الخميس، 25 مايو 2017

بطاقة فالنتين

تأليف : امل شانوحة


بطاقة للمحبّين


(( عزيزي الغالي ..

اريد ان اشاركك قصة كنت قرأتها منذ زمن , تتكلّم عن السرّ وراء الحب , حيث قال فيها الراوي : قبل آلاف السنين .. خُلق الذكر و الأنثى في جسدٍ واحد , يتشاركان قلباً و روحاً واحدة .. و بقيا كذلك لمدّة , الى ان أمر الله بانفصالهما ليحظى كلاً منهما بجسدٍ خاصٍ به .. لكنهما ضاعا لاحقاً في متاهة الحياة .. 
و لهذا السبب , يبحث الإنسان طيلة حياته عن نصفه الآخر الذي يملك نصف روحه و قلبه ! 

عندما انتهيت من قراءة القصة , ضحكت من خيال الراوي الواسع 

الى ان جاء ذلك اليوم الذي رأيت فيه عيناك لأوّل مرّة , و خفق قلبي كما لم يفعل من قبل , حينها شعرت بأن ما قرأته ربما يكون صحيحاً ! 

فهل تصدّق يا عزيزي كلام الراوي ؟! ))

الخميس، 18 مايو 2017

روحها بداخلي

تأليف : امل شانوحة


سأستفيد من هذه المعلومات

في عصر ذلك اليوم .. تقابلت ندى مع صديقتها مروة في كافتيريا الجامعة
مروة : مابك غاضبة يا ندى ؟
ندى : تعرّفت على شاب على النت اسمه سعيد , فيه كل المواصفات التي اتمنّاها , لكن ..
- لكن ماذا ؟ اكملي
- يبدو انه معقّدٌ نفسياً بسبب وفاة خطيبته قبل اشهرٍ من زواجهما
- تقصدين انه متبلّد المشاعر ؟

- نعم للأسف .. اشعر وكأنه يحمل الكثير من المشاعر المكبوتة التي اغلق عليها بإحكام داخل قلبه 
- ربما يحاول ان يحمي نفسه من اخفاقة ثانية تؤلم روحه 
- بالضبط , فهو يضع قناع الشخص القاسي الذي يجرح كل من يقترب منه , ولا ادري هل اتركه ام اعطه فرصة ثانية ؟
فتبتسم مروة بخبث : يا صديقتي لكل قلبٍ مفتاح , ولكل سرٍ ملف 
ندى باهتمام : ماذا تقصدين ؟!
- اعطني فقط رابط صفحته , وسأعلّمك طريقة تُريحك في المستقبل
***

وبعد ايام وفي احدى الليالي ..وعلى الشات
سعيد يكتب بلؤم : هيا اذهبي ونامي , اريد ان اتكلّم مع فتاةٍ اخرى , فأنا لست مُتفرّغاً لحساسيتك الزائدة
فكتبت له ندى بذكاء : طيب .. سلام يا نكدي 
سعيد متفاجىء : من اين اتيت بهذا اللقب ؟! فخطيبتي المرحومة كانت تصفني بذلك عندما تغضب مني !

ندى : تقصد قمر ؟
سعيد بدهشة : وكيف عرفتي بإسمها ؟ فأنا لم اخبر احداً بذلك !
ندى بثقة : لأني هي 
سعيد بغضب : اذهبي ونامي يا ندى , وايّاكِ ان تمزحي معي هكذا مرة ثانية , مفهوم !!
ندى : لحظة قبل ان تذهب .. لا تنسى ان تُحضر لي القلادة التي بها الملاك الصغير بعيد ميلادي القادم ..ام انك ستخلف وعودك كالعادة ؟

فقفز سعيد من على كرسيه بعد ان افزعه هذا الكلام .. لكن بعد ان التقط انفاسه المتسارعة عاد الى مقعده , وبدأ يكتب في الشات بيدٍ مرتجفة :
- ندى ! كيف عرفتي بشأن القلادة ؟!

- الم ارها معك في السوق وانت وعدتني بأن تشتريها لي ؟ فماذا افعل ان كان الحادث اخذ روحي بعيداً عنك .. لكن الحمد الله انني استطعت قبل اسابيع ان اتلبّس جسد فتاة اسمها ندى , وجعلتها تجد صفحتك وتكلّمك بالنيابة عني .. مع اني متفاجئة قليلاً ! فمنذ متى اصبح قلبك قاسياً هكذا يا عزيزي النكدي , الم تكن رومنسياً في ايامي ؟!

