الخميس، 10 ديسمبر 2020

فيديو رسوم متحرّكة لقصتي البوليسية

 


شكر خاصّ للأستاذ (Ahmed Ammh) (أحمد العبدلي) الذي قام بتحويل قصتي (المبنى المحتجزّ) الى فيديو رسوم متحرّكة ، له كل التحيّة والتقدير



رابط الفيديو على اليوتيوب :

https://www.youtube.com/watch?v=8rWNb0Pdz7c&feature=youtu.be&fbclid=IwAR3NCetqWMKbVzksiit9gshpfewnHrE35VfOBSw1XJbRM3vimLeFFgreGnI




الأربعاء، 9 ديسمبر 2020

النسخة المُصغّرة

 تأليف : امل شانوحة

الإستنساخ


بعد وفاة والدها المفاجىء ، إضّطرت سعاد (الأربعينية) للعمل للإهتمام بالمصاريف والديون .. فلم يعد بإمكانها مساعدة امها في اعمال المنزل ، وقلّة راتبها منعها من توظيف خادمة .. لكنها حاولت قدر الإمكان  مساعدتها رغم إحساسها بالتعب والإرهاق الوظيفيّ .. 

اما في اوقات فراغها القليلة ، فقضته سعاد بتصفّح الإنترنت .. وانشأت صفحة على الفيسبوك ، بصورتها القديمة في سن الشباب 


ولم تمضي اسابيع .. حتى تعرّفت على شاب يصغرها بسنوات ، لم تخبره بفارق السن لأن الأمر لم يكن جدّياً في البداية .. 

لكن حينما تعلّق بها كثيراً ! إنسحبت من حياته دون سابق إنذار ، رغم انه حبها الوحيد ..


وأشغلت نفسها بمواقع اخرى على الإنترنت ، الى ان وجدت منتدى للظواهر الغريبة .. تعرّفت منه على دكتورة جامعية متقاعدة بعلم الكيمياء ، أخبرتهم عن تركيبة استحدثتها في منزلها للإستنساخ الفوريّ ! 

لكنها تعرّضت للسخرية والتشكيك من بقية المشاركين ، ولم تصدّقها سوى سعاد التي تحدّثت معها على حسابها الشخصي الجديد .. وبعد إقتناعها  بكلامها ، طلبت منها إرسال التركيبة بالبريد ..

*** 


بعد ايام .. وصلها صندوق صغير فيه محلولين كيميائيين : أحدهما زهريّ والآخر ازرق اللون .. 

فاتصلت سعاد بها لتستفسر عن الأمر ، فأجابتها :

- كما تلاحظين هناك خمس مقاسات كمية على الأنبوب الذي يحوي المحلول الزهريّ .. فإذا شربت الكمية الأولى ستنتجين طفلة تشبهك ، وبالمقدار الثاني تحوّلين النسخة الى فتاة .. والثالث الى مراهقة ..والرابع الى صبية .. وبالقياس الأخير تصبح النسخة في مثل عمرك ..


سعاد بقلق : ماذا تعنين انني سأنتج طفلة ، هل سأنجبها ؟

الدكتورة : لا طبعاً .. فقط إشربي الكمية الأولى قبل نومك ، وستجدين النتيجة في الصباح 

- وماذا عن المحلول الأزرق ؟

- اذا شربتِ نصف المحلول الأزرق ، وشربت شبيهتك الباقي فإن ذاكرتك تُنسخ لها ، يعني تتشابهان في الذكريات وطريقة تفكيركما .. وللتذكير !! ذاكرتك تُنسخ فقط ، ولا تُمحى ابداً من عقلك .. إخبريني غداً بنتائج التجربة 

- حسناً سأفعل ، الوداع


وقبل نومها .. شربت سعاد الكمية الأولى من المحلول الزهريّ ، ونامت وهي قلقة من النتيجة

***  


في صباح اليوم التالي ، إستيقظت على صوت بكاء طفلة بجانبها !

فنهضت من سريرها مرتعبة .. ونادت امها العجوز التي ما ان رأت الطفلة حتى صفعتها ، وهي تسألها بغضب :

- لمن الطفلة ؟!!

- أنظري اليها جيداً ، انها تشبهني تماماً كما في صور طفولتي

الأم بغضب : ومن والدها يا عديمة التربية ؟!!

- امي مابك ؟! هل سأحمل وأنجب في يومٍ واحد ، ودون تغيرات واضحة في جسمي ؟

الأم : اذاً من اين أتيت بالطفلة ؟

- إستنسخت نفسي .. 


وقبل ان تستوعب الأم ما قالته ! وضعت سعاد الطفلة بين ذراعيها وهي تقول لها : 

- أنظري اليها جيداً ، الا تشبهني بعمر الستة أشهر ؟

امها بذهول : نعم ، كأنها انت .. لكني لم أفهم موضوع الإستنساخ !


فأخبرتها عن المحلول الزهريّ .. فصرخت عليها معاتبة : 

- هل جننتِ يا سعاد لتخوضي في أمور الشعوذة ؟!! 

سعاد : ليست شعوذة ، بل تركيبة كيميائية .. وهي اختراع لدكتورةٍ جامعية متقاعدة 

- وهل لديّ الصحة للإعتناء بإبنتك ؟

- ليست ابنتي .. (وفكّرت قليلاً) .. لنعتبرها اختي الصغيرة


الأم بقلق : الم تفكّري بكلام الناس ؟

سعاد : اساساً انا لا انوي إبقاء نسختي بهذا العمر ، بل اريدها ان تكبر لتصبح صبية تساعدك في المنزل اثناء عملي 

- هذا سيتطلّب سنوات !!

- بل ثواني فقط .. 


ثم شربت سعاد الكمية الثانية من المحلول الزهريّ ، رغم محاولة الأم إيقافها :

- لا تشربيه !! ربما كان مخدرات او مشروب هلوسة


ومن بعدها .. أخذت سعاد الطفلة من امها ووضعتها على السرير ، وهي تقول لها :  

- ركّزي عليها 


وإذّ بالرضيعة تتحوّل بلحظات الى فتاة بعمر 5 سنوات ! 

وكادت الأم تفقد توزانها ووعيها ، فأسرعت سعاد بإجلاسها على السرير 

وأخذتا تراقبان الطفلة وهي تركض داخل الغرفة وهي تدنّدن اغاني الأطفال بسعادة !


سعاد : هل كان هذا شكلي بعمر 5 سنوات ؟

امها وهي لا تصدّق ما تراه : 

- نعم ! كأنك هي .. كنت جميلة للغاية ومُفعمة بالحياة 

- حسناً سأشرب الكمية التالية من المحلول كريه الطعم لتحويلها الى صبية 

- لا !! دعيني أتسلّى قليلاً مع حفيدتي  

سعاد : امي .. هذه نسختي المصغّرة وليست ابنتي .. ثم اريدها كبيرة لتساعدك ، لا ان تزيد متاعبك

امها : لا بأس ، دعيها طفلة لبعض الوقت 

- حسناً ، لكن غداً سأحولّها لمراهقة .. إتفقنا 


ثم أسرعت الى عملها ، تاركة امها تلعب مع حفيدتها الصغيرة بسعادة وهي تستذكر الماضي

***


قبيل العصر .. عادت سعاد مرهقة من عملها ، لترى المنزل مبعثراً بألعابها القديمة التي أخرجتها امها من الصناديق والتي كانت تنهج بتعب بعد اهتمامها بالبنت الصغيرة طوال النهار 

سعاد : كنت متأكدة انها ستتعبك

الأم : لا يهمّ ، كان يوماً جميلاً 

- امي .. عليّ تحويلها الى صبية لتساعدنا في المنزل ، فهذا غرضي من الإستنساخ ... سأشرب المحلول الآن 


وأخرجته من الخزانة ، لتشرب الكمية التالية التي حوّلت الطفلة الى مراهقة .. فطلبت سعاد منها ترتيب المنزل ، لكنها رفضت ودخلت غرفتها غاضبة 


فنظرت سعاد الى امها :

- آه نسيت انني كنت متمرّدة في مراهقتي !

الأم : نعم ، أتعبني عنادك كثيراً

- اذاً لا حاجة لنا بهذه النسخة ، سأشرب المزيد من المحلول لتحويلها الى عمري بعد تخرّجي الجامعي ، فهي الفترة التي استقرّيت بها في البيت ، وبدأتِ بتعليمي الطبخ والتدبير المنزلي 


وشربت المحلول الذي ظلّت فيه الكمية النهائية التي رمتها في الحوض ..

الأم : لماذا رميته ؟! 

سعاد : مالفائدة من تحويلها لعمري الحالي ، فأنا لا اريد توأماً .. 


وهنا خرجت الفتاة من الغرفة وقد تحوّلت الى صبية في العشرينات ، تشبه تماماً صورة صفحتها على الفيسبوك (قبل ان تغلقه سعاد) .. 

وكانت في قمّة نشاطها ، حيث بدأت على الفور بإعادة الألعاب الى الصناديق وترتيب المنزل.. 


فقالت سعاد لأمها بارتياح : 

- هكذا استطيع الذهاب الى عملي وانا مطمئنة عليك يا امي 

الأم بقلق : ماذا لوّ رأوها الجيران ، ماذا سنقول لهم ؟


ففكّرت سعاد قليلاً ، قبل ان تقول :

- قولي انك اكتشفت بعد وفاة والدي إنه كان متزوجاً عليك .. وانها ابنته الأخرى ، وهي ستعيش معنا بعد زواج امها من رجلٍ آخر .. وبما انني أشبه والدي كثيراً ، فهي تشبهه ايضاً 

- حسناً ، كذبة لا بأس بها .. سأذهب الى المطبخ لتحضير الغداء مع حفيدتي الجميلة  

سعاد : ليست حفيدتك يا امي


الأم : آه نسيت .. إذاً ماذا سنسمّي اختك من والدك ؟

- رؤى 

- ولماذا هذا الإسم بالذات ؟

سعاد : كنت أتمنى لوّ كان هذا اسمي بدل سعاد 

امها : حسناً كما تشائين .. (ثم نادت) .. رؤى !! تعالي وساعديني يا ابنتي

الشابة رؤى بنشاط : حاضر !!


وذهبتا الى المطبخ .. بينما دخلت سعاد الى غرفتها وهي تستذكر حبيبها القديم الذي تعرّفت عليه بإسم رؤى ، والذي عشقها بشكلها القديم الذي يشبه صورتها المستنسخة الآن 

***


ومرّت الأيام ، ساعدت فيها رؤى الأم بجميع اعمال المنزل .. وعاش الثلاثة باتفاقٍ ووئام .. الى ان جاء اليوم الذي دخلت فيه سعاد الى عمارتها ، قبل ان يوقفها شاب ليسألها :

- عفواً !! هل بيت سلامة في هذه العمارة ؟


وحين التفت اليه ، رأت الشاب الذي أحبته من الإنترنت قبل عام ! فارتبكت كثيراً ، وأجابته بخجل : 

- نعم في الطابق الخامس

- هل انت جارتهم ؟


فعلمت انه لم يعرفها بشكلها المرهق ، ووزنها الذي زاد اضعاف الصورة التي تعرّف عليها من خلالها .. 

فأجابته وهي تكتم حزنها :

- هي عائلتي

- هل انت اخت رؤى ؟

فقالت بارتباك : نعم .. اختها الكبيرة

الشاب : انت تشبهينها كثيراً ! ذات العينين الزرقاوتين 

- عفواً ، ماذا تريد من اختي الصغيرة ؟

- أتيت لخطبتها 

- أحقاً ! 

- نعم .. سآتي مساءً مع اهلي ، إن كان الوقت يناسبكم ؟ 

سعاد بتلعثم : اهلاً وسهلاً 


وخرج من العمارة وهو يطير فرحاً ، بينما انهارت سعاد بالبكاء فور دخولها المصعد

***


حين وصلت الى منزلها ، لاحظت امها الدموع في عينيها .. فأخبرتها سعاد بما حصل

الأم معاتبة : هل جننتِ ؟!! هكذا حبيبك سيخطب نسختك المصغّرة 

- هو اساساً أحبّني بصورتي القديمة ، حتى انه لم يعرفني بشكلي الحالي !.. على كلٍ لم يعد بإمكاني إصلاح الأمر ، فهو قادم مساءً لخطبة رؤى

- لا تفعلي ذلك بنفسك يا ابنتي ، إخبريه الحقيقة

- أيّ حقيقة يا امي : بأني استنسخت نفسي .. من سيصدّق ذلك ؟ .. إن عرف اهله بالأمر سيظنوا إني مشعوذة ويخافون مني

الأم : معك حق ، اساساً الأهل والجيران تعرّفوا على رؤى على انها اختك من والدك ..

