تأليف : امل شانوحة
عالم السحرة
فور سماع الأم لصرير باب البرج الشاهق (المبني وسط القرى الريفيّة) وهو يُفتح من بعيد ، حتى شدّت ذراع ابنها وهي تقول بخوف :
- إسرع الخطى دون النظر للبرج .. دعنا نصل بسلام لمنزلنا ، قبل غياب الشمس
لم يفهم ابنها ما حصل ! لكنه ركض معها ، إلى أن تجاوزا البرج الحجريّ الذي يبدو مهجوراً ، لولا النور الساطع من عليّته ..
***
بعد وصولهما الى المنزل ، سأل أمه عن سبب خوفها من البرج المضيء
الأم باستغراب : لما سمّيته البرج المضيء ؟!
ابنها : لأن نور طابقه العلويّ يظلّ مُشعاً طوال الليل
فقالت جدته بضيق : هذا ليس نور المصباح ، بل نار الشيطان
الحفيد بخوف : الشيطان !
ابنتها معاتبة : امي رجاءً .. لا تخبريه عن الحوداث المخيفة ، فهو مازال صغيراً
الجدة : إريد تنبيهه بعدم الذهاب الى هناك ، كما فعل الصغار المُختطفين قبل اعوام
فقالت الأم لإبنها : يكفي يا بنيّ أن تعرف إن ذلك البرج مليء بالنّسوة الأشرار ، لذا إيّاك اللعب بجانبه او التحدّث مع الشابات والعجائز اللآتي تخرجنّ من بوّابته الكبيرة .. وعليك التواجد في المنزل قبل غروب الشمس ، هل كلامي مفهوم ؟!!
فأكملت الجدة : ولا تقترب من المقبرة ، فهنّ يتواجدنّ هناك طوال الليل
الولد باهتمام : وماذا تفعل النساء في المقابر ؟!
فقالت الأم للجدة : رجاءً توقفي عن إرعابه ..
ثم قالت لإبنها : أوعدني يا صغيري بعدم الإقتراب من البرج المخيف مهما حصل
فأومأ برأسه موافقاً ..
***
وفي منزلٍ ريفيٍّ آخر ، سألت فتاةٌ امها :
- لما لا نزور خالتي ؟ إشتقت لها كثيراً
الأم : منزلها خلف البرج ، وأخاف المرور بجانبه
- تقصدين برج السحرة ؟
- لا ترفعي صوتك ، حتى لا يسمعك الشيطان
ابنتها : إذاً نذهب اليها صباحاً ، فالبرج يُضاء في المساء فقط
- مهما يكن ، لن أجازف بالإقتراب منه .. الا ترين ما حصل لجارتنا ؟ فمنذ جِدالها مع الساحرة وهي طريحة الفراش .. وصديق والدك الذي أُصيب بالعمى ..وتاجر القماش الذي احترق محله ، بعد رميه الحجارة على بوّابة البرج .. أوعديني يا ابنتي أن لا تمرّي بجانبه ابداً
ابنتها بضيق : وإلى متى سنبقى على هذه الحالة ؟
الأم بغضب : الى أن يخسف الله ببرجهم اللعين !!
***
في منزلٍ آخر ، أغلقت الأم النافذة بعصبية..
ابنها الصغير : لحظة امي !! كنت أنتظر إضاءة الطابق العلويّ للبرج
- لا تنظر مُطلقاً الى تلك الجهة الملعونة !!
وبعد قليل سألها : هل صحيح إن البرج ظهر فجأة ؟
فتنهّدت الأم بضيق : نعم .. بناه الجن خلال ثلاثة ايام ، ليقطعوا التواصل بين القرى الأربعة
- وهل صحيح ما تقوله الإشاعة : إن الشيطان إختبر جميع الساحرات في بلادنا .. ومن فازت منهن ، أعطاها غرفة في برجه؟
الأم بدهشة : من أخبرك بهذه القصص ؟!