سعيد يكتب بغضب : ندى !! كفّي عن الآعيبك .. انا لا احب ان يتكلّم احد عن حبيبتي قمر رحمها الله
- قلت لك .. انا قمر !! وان لم تكن تصدّقني , فسأخبرك بأهم الأحداث التي حصلت بيننا

ثم صارت تسرد له الذكريات القديمة التي كان يحاول بصعوبة طيلة العشر السنوات الماضية نسيانها , منذ يوم التقيا في الحارة بالصدفة , الى اول كلمة غزل بينهما , وحتى انها ذكّرته بالأغاني التي كانا يرسلانها لبعض , مما اتعب قلب سعيد جداً 

فكتب سعيد لها متألّماً : ارجوك اذهبي الآن وسنتكلّم لاحقاً

ثم اقفل الشات بعد ان انهارت كل قسوته , و بدأ يبكي بحرقة غارقاً بذكريات الماضي
***

وبعد ايام .. تغير سعيد تماماً مع ندى حيث عاد الى شخصيته الحنونة السابقة وصار يغدق عليها من كلمات المديح والحب التي اثلجت قلبها ..
***

وبعد شهرين ..تقدّم لخطبتها وهما في قمّة السعادة.. 

وبعد شهر العسل .. زارت ندى صديقتها مروة في بيتها , والتي قالت لها: 
مروة : ارأيتي كيف ان دروسي نفعتك ؟
ندى : شكراً لك , لم اكن اعرف انك هاكر (Hacker) ذكية هكذا ؟!
مروة بسخرية : وانا لم اكن اعرف انه مايزال احداً كزوجك سعيد يحتفظ بكل ذكرياته القديمة داخل ملّف بحاسوبه .. المسكين , لقد صدّق بحقّ ان روح حبيبته تلبّست بك !

ندى بسخرية : المشكلة انه حتى اليوم يُذكّرني بقصصه القديمة معها , وانا أكتفي بالابتسامة له وكأن ذكرياتهما معاً تُهمّني ..المهم انني تزوجته وانتهى الأمر

ثم تضحك الصديقتان بخبث

الثلاثاء، 16 مايو 2017

البيت المهجور

تأليف : امل شانوحة

اريد ان اعيش في منزلٍ لائق !!

عادت (رؤى) الفتاة المراهقة , غاضبة الى بيتها (المكوّن من طابقين وحديقة صغيرة مُهملة) قائلة لأمها بغضب :
- علينا ان نجد بيتاً لائقاً نعيش فيه !! فلما الجميع يسكن بيوتاً جميلة ونحن نعيش دائماً في أطلالٍ خِرْبَة ؟!
- كل قومنا يعيش في هكذا بيوت , هذا قدرنا يا بنتي
- لا هذا غير صحيح !! فعمي يعيش مع عائلته داخل مكتبة ضخمة , و ابنة خالتي تعيش مع عريسها في قصرٍ بأعلى التلال
- على الأقل نحن نعيش تحت سقفٍ اسمنتي , و ليس في الغابات او في المجاري كغيرنا !

رؤى مقاطعة وبعصبية : و مالفرق امي ؟ مالفرق ؟!! انظري الى بيتنا , جدرانه خضراء عفنة و ابوابه متآكلة و نوافذه الحديدية صدئة و الهواء فيه مكتوم و رائحته لا تطاق , انا لن اعيش حياتي كلّها هنا يا امي !! 

فسمع الشاب زياد اعتراضات اخته قبل ان تصفق باب غرفتها بقوة , فقال لأمه : 
- امازالت تردّد الموّال ذاته ككل مساء ؟!
- نعم .. لكن هذا حال المراهقات هذه الأيام , لا شيء يعجبهنّ ..المهم هل اكلت ابني ؟
***

و عند فجر اليوم التالي .. تفاجئوا جميعاً بدخول اشخاصٍ الى بيتهم المهجور
فأسرعت ام زياد بخفّة و اوقظت ولديها  
رؤى وهي تستيقظ بخمول : امي ! لقد نمت قبل قليل , فلما توقظيني في الصباح الباكر ؟! 
فتهمس لأبنتها بينما يقف ابنها بجانبها بقلق : اخفضي صوتك , فهناك من يقتحم بيتنا !