سعاد : عليّ مكالمة رؤى في الموضوع .. وانت حضّري نفسك لاستقبال الضيوف مساءً

***


ثم أدخلت سعاد رؤى الى غرفتها لتخبرها بشأن العريس ، والتي انتفضت برعب وعصبية :

- أيّ عريس ! انا لا اعرفه

سعاد : هو يعرفك جيداً ويعشقك بجنون

رؤى بخوف : لا !! سأخبره الحقيقة

- أيّاك يا رؤى !! فنحن تعاهدنا على كتمان السرّ

- لا اريد الزواج بشخصٍ لا احبه

سعاد : هل نسيتي انك تحملين نفس جيناتي ؟ أعدك انك ستحبينه بعد زواج بجنون ، فهو فارس احلامك

- وماذا لوّ حدّثني عن مكالماتكما القديمة التي لا اعرف شيئاً عنها  

- معك حق .. لكن لديّ الحل 


وأخرجت سعاد المحلول الأزرق من خزانتها ، وهي تقول لها :

- سأنسخ ذاكرتي لك


وشربت نصف المحلول ، وأعطت البقية لرؤى التي شربته على مضضّ.. لترتسم على الفور ابتسامة عريضة على وجهها الذي احمرّ خجلاً وهي تقفز بسعادة :

رؤى : حبيبي قادم لخطبتي اليوم ، يالا سعادتي !! سأذهب لتحضير نفسي


وبعد خروجها من الغرفة .. دخلت الأم لتواسي سعاد التي كانت تمسح دموعها بقهر .. وسألتها بحزن :

- لما فعلت ذلك ؟

سعاد : لأنه يستحق التضحية

- ستعيشين متألمة طوال عمرك وانت تشاهدينه برفقة رؤى 

- ليت باستطاعتي محوّ ذاكرتي ، لكن الدكتورة أكّدت لي سابقاً بأن هذا مستحيل .. لهذا لم يكن امامي سوى مشاركة ذكرياتي مع رؤى 

الأم : ليتك لم تنسخيها منذ البداية

- كان قدِمَ الليلة مع اهله وتفاجأ بعمري الكبير ، وتركني محطّمة منكسرة .. على الأقل رؤى ستجعله فرداً من عائلتنا .. 

- كان الله في عونك يا ابنتي

***


في المساء .. رنّ جرس المنزل ..

سعاد : أظنهم قدموا .. إذهبي لاستقبالهم 

الأم : ألن تأتي معنا ؟

سعاد بحزن : لا استطيع ، ارجوك لا تضغطي عليّ 

- كما تشائين


وبقيت سعاد في غرفتها ، خلال زيارة اهل العريس القادمين لرؤية رؤى وامها .. 

حينها شعرت سعاد بالندم لرميها الكمية الأخيرة من المحلول الزهريّ ، قائلةً في نفسها بحزن : 

((لوّ انني شربتها الآن ، لتحوّلت العروس لعانسٍ مثلي .. وفرّ العريس مع عائلته سريعاً .. (ثم تنّهدت بضيق) .. لا يهم ، كلّه مقدّر وكتوب))

 

وحاولت إشغال نفسها بالحاسوب .. لكن صوت الزغاريد الذي صدح في المنزل ، جعلها تنهار ببكاءٍ مرير بعد علمها بخسارة حب حياتها للأبد !


السبت، 5 ديسمبر 2020

قفزة نحو المستقبل

 رؤيا : اختي اسمى
كتابة : امل شانوحة

أحداث العالم بعد قرن 


في المساء .. قرأت سمر قصة النبي عُزيّر الذي مرّ على قريةٍ خاوية ، فتساءل ان كان الله سيُحيّها ثانية .. فأماته الله مئة عام ، ثم بعثه ليراها قرية عامرة .. 


فأخذت سمر تفكّر بحاله بعد عودته الى قريته : 

((حتماً إختلطت عليه المشاعر : بين عظمة الخالق بجعله معجرة لقومه ، ومشاعر الفرح بإعمار بلاده .. وقلقه أن لا يتذكّره أحد .. وامتنانه لشهادة خادمته العجوز العمياء بأنه نبي الله))

ونامت تلك الليلة وهي تفكّر بالأمر ..

***


إستيقظت في اليوم التالي على صياح الديك !

لتتفاجأ بسريرها إستُبدل بفراشٍ بسيط على الأرض .. 

فتوجهت للنافذة : لتجد الشارع المُسفلت وقد أصبح شارعاً رمليّاً مليئاً بالقاذورات وحفر الوحل !


فخرجت من منزلها ، لترى فلتها الفخمة باتت كوخاً صغيراً ! 

ليس هذا فحسب ، بل مدينتها الصناعية بأكملها تحوّلت الى منطقةٍ شعبية فقيرة بأكواخهم الخشبية المتهالكة التي تتصاعد منها أدخنة المدافىء برائحة الفحم والحطب ..


حيث استُبدلت السيارات بالأحصنة والحمير لجرّ العربات الخشبية .. وملابس المارّة مصنوعة من الخيش الخشن .. بعضهم انتعل الأحذية المصنوعة من سعف النخيل وجلد الحيوانات ، بينما الأكثريّة حفاة الأقدام 

فتساءلت بخوف :

((ماذا حصل ؟! هل انتقلت الى مدينةٍ فقيرة اثناء نومي ؟ ام عُدّتُ مئات السنين الى الوراء ؟))


وحاولت قطع الشارع دون تلويث ملابسها بالمجاري العفنة .. والناس تلتفّت نحوها باستغراب ! بسبب ثيابها فاقعة اللون التي لم تعد متوفرة في اسواقهم 


وحين وجدت عجوزاً في دكانٍ صغير لبيع أدوات المطبخ النحاسية ، سألته:

- ياعم ، بأيّ سنة نحن ؟

- 2120

فتساءلت بنفسها بخوف : 

((يعني مئة عام الى المستقبل ! هل نمت قرناً من الزمن ؟!))


فعادت لتسأله :

- أمتأكد ياعم اننا في المستقبل وليس في زمن الماضي ؟

العجوز : هل تعرّضت لإصابةٍ في رأسك يا فتاة ؟ نحن لا نعيش الماضي او المستقبل ، بل زمن الحاضر فقط 

- اذاً ماذا حصل ؟ لما عدنا فقراء معدمين هكذا ؟ رجاءً أجبني فأنا لا أذكر شيئاً 

- هذا حالنا بعد الحرب العالمية الثالثة 

سمر بدهشة : الثالثة ! 


وجلست على الكرسي امامه ، وهي تسأله باهتمام :

- ارجوك إخبرني .. ماذا حصل في القرن الماضي ؟ 

- حصل الكثير  

- باختصار لو سمحت

العجوز : ما آخر الأخبار التي تتذكرينها ؟

- الأزمة الإقتصادية بسبب كورونا 

- كورونا ! انه مرضٌ قديم .. فالعالم أصيب بعدها بالعديد من الأوبئة التي فتكت بملايّن البشر ، عدا عن المجاعات التي حصلت بسبب الحروب المتتالية


سمر : إخبرني عن الدول المتحاربة ؟

- الأمر بدأ باعتداءٍ مخادع على الأسطول الأمريكي في الخليج العربي ..فاتهمت اميركا ايران والصين بالتعرّض لمصالحها الإقتصادية مع الدول الخليجية .. فدافعت ايران عن نفسها بإغلاقها مضيق هرمز لمنع السفن العبور من خلاله .. فاستنجد حكّام الخليج بأميركا التي بدأت حملة إغتيالاتٍ لقادة ايرانين مهمّين ، مع قصفها لبعض المعامل والمصانع .. 

- فتدخلت الصين لمساعدتها ؟

العجوز : ليس في بادىء الأمر .. فقد انشغلت بتوفير الوقود لسكّانها ، بعض تعطّل معامل ايران .. لذا احتلّت كازاخستان بعد ضربها المعسكرات الأمريكية هناك .. فأعلنت اميركا الحرب على الصين التي انتصرت على الهند  


سمر : وبالطبع روسيا وكوريا الشمالية لم يسكتا على ذلك ؟

العجوز : نعم وسرعان ما تحالفوا مع الصين وايران ضدّ اميركا واوروبا ودول الخليج في ملحمةٍ كبرى .. اما تركيا فعانت من زلازل عنيفة منعتها المشاركة بالحروب 

سمر : وكم استمرّت الحرب العالمية الثالثة ؟

- بضعة سنوات ، كانت كفيلة بإبادة ملايين البشر 

- هل استخدموا القنابل النووية ؟

- قنابل صغيرة ، أثّرت سلباً على بعض الدول العربية .. لكن سرعان ما عُقدت إتفاقيات دولية لوقف الحرب النووية بعد تلوّث الجو ومنابع المياه العذبة التي أدّت لاحقاً لمجاعات في دولٍ متفرقة بالعالم 


سمر : وماذا عن العرب ؟

- عانوا من إنهياراتٍ اقتصادية ، وتفشّي الفقر والأمراض .. وعادت العصبية القبلية في بعض الدول العربية .. كما تقاتل الناس على جبل الذهب الذي ظهر فجأة بالعراق والذي استمرّ عدة شهور ، الى ان فقد الذهب قيمته .. فالتجأ الناس للمقايضة بعد اختفاء العملات النقدية 

- الا توجد اخبارٌ جيدة ؟

العجوز بسعادة وفخر : بلى ، أعدنا بيت المقدس وعمّرناها من جديد .. كما أصبح لدينا خلافة اسلامية بالشام


سمر : وكيف حصل ذلك ؟!

العجوز : إستغليّنا إنقسام الصهاينة على كون القدس عاصمتهم .. وفزنا على الطائفة المتشدّدة منهم ، وانسحب بقية اليهود خلف الأسوار .. في المقابل خسرنا القسطنطينيّة (اسطنبول) التي ضمّوها لأوروبا ، والتي يحاول مسلموا الأجانب إستعادتها من جديد .. وإن تمكّنوا من ذلك ، فقد اقترب موعد خروج الدجّال وظهور المهدي ونزول النبي عيسى .. وأظننا سنشهد ذلك قريباً ، فالسماء لم تمطر من ثلاث سنوات ، والجفاف قضى على المحصولات الزراعية .. وكما ترين لا خضار او فواكه في الأسواق ، ولم يبقى سوى القليل من الطحين والذرة بأسعارٍ مرتفعة .. وفي حال انتهت ، ستبدأ مجاعة مرعبة سيستغلّها الدّجال لإغواء الناس والله اعلم .. أتمنى الموت قبل حدوثها ، فهي فتنة عظيمة .. (ثم عدّل جلسته) .. والآن إخبريني ، كيف لا تتذكرين الماضي ؟


فتحجّجت سمر بانشغالها لإحضار مؤونة بيتها ، وخرجت من محله بعد السلام عليه .. فلا احد سيصدّق انها نامت قرناً من الزمن ..


وأخذت تمشي في الأسواق والزقاق وهي تشاهد الفقر المدقع للناس .. فيما عدا بعد المنازل الحجرية التي تعود لأثرياء المنطقة الذين يعدّون على الأصابع .. 

فقالت في نفسها بحزن : 

((النبي عُزيّر شاهد تطوّر مدينته بعد قرن ، اما انا فرأيت انحدار بلادي))


وحين وصلت للشاطىء .. أعجبها نقاء البحر الخالي من المخلّفات البلاستيكية بعد توقف المصانع ومداخنه عن تلويث الهواء كما في عصرها 


ثم قطع أفكارها .. صراخ رجلٍ يركب الجمل ، وينفخ البوق منادياً :

- اخبار جديدة من بلاد الحجاز !!! 

