسب فيه !!

- لا يهمّني في الحياة سوى راحتك ، فهل نمت جيداً ؟

- امي ! مابك اليوم ؟

الأم : هيا إجلس لتناول غدائك 

وأخذت تسكب له الطعام ، دون اكتراثها بتفويته يوماً دراسيّاً على غير عادتها !

***


في منزل جاك .. إستيقظ من نومه ، ليجد امه تلعب بالصالة بألعابه الإلكترونيّة الموصولة بالتلفاز الكبير 

جاك بدهشة : امي ! لما لم توقظيني للمدرسة ؟

الأم بحماس : دعك من الدراسة ، وتعال إلعب معي !!

جاك باستغراب : منذ متى تحبين العاب الكمبيوتر ؟!

- منذ البارحة 

جاك بصدمة : أمازلت تلعبين منذ البارحة ؟!

- الحقّ معك ، السهر ممتعٌ للغاية .. هيا تعال وشاركني اللعبة!!

- سآتي بعد تناول طعامي


الأم : لم اطبخ اليوم

- لماذا !

- لأني العب ، الا ترى ؟ 

جاك بقلق : وماذا سنأكل ؟

- سنطلب أيّ شيء من الخارج

- انت تعلمين إن معدتي لا يناسبها الطعام الجاهز

الأم : اذاً كلّ ما تجده في الثلاجة ، ولا تقاطعني ثانيةً .. فأنا مشغولة بإنهاء هذه المرحلة الصعبة من اللعبة

فذهب الى المطبخ ، وهو مندهش من تصرّفات امه الغير ناضجة !

***


اما جاكلين فاستيقظت ، لتجد امها بالمطبخ تأكل جميع الشوكولاتات التي اشترتها لها سابقاً ..

- امي ماذا تفعلين ؟ هذه حلوياتي !!

الأم : هي لي !! انا دفعت ثمنها

- ولما تأكلينها ؟ هكذا ستفسدين حميّتك الغذائية !

- لم أعدّ أطيق الخضروات والطعام المشويّ .. اريد تناول الحلويات ، فطعمها لذيذٌ جداً 

جاكلين : امي ! أتركي لي شيئاً 

- لا أدري إن بقيّ شيء في خزانة المطبخ ، إبحثي بنفسك 

- يعني لن نتغدّى اليوم ؟!


الأم : ولما أتعب نفسي بالطبخ ، طالما ترفضين تذوّقه .. لذا قرّرت أن نأكل الحلويات طوال حياتنا !! 

- هكذا نُفسد اسناننا ونُصبح بدناء ، اليس هذا كلامك ؟!

الأم بحماس : دعك من هذا ، وابحثي في الخزانة عن الحلوى .. وإن انتهت ، نذهب معاً لشراء المزيد !! 

فأعطتها شوكولا أخرى من درج المطبخ ، وهي قلقة على صحّة امها ! 

***


اما جيم فاستيقظ ، ليجد امه تلعب بالطين في حديقة منزلهم ! 

وما أن خرج اليها ، حتى بلّلته بخرطوم الماء وهي تقول :

- هيا جيم !! تعال لنلعب معاً  

جيم بقلق : امي ماذا تفعلين ؟ ستمرضين بهذا الجوّ البارد

الأم بحماس : لا يهم !! دعنا نلعب بالطين طوال اليوم 

- امي رجاءً ، أدخلي قبل أن يروك الجيران .. واستحمّي ، فثيابك وسخة للغاية !  

الأم : لا مزيد من الإستحمام !! سننام بملابسنا الوسخة ، ونأكل بأيدينا ..ولن ننظّف اسناننا بعد اليوم ، أو نمشّط شعرنا .. سنكون على طبيعتنا!! 

جيم بضيق : هذا ليس جيداً يا امي ، فالناس ستشمئزّ من رائحتنا القذرة

- لا يهمّني رأيهم ، المهم أن نكون سعداء .. هيا لنلعب معاً !!


وشدّت ذراعه ، ليقع معها في الوحل .. ثم أخذ يراقبها بقلق ، وهي تقفز بسذاجة في الطين ! 

***


إستمرّت الأوضاع الغريبة في منازل الأولاد الأربعة طوال الإسبوع ! لم يذهب فيه إريك الى المدرسة ، لرفض امه إزعاجه صباحاً ! 

فخاف على ضياع مستقبله ، وطرده من المدرسة بسبب غيابه المتكرّر


اما جاك ..فاشترت امه جميع الألعاب الإلكترونيّة من المتجر ، بعد إهمالها منزلها وابنها .. وصارت مُدمنة على اللعب طوال الوقت ، ممّا ضايقه جداً

 

اما جاكلين ..فشعرت بتوعكٍ معويّ من كثرة الحلويات التي أجبرتها امها على مشاركتها معها ! .. وخافت على صحّة امها التي تغيّرت ملامحها الرياضيّة ، بعد زيادة وزنها في الأيام الفائتة 


اما جيم ، فتحوّل منزله الى زريبةٍ مليئة بالأوساخ في كل مكان ! وأصبحت رائحة امه لا تطاق ، لرغبتها اللعب فقط دون الإستحمام .. وحين حاول ترتيب منزله ، أعادت بعثرة كل شيء ..وأمرته بالعيش على طبيعته! 