و برعب تلصّص الثلاثة من بين اعمدة الأدراج نحو الطابق السفلي ليجدوا بأن هناك اماً و معها ابنتيها , احدهما صبية و الأخرى مازالت طفلة صغيرة في الثالثة من العمر

و حينها كانت الصبية (اماني) تقول لأمها متضايقة :
- لما قدمنا الى هذا البيت العفن يا امي ؟!
- وماذا نفعل بعد ان انهدم جزءٌ كبير من بيتنا بالحرب , ولا نملك المال الكافي للجوء الى بلدٍ مجاور او النزوح الى مكانٍ قريب .. ليكن الله في عوننا ..هيا لنضع اغراضنا هنا , و نفترش الأرض لننام قليلاً بعد طول المسافة التي مشيناها , ولا تنسي ان تربطي العربة بالخارج جيداً كي لا يسرقها احد , فهي كل ما تبقى لنا من ذكرى والدك
- رحمه الله .. جيد ان اختي مازالت نائمة , فنحن لا نملك القوة حتى لفتح معلّبات الطعام التي جلبناها من بيتنا 
- اذاً لنرتاح قليلاً ..و بعد ان نستيقظ من القيلولة , نقوم بجولة داخل هذا البيت
***

في الطابق العلوي.. 
ام زياد بقلق : يبدو ان الغرباء سيشاركونا منزلنا ! 
اخوها : واو ! ارأيتي يا امي تلك الصبيّة الجميلة ؟ تبدو لي فتاةً قوية 
رؤى بعصبية : هل هذا كل ما يشغل بالك ؟! الا يهمّك انهم سيحتلوّن نصف بيتنا ؟!
اخوها بسخرية : الم تكوني البارحة متضايقة من منزلنا العفن , الآن اصبحتِ خائفة من ضياعه ؟!
الأم بحزم : اسكتا يا اولاد !! و تعالا معي الى المطبخ
***

و في ظهر ذلك اليوم .. استيقظت الصبية وامها و الطفلة الصغيرة (في الطابق السفلي) بعد ان اشتمّوا رائحة الطعام الزكية الموضوعة فوق الصوان , في زاوية الغرفة قرب الأدراج
اماني برعب : امي انظري هناك , انه طعام ! .. من احضره الينا ؟! 
امها (وهي تُخفي خوفها) : ربما رآنا احد ونحن ندخل الى هنا , فأراد مساعدتنا ! هيا قرّبيه منّا لنأكله , فقد اتعبنا الجوع 

و اكلوه بنهم , بينما كانت العائلة (التي تسكن الطابق العلوي) تراقبهم بالخفاء 

رؤى وهي تهمس لأمها بضيق : هذا بدل ان نطردهم من بيتنا , اجبرتنا على ان نطبخ لهم ؟!
ام زياد : هم جيراننا , وعلينا ان نساعد بعضنا
زياد : طيب نحن بإمكاننا مساعدتهم , لكن هم كيف سيساعدوننا يا امي ؟!
تبتسم الأم : بأن يرتّبوا لنا بيتنا  
فنظر الأخّان لبعضهما بدهشة !
***

في الطابق السفلي..
ام اماني : الأكل لذيذ , اليس كذلك يا بنات ؟
اماني : لكن ينقصه الملح ! 
امها : قولي الحمد الله أن سخّر الله لنا أحداً يخدمنا , و الآن دعينا نقوم بجولة داخل البيت
الطفلة : اريد دخول الحمام امي
الأم : حسناً ..لنبحث عن الحمام اولاً
***

في منتصف النهار .. قرّرت الأم و ابنتها اماني الصعود الى الطابق العلوي بحذر لأن الأدراج متهالكة , فأسرعت العائلة (التي فوق) بالإختباء داخل غرفة صغيرة في آخر الرواق كي لا تراهما 


اماني بعد ان وصلت الى هناك تسدّ انفها بقوة : يا الهي ! الطابق العلوي اسوأ من السفلي بكثير يا امي
امها : يبدو ان المطر تسرّب من السقف الى كل الغرف العلوية , هيا دعينا ننزل الى الأسفل  
اماني : الن نكمل رؤية باقي الغرف ؟!
- لا , لأن رائحة العفن هنا لا تطاق.. هيا نعود الى تحت , فأختك لوحدها هناك
وعادا الى مكانهما في الأسفل..
***