- سمِعها أصدقائي من اهلهم ، فهل الحادثة صحيحة ؟
- هذا ما يُقال
الإبن : وماذا يوجد بالداخل ؟
- عدّة طوابق حسب منزلة الساحر او وظيفته .. لا أحد بالضبط يدري ما يحصل هناك ! حتى المشايخ لم تتجرّأ على اقتحام البرج ، واكتفوا بنصحنا : بتحصين أنفسنا بأدعية الصباح والمساء
- وماذا عن الطابق العلويّ ؟ هل يظهر فيه الشيطان من وقتٍ لآخر ؟ وهل هو من يجلب الطعام للساحرات ؟
الأم بعصبية : وما دخلك انت بقصص الشياطين ؟ أحرقهم الله في القريب العاجل.. هيا الى سريرك !! وكفاك تفكيراً بأعداء الله
***
في منزلٍ آخر .. عاد الرجل الى بيته مهموماً ، فسألته زوجته :
- لما أغلقت محلّك باكراً ؟ لم تمضي ساعة على غروب الشمس !
زوجها بيأس : لم يأتيني زبونٌ واحد طيلة النهار ، أخشى أن أكون مسحوراً في رزقي !
فقالت مُطمّئنة : صحيح إننا نعيش قرب برج السحرة ، لكن لا أحد يستطيع العبث بالقدر .. فالرزق مثل الموت ، يلحقك أينما كنت ..ولن ينتهي أجلك قبل حصولك على رزقك كاملاً
زوجها : لكن السحرة لديهم القدرة على تعسير أمورنا ، لهذا لا توبة لهم بعد تدخلهم بعمل الله ..
- هذا صحيح .. لكنهم لا يلغون الرزق الذي كتبه الله لك ، منذ وجودك في بطن امك .. بل أرى أنه علينا شُكر من سحرنا
- ماذا تقصدين ؟!
زوجته : إن كانوا سحروك بالفعل ، فهم أجّلوا رزقك لليوم الذي يقدّر فيه الله إنهاء شرّهم ، وحينها ستتفاجىء برزقك ينزل اليك دفعةً واحدة .. تماماً كالغيمة التي امتلأت بالأمطار ، او كسرك للحصّالة المليئة بالنقود .. الم تسمع بأشخاصٍ عاشوا طوال حياتهم فقراء ، وفجأة أصبحوا اثرياء بحصولهم على ميراث او صفقةٍ رابحة ؟
الزوج : أتمنى أن يكون كلامك صحيحاً ، فقد تعبت من كثرة العمل وقلّة الرزق .. وفي حال لم تتحسّن أوضاعنا قريباً ، سأفكّر جدّياً بانتقالنا من هذا المنطقة الملعونة
***
في منزلٍ آخر ، بعد حلول المساء .. وفور عودة سيدة من عند جارتها ، بحثت في غرف منزلها عن آمنة (إبنة أختها) ..
فأخبرها زوجها انه أرسلها للبقالة ، لشراء السجائر ..
فردّت زوجته بعصبية : هل جننت يا رجل ؟!! أترسل فتاةً صغيرة مساءً الى بقالةٍ قريبة من برج الشيطان ؟!
- الا يكفي موافقتي على تربيتها مع اولادي ، الآن تمنعيني من إرسالها بمهمّاتٍ منزليّة ؟!
- إرسل ابنك الكبير ، فإبنة اختي زوهريّة .. وإن عرفت الساحرات بذلك سيقدّموها قرباناً للشيطان ، كما حصل مع اختها التوأم رحمها الله
زوجها بلا مبالاة : لا تخافي ، ستعود بعد قليل
***
بعد شراء آمنة الدخان ..وقفت بجانب البوّابة الحديديّة ، وهي تعدّ طوابق البرج بعد إنارة طابقه الأخير..
لتتفاجأ بعجوز تلمس كتفها من الخلف ، وهي تقول :
- لم ارك من قبل ! من انتِ ؟
آمنة بارتباك : انا أعيش عند خالتي ، في منزلٍ قريب من هنا
العجوز : ولما لا تعيشين مع اهلك ؟
آمنة بحزن : امي توفيّت ، وابي سافر بعد العزاء وانقطعت اخباره
- وكيف ماتت امك ؟
- حزناً على أختي التوأم التي بيعت للعالم السفليّ ، بشوالٍ من الذهب
العجوز باهتمام : أحقاً ! وهل كانت اختك زوهريّة ؟
آمنة : لم أفهم سؤالك !
فسحبت العجوز كفّها الصغير نحو نظّارتها ، وهي تقول :
- دعيني أرى
وفور مشاهدتها الخطّ الطولي الذي يفصل راحة يدها ، حتى ارتسمت على وجهها ابتسامةٍ عريضة ..