فاجتمع الناس حوله .. ليقول بسعادة :

- إبشروا يا قوم !! ظهر المهدي اخيراً

فقالت له امرأة : عشرات الرجال إدّعوا ذلك في الآونة الأخيرة

فأجابها : لا !! هذا هو المهدي المنتظر .. فقد انخسف الجيش الذي قدم لقتاله 

- هل خُسف بالكامل ؟

- نعم ، وهي علامته التي بشّرنا بها الرسول محمد


فكبّر الناس مُستبشرين بعودة الأمن والخير لبلادهم من جديد 

بينما شعرت سمر بالقلق .. فهي تعرف ان ظهوره يعني خروج الدجّال ومن بعده يأجوج ومأجوج وهما فتنتان عظيمتان .. 


فعادت الى كوخها .. واستلقت على فراشها ، مُتمنية ان ينتهي كابوسها الطويل والعودة لعصرها .. ونامت والدموع على وجنتيها

***


إستيقظت في اليوم التالي على منبّه جوالها .. وفور رؤية غرفتها القديمة ، نهضت وهي تحمد الله على انتهاء حلمها الغريب ..

لكنها فجأة ! سمعت تحليق طائرةٍ حربية في الجوّ ، وصرخات أناسٍ خائفة 


فأسرعت بفتح نافذتها ، لترى ضوءاً ساطعاً من بعيد .. قبل سماعها دويّاً مروّعاً دمّر كل شيءٍ حولها ! 

لتشعر على الفور بحرقٍ شديد في كافة انحاء جسمها تسبّب بتشقّق جلدها..  

ولمحت نفسها ببقايا مرآتها المحطّمة ، وقد تحوّلت لمسخٍ في ثواني ..فصرخت بفزع : 

- قنبلةٌ نوويّة !!! 


قبل سقوط لسانها وعيونها على الأرض مع اعضاء جسدها الذي ظلّ ينتفض بألمٍ شديد ، الى أن أسلمت الروح !  

******


ملاحظة :

ما ذُكر في القصة هي العلامات الصغرى والكبرى ليوم القيامة التي ذكرها الرسول محمد ، لكن لا أحد يعلم بترتيبها سوى الله .. 

وبعد مشاهدتي للكثير من الفيديوهات التحليليّة باليوتيوب للأحداث الراهنة في العالم ، تخيّلت سيناريو القصة التي هي بالحقيقة : منام لأختي شاهدت فيه احوال الناس البائسة في المستقبل بعد الحرب العالمية الثالثة ، وطلبت مني تحويلها الى قصة .. أتمنى ان تنال إعجابكم 

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2020

وحش الجبال

تأليف : امل شانوحة 

المسخ 


شعرت جاكلين باكتئابٍ شديد بعد فوز طليقها بحضانة اطفالها الثلاثة ، فنصحتها صديقتها بالحجز في رحلةٍ سياحية للمناطق الريفية .. لكنها لم ترغب الذهاب مع غرباء في حافلةٍ تضجّ بالأغاني الصاخبة .. فقرّرت الذهاب بسيارتها الى مكان التنزه المفضّل لعائلتها ..


وحين وصلت الى الشلال الكبير .. أرادت تحقيق حلم طفولتها بتصويره عن قرب .. فأطلقت طائرة درون ، وهي تراقب ما تصوّره من جوالها..

ولأول مرة تلاحظ وجود كهفٍ مظلم خلف الشلال ! لكنها لم ترد تعطيل طائرتها برذاذ الماء ، فأعادتها اليها ..

 

وبعد تناول شطائرها في اجواء الطبيعة ، رتّبت اغراضها في سيارتها للعودة الى منزلها الذي لايبعد كثيراً عن منطقة الجبل .. 


في هذه الأثناء .. وصلت حافلة صغيرة بها ستة مغامرين شباب معهم أدوات تسلّق الجبال.. فاقتربت جاكلين من قائدهم لتريه الفيديو المصوّر على جوالها وهي تقول : 

- ان أردّتم شيئاً مثيراً ، فادخلوا الكهف خلف الشلال

فتشاور القائد مع زملائه الذين وافقوا بحماس على اكتشاف الكهف السريّ 

..بينما أكملت طريقها للمنزل ، بعد رؤيتهم يتوجهون للجبل 

***


في منزل جاكلين مساءً ، وقبل نومها .. سمعت نداءً من سيارة الشرطة :

((هناك ستة مغامرين شباب لم يعودوا بعد الى بيوتهم !! من يعرف معلومات عنهم ، يُطلعها لمركز الشرطة !!))


فتذكّرت ما حصل صباحاً ، وتساءلت بقلق :

- هل علقوا في الكهف ؟!

لكنها خافت إبلاغ الشرطة عن مكان وجودهم ، فتُتهمّ بتعريضهم للخطر .. 

***


فور شروق الشمس ، توجهت جاكلين الى المنطقة الجبلية .. 

وأطلقت طائرتها درون للبحث عنهم قرب الشلال ..


وهذه المرة قرّرت تصوير الكهف من الداخل ، لتصعق برؤية أشلاء المغامرين مبعثرة هناك ، وهم غارقين بدمائهم ! 

وفجأة ! ظهر في الكاميرا : عينٌ حمراء ، أنيابٌ حادة .. وأظافر طويلة أطاحت بطائرتها وحطّمتها .. وانتهى التصوير 

***


أسرعت جاكلين الى مركز الشرطة لتريهم ما نقلته الكاميرا الى جوالها ..

الشرطي : وكيف عرفتِ انهم هناك ؟

جاكلين بارتباك : 

- إلتقيت بهم البارحة قبل تسلّقهم الجبل .. فأردّت مساعدتكم بتصوير المكان بطائرتي .. لكن النتيجة صدمتني ! فهل هجم عليهم حيوانٌ برّي ؟

الشرطي : يبدو كأنه يقف على قدميه ! وهو ضخم وشرسٌ اًيضاً .. سنرسل فرقة الى هناك مدجّجين بالسلاح 


وخرجت جاكلين من المركز وهي قلقة مما حصل ، فالقاتل لا يبدو حيواناً برّي ، بل أشبه بمسخٍ متوحشّ .. فمن يكون يا ترى ؟!

***


مضت اسبوعان على اكتشاف الشرطة آثار المسخ الذي غادر كهف الشلال .. وتبين بعد تشريح الجثث ان اجسادهم تمزّقت بأظافر وأنيابٍ حادة لحيوانٍ برّي مفترس .. ولاحقاً دفنوا بجنازةٍ شعبية ..

***


في إحدى الليالي .. إستلقت جاكلين على سريرها باكية ، بعد رفض طليقها أعطائها أولادها في عطلتهم المدرسية.. 

وحاولت إشغال نفسها بالطباعة على الحاسوب ، لكن صوتاً مزعجاً خارج منزلها منعها التركيز في عملها .. 

فأزاحت الستار عن نافذتها .. لترى طائرة درون تراقبها من بعيد ، كأنها تصوّرها ! 


فشعرت بالخوف لأنها تشبه طائرتها التي تحطّمت بالكهف (رغم ان الشرطة لم تجد أثرها هناك) 

فهل هي طائرة أخرى ؟ ومن يجرأ على مراقبتها ؟ هل هو طليقها ؟ ام أقارب الموتى الذين عرفوا إنها وجّهت المغامرين لاكتشاف مخبأ الوحش ؟ او ربما احد المتطفّلين الأشرار ؟ 


وكانت على وشك الإتصال بالشرطة ، قبل أن يرنّ جوالها ..

وحين فتحته ، لم تسمع سوى لهاث كلبٍ خلف السمّاعة .. فأغلقت المكالمة 


بعد دقائق .. وصلتها رسالة من مجهول :

- آسف .. لا استطيع النطق ، سأكتب لك ما اريده 

فكتبت جاكلين : من انت ؟ وكيف عرفت رقمي ؟

- رقمك متصل بطائرة درون التي أصلحتها ، والآن اراقبك من خلالها


فأسرعت بإغلاق الستارة بقلق .. ثم كتبت له :

- ماذا تريد مني ؟ 

- عديني ان يبقى الأمر سراً بيننا .. وإن حاولت الإتصال بالشرطة ، سأقتل أحبائك  

فكتبت بغضبٍ وخوف : ماذا تريد ؟!!!!!

- اريدك ان تساعديني للإنتقام من الشخص الذي حوّلني لمسخ

- لم افهم !

- انا جاك ، عالمٌ بيولوجي .. كنت وزميلي مغرمان بقصة المستذئب ، وأردنا تطبيق الفرضية بشكلٍ علمي .. فقمنا بخلط جينات الذئاب مع جيناتٍ بشريّة ، حقنّاها لفئران وكلاب الصيد .. وبعد نجاح التجربة.. 

جاكلين مقاطعة : وهل تحوّلوا بالفعل لذئاب في الليالي المقمرة ؟

- هذه خرافة ، هم فقط ازدادوا وحشيةً وذكاءً ..ومن بعدها أقنعني زميلي بتجربة العقار على نفسي 


جاكلين : أتقصد انك المسخ الذي قتل المغامرين الستة ؟

- نعم للأسف .. ظننتهم حرس المختبر الذين حاولوا قتلي سابقاً بأمرٍ من زميلي الذي نسب الإختراع لنفسه ، بعد رفضه إعادتي الى هيئتي الأولى .. فهربت من المختبر باتجاه الجبل ، لأجد كهف الشلال بالصدفة .. وعشت فيه لأكثر من سنة ، قبل تطفّلك عليّ بطائرتك واكتشاف مكاني السرّي

- وكيف تدبّرت امورك هناك ؟ 

- بما اني أملك جينات الذئاب فقد استطعت بسهولة صيد الأرانب والزواحف والأسماك ، كما ان الفرو الذي نما على جلدي حماني من برد الشتاء 


جاكلين : ولما اخترتني انا ؟

- لأن لدينا قاسمٌ مشترك : فزوجتي ايضاً طردتني من المنزل وحرمتني من طفلي ، واريد رؤيته بعد استعادة شكلي البشريّ 

- وكيف استطيع مساعدتك ؟


وقبل ان ترسل سؤالها .. صرخت بفزع بعد ظهوره خلف نافذتها الأخرى ، بهيئة ذئبٍ متوحش واقف على قدميه ! 

ورغم خوفها منه .. الا ان عينيه الدامعتين وعوائه الحزين ، جعلها تفتح النافذة ، ليقفز منها الى الداخل .. ثم أسرع بإغلاق الستارة قبل رؤيته احد 

وأخرج الجوال من فروه الكثيف لمتابعة الحديث معها (فهو لا يستطيع الكلام) .. 

فسألته باستغراب :

- من اين حصلت على جوال ؟

فكتب لها :

- انه جوال أحد المغامرين .. 


ثم قام بطباعة اسمه على جوجل ، لتظهر صورة العالم البيولوجي الوسيم 

وبعد ان رأته ، سألته بدهشة : 

- أهذا انت ؟!

فاومأ برأسه إيجاباً .. ثم عاد لطباعة أسم آخر وهو يزمجر بغضب  


وحين رأت الرجل ، سألته : 

- أهذا زميلك الذي شاركك التجربة ؟

فأجاب على جواله :

- نعم .. هذا هو الحقير الذي شوّهني وأحرق دراساتي ونظرّياتي ومسح فيديوهات المختبر باتفاقٍ مع الحرس المرتشين لنسب الإختراع لنفسه ، بعد أن أكّد رجاله الكاذبين انني غرقت بالنهر .. والآن عدت للإنتقام منه ، فهل تساعدينني ؟ 


جاكلين : وماذا أستفيد من هذه المخاطرة يا جاك ؟

- سأعيد لك اولادك الثلاثة  

جاكلين بخوف : وكيف عرفت بشأنهم ؟! 

- راقبتك لأيام من خلال طائرتك التي أصلحتها قبل هروبي من الكهف ، ورأيت كيف عاملك طليقك باحتقار في مطعم الساحل.. وسمعته وهو يهدّدك بحرمانك منهم .. وشعرت بحزنك ، لأني مشتاق ايضاً لطفلي الصغير 


وهنا رنّ جرس منزلها .. فأسرع للإختباء اسفل سريرها .. فقالت له:

- لا تخف .. كنت طلبت بيتزا لأولادي ، قبل ان يخبرني اللعين إنه لن يوصلهم اليّ .. سأحضرهم في الحال لنأكلهم سوياً


وبعد عودتها الى الغرفة .. أكلت قطعتين صغيرتين .. بينما قضى المستذئب على علبتيّ بيتزا كبيرتين من شدة جوعه ..