وبعد ان ابتعدتا , خرجت العائلة المختبئة من الغرفة العلوية وهم يهمسون لبعضهم :
رؤى لأمها واخوها : اسمعتما ما قالته الأم ؟! .. الم اقترح عليكما سابقاً : ان ننزل كلنا ونعيش في الأسفل لأنه افضل قليلاً من طابقنا العفن , لكنكما لم تسمعا كلامي !
زياد بحزن : لقد تأخّرنا اختي , فقد فقدنا الجزء السفلي من بيتنا , واصبح ملكهم الآن !  
***

ومرّت الأيام.. كانت الأم وابنتها اماني يتناوبان في تنظيف وترتيب الطابق السفلي ومسح العفن عن جدرانه و ارضيته , وقد استطاعتا بصعوبة ترتيب الحمام والمطبخ , حتى بات الطابق السفلي قابلاً للعيش فيه
الأم بقلق : اليوم انتهت كلّ المعلّبات التي احضرناها من بيتنا القديم !
اماني : لكني جائعة جداً يا امي بعد تنظيفي للغرف .. ماذا نفعل الآن ؟  ..(ثم تتنهد بحزن) ..آه ليت الذي أطعمنا في المرّة الأولى ان يُطعمنا اليوم ايضاً !
امها : لن نعتمد على الحظ , سأذهب الى الخارج واطرق ابواب الناس , فربما يحنّ احدهم عليّ و يعطوني صحن طعام .. وانت ابقي مع اختك هنا 
اماني بقلق : ارجوك لا تبتعدي كثيراً و تقلقيني عليك , فالحرب مازالت دائرة في الخارج !
الأم وهي تُخفي خوفها : ليحمينا الله
***

بعد ساعة .. بدأت الطفلة الصغيرة تبكي من الجوع , واختها اماني تحاول الهائِها باللعبة القماشية

وقد ضايق صوت بكاء الطفلة ام زياد كثيراً , فقالت لأبنتها رؤى وهي تسترق النظر على الفتاتين من فوق 
الأم بقلق : علينا ان نرسل لهما بعض الطعام , فهما جائعتان وامهما لم تأتي بعد !
رؤى : لكنهما مستيقظتان الآن .. واذا قدّمنا لهما ايّ شيء , فسينكشف امرنا ! وهم ايضاً سيتضايقون من وجودنا بينهم 
زياد : ليت الصبية تنام قليلاً , لأتأمّل وجهها الجميل
اخته معاتبة : ستتأمّله جيداً ايها الرومنسي , عندما تموت البنت جوعاً


لكن فجأة ! ظهر صوت انفجارٍ قوي بالقرب من بيتهم المهجور , فركضت اماني للخارج بفزع بحثاً عن والدتها , تاركةً اختها الصغيرة لوحدها .. وعلى الفور انطلق زياد للحاق بها , غير آبهٍ بنداءات امه واخته 
وبعد ان ذهبا خارج المنزل ..

رؤى : يبدو ان ابنك مغرمٌ بالفتاة !
امه : المسكين ! سينكسر قلبه , فعلاقتهما مستحيلة .. 
رؤى : اخاف ان تلاحظ الصبية ملاحقة زياد لها 
امها : لا تقلقي , فأخوك ذكي ولن يجعلها تنتبه لوجوده .. المهم الآن , ان نستعجل ونضع لهم الطعام في الأسفل قبل عودتهم جميعاً
رؤى : ولما يهمّك امرهم يا امي ؟!
الأم بحزم : تعالي وساعديني دون اعتراض , هيا رؤى !!
***

ثم نزلتا سريعاً نحو المطبخ السفلي (لأنه بعكس المطبخ الموجود فوق يحوي فرناً حجرياً) فقامتا على عجل بعجن ارغفة الخبز مع عمل طبخة سريعة , لكنهما اضطرتا لترك الأكل بالمطبخ والأسراع الى بيتهم (في الطابق العلوي) بعد ان احسّتا بإقتراب بعض الأشخاص من المنزل..لكن الذي قدم لم تكن اماني وامها بل ثلاثة جنود من جيش العدو ومعهم اسلحتهم , وكانوا يتحدّثون فيما بينهم عن رغبتهم بتحويل هذا البيت المهجور الى مركزٍ لهم  