وأمسكت ذراع الصغيرة وهي تقول :
- ما رأيك أن اريك البرج من الداخل ؟
آمنة بحماس : أحقاً يا خالة !! لطالما أحببت الدخول الى هناك .. لكن خالتي تمنعني الإقتراب منه ، دون إفهامي السبب !
- سأريك كل الغرف ، حتى الطابق العلويّ
آمنة : الطابق المُضاء بأنوارٍ قويّة ؟
- نعم !! فيها مصباحٌ عملاق ، أتريدين رؤيته ؟
آمنة بسعادة : بالتأكيد !! دعيني اولاً أوصل الدخان لزوج خالتي ، ثم أعود اليك
فسحبت العجوز العلبة من يدها ، وهي تقول :
- سأوصلها بنفسي ، بعد اكتشافكِ لبرجي الجميل .. هيا بنا
ودخلت آمنة من بوّابته الصدئة .. لتجد أمامها سلالم طويلة حلزونيّة ، مُضاءة بشعلات النار على جوانبه ..
وأول ما لاحظته : هي خطوات العجوز السريعة على الدرج رغم كبر سنها ، وكأنها تطفو !
وبمرورها عند كل طابق ، لمحت آمنة أشياءً غريبة ! رفضت العجوز التوضيح لها ، مُكتفية بالقول : ((مرتبة الساحر ترتقي مع كل طابق ، حسب قوّة وتأثير تعويذاته على المسحور))
ففي الطابق الأول : رأت آمنة مجموعة من النساء بعباءاتٍ سوداءٍ مُجعّدة وهم يعقدون اطراف الثياب بعد نفثهنّ فيها ، وخلفهنّ اكوام الملابس الملوّنة بأحجامٍ مختلفة ! واللآتي ما أن رأين الصغيرة ، حتى توقفن عن تلاوة تعويذاتهنّ وهن ينظرن اليها بدهشة !
فقالت العجوز لهنّ بصوتٍ منخفض ، وهي تُشير لآمنة :
- هذه زوهريّة
فابتسمن جميعاً بارتياح..
وأكملا صعودهما للطابق الثاني الذي فيه : مجموعة من الشابات يقمنّ بغرز الدبابيس في العابٍ قماشيّة .. وبعضهن يضعن الأقفال على اقدام اللعبة ، وهن يرتلن ترتيلاتٍ بنبرةٍ مخيفة !
وكن مندمجات بعملهنّ ، لدرجة عدم ملاحظتهن الصغيرة التي أكملت صعودها مع العجوز للطابق الثالث الذي فيه :
عجائز يعدّون الطعام الذي لم تستسيغ آمنة رائحته الغريبة !
فأغلقت أنفها وهي تُكمل طريقها للطابق الرابع الذي فيه :
نساء تجلسن حول شعلة النار ، وهنّ يرمين التراب فوق رؤوسهن ويضربن بالعظام على الدفوف !
اما في الطابق الخامس : فرأت أقفاصاً مُعلّقة بالسقف ، فيها هياكل عظميّة صغيرة الحجم تبدو لأولادٍ لم يتجاوزوا العاشرة ، وفي البعض الآخر : بقايا اطفالٍ رضّع !
فشهقت آمنة بخوف ، بعد تذكّرها كلام خالتها : عن إختفاء عددٍ من اطفال القرى الأربعة ، فور ظهور البرج الملعون !
وحين تجمّدت في مكانها ! شدّت العجوز ذراعها بعنف لإكمال طريقها الى العلّية المُضاءة ، التي فيها شعلة نارٍ تطفو وسط الغرفة!
وعلى الفور !! سجدت العجوز للنار وهي تقول :
- سيدي الشيطان .. أتيتك بطفلةٍ زوهريّة ، لتقديمها قرباناً لك
فازداد لهيب النار ، كأنه وافق على هديّتها !
فأخرجت سكيناً كبيراً من خزانة الحائط بعد تثبيت آمنة بالأرض التي سارعت بالقول ، بخوفٍ شديد :
- أرجوك لا تقتلينني !! إعتبريني ابنتك زهرة
فجاء كلامها صادماً للعجوز ! (التي أجبرها الشيطان قديماً على التضحيّة بإبنتها الوحيدة ، للحصول على المرتبة الأعلى بين السحرة)
فسألتها بصوتٍ متهدّج : من أخبرك عن زهرة ؟!