من بعدها قالت : 

- يمكنك المبيت هنا ، وغداً نفكّر بخطة للإيقاع بصديقك

فطبع جاك على جواله :

- لا !! علينا الذهاب الآن

جاكلين : الساعة تجاوزت العاشرة مساءً !

- هو يعمل ليلاً في المختبر .. سيكون وحده هناك ، فهو لا يحب مشاركة إختراعاته الغبية مع بقية العلماء .. 

- وكيف سندخل الى المختبر ؟ 

- مازلت احتفظ ببطاقتي الفضية التي ظلّت عالقة في رقبتي بعد تحوّلي الى مسخ ..


وأخرجها من فروه وأعطاها لها ، وهو يقول :

- انت ستدخلينني الى هناك لأنهاء عملي معه

جاكلين بقلق : هل ستقتله ؟

- لا سنتفاهم فقط ، فهو الوحيد الذي يستطيع إعادتي الى هيئتي القديمة .. هيا بنا

***


وقادت سيارتها الى المختبر ، بعد اختباء المسخ جاك اسفل مقاعدها الخلفية..

وحين أوقفها الحارس .. أرته بطاقتها الفضّية ، وهي تُخفي بأصبعها صورة جاك .. قائلةً له :

- زميلي (جون باستروغ) في الداخل ، واحتاجه في أمرٍ ما 

- حسناً يمكنك الدخول 


وألقى الحارس نظرةً سريعة على سيارتها ، معتقداً إن ظهر جاك هو سجادة فرو اسفل المقاعد ، فهو لن يتخيّل ذئب ممسوخ بهذا الحجم! 

***


من خلال بطاقة جاك ، إستطاعت جاكلين دخول المختبر .. ليسرع المسخ بالإختباء اسفل طاولة العقاقير التي جرّتها جاكلين باتجاه المختبر الرئيسي ، متتبعةً إشاراته من اسفل الطاولة ..


وقد تفاجأ جون بدخولها الى مختبره السرّي ، في الوقت الذي كان فيه منشغلاً باستنساخ الفئران ! فصرخ عليها بغضب :

- من انت ؟!! وكيف دخلتي الى هنا ؟ .. ايها الحرس !!

فأغلقت الباب خلفها وهي تقول :

- لا تقلق ، أحضرت صديقك القديم 

وهنا خرج جاك من اسفل الطاولة .. 

وكاد جون يغمى عليه من شدة الرعب ، فقال متلعثماً :

- جاك صديقي ! ارجوك تعقّل ، أنا لم أقصد إيذاءك


لكن جاك ركض باتجاهه كالمجنون ، وأطبق يديه الضخمتين على رقبته التي أوشك على كسرها .. فأسرعت جاكلين بتذكيره إنه الوحيد الذي يستطيع إعادته بشرياً ، فتركه في اللحظة الأخيرة .. ليقع جون على الأرض محاولاً إلتقاط انفاسه بصعوبة ..

ثم أشار جاك الى الحقنة الحمراء المحفوظة في الخزانة السرّية.. 


فحاول جون التهرّب من الموضوع : 

- حتى في حال عُدّت بشرياً ، لن تعود كالسابق وستبقى محتفظاً بصفاتٍ حيوانية شرسة .. نحن تناقشنا بالأمر من قبل 

فقام جاك بشدّه من ردائه بمخالبه الحادة ، ورفعه عالياً مهدداً بقتله إن لم يفعل .. 

فأسرع جون قائلاً :

- حسناً حسناً ، سأحقنك بالدواء .. لكن لا تقتلني ارجوك

 

فأعاده جاك الى الأرض .. ليتوجه جون متردّداً نحو الخزانة لإخراج العقار السرّي الذي حصل بسببه على العديد من شهادات التقدير والجوائز العلمية والمالية (رغم ان جاك هو مكتشف تركيبته العلمية)


ولأنه مجبر على تنفيذ اوامر المستذئب , قام بحقنها في ذراعه المشعرّة .. ليقوم جاك بالعواء بألمٍ شديد ، قبل تحوّله ببطء الى هيئته القديمة .. ويُسرع جون بتغطيته بردائه الذي لبسه جاك على عجل ، خجلاً من جاكلين التي تقف بعيدة عنهما ..


من بعدها إستعاد جاك النطق من جديد ، قائلاً لجون بغضب : 

- لا ادري ما سأفعله بك ، فأنت دمّرت حياتي لأكثر من سنة 

جون بخوف : سامحني يا صديقي

جاك صارخاً بغضب : لا تقل صديقي !!


وهنا سمعت جاكلين اصوات ركضٍ تقترب من الباب ! فصرخت لجاك : 

- الحرس قادمون الى هنا !!

جاك : هل ضغطت زرّ النجدة يا حقير ؟!!

جون بخوف : انا آسف


فلم يعد باستطاعة جاك تحمّل حقارته ، فأخذ سكيناً حاداً من طاولة المختبر .. طعن بها قلب جون بشكلٍ متتابع ، دون الإكتراث بصرخات جاكلين او محاولة الحرس كسر الباب .. ولم يتوقف حتى تأكّد من موته 


ثم سحب جاكلين من يدها الى ممرٍ سرّي أوصلهما لخارج المختبر ، قبل لحظات من اقتحام الحرس المكان .. 

وأسرعا باتجاه السيارة التي قادها جاك مسرعاً باتجاه الطريق العام 

***


في الطريق .. عاتبته جاكلين باكية :

- لما قتلته ؟ الم تعدني ان لا ترتكب المزيد من الجرائم ؟

جاك : كان عليّ فعل ذلك ، فهو لن يتركني وشأني .. المهم انني سرقت  USB من جيبه ، التي فيها كل ابحاثنا العلمية معاً .. فهو يضعها دائماً مع مفاتيحه .. وبهذا الدليل أحصل على براءة الإختراع 

جاكلين بتهكّم : هذا إن لم يقبضوا عليك بتهمة قتل المغامرين وزميلك 

- سأفكّر بالأمور القانونية لاحقاً ، الآن لدينا موضوعاً أهم

جاكلين بقلق : الى اين تأخذني في منتصف الليل ؟ 

- الى بيت زوجتي اللعينة لرؤية طفلي

***


وبعد وصولهما الى هناك .. طلب منها البقاء خلف النافذة لأخذ طفله ، ووضعه في سيارتها التي فيها مقعداً مخصّصاً لإبنها الصغير .. 

ثم تسلّل لغرفة ابنه ، وخطفه من مهده بهدوء .. 


وبعد وضع جاكلين الطفل النائم في السيارة ، سمعت صراخاً من داخل المنزل ! ويبدو ان زوجته استفاقت عندما أخرج ملابسه من خزانته .. 


فعادت الى هناك .. لتراه من النافذة وهو يخنق زوجته بعنف ، ففرّت هاربة باتجاه الشارع المظلم .. الا انها تفاجأت به يركض خلفها بسرعة تفوق البشر ، ليشدّها بعنف من ذراعها ! 

فترجّته باكية ان لا يقتلها هي ايضاً .. وبأنها فعلت كل ما أمرها به ، وساعدته بالإنتقام من صديقه وإعادته الى هيئته البشرية لاسترداد ابنه .. وطلبت منه إطلاق سراحها .. ووعدته ان لا تبلّغ الشرطة عنه


فأجابها بنبرةٍ حازمة : لا يمكنك تركي بعد اليوم .. فقد تم تصويرك بكاميرات المختبر ، وستعتقلك الشرطة عاجلاً ام آجلاً بتهمة مشاركتي بقتل جون

جاكلين : سأسافر بعيداً

- قلت لن تبعدي عني !! فمصيرنا واحد .. ولا تنسي انني مازلت محتفظاً بقدراتي الحيوانية .. وأستطيع إقتفاء أثرك على بعد اميال ، وتشويه وجهك الجميل بمخالبي الطويلة ..


واراها مخالبه الحادة التي خرجت من بين اصابعه ، مما ارعبها كثيراً ! ..وأكمل قائلاً :

- أحذّرك يا جاكلين من الإبتعاد عني او خداعي ثانية ، مفهوم!!

فأومأت برأسها إيجاباً ، بخوفٍ شديد ..

جاك : الآن لنعد الى سيارة قبل استيقاظ طفلي .. 

فركبت بجانبه وهي ترتجف خوفاً ، بينما تابع هو القيادة دون الإلتفات اليها 

***


في الطريق سألته :

- الى اين تأخذني ؟

جاك : مازالت امامنا مهمّة أخيرة قبل بزوغ الفجر .. 

***


بعد ساعتين ، وصلا الى منزل طليقها .. فترجّته جاكلين ان لا يؤذي والد اطفالها .. فردّ قائلاً : 

- مع انه يستحق القتل لحرمانك منهم ، لكن القرار يعود اليك .. سأحاول خطفهم دون إيقاظ اللعين .. بشرط ان تأتي معي ، كي لا يصرخوا حين يروني أحملهم من سرائرهم ..


وبالفعل وقفت خلف نافذة غرفة نومهم ، وتناولتهم الواحد تلوّ الآخر من يده ، وأدخلتهم السيارة .. ليفرّوا من المنطقة ، قبل استيقاظ طليقها 

***


في الطريق .. سألها ابنها الأكبر (7 سنوات) :

- امي ! من هذا الرجل ؟ ومن الطفل النائم في مقعد اخي ؟


وقبل ان تجيبه جاكلين ، أجابه جاك وهو يتابع القيادة :

- انا زوج امكم ، وهذا طفلي .. وسنعيش معاً في مكانٍ جميل لا يصل اليه احد


فنظرت جاكلين الى اطفالها المذهولين ! وهي تخفي خوفها بعد علمها انه لن يدعهم وشأنهم ، وفضّلت السكوت خوفاً من غضبه الجنونيّ .. 

وأكملوا طريقهم نحو الغابة مع شروق الشمس ، مُتوجهين الى مكانٍ مجهول !  


الخميس، 26 نوفمبر 2020

الفحم الفاسد

 تأليف : امل شانوحة

جرائم غامضة !


في خمسينات القرن الماضي ، وفي أمسيةٍ باردة .. دخلت امرأة بزيّ ممرضة الى مكتب المحقّق وهي ترتعش خوفاً :

- سيدي ، ارجوك إقبض عليّ قبل قتلي جميع المرضى

- مالذي يحصل معك ؟

الممرضة : لا ادري .. يدي تتحرّك وحدها !.. أنظر !!


وأرته يدها بعد إزالة الرباط عنها ..

المحقق : تبدو عادية 

- كانت تتحرّك وحدها قبل قليل ، أحلف لك .. حتى اني ربطها بقوة لأتحكّم بها .. فهي تصرّ على حمل السكين ، كأنها تأمرني بذبح العجائز 

- العجائز ؟!

الممرضة : نعم انا اعمل في دار المسنين القريب من هنا .. وانا خائفة جداً سيدي ، ماذا أفعل ؟

- اعتقد انك مرهقة من العمل ، إذهبي واستريحي قليلاً 


فوقفت ، قائلةً بعصبية :

- طالما لن تعتقلني ، فلا تلومنّي على ما سيحصل لاحقاً !! 

وخرجت غاضبة من المركز.. 

فتمّتم المحقق بضيق : كان ينقصني المجانين ! الأفضل ان أعود الى منزلي

*** 


إستيقظ المحقق قبيل الفجر على اتصال من المركز يخبروه عن مذبحة حصلت في دار العجزة ، راح ضحيتها 9 عجائز ..ذُبحوا اثناء نومهم على يد ممرضة مجنونة ، تمّ اعتقالها وهي تحاول قطع يدها .. ويريدونه القدوم حالاً للتحقيق معها ، بعد قيام الطبيب بتقطيب يدها المجروحة ! 