فسمعتهم ام زياد من فوق : اللعنة ! سيحتلّون بيتنا 
رؤى بخوف : امي , ماذا عن الطفلة التي تركناها لوحدها تحت ؟
الأم بقلق : يا خوفي ان يأذوا الصغيرة ! 
رؤى بخوف : و ما العمل الآن ؟!
فتفكّر الأم قليلاً ثم تقول : لابد ان نخيفهم !! هيا رؤى , لنُعيد ما فعلناه مع الأشخاص الذين حاولوا هدم بيتنا قبل سنوات .. اتذكرين تلك الخطة ؟  
رؤى تبتسم بخبث : نعم اذكر تماماً .. سأحضر كل الأدوات اللازمة لتخويفهم 
الأم : ليت زياد كان معنا ليساعدنا
***

في الطابق السفلي ..
لاحظ الجنود على الفور وجود الطفلة , نائمة في وسط الصالة 
الجندي بدهشة : من ترك هذه الطفلة لوحدها هنا ؟!
قائهم يبتسم بخبث : جيد , سنتسلّى بها لاحقاً .. والآن ليصعد احدكما ويرى المكان من فوق ان كان صالحاً للقنص على سكّان المدينة المجاورة 

وهنا يدخل الجندي الثاني من حديقة البيت قائلاً : سيدي , لقد وجدت عربة خشبية قديمة مركونة بالخارج 
القائد : جيد , سنستفيد منها ايضاً ..وانت !! اطلع و استكشف المكان فوق
الجندي : حاضر سيدي
***

وفور وصول الجندي الى الطابق العلوي اشتمّ رائحة العفن القوية , فأغلق انفه بقوة وهو يقول بضيق : اوه يا الهي ! الرائحة هنا سيئة للغاية
ثم بدأ يسمع اصواتاً مريبة تتزايد كلما اقترب ناحية الغرف 
***

وبعد قليل .. تفاجأ القائد والجندي الموجودان في الأسفل بنزول الجندي من فوق وهو يصرخ برعب :
- اهربا !! البيت مسكون !!!!
القائد بحزم : توقف ايها الجندي !! 
لكن الجندي خرج من المنزل راكضاً كالمجنون , غير آبهٍ بتهديدات قائده بالعقاب لمخالفته الأوامر

القائد بغضب : عندما اجد هذا الغبي سأعاقبه بشدة ..وانت !! اصعد الى فوق واستكشف المكان ..هيا !!
الجندي الثاني بقلق : حاضر سيدي
*** 

وعندما صعد الثاني الى فوق , شاهد اشياءً تتحرّك لوحدها بينما الأبواب تُصفق بقوة , فركض هو الآخر نازلاً على الأدراج برعبٍ شديد وهو يصرخ :
- اهرب سيدي و انجو بحياتك !!!
وهرب من المنزل سريعاً , دون ان يتوقف لإفهام قائده بما رآه فوق 


القائد وقد اعتراه الخوف : ماذا رأيا هناك ليخافا هكذا ! سأرى بنفسي
لكن قبل ان يصعد الأدراج , شاهد ملاءةً بيضاء تطير لوحدها من فوق باتجاهه , فركض هارباً من المنزل المهجور بعد ان ترك رشاشه قرب الباب الخارجي

فنزلت رؤى وامها من فوق وهما تضحكان على هرب الجنود 
رؤى : ممتاز !! فخدعة الشراشف تنجح دائماً مع هؤلاء الجبناء
امها بارتياح : المهم انهم لم يأذوا الطفلة الصغيرة , هيا لنضع امامها الطعام قبل ان يعود اهلها
***

وفور وضعهما للطعام قرب الطفلة (التي استيقظت من صراخ الجنود) توقفت الصغيرة عن البكاء بعد رؤيتها لرؤى وامها بجانبها..

وهنا دخل عليهم زياد ..
رؤى بفزع : أهذا انت ؟! اخفتنا يا اخي
زياد بسعادة : لقد استطعت انقاذ اماني , بعد ان إلتمّ حولها بعض الشباب الفاسدين الذين ارادوا اذيتها 
امه بقلق : وهل رأوك ؟! 
زياد : لا طبعاً امي , فقد اختبأت خلف الأشجار وصرت ارميهم بالحجارة هنا وهناك , حتى أفزعتهم وهربوا وتركوها بحال سبيلها .. لكن ليتك رأيتي  يا امي كم كانت المسكينة خائفة , و الله حزنت عليها كثيراً