آمنة وهي تبكي : كل الناس تقول إنها أجمل طفلة في المنطقة
العجوز وهي تحاول كتم دموعها : نعم .. إبنتي كانت الأجمل فعلاً ، كحوريّةٍ من الجنة
وفجأة ! انطفأت الشعلة .. فعاتبتها بخوف :
- إنظري ماذا فعلتي !! لقد أغضبتي الشيطان بفتحك جِراح الماضي
آمنة : رجاءً لا تقتليني ، وربّيني مكان ابنتك
العجوز بصدمة : ماذا قلتِ ؟!
آمنة : الم تكوني تحلمين بتعليمها أصول السحر ؟
- نعم
- وانا لديّ الشغف لتعلّم مهنتكم
العجوز بصدمة : أحقاً !
آمنة : نعم ، لطالما أُعجبت بعالمكم الغامض
- وماذا عن اهلك ؟
آمنة : قلت لك بأنّي يتيمة ، وزوج خالتي لن يُحزنه غيابي.. (ثم أمسكت يدها بحنان) .. هل تقبلين أن أكون ابنتك وتلميذتك النجيبة ؟ ..فكما يُقال : الجن تحب الزوهريين ، اليس كذلك ؟
العجوز : بل الجن يخشونكِ ، لأنك لا تتأثّرين بالسحر
- وهذا سيجعلني أقوى ساحرة في المستقبل ، طالما لا تستطيع منافساتي إضعافي بسحرهنّ
العجوز باستغراب : كيف تعرفين كل هذه المعلومات ، وانت لم تبلغي 11 من عمرك ؟!
- عمري 12 ، وموت أختي التوأم جعلني اسأل كبار السن عن الموضوع
- الم يخيفك الأمر ؟
آمنة : لا ابداً !! بل حسدّت أختي لانتقال روحها الى العالم السفليّ .. ومنذ موتها ، رغبت بمعرفة المزيد عن عالم الجن والشياطين الشيّق
ففكّرت العجوز مطوّلاً ، قبل أن تقول :
- حسناً موافقة ، لكن بشرط !! لا تفارقيني ابداً ، خوفاً أن تضحّي بك زميلاتي ، لأن دمك كنز بالنسبة لهنّ
آمنة : لا تقلقي ، لن تخسري ابنتك الثانية يا امي
العجوز بصدمة : امي ! كم اشتقت لهذه الكلمة
آمنة بحزن : وانا اشتقت لقولها ثانيةً
وحضنتها بحنان ، لتنهار الساحرة بالبكاء بعد تذكّر ابنتها زهرة
***
في هذه الأثناء بالقرية ، بحثت الخالة وزوجها عن آمنة بعد تأخّر الوقت .. فأخبرهم صاحب البقالة : انه شاهد عجوزاً تنظر لكفّ يدها ، قبل إختفائهما عن أنظاره ..
فعلمت الخالة انها خُطفت الى برج الشيطان .. وارادت الذهاب للمقبرة لإنقاذها ، قبل ذبحها هناك .. لكن زوجها منعها ، خوفاً عليها من أذى السحرة إن أعاقت عملهنّ ، وذكّرها بلزوم حماية أولادها من شرّهن
فعادت حزينة لمنزلها ، بعد معرفتها أن آمنة ستلاقي قريباً مصير أختها التوأم !
***
بهذه اللحظات ، نزلت آمنة مع العجوز الى الطابق الأرضيّ (حيث غرف نوم السحرة) ..
وهذه المرة قرّرت العجوز شرح ما يحصل في كل طابق يمرّان به ، دون إخبارها عن الطابق الخامس التي اكتفت بالقول : إن الهياكل العظميّة عبارة عن تماثيل وليست قرابين قديمة ، كيّ لا تخيفها ..
وبنزولهما للطابق الرابع : أخبرتها إن النّسوة اللآتي تجلسن في الغرفة المُتربة وهن يضربنّ الدفوف بالعظام ، مهمّتهن سحر الأشخاص بتعويذة الموت بعد تقرّبهن لجن المقابر
وفي الطابق الثالث : قلّت رتبة السحرة ! وانحصرت قدرتهنّ بإمراض المسحور دون قتله ، بوضعهنّ السحر في طعامه او شرابه
آمنة : وكيف يصل الطعام الى المسحور ؟
العجوز : نُرسل الطلبيات لمنازل النساء التي دفعت مبلغاً كبيراً مقابل سحرنا
آمنة بدهشة : لم اكن أعلم إن هناك متورطّين من خارج البرج !