فتذكّر على الفور تهديدات الممرضة المضّطربة ، فقال في نفسه :

- يا الهي ! ليتني اعتقلتها بالفعل 

***


في المركز .. وما ان رأته الممرضة ، حتى صرخت في وجهه :

- كلّه بسببك !! طلبت منك اعتقالي قبل ارتكابي الجريمة.. 

المحقق مقاطعاً : رجاءً اهدأي ، واخبرني بما حصل منذ البداية 


فقالت وهي تمسح دموعها : 

- القصة بدأت مع حلول المساء .. حيث نام العجائز بعد تناول ادويتهم .. فذهبت الى مكتبي لأستريح .. أشعلت المدفأة ، واستلقيت على الكنبة .. ثم اشتمّمتُ رائحة سيئة أيقظتني من النوم .. وحينها لاحظت ان يدي تشدّي للخارج ! 

المحقق بتهكّم : يدك ثانيةً ؟

- ارجوك دعني أكمل

- تفضلي


الممرضة : صرت الاحق يدي حرفياً .. وقدماي تركضان خلفها وهي تشدّني للإمام بقوة .. حتى وجدت نفسي في مطبخ الدار .. وأسرعت يدي المجنونة بتفتيش الأدراج ، الى ان أخرجت سكيناً حاداً .. ثم عادت لسحبي باتجاه غرف المرضى ، وأوقفتني قرب أحدهم .. لأراها ترتفع ! كأنها على وشك طعن العجوز النائم .. فتعاركت مع يدي اليسار لإيقافها ، الى ان أسقطت السكين منها

المحقق : إذاً يدك اليسار هي التي تحرّكت وحدها ؟

- نعم وهذا الغريب في الموضوع ! فأنا عادةً استخدم اليمين .. وقدراتي باليسار ضعيفة بسبب حادثٍ قديم ، لكن قوتها تضاعفت بشكلٍ مفاجىء ، وبالكاد أوقعت السكين منها 

- وماذا حصل بعدها ؟


الممرضة : ربطّها بالشاشّ بقوة .. ثم أتيت اليك لتعتقلني ، لكنك رفضت

المحقق : وماذا حصل بعد عودتك للدار ؟

- حاولت النوم في مكتبي .. لأستيقظ بعد قليل على صراخ زميلتي ، وأنا أقف بين عشرات الجثث المذبوحة في العنبر !

- يعني ارتكبت الجريمة وانت نائمة ؟ 

الممرّضة : يبدو ان يدي المتوحشة علمت انني سأقاومها ، فاستغلّت نومي للقيام بالجريمة .. ولا تسألني كيف وصلت الى غرفة المرضى ، فأنا لا أتذكّر شيئاً ! 

- هل عادةً تمشين وانت نائمة ؟

- لا ابداً ، وهذا ما يفقدني عقلي ! لهذا حاولت بتر يدي .. قبل ان يوقفوني حرس المشفى الذين اتصلوا بالشرطة.. 

- وكيف تشعرين بيدك اليسار الآن ؟


الممرضة وهي تنظر الى يدها المجروحة : 

- هدأت اخيراً ، لكني مازلت قلقة منها .. فهناك روحٌ شريرة تلبّستها بالفعل !

- سنكمل التحقيق لاحقاً

وطلب من الحرس أخذها الى زنزانة التوقيف ..

***  


كانت هذه أغرب قضية مرّت في حياة المحقق (فهو في سنته الأخيرة قبل التقاعد) لكنه لم يعلم انها بداية لسلسة من الجرائم الغريبة المتلاحقة ! 


ففي أمسيةٍ ماطرة .. قُبض على صبية تعمّدت القيام بحادثٍ مروريّ لقتل خطيبها .. وقد اعترفت بذلك لشرطي المرور الذي نقلها الى المركز .. 


وحين استجوبها المحقق .. قالت وهي مازالت في حالة من الإنكار والذهول :

- كل شيء كان رومنسياً وحالماً ، بعد قدوم خطيبي الى منزلي مساءً للإحتفال بعيد ميلادي .. وفتحنا الهدايا بسعادة ، وأكلنا الكيك والشاي الساخن 

المحقق : ثم ماذا ؟

- لا ادري .. شعرت بالبرد ، فأشعل لي المدفأة .. وبعد قليل طلبت منه اطفاءها بعد خروج رائحة سيئة منها .. وحينها شعرت بيدي تتحرّك وحدها ..

المحقق مقاطعاً : لحظة ! يدك تحرّكت وحدها ؟

- نعم 

- هل قرأت حادثة الممرضة التي نُشرت بالجرائد قبل اسبوعين؟

- من تقصد ؟ فأنا لا احب قراءة الأخبار  

- حسناً إكملي 


الصبية : كنت مذهولة وانا ارى يدي تسحب السكين ببطء من الكيك ، دون تحكّمٍ مني ! 

- هل كانت يدك اليسار ؟

- نعم ! كيف عرفت ؟

- ثم ماذا حصل ؟ 

الصبية : حاولت طعن خطيبي ، لكنه أمسك يدي في اللحظة الأخيرة .. فانهرت باكية ، وطلبت منه الخروج من منزلي .. لكنه لم يقبل ان يتركني بهذه الحالة المضّطربة ، وأصرّ على أخذي في نزهةٍ قصيرة .. وطوال وجودي معه بالسيارة ، كنت أمسك يدي اليسار بقوة كيّ لا تؤذيه .. لكن فجأة خرجت الأمور عن سيطرتي ، ووجدت يدي تقبض على المقود بقوة ، لتوجيه السيارة الى خارج الطريق .. فانحرفنا بسرعة ، مصطدميّن بشجرةٍ ضخمة كانت في مواجهة السائق .. فمات خطيبي على الفور ، وخرجت من السيارة مصابة ببعض الخدوش والرضوض البسيطة .. 

وحين رأيت جثة حبيبي ، أصبت بانهيارٍ عصبي .. وصرت أصرخ بهستيريا ، الى أن مرّ شرطي المرور .. فاعترفت له بكل شيء ، واقتادني الى هنا .. هذا كل ما أتذكّره عن الحادث 


ثم بكت الصبية ، وأخذت تضرب يدها اليسار بالطاولة بعنف :

- لما قتلتي حبيبي ايتها اليد الملعونة ؟!!

وكادت تكسرها ، لولا ان أوقفها المحقق الذي نادى طبيب المركز لإعطائها حقنة مخدر ، قبل نقلها الى سجن التوقيف !

***  


ثم توالت القضايا الغريبة ! حيث قام رجلٌ بإطلاق النار على كلبه المفضّل بعد هجومه المفاجىء على أطفاله ، مما اضّطره لقتله 

كما قامت أم بخنق رضيعها دون سببٍ مقنع ! 

وتعارك طلاّب مدرسةٍ داخلية بعنف ، قبل قيام المدير والأساتذة بإيقافهم بصعوبةٍ بالغة 

والكثير من هذه القصص التي تزايدت في الآونة الأخيرة !

***


وفي إحدى الأيام .. تناقش المحقق وافراد الشرطة عن تلك الحوادث ، فأخبره كبيرهم :

- جميعهم كاذبون ، يحاولون تقليد السفّاح المنتحر

المحقق باهتمام : من تقصد ؟

- القصة حصلت قبل قدومك الى مدينتنا بسنة 

- وماهي قصته ؟ 


فأخبره الشرطي العجوز عن شاب كان من عبّاد الشياطين ، هرب بعد قتله عائلته واصدقائه بحفلة رأس السنة .. 

فقامت دوريات الشرطة بملاحقته .. الى ان اختبأ في معمل الفحم ..

وحين حاصروه .. وقف فوق محرقة الخشب ، وهو يصرخ قائلاً :

- لست القاتل !! يدي تحرّكت وحدها .. الشيطان تلبّسها !! هو من جعلني أسرق السلاح لقتل المعازيم .. أحلف لكم !!

المحقق باهتمام : وماذا حصل بعدها ؟


فأكمل العجوز قائلاً : طلبنا منه النزول من فوق المحرقة بعد تصاعد الدخان من حذائه ، فهي مليئة بالأخشاب التي كانت تُحرق لتحويلها الى فحم .. ولا ادري كيف تحمّل حرارتها !.. وحين حاول أحدنا إنزاله بالقوة ، قال كلمته الشهيرة : ((سأنقل لعنتي اليكم)) ..ثم رمى نفسه داخل المحرقة 

المحقق : أحقاً ! وهل أخرجتم جثته من هناك ؟

- هل تمزح سيدي ؟ الحرارة حوّلته الى رماد في دقائق ، ليختلط عظامه بالفحم

المحقق : وهل تخلّص صاحب المعمل من الفحم الملوّث ؟ 

- لا اظن ! فهو معروف ببخله ، ولن يجازف بخسارة كميةٍ هائلة من الفحم .. وأظنه باعه دون إخبار الناس بأنه مخلوط بدم السفّاح .. مع إن قصته نُشرت في كل الجرائد المحلّية .. لذلك أعتقد إن القتلى الذين قبضنا عليهم في الآونة الأخيرة يقلدونه (بأن يدهم تتحرّك وحدها) لإخفاء جرائمهم  

فعلقت القصة في ذهن المحقق ، وإن كان لم يصدقها بالكامل .. 

***


بعد اسبوع .. وبينما كان المحقق منشغلاً في مكتبه بالمركز لحلّ اللغز .. سمع الموظف يعاتب العامل لإحضاره فحماً متعفّناً ، قائلاً له : 

- الا تراه مُخضرّ اللون ؟

العامل : إشتريته بثمنٍ زهيد ، سأشعله في غرفة العمّال اولاً .. وإن لم يكن منتهي الصلاحية ، أشعل الكمية الباقية في مدفأة المكاتب 

***


لم تمضي ساعة .. حتى علا الصراخ في الطابق السفليّ للمركز !

فنزل المحقق مع بقية الشرطة الى هناك .. ليجدوا العامل يضرب رفاقه بحديدة المدفأة ، صارخاً بفزع :

- أهربوا مني !! فأنا لا أتحكّم بيدي اليسار 


ثم هجم فجأة على المحقق ! فأطلق الشرطي النار عليه ، وقتله على الفور .. ونقلوا جثته للمشرحة لمعرفة سبب جنونه المفاجىء ..


حينها اشتمّ المحقق رائحة سيئة تنبعث من مدفأة الطابق السفلي (التي مازال فحمها الأخضر ساخناً ، رغم انطفائه) فتذكّر تفاصيل الحوادث السابقة : فجميعهم أكّدوا ان يدهم اليسار تحرّكت وحدها بعد إشعالهم المدفأة التي خرج منها رائحة سيئة ! 

لذلك استدعى الموظف ليسأله عن المكان الذي اشترى منه العامل المقتول الفحم الفاسد ؟ .. فأخبره بإسم المحل .. 

فأسرع المحقق الى هناك .. 

***


في المحل .. سأل المحقق البائع : 

- كيف سمحت لك البلدية ببيع فحمٍ أخضر متعفّن للناس ؟

فأجاب بارتباك : سيدي .. انا أبيعه بثمنٍ بخس ، فهو تعفّن بعد تعرّضه لماء المطر 

- لا أظن المطر هو السبب .. هل وصلتك شكاوي من الزبائن بخصوصه ؟

- نعم .. قالوا ان رائحته كريهة عند الحرق ، والبعض الآخر ..

المحقق : إكمل ، لما توقفت ؟

البائع بقلق : بعض زبائني قُبض عليهم لارتكابهم جرائم عنيفة ، لكن لا دخل لفحمي بالموضوع .. مجرّد صدفة 

المحقق : فهمت .. أعطني اسم المعمل الذي اشتريت منه الفحم ؟


فأعطاه العنوان .. وذهب المحقق الى هناك ، لسؤال رئيس المعمل عن مصدر الفحم الفاسد 

***


وكان الإرتباك واضحاً على رئيس المعمل الذي أكّد أن الأمطار أفسدت جزءاً من فحمه الخشبيّ ، لذا اضّطر لبيعه بسعرٍ رخيص .. 

فأصرّ المحقق على رؤية البضاعة الفاسدة .. 

فأراه المخزن الذي تبقى فيه شوال واحد من الفحم الأخضر ، موضوعاً بجانب جبلٍ من الفحم الجيد المستورد حديثاً ..