اخته رؤى معاتبة : احمد ربك انهم لم يأذوك
زياد : وكيف يأذونني يا ذكية ؟ المهم الصبية قادمة خلفي , فلنسرع الى فوق قبل ان ترانا 
***

وبعد ان صعدوا ثلاثتهم الى فوق , رأوا ام اماني تدخل المنزل
زياد وهو يتلصّص على الطابق السفلي من بين اعمدة الأدراج : آه هذه امها ! ..(بقلق) .. طيب اين اماني ؟!
***

وقد غضبت ام اماني من ابنتها لتركها اختها الصغيرة وحيدة في المنزل : آه ! يا صغيرتي , اين اختك الكبيرة ؟! ..هل هي من احضرت كل هذا الطعام ؟!

وهنا تدخل اماني المنزل بملابسها الممزقة وآثار الدموع في عينيها , فأقتربت منها امها بقلق :
- من فعل بك ذلك ؟
اماني وهي تمسح دموعها : لا تقلقي امي ..لم يفعلوا لي شيئاً , لأن مجموعة من الأشخاص رموا عليهم الحجارة من كل مكان ! فهرب الملاعيين وتركوني 
الأم بارتياح : الحمد الله على السلامة , تعالي يا ابنتي
وحضنتها لتبكي اماني بقهر على صدر امها 

وبعد ان هدأت الصبية ..
الأم : الحمد الله الذي سخّر الله لك اناسٍ يحموك من هؤلاء المعتدين , لكن ما كان عليك ان تتركي اختك لوحدها و تلحقي بي ؟
اماني وهي تمسح دموعها : سامحيني امي , لكني خفت عليك بعد الأنفجار
الأم : وانا ايضاً خفت عليكم , ولذلك عدّت سريعاً الى هنا .. (ثم تتنهد) ..من الجيد انك احضرتي معك الطعام  

اماني بدهشة : ايّ طعام ؟! انا قدمتُ بعدك امي ! 
الأم متفاجئة : اذاً من اين اتى كل هذا الطعام الموضوع بجانب اختك ؟!
اماني : ربما هو الشخص ذاته الذي اطعمنا سابقاً , هيا دعينا نأكل يا امي فأكاد اموت جوعاً 

فأكلوا الطعام دون ان تشعر البنتان بخوف امهما من هذا الطعام الذي كان يظهر لهم فجأة من حينٍ وآخر ! 
***

وفي منتصف احد الليالي ..
ام زياد : اين اخوكِ ؟
رؤى : لا ادري ! سأبحث عنه

وبعد البحث هنا وهناك , وجدت اخاها يجلس بالقرب من اماني , التي كانت نائمة فوق لحافٍ على ارضية غرفة من غرف الطابق السفلي 
فهمست لأخيها بدهشة : ماذا تفعل هنا يا مجنون ؟!
زياد بضيق : رؤى , اذهبي من هنا !!
رؤى بنبرة تهديد : والله سأخبر امي عن افعالك 
***

ثم تصعد الى الطابق العلوي.. 
ام زياد : هآ هل وجدت اخاك ؟ 
رؤى : منذ ان انتقلت اماني الى غرفة لوحدها , وهي يبقى عندها طوال الليل يتأمّلها وهي نائمة !
امه بغضب : الغبي سيفضحنا !!
***

وبعد قليل .. يصعد زياد الى غرفته في الطابق العلوي , فتلحقه امه وتبدأ في عتابه ..
زياد : امي .. اظنني بدأت اُغرم بها !
امه : ابني هداك الله , علاقتكما مستحيلة .. انسى الموضوع
زياد بعصبية  : ولما يا امي ؟!! الم يتزوج خالي واحدة منهنّ ؟ 
- هذه حوادث نادرة يا زياد .. كما انك تعلم جيداً ما حصل لخالك , فقد اضطر المسكين للعيش في الغربة طوال حياته بعد ان اهدر قومنا دمه , وانا لن اتحمّل خسارة ابني الوحيد ..افهمت ؟!!
- لكن بلادنا كبيرة يا امي , ونستطيع كلنا ان نعيش بعيداً عن مجتمعنا المتشدّد 

- لا يا زياد , لأنه بالتأكيد سيجدك احدهم ذات يوم , وستكون نهاية علاقتكما سيئة ..ثم ما يدريك بأنها ستتخلّى عن نمط حياتها لأجلك ؟
- وماذا في حياتها غير الحرب و الوحوش البشرية والجوع والألم ؟ 
- الموضوع مستحيل يا بنيّ , فإيّاك ان تفتحه مجدداً
***