- صدّقيني يا ابنتي .. لا أبالغ إن قلت : نصف سكّان القرى متواطئين معنا ، والنصف الآخر مسحورين .. المهم لنُتابع النزول
وحين وصلتا للطابق الثاني ، حيث الدمى القماشيّة .. سألتها آمنة بحماس :
- هل يمكنني الحصول على إحدى اللعب ؟!!
- لا طبعاً !! هي مُخصّصة للسحر
آمنة : أتقصدين بسبب الدبابيس ؟
- نعم .. فكل واحدة منها ، تسبّب الأوجاع في جسم المسحور
- تعنين إن اللعبة تُمثّل جسم المسحور ؟
العجوز : أحسنت !! انت تتعلّمين بسرعة
- الهذا تكتبون على وجه اللعبة ؟
- نكتب اسم الشخص المراد سحره
آمنة : وماذا عن الأقفال ؟
- هي للعرائس الجدّد
- ولماذا تقفلنّ أقدام اللعبة ؟
فضحكت العجوز : ستعرفين حين تكبيرين .. لنُكمل النزول الى غرفتي
ووصلتا للطابق الأول .. وسألتها آمنة عن اكوام الملابس ، ولما يعقدن اطرافها بعد النفث عليها ؟
فأجابتها العجوز :
- يُعدّ هذا أضعف الأسحار ، وهو يسبّب تعقيدات وتعسّرات في حياة المسحور من الناحية العاطفية والدراسيّة او العمليّة
آمنة : لكن لا يقتل المسحور ؟!
- لا ، وبالعادة يُفكّ بعد مدة .. وساحرات هذا الطابق نجحنّ بتقديراتٍ مقبولة ، بعكس المتواجدات في الطوابق العليا
آمنة : وماذا كان إمتحان الشيطان ؟
العجوز بحزن : لا أريد تذكّر ذلك اليوم العصيب
- كما تشائين .. آه لم اسألك ، أنت تعملين في أيّ طابق ؟
العجوز : انا حصلت على المركز الأول ، وأُشرف حالياً على عمل الساحرات .. فمهنة السحر متوارثة بعائلتي منذ الأجداد ، لهذا تفوّقت عليهنّ بسهولة .. المهم لا تغيبي عن ناظري مهما حصل ، ولن تجرأ إحداهنّ على أذيّتك ...وهآ نحن وصلنا للطابق الأرضيّ ، دعيني اريك غرفتنا
***
في الغرفة ، سألتها العجوز :
- هل أفرش لك على الأرضيّة ؟
آمنة بحزن : كنت أفضّل النوم بجانبك ، لاشتياقي لأمي
- حبيبتي ، وانا ايضاً اشتقت لإبنتي .. اذاً سأضع لك وسادة بجانبي
- هل سننام في الحال ؟ اريد تعلّم المزيد عن عالمكم
العجوز : ستتعلمين كل شيء في الأيام القادمة
وبعد أن غطّتها بالّلحاف ..
آمنة : امي ، هل يُعتبر البرج مدرسة السحرة ؟
العجوز : مدرسة ! لا هي مدينتنا الصغيرة التي جمعنا فيها الشيطان من القرى والمدن المجاورة
- اليس هذا خاطئاً ؟
- ماذا تقصدين ؟!
آمنة : أقصد الم يكن أفضل لوّ امتهنتنّ السحر في الخفاء ، بدل إمتناع الناس عن الإقتراب من برجكنّ ؟!
- بصراحة نعم ، فعملنا كان مزدهراً في السابق .. وما أن علموا الناس بانضمامنا للبرج ، حتى أحرقوا منازلنا القديمة.. وعلقنا هنا
آمنة : وإن هدم الأهالي البرج او أحرقوه ، تتشرّدون جميعاً !
العجوز : لا تقلقي .. فالشيطان وجنوده الجن يعرفون المستقبل ، وسيحذّرونا للهرب قبل قضاء الناس علينا
آمنة : وماذا لوّ علقتم في البرج بشكلٍ او بآخر ؟
- بسبب تضحيتي بابنتي ، ميّزني الشيطان بإخباري عن باب البرج السرّي الذي يُوصلني قرب البئر المهجور.. وهذا سرٌّ بيننا ، لا تخبريه للساحرات الحقودات
آمنة : حاضر امي .. وماذا بشأن الطعام ؟ من يحضره لكم ؟
- الجن تطبخ لنا
آمنة : وهل طعامهم لذيذ ؟
- هو لا طعم له .. لكن لا خيار امامنا ، بعد رفض التجّار بيعنا او التعامل معنا
- اذاً مارأيك لوّ توكّليني بهذه المهمّة ؟
العجوز : تقصدين شراء حاجياتنا ؟!