فطلب المحقق من رئيس المعمل إتلاف الفاسد فوراً ، والا سيحاكم ببيع بضاعةٍ ضارّة بصحة الناس .. 

فأمر الرئيس عامله برمي الشوال في البحر .. 


وحين رأى المحقق الشوال مربوطاً بالرافعة ، شكر رئيس المعمل وعاد الى مركزه ..

لكنه لم يعلم انهم قبل رميه في البحر ، تمزّق كيس الخيش من الأسفل ! ليسقط الفحم الفاسد فوق جبلٍ من الفحم الجيد .. 

وعلى الفور تحوّلت كل الكمية لفحمٍ مُخضرٍ برائحة قذرة .. 

وذهل العمّال بما حصل !


فسأل أحدهم الرئيس : سيدي ، هل نرميهم جميعاً بالبحر ؟

- هل جننت ؟!! أتدري كم ثمن البضاعة ؟

- الم تسمع المحقق يقول ان الفحم الفاسد يسبب هلوسة للناس عند حرقه ، فيرتكبون الجرائم الفظيعة ؟

المدير : كلامٌ فارغ 

- وماذا سنفعل ؟

المدير بضيق : يبدو انني سأضّطر لبيعه ايضاً بثمنٍ بخس ، لكن للمدن المجاورة كي لا نقع بمشاكل مع المحقق الطفيليّ 

***


وبالفعل بيع الفحم الفاسد للمدن البعيدة ، ليزداد عدد الجرائم هناك بشكلٍ تصاعديّ ! 

وقد حاول المحقق إطلاع مراكز الشرطة الأخرى بنتيجة تحقيقاته ، لكنهم لم يصدّقوا خرافة : (إن روح السفّاح اختلطت بالفحم الفاسد).. خاصة بعد تقاعد المحقق الذي تأمّل إنتهاء الكابوس مع نفاذ الفحم الفاسد .. لكنه لا يعلم إن تجّار الفحم في المدن الأخرى قاموا بخلط الفحم الأخضر بالفحم الجيد لإخفاء العفن .. وبذلك ضاعفوا الكمية ، مُعرّضين البلاد بأكملها لإنفلاتٍ أمني خطير ستدوم نتائجه لسنواتٍ طويلة !  

الأحد، 22 نوفمبر 2020

رحلة الشقاء

 كتابة : امل شانوحة

قطار اولاد الشوارع


في مدينة نيويورك 1854 .. إجتمع (تشارلز لورينغ بريس) مع افراد جمعيته (مساعدة الأطفال) لإيجاد حلٍّ سريع ونهائيّ لتخلّص من أولاد الشوارع الذين انتشروا في مدينته ، مُسبّبين قلقاً للسكّان لاعتمادهم على التسوّل والسرقة كقوت يومهم ..

وكان الحل : هو جمعهم داخل قطار يعبر كافة الولايات الأمريكية ، وصولاً لأقصى الشرق .. وعرضهم للتبني او البيع لمن يحتاجهم للعمل

وقد أعجب إقتراحه كبار المسؤولين في البلد ، وطلبوا تنفيذه على الفور

*** 


من جهةٍ اخرى ، وفي زقاق منطقةٍ فقيرة قرب ميناء نيويورك .. عاش الأخوان اليتيمان (فريد 12 سنة ، وهاورد 7 سنوات) مع والدتهما المريضة التي طلبت من ابنها الكبير في ذلك النهار ان يتسوّل في الشوارع لإحضار المال الكافي لشراء دوائها .. 

فاستأذنها بأخذ اخيه معه لأول مرة ، لعلّ المارّة يشفقون على الصغير ويعطوه المزيد من المال .. ووعدها بإعادته سالماً الى المنزل قبل حلول المساء .. فقبلت بتردّد وهي تشعر بالقلق 

***


توجه الأخوان الى منطقةٍ مزدحمة بالسكّان .. وأخذا يستعطفان الناس الى ان سمعا جرساً من بعيد ، قادماً من محطة سكّة الحديد .. 

وهناك تفاجئا بوجود عددٍ كبير من اولاد الشوارع !


حيث أخبرهما أحدهم عن الإعلان الذي ألقاه موظف الدولة قبل قليل ، قائلاً بحماس :

- لقد قرّر رئيس البلدية الإهتمام بالفقراء الصغار .. واستأجر لنا رحلة مجانية بقطارٍ مليء بملابس جديدة وطعامٍ وحلويات تكفينا جميعاً

فريد باستغراب : أحقاً ! وما سرّ اهتمامه المفاجىء بنا ؟ بالعادة الأغنياء يجلدونا بالسياط كلما إقتربنا من عرباتهم ! 

الولد : لا ادري ، ربما حنّ قلبهم علينا اخيراً


وهنا خرج عامل القطار ، مُنادياً بصوتٍ عالي :

- سيدخل الأولاد دون سن 18 من هذا الباب !! والبنات الصغار من الباب الآخر !! هيا إسرعوا ، فالأماكن محدودة 


فأسرع الأولاد بدخول القطار وهم يشعرون بحماسٍ شديد .. وكان من بينهم فريد الذي أمسك بإحكام بيد اخيه ، خوفاً من ضياعه بين مئات الأولاد المشرّدين الآخرين 

***


الغريب ان إعلان رئيس البلدية لم يكن كاذباً ! حيث وجدوا بالداخل ملابس جديدة من كافة الأحجام ولجميع الأعمار .. لكنهم مُنعوا من لبسها قبل الإستحمام ..

وكان الموضوع محرجاً .. حيث قمن سيدات (تم تعينهم من الدولة لهذه المهمة) بتحميم الأطفال (فور تحرّك القطار) داخل احواض حديدية صغيرة ، بها ماء وصابون .. 


وبدأن بالأطفال دون سن 8 .. وبعد الإستحمام ، ألبسوهم ملابس جميلة تناسب مقاسهم .. وقامت الأخريات بتمشيط شعرهم وإلباسهم الأحذية التي يجرّبونها لأول مرة في حياتهم القصيرة 


وحين حان دور الأولاد الكبار (دون سن 14) .. رفض معظمهم الإستحمام على مرأى الجميع .. 

فاضّطرت المسؤولة لوضع حاجز من الستائر القماشية .. وتركهم يستحمون وحدهم ، بعد رمي ملابسهم المتسخة جانباً .. والتي جمعتها النسوة لرميها خارج القطار !

***  


بعد الإنتهاء من هذه الخطوة .. بدأن بتقديم شطائر الخبز والجبن للأولاد الذين تناولوها بنهمٍ شديد ، فبعضهم لم يأكل شيئاً منذ ايام ..

بعد ذلك أخبروهم أنهم سيحظون بحياةٍ جميلة ستبدأ فور توقفهم في المحطة القادمة .. وأن عليهم إلتزام الهدوء اثناء فحصهم من قبل العائلات المستعدة لتبنّيهم ..


وحين سمع فريد ذلك ، إقترب من احداهن قائلاً :

- عفواً سيدتي .. هل قلت تبنّي ؟

- نعم 

فريد : لكن انا واخي لدينا ام مريضة ، وهي تنتظر عودتنا لإحضار الدواء.. فمتى سنعود الى نيويورك ؟


وهنا اقترب احد مسؤليّ الدولة (الذي رافقهم بالرحلة) ليجيبه بلؤم ، وبصوتٍ عالي سمعه كل اطفال القطار :

- لن يعود احد منكم الى نيويورك بعد اليوم !!


وما ان سمعوا ذلك ، حتى ضجّ القطار بالصراخ والبكاء .. فجميعهم ولدوا هناك وتربّوا في شوارعها وزقاقها .. وإنتقالهم الجبريّ والفوريّ لمدينة أخرى أربكهم وأخافهم جداً ..


فأكمل المسؤول قائلاً بنبرة عتاب :

- هذا بدل ان تشكرونا لأنا سنوفّر لكم بيتاً وطعاماً وعائلات تقبل بتبنّيكم ، ايها المشرّدين القذرين !! 

فريد بخوف : سيدي ارجوك ، اريد العودة الى امي في الحال

فدفعه بقوة ، أسقطته ارضاً .. قائلاً له :

- عدّ الى مقعدك فوراً ايها التافه !! فليس امام امك الا الشفاء وحدها ، او الموت لترتاح من حياتها البائسة

 

فعاد فريد مصدوماً الى مقعده ، ليواسي اخيه الصغير بعد يقينهما أنهما لن يريا امهما ثانيةً !

***


بعد ساعتين ، توقف القطار عند اول محطة .. 

وطلب المسؤول من الأطفال الإصطفاف بجانب القطار .. 

حيث كانت العائلات في انتظارهم ، بعد الإعلان عن قدوم القطار قبل ساعة 


من بعدها .. بدأ الرجال بفحص الأولاد ، والسيدات بفحص البنات الصغار .. وكان فحصاً سريعاً للعيون لتأكّد أنها غير مُصفرّة بداء الكبد ..كما الأسنان والعضلات .. وكذلك خلوهم من الأمراض الجلدية المعدية 

وفي حال أعجبهم الولد ، يدفعون مالاً زهيداً للمسؤول الذي يقوم بتسليمه لهم ! 


وسارت الأمور بهدوء ، قبل أن تضجّ المحطة بصرخات فريد الغاضبة بعد شراء سيدة عجوز لإخيه الصغير .. 

حيث حاول تخليصه منها ، قبل قيام المسؤول بصفعه وإعادته بعنف الى الطابور ..

بينما هاورد يبكي بحرقة ، بعد إجلاسه بالقوة في عربة العجوز التي قادتها بعيداً عن المحطة

ولم يهدأ فريد الا بعد جلده بالسوط ، ليقف مرتعشاً وهو خائف على مصير اخيه المجهول ..


وهنا سأل أحد الرجال المسؤول :

- ما اسم هذا المشاغب ؟

فأجابه : فريد .. إشتريه إن أعجبك 

- مستحيل ان تقبل أيّ عائلة تبني ولداً عصبياً مثله .. الأفضل ان تبيعه لأصحاب الحقول والمناجم .. فهناك يستفيدون من قوته وعناده 

المسؤول : لا تقلق ، سيعود القطار الى نيويورك فارغاً بعد بيعهم جميعاً .. حتى لوّ اضّطررت لتسليمهم لرجال العصابات بنهاية الرحلة


وضحكا غير آبهين بخوف الأولاد من كلامهما القاسي عن مصيرهم المرعب في حال لم يتبناهم أحد من العائلات الأسريّة ..

***  


بعد ساعة .. بيع عشرة أولاد من صغار السن للعائلات المتبناة .. وطُلب من البقية العودة الى القطار ، لإكمال رحلتهم المجهولة ! 


وبالقوة قام الموظف بإدخال فريد الى القطار ، لرفضه التخلّي عن اخيه الصغير .. وترجّاهم كثيراً أن يتركوه في تلك المدينة للبحث عنه ، لكن المسؤول رفض ذلك .. 

وأمر بتقيده في مقعده لحين ابتعاد القطار عن المنطقة ، دون الإكتراث ببكائه المرير لفقدان عائلته ..

***


حلّ المساء .. ونام الأولاد بتعب فوق مقاعد القطار الخشبية ، بعد تناولهم العشاء الذي كان عبارة عن عصيدة رديئة .. بينما حُرم فريد من الطعام عقاباً له على سوء افعاله .. 

***


إستيقظ فريد فجراً قبل الجميع ، بعد شعوره بجوعٍ شديد .. وتسلّل لمقطورة المطبخ لسرقة قطعة خبز .. أكلها على الفور ، قبل عودته الى مكانه .. 


وأكمل رحلته صامتاً .. والدموع تنساب على خديه ، كلما تذكّر امه واخاه اللذان قد لا يراهما ثانية ..

***


بعد ساعة .. أيقظه عامل القطار للنزول الى المحطة الثانية مع بقية الأولاد الذين إصّطفوا هناك ، في انتظار شرائهم من قبل المزارعين واصحاب الحقول ..


وهناك اقترب منه رجلٌ ضخم ، قام بفحصه بنظراتٍ غير مريحة .. وكانت هيئته تدل على انه رجلٌ سيء .. ففريد تعلّم من سنوات حياته التي قضاها في شوارع نيويورك على التفريق بين الإنسان الطيب واللئيم من النظرة الأولى .. 