مما جعله يفكّر بإيجاد حلٍ لهذه المشكلة ، واتصل برفاقه للإجتماع معهم في الحديقة العامة القريبة من منازلهم

***


وهناك أخبروا بعضهم بالمشاكل التي طرأت على امهاتهم الإسبوع الماضي ، وكيف أصبحت طباعهم طفوليّة وغير مسؤولة ! 


إريك : أكاد أجنّ يا رفاق !! حتى عندما أضّبط مُنبّهي للإستيقاظ للمدرسة ، تُطفئه امي لأبقى نائماً .. وانا لا اريد إهدار سنتي الدراسيّة بالنوم ! 


جاك بقلق : وانا كرهت جميع الألعاب بعد هوس امي بالكمبيوتر ، وإنهائها جميع المراحل التي كنت مُتشوقاً لتجربتها .. كما ترفض الذهاب لعملها ! وأخاف أن تُطرد بعد غيابها إسبوع عن الشركة .. حينها لن نجد ما نأكله ، وربما نصبح مُشرّدين لعدم دفعها الإيجار 


جاكلين : وانا كرهت الحلويات بأنواعها ، بعد أن أجبرتني امي على أكل صناديق منها .. كما اشتقت لطعامها الصحيّ .. وأخاف حقاً أن تؤذي نفسها ، ونضّطر لأخذها الى المستشفى ! 


جيم : وانا حاولت مرة تنظيف غرفتي ، فقامت ببعثرة كيس النفايات في كل مكان! حتى عندما استحمّمت لأول مرة وحدي ، لطّخت ثيابي النظيفة بيديها المليئة بالكريمة .. لا افهم ما حصل لها ، فأنا لم ارى منزلنا بهذه الوساخة من قبل ! 


إريك : ماذا حصل لأمهاتنا يا ترى ؟!

جاكلين بقلق : أتظنوا أمنيتنا السابقة (بتغيّر أمهاتنا) تحقّقت بالفعل؟!

جاك بحزن : ليتنا لم نطلب تلك الأمنيّة .. فقد كنّ مثاليّات ، ولم ندرك ذلك إلاّ متأخراً 

جيم : صحيح ..فحين يتصرّف الراشدون كالأطفال ، يصبحون مزعجون للغاية ! 

جاكلين : اذاً دعونا نمسك أيدينا ، ونتمنّى مجدّداً أن يُعدنّ كما كنّ في الماضي


وبعد إغماض أعينهم ، قالوا بصوتٍ واحد : 

- يارب !! أعدّ الينا أمهاتنا ، ونعدك بعدم مخالفة أوامرهنّ بعد اليوم  

***


في الصباح التالي .. إستيقظ إريك باكراً ، ليجد امه تحضّر شطيرته للمدرسة وهي تقول بدهشة : 

- إريك ، جهّزت نفسك بهذه السرعة ! كنت ذاهبة لإيقاظك

- هل كنت ستوقظيني فعلاً للمدرسة ؟

الأم : طبعاً ، لا اريدك أن تفوّت الحافلة .. هيا تعال لتناول فطورك قبل وصولها 

فتنفّس الصعداء لعودة امه الى طبيعتها المُهتمّة ..

***


في منزل جاك .. إستيقظ باكراً لتحضير حقيبته ، فدخلت امه غرفته وهي تقول :

- آه جيد ! إستيقظت باكراً

جاك : لأني نمت البارحة في الساعة الثامنة

الأم بفخر : أحسنت بنيّ !! فحين تنام باكراً ، تستيقظ نشطاً

- وماذا عنك ؟ هل سهرت ثانيةً على الألعاب الإلكترونيّة ؟

الأم باستغراب : ومنذ متى أحب اللعب بتلك الأشياء ! هيا إسرع بالنزول لتناول فطورك ، سأوصلك للمدرسة ثم أذهب لعملي .. هيا عزيزي

فابتسم بارتياح لعودتها كما كانت

***


في منزل جاكلين ، قالت امها :

- وضعت لك شوكولا مع شطيرتك المدرسيّة ..وهذا مصروفك

فأزالت جاكلين الشوكولا من حقيبتها وهي تقول :

- لا امي ، الشطيرة تكفيني

امها بدهشة : أحقاً لا تريدين الحلوى ؟!

- لا ، أفضّل طعامك الصحيّ

الأم بدهشة : أتريدين أن أطبخ البروكلي على الغداء ؟!

- نعم امي ، احبه كثيراً

- سعيدة لأنك بدأتِ تحبين الخضراوات .. ما رأيك أن أشوي بجانبه اللحم ؟ 

جاكلين بابتسامة : اللحم لذيذٌ ايضاً ، شكراً لك 


وخرجت الى المدرسة ، وهي متشوّقة لتناول طعام امها الصحيّ من جديد

***


اما جيم ، وبعد خروجه من الإستحمام ..قالت امه :

- الم تكن تكره الإستحمام الصباحيّ ؟! أم إنك لوّثت سريرك .. 