- نعم ، لن يشكّ أحد بطفلة
- أخاف إن خرجتِ من البرج ، أن يُعيدوك لخالتك
آمنة : الم تخبريني إن للبرج اربعة بوّابات ، كل واحدة منها تصلنا لقريةٍ مختلفة
- ألن تخافي السير في قريةٍ لا تعرفين طرقاتها ؟
- سأسأل الناس ، وهم سيدلّوني لأقرب بقالة .. لا تخافين عليّ
ففكّرت العجوز قليلاً ، قبل أن تقول :
- حسناً ، سأطلع زميلاتي على اقتراحك غداً .. والآن تعالي لحضني ، فقد اشتقت لتنويم ابنتي ، يا عزيزتي آمنة
- إن شئتِ ، يمكنك مناداتي بزهرة
فحضنتها بحنان والدموع في عينيها : حبيبتي زهرة ، كم اشتقت لمناداة اسمك الجميل
ونامت العجوز وهي تشعر بالسعادة لأول مرة منذ وقتٍ طويل
***
في اليوم التالي ..هلّلت الساحرات فرحاً باقتراح آمنة ، وسارعن بطلب الأغراض الخاصة لهنّ ..
العجوز : لحظة يا أصدقاء !! هي لا تستطيع حملهم جميعاً ، ثم لا نريد لفت أنظار البائع لشرائها الكثير من الحاجيات
فقالت إحداهن : حسناً سنختار الأهم .. نريد كيس أرز ، وعدس وزيت
الساحرة الأصغر سناً : والقليل من الشوكولا ، رجاءً
آمنة : لا تقلقن .. يمكنني التسوّق أكثر من مرة ، من محلاتٍ مختلفة
العجوز : لا نريد إتعابك
آمنة : لا بأس امي .. انا صحّتي جيدة ، ويمكنني تحمّل التعب .. هيا اكتبن طلباتكن على ورقة ، كيّ لا أنساهم
ففرحنّ بنشاطها وحيويّتها ..
***
ومع الأيام .. علّموها كل ما يعرفونه عن طرق السحر المختلفة .. وأخذوها معهن الى المقابر والبحر للرميّ الأسحار .. كما أوصلت آمنة الطلبيّات الى المنازل مساءً ، بعد لبسها القناع على وجهها (خوفاً أن تُعيدها خالتها الى منزلها)
***
في إحدى الليالي .. إجتمعن في العلّية بحضور الشيطان (على هيئة نارٍ تطفو وسط الغرفة) والذي كان يزورهن مرة في الشهر ..
وحين رأى آمنة ، عاتب العجوز قائلاً :
- ألم تضحّي بعد بهذه الزوهريّة ؟!
العجوز بخوف : رجاءً سيدي ، لا اريد خسارة ابنتي الثانية
ساحرة أخرى : هي تساعدنا بقضاء حوائجنا
- وتعلّمت الكثير عن السحر بوقتٍ قياسيّ
- هي موهوبة بالفعل
- وجميعنا نحبها
صوت الشيطان : اذاً لتثبت براعتها !!
العجوز بقلق : ماذا عليها فعله ؟!
الشيطان : تقدّم لي البديل !! أريدها أن تخطف قرباناً لي .. وليكن ذكراً وأصغر سنّاً منها ..
العجوز : لكن ابنتي مازالت طفلة !
الشيطان مُعاتباً بعصبية : إذاً ساعديها بالتخطيط للمهمّة ، وكفاكِ أعذاراً!!
فارتعبت العجوز من صراخه ..