وأخذ يدعو ربه ان لا يشتريه ذلك الرجل المخيف .. لكن للأسف ، دفع مبلغاً زهيداً للمسؤول ، قبل إقترابه منه قائلاً :

- تعال معي يا ولد ، فأمامك عملٌ كثير في مزرعتي

 

وكان فريد متعباً من الرحلة الطويلة ومن قلّة الطعام ، لهذا لم يملك الطاقة للرفض والإحتجاج .. وانساق معه طواعيّةً ، لجلوس بجانبه في العربة التي قادها بعيداً عن محطة القطار ..

وظلّ فريد ينظر لبقية الأولاد ، الى ان اختفوا عن انظاره ..


وفي الطريق .. قال الرجل :

- إسمي السيد جاك .. ولديّ ارضٌ كبيرة للقطن .. ستعمل مع بقية العبيد على قطف المحصول .. ورئيس عمّالي سيعلّمك الطريقة  ..هل فهمت ؟

فأومأ فريد برأسه إيجاباً..

السيد : هل انت أخرس ؟

فأجابه بحزن : لا سيدي

- جيد ، فأنا لا اريد عاملاً معاقاً ..


وأكمل فريد رحلته صامتاً .. الى ان وصلا للمزرعة ..

وكان فيها عشرات العمّال من البشرة الداكنة .. 


وبعد دخول جاك الى بيته .. اراه رئيس العمّال طريقة العمل .. وبعد انتهائه ، قال له : 

- هل فهمت يا فريد ؟ كل ما عليك فعله : هو قطفها بهدوء ، وجمعها في شوال الخيش الذي ستضعه على رأسك.. وبعد امتلائه بالكامل ، تصفّه بجانب الشوالات الأخرى فوق العربة .. الأمر سهل ، هل يمكنك البدء العمل الآن ؟

فريد بتعب : سأفعل بعد تناولي شيئاً 

 

وهنا سمعته زوجة رئيس العمّال ، فخرجت من الحقل لتسأله :

- الم يطعموك في القطار ؟ 

فريد : لا ، عاقبني المسؤول بمنعي يوماً كاملاً من الطعام

- ولماذا ؟


فأخبرهم وهو يبكي عن امه وأخيه الصغير ..

المرأة : لا تحزن يا صغير ، فمعظمنا خُطف من عائلته لاستعبادنا في المزارع والمصانع .. انها حياة الفقراء

فريد وهو يمسح دموعه : انا خائف ان يزداد مرض امي بعد علمها برحيلنا .. وقلقٌ ايضاً على مصير أخي مع العجوز الشمطاء 

المرأة : ليس امامك سوى الدعاء لهما 


فريد بحزم : لا لن أقف مكتوف الأيديّ !! سأستعيد اخي لنعود معاً الى أمي في نيويورك

رئيس العمّال : لقد ابتعدت كثيراً عن نيويورك يا بنيّ .. والأفضل ان تتقبّل واقعك يا صغير

المرأة : وانا أنصحك أن لا تخبر أحداً بما تفكر به ، فهناك جواسيس بيننا..  على كلٍ ، معي قطعة خبز يابسة .. هل تريدها ؟

فريد : نعم ارجوك


وأعطته اياه ، ليأكلها بسرعة كادت تخنقه .. فأشربته الماء لمساعدته في بلع قطعة الخبز العالقة في حلقه .. 


من بعدها .. وقف معهم ، بعد سماعه سوّاط جاك الذي عاد لمراقبة عمّاله 

فوضع فريد الشوال على رأسه ، وبدأ بقطف القطن ..محاولاً تجاهل نظرات جاك الحادة وهو يراقبه .. قبل اقترابه منه ليقول :

- أحسنت يا صغير .. 

ثم ابتعد عنه ، لمراقبة الآخرين .. 

***


ومضت شهور وفريد عالق في الحقول .. حيث انتهى فصل الصيف والخريف .. وبدأ فصل الشتاء وهو مازال يكدّ في العمل ، بأجرٍ زهيد عبارة عن صحن أرز مسلوق بلا ملح ..

وكان مجبراً على متابعة العمل ، بعد تعرّضه لعدّة جلدات مؤلمة من السيد جاك كلما حاول الإستراحة قليلاً 

عدا عن عمله الآخر في إطعام الثيران ، وقيادتها في حراثة الأرض 

***


مع مرور الأيام .. أصبح فريد مُقرّباً من رئيس العمّال وزوجته اللذان اهتما به .. وفي نفس الوقت منعاه من الهروب ، بعد إخباره بقصة العبد الشاب الذي أحرقه جاك حياً امامهم حين حاول الفرار !

ومع ذلك ظلّ فريد يخطّط للهرب لإنقاذ اخيه الذي رآه في مناماته وهو يترجّاه لتخليصه من جحيم العجوز 

*** 


ولم تكن كوابيس فريد أضغاث احلام ، فهاورد تعذّب بالفعل في منزل العجوز البخيلة التي لم ترحم سنه الصغيرة .. وكانت تضربه بالعصا دون سبب .. وتحرمه لأيام من الأكل ، او تجبره على تناول الطعام الفاسد .. وحين حاول الهرب ، حبسته في قبوٍ مظلم لعدة ليالي دون بطانية تدفئه في الجوّ البارد .. فلم يكن امامه سوى الدعاء بأن ينقذه اخوه الكبير من سجنه المرعب 

*** 


وفي الحقول ، وفي إحدى الليالي الماطرة .. إستغلّ فريد نوم جاك في غرفته العلوية بالمنزل ، للتسلّل الى مطبخه وسرقة بعض الخبز والجبن ،  وضعهما في قماشة حملها على ظهره .. 

ثم خرج بهدوء ، متوجهاً للحقول الموحلة ..

تاركاً العمّال نائمين في الحظيرة مع الحيوانات ..


وأكمل سيره ، مُستغلاً نور البرق الذي أضاء طريقه من وقتٍ لآخر .. الى ان وصل اخيراً لسكّة الحديد .. 

وكانت خطة هروبه سهلة :

((سيمشي اولاً فوق السكّة ، لحين وصوله الى المحطة التي تمّ فيها شراءه.. وسيكمل منها طريقه باتجاه المحطة الأولى التي بيع فيها اخيه .. وهناك سيسأل عن منزل العجوز المشوّهة لاستعادة هاورد للهرب معاً ، متتبعان السكّة الحديدية للعودة ثانية الى نيويورك .. ومنها الى الميناء حيث يوجد منزل والدتهما))


لكن فريد لم يدرك انه يبعد اميال كثيرة عن هدفه .. وان قطعتيّ الخبز والجبن لن تكفيه طيلة الرحلة ، خاصة مع ثيابه المبلّلة في جوٍّ ماطرٍ وبارد

لكن حماسه لملاقاة اخيه وامه جعله يمشي فوق سكّة الحديد بنشاطٍ وأمل ، غير آبه بالظلام الحالك والحيوانات البرّية المتوحشة المتواجدة هناك ..

***


لكن فرحته لم تدم ساعات .. حيث استيقظ صباحاً على يدٍ تشدّه بعنف من قميصه ! 

وحين فتح عيناه .. رأى جاك يصفعه بقوة ، وهو يقول بعد رؤيته بقايا الخبز والجبن :

- ايها السارق الصغير !! ستُعاقب لهروبك دون إذني 


فأجابه فريد برعبٍ شديد : آسف سيدي ، ارجوك لا تحرقني 

- أحرقك ! اذاً أخبرك العمّال عمّا فعلته بالعبد الأسود قبل سنوات ، ومع ذلك تجرّأت على مخالفة اوامري  

- فعلت ذلك لأنقاذ اخي وإعادته لأمي كما وعدتها

فصفعه ثانية بقوة :

- الم تفهم بعد انك لن ترى نيويورك ثانيةً ؟!!

ثم أشار لرجاله لتقيده في العربة ، وإعادته الى المزرعة 

***


وفي وسط الحقل .. شاهد عمّال جاك وهو يجلده بقسوة ، عقاباً على هروبه .. ولم يتوقف ، الى ان أغميّ على الصغير ! 

ثم تركه وعاد الى منزله ، ليقوم بعض العبيد بحمله الى الحظيرة ..

حيث قامت زوجة رئيس العمّال بتضميد جروحه باكية ، وهي تعاتبه على عدم سماع نصيحتها ..

فردّ فريد بتعبٍ وألم :

- لا تقلقي يا خالة ، سأنجح في المرة القادمة 

ثم أغميّ عليه مجدداً !

***


إنتهى فصل الشتاء بصعوبة على فريد بعد تضاعف عمله كعقوبةٍ له .. وبحلول الربيع ، عاد للتخطيط لهروبه ثانيةً !

وحانت الفرصة مع قدوم صديق جاك من نيويورك .. حيث تنصّت فريد (من خلف نافذة الصالة) على حديثهما باهتمام .. 

واستطاع حفظ إسماء المحطات التي مرّ بها الرجل قبل وصوله الى المزرعة .. فأخوه موجود في المحطة الأولى..


لكن لسوء حظه ! أمسكه خادم جاك وهو يتنصّت عليهما .. 

فضاق صدر جاك من مشاغبته ، وعرضه على صديقه بثمنٍ بخس .. ووافق الأخير بأخذه معه برحلة القطار .. مما أسعد فريد لظنه أنه سيعود اخيراً الى نيويورك ..وقام بتوديع العمّال الذين أخفوا قلقهم ، فصديق جاك اسوء اخلاقاً منه ! لكنهم لم يرغبوا بإحباطه 

***


في القطار .. جلس فريد قرب النافذة وهو ينظر للطريق بسعادةٍ وحماس.. 

لكنه بعد ساعتين ، لاحظ اماكن جديدة لم يرها من قبل !

فسأل صديق جاك بقلق :

- سيد اريك .. القطار الذي أتيت فيه ، لم يمرّ من هذا الطريق؟!

- تقصد القطار الذي جمعوا فيه اولاد الشوارع ؟

- نعم 

- هذا لأننا ذاهبون لأقصى الغرب

فريد بقلق : ماذا ! ألسنا ذاهبين الى نيويورك ؟

- لا 

- ولماذا لم تخبرني بذلك ؟ 


اريك بعصبية : ومن انت لأخبرك بخططي !! انا اشتريتك من جاك  ، وسأبيعك كعامل منجم في المدينة الحديثة لاس فيغاس .. فهناك بيع الأولاد المشاغبين بعد رفض العائلات وأصحاب المزارع شرائهم ..

فترجّاه فريد باكياً : ارجوك سيد اريك .. اريد العودة الى نيويورك لإنقاذ اخي ورؤية امي

- إنسى أمرهما ، فعائلتك تفكّكت للأبد


وبعد بكاءٍ طويل ، صمت فريد بقهر وهو ينظر بعينين دامعتين الى الطريق .. مُتمنياً لوّ بإمكانه القفز من النافذة لإكمال طريقه عكس سير القطار ، لكنه يعلم ايضاً إن حلم نيويورك أصبح صعب المنال .. وشعر بيأسٍ شديد بعد يقينه التام بخسارة عائلته

***


في صباح اليوم التالي ، وصل القطار الى لاس فيغاس .. 

وعلى الفور باعه اريك لصاحب منجم الفحم !


حيث شعر فريد بخوفٍ شديد وهو ينزل لأول مرة الى باطن الأرض الذي لا يضيء عتمته الموحشة سوى قناديل العمّال البائسين مثله.. 


وبعد قيام أحدهم بتعليمه طريقة إستخراج الفحم .. أخذ فريد يضرب مطرقته بكل قوته في الجدار ، مما أعجب رئيس العمّال بنشاط العامل الجديد ! وهو بالحقيقة يحاول إخراج حزنه وغضبه من خلال عمله الشاقّ 

*** 


مرّت ثلاثة اشهر طويلة ، وفريد عالق بعمله المرهق .. حيث اختفت معالم وجهه بسواد الفحم الذي لطّخ ثيابه الملوثة .. لكنه لم يعد يكترث لشيء بعد يأسه من الحياة ، رغم صغر سنه !