جيم مقاطعاً : لا امي ، كبرت على تصرّفاتي الطائشة .. ثم الإستحمام صباحاً يعطيني النشاط لإكمال يومي الدراسيّ 

- أحسنت بنيّ !! جفّف نفسك كيّ لا تمرض .. (ثم اقتربت منه ، وهي تشمّه).. رائحتك جميلة بالفعل ! 

جيم باستغراب : هل فعلاً تُعجبك رائحة النظافة ؟

- وهل يوجد أجمل منها ؟ هيا الى المطبخ لتناول فطورك


وعند نزوله للطابق السفليّ ، لاحظ نظافة المكان .. فسأل امه : 

- هل نظّفتي البيت أثناء نومي ؟! 

الأم : منزلي دائماً نظيفاً ومرتّباً يا جيم 

- هذا صحيح امي 

وحضنها بحنان..

***


واجتمع الأصدقاء الأربعة في ساحة المدرسة ، وهم سعيدون باستجابة الله لدعائهم بعودة امهاتهم كما كنّ في السابق ..وتعاهدوا أن يتخلّوا عن تصرّفاتهم الطفوليّة الغير مسؤولة ، والإستماع أكثر لنصائح والداتهم

***


في عصر ذلك اليوم .. إجتمعت الأمهات الأربعة في منزل مديرة المدرسة الإبتدائية ، ليخبروها بما حصل ..

المديرة : ممتاز !! والمعلمات ايضاً لاحظنّ نشاطهم في الدراسة ، بعد غيابهم لأسبوع

ام جاك بقلق : جيد انك نصحتني بأخذ إجازة إسبوع من عملي ، للقيام بالمهمّة الصعبة ، فمازالت عينايّ تؤلماني من السهر على الألعاب الإلكترونيّة السخيفة .. المهم سيدتي : أنت وعدّتنا أن لا يُكتب غيابهم في سجلّات المدرسة  

المديرة : لا تقلقي بهذا الشأن ، كما اتفقت مع معلماتهم على إعادة الإمتحانات التي فاتتهم 

ام جاكلين : لا أصدّق انك طلبتي منّا تنفيذ أمنياتهم ، فقط لتحسين سلوكهم!

ام إريك : نعم ، أشعر انك تخفين السبب الحقيقي عنا


فتنهّدت المديرة تنهيدةً حزينة ، قبل أن تقول :

- مالا تعرفونه عني ، إن ابني الوحيد انتحر بعمر العاشرة

الأمهات بصدمة : إنتحر !


المديرة بحزن : شنق نفسه في غرفته .. وبعد العزاء ، وجدّتُ دفتر مذكّراته الذي اشتكى فيه من قساوتي : لأني أشدّد عليه بالدراسة والنوم باكراً ، وعدم إضاعة وقته باللعب مع الأصدقاء ، واهتمامي الزائد بطعامه الصحيّ .. هو لم يفهم انني فعلت ذلك خوفاً عليه ، وحرصاً على مستقبله وصحّته .. وآخر ما كتبه في دفتره : ((ليت لي أماً أخرى)) .. لهذا حين كنت أراقب ساحة المدرسة ، وسمعت ابنائكم يتمنّون الشيء ذاته ! شعرت برغبةٍ جامحة لإفهامهم خطأهم .. لهذا طلبت منكنّ إعطائهم الحريّة طوال الإسبوع بشكلٍ مُبالغ فيه ، ليشعروا أن هذا ليس في صالحهم .. 


الأم : وقد نجحت خطتك ، فإبني جاك لم يعدّ مهووساً بالألعاب الإكترونيّة

- وابني جيم ، صار يهتمّ بنظافته وترتيب غرفته 

- وابني إريك ، صار يستيقظ وحده دون مُنبّه !

- وابنتي جاكلين بدأ يعجبها أكلي الصحيّ ، فشكراً لك

أم جيم : نعم ، مجهودك لم يضع سدى  

المديرة بابتسامة : وانا سعيدة بذلك

***


بعد شهر في عيد الأم ، وبعد انتهاء المسرحيّة .. تقدّم الأولاد الأربعة على خشبة المسرح ، ليقولوا للأهالي بصوتٍ جهوريّ :

جيم : أنتم تعرفون مصلحتنا أكثر منّا

جاك : قوانينكم الصارمة ، هي لصالح مستقبلنا

إريك : رجاءً لا تتغيّروا لأجلنا

جاكلين : نحن نحبكم كما انتم !!


فصفّق الأهالي بحرارة ، ومن بينهم الأمهات الأربعة الفخورات بتغيّر ابنائهم الإيجابي في الأسابيع الماضية ..


بينما مسحت المديرة دمعتها ، وهي تقول في نفسها :

((هذه لإراحة روحك ، يا صغيري المشاغب))


الزوبعة النورانية الجزء الثالث والأخير

تأليف : امل شانوحة  رابط الجزء الأول من القصة https://www.lonlywriter.com/2026/09/blog-post.html رابط الجزء الثاني من القصة  https://www.lon...