فأسرعت آمنة بالقول : دعني ابدأ بمهمّةٍ سهلة .. وإن نجحت فيها ، أعدك سيدي بالقيام بما أمرتني به
الشيطان : ماذا تقصدين ؟
آمنة : سأسرق حملاً صغيراً ، أقدّمه لك
الشيطان : بشرط !! أن تذبحيه امامي
فبلعت آمنة ريقها بخوف : سأحاول سيدي
***
بعد انتهاء الجلسة .. أخرجتها امها آخر الليل ، من بوّابة البرج القريبة من الحقول .. وهي تقول لها :
العجوز : أترين ذلك الكوخ المُضاء خلف المزرعة ؟
آمنة : نعم
- بجانبه حظيرة اغنام .. وهناك نافذة صغيرة علويّة ، يمكن لجسمك الهزيل الدخول من خلالها ..إسرقي أصغر حملٍ هناك ، وأخرجي من الباب الخلفيّ .. ولا تصدري ضجيجاً ، حتى لا يستيقظ كلب الراعي
- سأحاول امي
وظلّت امها تراقبها من بعيد بقلقٍ شديد ، الى أن عادت ومعها الحمل الصغير .. لتصفّق لها الساحرات بعد نجاح مهمّتها الأولى ، ليبقى امامها مهمّة ذبحه ..
وبعد صعودهنّ للعليّة ، إنتظرن ظهور الشيطان من جديد ..ثم أخذن يرتلنّ بألحانٍ مخيفة ، بعد إعطاء آمنة سكيناً حادّاً ..
ولم يكن امامها سوى تنفيذ امر الشيطان ، خوفاً من عقابه ..
ونحرته وهي تكتم دموعها ، ليكتفي الشيطان بالقول :
- حسناً ، يمكنها البقاء معكن
وفور اختفاء شعلة النار ، هنّئت الساحرات العجوز بنجاح ابنتها ..
ثم طبخنّ الحمل للعشاء ..
***
ومرّت الأيام ، وآمنة مازالت تنجح من إختبارٍ لآخر !
إلى أن جاء اليوم الذي أصرّ فيه الشيطان أن تقدّم له قرباناً بشريّاً ..
وظنّ الجميع انها ستعتذر له مجدّداً ، لكنها فاجأتهنّ بالقول :
- سأفعل ذلك !!
الشيطان : ومن اخترتي ؟
- ولدٌ زوهريّ مثلي ، كانت امه صديقة والدتي .. سأحاول إحضاره الى البرج بعد إلقائي التعويذة عليه ، لسلب إرادته .. لكن أعذرني سيدي ، لن أذبحه بنفسي.. فمازلت صغيرة على هذه المهمّة
الشيطان : حسناً يكفي أن تحضري القربان ، وامك تذبحه لحصولي على دمائه اللذيذة .. متى ستنفذين المهمّة ؟
آمنة : قبيل غروب الشمس ، سأذهب الى قريتي القديمة للقائه
الشيطان : اذاً سأعود اليكنّ آخر الليل .. وإن وجدّتُ الطفل امامي ، أُعلنك ساحرة جديدة في برجي
واختفى من جديد .. لتلتفّ الساحرات حولها ، وهن يسألنها عن جدّية ما قالته للشيطان .. فأجابت آمنة :
- بالتأكيد !! لن أمزح مع سيدي
العجوز : انا فخورة بك ، حبيبتي
ساحرة شابة : دعيها تُحضره اولاً ، لنصبح جميعاً فخورات بها
***
وانتظرت الساحرات عودتها على أحرّ من الجمر ، ليتفاجأن بقدوم صبيٍ أصغر سناً منها الى البرج ، بعد إغرائه بالحلوى !
فأسرعت العجوز بفحص يده ، لتتأكّد انه زوهريّ كما قالت ابنتها !
العجوز : ممتاز !! نفّذت المهمّة بنجاح .. الآن إذهبي الى غرفتي ، ريثما انتهي من تحضير القربان للشيطان
آمنة بحزم : لا !! اريد فعل ذلك بنفسي
فنظرنّ الساحرات لبعضهن بدهشة !
العجوز : أمتأكدة من ذلك ؟ الأمر لن يكون سهلاً ، كذبح الحمل
آمنة بحزم : أستطيع فعل ذلك .. فأنا نفثت عليه التعويذات ، ولن يقاومني .. (ثم همست للصبي ، مسلوب التفكير) .. هيا سأريك المصباح العملاق في العلّية ..
وأمسكت يده ، ليصعدا الأدراج .. والساحرات تلحقهما ، وهما مندهشات من جرأة آمنة هذه الليلة !
***
في العلّية ، جلسن في حلقةٍ كبيرة بانتظار قدوم الشيطان ..
وما أن ظهرت شعلة النار ، حتى وضعت آمنة السكين على رقبة الولد المُستسلم لقدره ، وهي تقول للشيطان :
- إسمح لي بتقديمه لك
فشعرت امها بالفخر ، والنّسوة بالدهشة !