لكن كل شيء تغير بقدوم عاملٍ جديد .. الذي علم فريد منه : إنه عمل في منزل العجوز الشمطاء التي باعته لاحقاً للمنجم بسبب شقاوته 

فسأله فريد باهتمام :

- أحقاً عشت في منزل العجوز صاحبة الندبة القبيحة ، المتواجد في اول محطة قطار بعد مدينة نيويورك ؟

- نعم ، فهي تملك عشرات العبيد الصغار .. لكني لم أتحمّل قساوتها وبخلها الشديد ، فبدأت أضايقها الى ان تخلّت عني اخيراً


فريد : وهل رأيت اخي هاورد ؟

- تقصد هاورد الصغير ؟

- نعم 

- بالطبع فهو أصغرنا ، والمسكين تعذّب كثيراً معها

فريد وهو يكتم غيظه : إخبرني ما فعلته الملعونة به ؟ 


فأخبره بمعاناة هاورد ، مما زاده تصميماً على الهرب من المنجم لإنقاذ اخيه 

***


وسنحت له الفرصة بعد ايام ، بقدوم موظف الدولة لمعاينة سكّة الحديد في المنطقة .. 

حيث استطاع فريد سرقة حقيبة عمله التي وجد فيها : مخطّط سكّة الحديد بجميع محطّاته ، وصولاً الى نيويورك .. بالإضافة الى بوصلة صغيرة وبعض المال ..وسكينٌ حادّ صغير ، وعلبة كبريت .. وقِربة من الجلد لحفظ الماء ..وقنديلٌ صغير


كما سرق فريد بعض الطعام المخصّص للعمّال ووضعه في حقيبة الموظف التي حملها مُتوجهاً لسكّة الحديد في منتصف الليل ، مُستعيناً بنور القنديل


وبدأ السير فوق السكّة بطريقٍ عكسي ، عائداً الى نيويورك .. رغم علمه انه سيحتاج شهوراً طويلة للوصول الى هناك .. لكنه مستعد للموت في محاولته لاستعادة عائلته من جديد 

***


ولم يكن الموضوع سهلاً بعد ابتعاده عن المنازل السكنية ، ووصوله لأرضٍ قاحلة مع القليل من الطعام المعلّب .. 

اما الماء ، فكان يحاول تعبة القربة كلما هطل المطر او صادف بئراً او جدولاً صغيراً في الطريق 

كما استخدم السكين في قتل ارنبٍ صغير ، وشوائه مستخدماً علبة الكبريت 


وفي حال تعب من المشي .. كان ينام ورأسه فوق السكّة ، لسماع القطار قبل قدومه 

وهذا ما حصل بعد اسابيع ، حين مرّ قطار متوجهاً للشرق .. فأسرع فريد للحاق به ، فهذا سيوفر عليه الكثير من الوقت .. 


وبعد عدة محاولات فاشلة ، أوشكت الفرصة على الضياع .. مما أجبره على التخلّي عن حقيبته ومعطفه القذر للقفز بكل قوته اتجاه المقطورة الأخيرة التي من حسن حظه انه أمسك بها ..

فصعد اليها وهو يتنفّس الصعداء لركوبه القطار اخيراً ..


لكنه علم ايضاً إنه فور دخوله القطار ، سيُرمى خارجاً ما ان يراه موظف القطار بملابسه القذرة ، خاصة انه لا يملك تذكرة الركوب 

لهذا تسلّل بهدوء بين الممرّات ، اثناء نوم المسافرين في مقطوراتهم الخاصة ..

ودخل الحمام الذي وجد فيه صابونة صغيرة .. ليقوم بغسل وجهه ويديه جيداً التي لم يغسلهما منذ شهور .. لكن ظلّت امامه مشكلة الملابس 


وقبل خروجه من الحمام ، سمع صوت ولدين في الخارج 

فأطلّ برأسه .. ليرى عائلة تترك مقصورتها ، بعد إلحاح الصبيين لتناول الطعام في مطعم القطار .. 

فاستغلّ رحيلهم لدخول مقصورتهم والبحث في حقائب الولدين الى ان وجد ملابس تناسبه .. فلبسهم على الفور ، وأعاد كل شيء مكانه 

..وبذلك لم يعد يلفت أنظار موظفيّ القطار والمسافرين اثناء مروره بجانبهم 


وحين رأى عجوزاً تجلس وحدها في مقطورتها ، دخل للسلام عليها .. فردّت السلام بابتسامةٍ حنونة تدلّ على طيبتها .. فسألها إن كان بإمكانه البقاء معها ، بحجة ان مقصورة عائلته مكتظّة .. فقبلت ذلك برحابة صدر

وأخبرته ان القطار متوجهاً بالفعل الى نيويورك ، مما اسعده كثيراً 


ثم بدأت تحدّثه عن ذكريات طفولتها ، وكأنها تتوق للفضفضة لأحدهم .. واستمع فريد اليها وهو منشغل بتناول الحلوى اللذيذة التي قدمتها له ، والتي لم يتذوق مثلها في حياته

*** 


وتوقف القطار في عدة محطات .. لكن فريد في انتظار المحطة الأولى التي بيع فيه اخيه ..والتي ما ان نادى عليها الموظف ، حتى أسرع بالنزول اليها بعد توديعه العجوز الطيبة .. 


ولأنه يلبس ملابس راقية ، لم يتضايق منه الشرطي حين سأله عن العجوز الثرية صاحبة الندبة القبيحة في وجهها ، المعروفة في المدينة ببخلها وقساوتها على العبيد .. لهذا دلّه على عنوان منزلها ..

***


إنتظر فريد بفارغ الصبر حلول المساء لاقتحام بيتها الضخم ، مستخدماً السكين الحاد الصغير الذي مازال يحتفظ به ..


وفي غرفة نوم العبيد .. أطبق يده على فم اخيه النائم كي لا يصرخ .. والذي ما ان رآه ، حتى نهض لاحتضانه باكياً وهو يهمس له :

- كنت متأكداً انك ستنقذني يا اخي

فريد : وعدت امي ان أعيدك اليها سالماً ، وسأفعل مهما كلفني الأمر

- وكيف سنعود الى نيويورك ؟

- دعنا نخرج بهدوء من هذا البيت الكئيب ، ثم نفكّر بالأمر ..


واثناء تسلّلهما من الغرفة ، إستفاق ولدٌ آخر ليسأل فريد باستغراب :

- من انت ؟!

وكاد هاورد يخبره بكل شيء ، قبل إسراع فريد بالإجابة :

- انا موظفٌ جديد .. أتيت لإدخال الصغير الى الحمام ، عدّ فوراً الى النوم

- حاضر


وخرج الولدان من الغرفة الكبيرة باتجاه الردهة .. حيث رأيا نور المطبخ مضاءً ، والعجوز تشرب الماء هناك .. 

فاضّطرا للنزول من النافذة ، مستعينان بأغصان الشجرة القريبة للهروب من المنزل ..


ثم قطعا الشارع الخالي من المارّة بعد تأخر الوقت ، باتجاه محطة القطار 

وهناك حضن فريد اخاه بشوقٍ كبير ، ليغرقا بالدموع والبكاء المرير 


وبعد ان هدِئا .. قال له فريد :

- سنتبع سكّة الحديد بهذا الإتجاه ، للوصول الى نيويورك ..

- سنحتاج اسابيع للوصول الى بيتنا

- أعرف هذا

هاورد بقلق : وماذا سنأكل ؟

فريد : معي سكين ، سأصطاد أيّ شيء في طريقنا.. لا تقلق ، سيساعدنا الرب .. والآن لنسرع قبل بزوغ الفجر وإبلاغ العجوز عن إختفائك 

***  


وبالفعل مشيا مسافة طويلة ، مستعينان بنور القمر .. الى ان ابتعدا عن المدينة ..


وناما ظهر اليوم التالي .. ورأس فريد فوق سكّة الحديد الذي ما ان ارتجّ ، حتى استفاق من نومه .. وأيقظ اخاه فور رؤيته دخان القطار من بعيد ..

- إسمع يا هاورد .. اريدك ان تركض بأسرع ما يمكنك لركوب القطار 

- انا خائف يا أخي ، وجائعٌ ايضاً

فريد : تخيّل ان امي تنتظرنا في المحطة القادمة ، وهذا سيعطيك القوة للإسراع بالركض ..هيا !! القطار يقترب منا .. إستعد !!


وبعد محاولاتٍ جاهدة من الولدين ..إستطاع فريد القفز اولاً لإحدى عربات قطار البضائع ، والإمساك بذراع اخيه وشدّه بقوة ناحية عربة ..


وبعد تنفّسهما الصعداء .. تسلّقا السلم الصغير للوصول الى بضاعة العربة التي وجداها مليئة بالطماطم .. فأخذا يتناولان الواحدة تلوّ الأخرى بنهمٍ شديد الى ان شبعا .. 

وناما فوقهم بتعبٍ شديد ، بانتظار توقف القطار في نيويورك .. محطتهم الأخيرة 

*** 


وبالفعل .. أسرعا بنزول القطار قبل لحظات من توقفه في المحطة ، خوفاً من القبض عليهم بتهمة أكل جزءاً من البضاعة .. 

وكان فريد سعيداً جداً برؤية ميناء نيويورك في الجهة المقابلة ، التي فيها منزل امه .. 


فأمسك يد اخيه ، وأخذا يتنقلا من شارعٍ لآخر وقلبهما يخفق بحماسٍ شديد ..الى ان وصلا اخيراً لمنزلهم القديم مع حلول المساء .. 

لكن للأسف وجداه فارغاً !

فانهارا بالبكاء لاختفاء امهما .. ولشدة تعبهما ، ناما فوق فراشهم القديم بحزنٍ شديد ..

***


في الصباح الباكر .. خرج فريد مع اخيه للبحث عن امه .. وسأل الجيران  دون علمهم بمصيرها ! 


الى ان وجدا صديقة امهما التي اخبرتهما بأن والدتهما حاولت الإنتحار بعد معرفتها ببيعهما كعبيد .. 

لكن من حسن حظها ان رجلاً ثرياً أمسكها قبل قفزها من الجسر .. وهي تعمل الآن طباخة في قصره .. ثم دلّتهما على مكان القصر الذي يتواجد في الجهة المقابلة للميناء ..


ووصلا الى هناك في اليوم التالي ، بعد ان تسوّلا الطعام من المارّة 

***


وحين وصلا .. سألا حارس القصر عن امهما ..

فطلب منهما الإنتظار في الخارج لحين منادتها .. والتي ما ان رأتهما ، حتى حضنتهما بشوقٍ كبير .. لينهاروا جميعاً في بكاءٍ مرير بعد فراقهم عن بعضهم لسنةٍ ونصف ! 


وبالصدفة وصلت عربة الرجل الثري الذي رأى المشهد المؤثر .. فطلب من خدمه الإهتمام بالصبيين .. 

وبعد الاستحمام ولبس ملابس نظيفة وتناولهما غداءً لذيذاً .. جلس الثريّ يستمع لقصة فريد المثيرة عن كفاحه في إنقاذ اخيه ، وعودته الى نيويورك بعد مروره بعدة ولايات أمريكية..


ولشدة إعجابه بإصرار فريد وشجاعته وشفقته على معاناة الأخوين قرّر بقائهما في قصره ، ووعد امهما التكفّل بتعليمهما .. 

***


بعد سنوات .. أصبح فريد قائداً مهماً في الجيش ، وهاورد مهندساً معمارياً مشهوراً .. وصارا من رجال نيويورك المحترمين 


ونُشرت قصتهما في كتاب أثّر على الرأيّ العام وغيرت نظرتهم بالطبقة الكادحة ، وتداوله الناس لأعوام بطبعاتٍ متكرّرة تحت عنوان : (قطار اولاد الشوارع) !


******

ملاحظة :

هذه القصة مستوحاة من احداثٍ حقيقية تاريخية ، ذُكرت في مقال نُشر بموقع كابوس بعنوان : (قطار الأيتام)

الرابط :

https://www.kabbos.com/index.php?darck=9615


الزوبعة النورانية الجزء الثالث والأخير

تأليف : امل شانوحة  رابط الجزء الأول من القصة https://www.lonlywriter.com/2026/09/blog-post.html رابط الجزء الثاني من القصة  https://www.lon...