الشيطان : حسناً إفعلي ، وسأعلنك أصغر ساحرة بالمنطقة
فهمست آمنة بإذن الصغير بضعة كلمات ، ليتفاجأ الجميع بترتيله القرآن بصوتٍ عذّب .. جعلتهنّ يسارعن بإغلاق آذانهنّ برعب ! بعد سماعهن صراخ الشيطان المتألّم الذي قال :
- ايها الملعون الصغير !! أحرقت جلدي
وصارت شعلة النار تلتفّ بأرجاء الغرفة بطريقةٍ هوجاء ، أحرقت معها أطراف عباءات الساحرات اللآتي صرخن وهن يحاولن إطفاء ملابسهن ، قبل اختفاء الشيطان الذي توعّد بعقاب الجميع دون رحمة !
وفي ظلّ ارتباكهنّ ، سألتها العجوز :
- لما فعلتي هذا يا زهرة ؟
- إسمي آمنة !! وهذا الصبي قريبي ، وكلانا حفظة قرآن ..واتفقت معه سابقاً على الإنتقام من قتلة أختي التوأم .. والآن سنهرب لنترككن تحترقن بنار الدنيا والآخرة
فصرخت إحدى الساحرات : انت مذنبة مثلنا !!
آمنة : بالعكس !! انا فكّكت جميع الأسحار قبل توصيل الطلبات وقبل دفنها بالقبور او رميها بالبحار ، وأزلت جميع الدبابيس من اللعب القماشيّة دون علمكنّ .. وسأبلّغ رئيس بلديتنا عن المتورّطين معكم من اهل القرى ، لينالوا عقابهم .. ولوّ كان شيطانكم يعرف الغيب لفضح فكّي لأسحاركم ، او أفسد خطتي هذه الليلة
العجوز بخوف : ابنتي رجاءً لا تحرقينا !!
آمنة : قلت لك سابقاً إن الشيطان اخطأ بجمعكنّ في البرج ، فهذا سهّل التخلّص منكن دفعةً واحدة
ثم قالت لقريبها الذي مازال يتلو القرآن : لنهرب على الفور !!
ونزلا الأدراج بسرعة ، بعد أن أمسكت النيران بالمفروشات الخشبيّة بالبرج.. وحاولت الساحرات الّلحاق بهما ، دون علمهن بسرقة آمنة لمفاتيح البوّابات الأربعة من غرفة العجوز .. وبذلك هربت مع قريبها من البرج ، بعد إقفالها جميع مخارجه !
ثم وقفا بجانب الناس التي تجمّعت مذهولة لمشاهدة حريق البرج ، وسماعهم للساحرات يتعذّبنّ بالداخل !
إلى أن اختفى صراخهنّ تماماً ، دون معرفة الناس ببطولة الصغيرين اللذين تعاهدا على إخفاء السرّ للأبد ..
***
في اليوم التالي ، تساعد الأهالي على هدم البرج بالكامل .. والغريب انهم لم يجدوا جثث الساحرات ، كأنهن إختفين عن الوجود!
وانتشرت إشاعة : ((إن الجن استولت على عظامهنّ المحترقة))
ومن يومها عادت العلاقات بين القرى بعد انقطاع سنوات (لخوفهم المرور بجانب البرج الملعون)
وعاد الأولاد للعب في الشارع مساءً ، دون قلق الأمهات من إختطافهم وتقديمهم قرابين للشيطان ..
وبعد إيجاد المتورّطون بالسحر من اهالي القرى على ورقة تهديد من آمنة على عتبة منزلهم ! إنتقلوا تباعاً للمدينة ، خوفاً من فضيحتهم
وبذلك عمّ الأمان والسلام في القرى الأربعة ، بعد خلوّها من الأشرار
***
في مكانٍ بعيد ، وصلت العجوز الى إحدى الفنادق الرخيصة (بعد هربها وحدها من الباب السريّ للبرج) ..
وبعد جلوسها في الغرفة ، أخرجت بيدها المُحترقة (من جيبها) ربطة شعر آمنة (التي فيها شعرتين من رأسها) التي وجدتها قرب البوّابة اثناء الحريق
قائلةً بحنق :
- سأسحرك لدرجة تتمنّين فيها الموت ، يا ابنتي العزيزة
وابتسمت بخبث !