في الصباح.. بالطابق السفلي  
اماني : امي ! هذا الخبز طيبٌ جداً
امها : الغريب انني عجنت ثلاثة ارغفة فقط , على ما اذكر ! فمن اين اتى هذان الرغيفان ؟! حقاً لا ادري , لكنهما اطيب من خبزي بكثير !
***

بالطابق العلوي .. و بعد ان سمعت رؤى كلام ام اماني بالصدفة , قالت لأمها مُحذّرة : امي ! ارجوك توقفي عن مساعدة ام اماني بالطبخ , و الاّ أثرتي شكوكهم حولنا
امها : طيب سأحاول
***

في المساء..
تفاجأ كل من في البيت بصوت انفجاراتٍ متلاحقة قوية , هزّت لها اركان البيت المهترىء
اماني بعد ان اسرعت راكضة الى غرفة امها واختها الصغيرة , تقول بفزعٍ شديد : الطائرات تقصف منطقتنا يا امي , ماذا نفعل الآن ؟!!
امها بثبات : انا سأحمل الفانوس , وانتِ احملي اختك والحقاني .. هيا !! 
اماني وهي تبكي فزعاً : لكن الى اين ؟
امها : سننزل ونختبأ في القبو
***

في قبو المنزل .. 
اماني وهي تحمل اختها التي كانت تبكي بفزع : امي ..رائحة العفن في القبو اسوء من الطابق العلوي
امها : ليس امامنا الا ان ننام هنا .. سأعود الى فوق لأحضر لنا لحافين , وانتِ انتبهي على اختك .. سأترك الفانوس معكما

وبعد ان صعدت امها ..قالت اماني لأختها الصغيرة 
- ابقي بقربي , لأن القبو وسخ وربما مليء بالحشرات والفئران.. مفهوم يا حبيبتي 
***

وبعد ساعات..هدأت اصوات الإنفجارات , وابتعدت الطائرات المقاتلة عن المنطقة..
فصعدت رؤى الى الطابق العلوي , حيث عاتبتها امها على طول غيابها
ام زياد بغضب : اين كنت طوال هذا الوقت ؟!!
رؤى : لا تقلقي امي , انا لم اخرج من البيت ..لكن صوت الإنفجارات افزعتني , فاختبأت مع تلك العائلة في القبو
امها معاتبة : اختبأتي معهم ؟! اجننتي !!

رؤى : لم يروني يا امي , فأنا كنت نزلت قبلهم و اختبأت داخل الخزانة القديمة المرمية في الأسفل.. لكن الطفلة الصغيرة رأتني , وقد خافت مني في البداية , لكني صرت اقوم لها بحركاتٍ مضحكة في وجهي من بعيد , فابتسمت لي

زياد : ولما اصلاً خفتي , فالحرب لن تطالنا يا غبية 
رؤى : انت تعلم جيداً ان صوت الإنفجارات يُرعبني دائماً .. لكن من الجيد انني نزلت الى هناك , فقد قتلت جرذاً كبيراً كان متجهاً ناحية الطفلة , لكن لا تقلقا لم يشعروا بوجودي 
امها : جيد , لكن علينا ان نكون اكثر حذراً على تصرّفاتنا يا اولاد
رؤى و زياد : حسناً امي
***

وفي احد الليالي..
اقتربت سيارة اغاثة من المكان , فلمح المسؤول نورَ الفانوس من داخل البيت المهجور , فأوقف سيارته ودخل الى هناك وهو ينادي: 
- ايوجد احدٌ بالداخل ؟!!
***

وبعد حديث رجل الأغاثة مع عائلة ام اماني وابنتيها , طلب منهم ان يأتوا معه ليأخذهم الى المنطقة الآمنة من الحرب
فأسرعت الأم وابنتها بضبّ اغراضهم..

اماني متضايقة : اسنعيش مع باقي النازحين و نُشاركهم خيامهم ؟!
امها : احمدي ربك بأننا سنبتعد اخيراً عن منطقة الحرب 
اماني بحزن : مع اننا عشنا شهراً واحداً في هذا البيت المهجور العفن , الا انني سأشتاق اليه ؟! 
امها : وانا ايضاً .. مع انني احياناً كنت اشعر بأنفاسٍ موجودة معنا في البيت , لكني لم اخبرك بذلك كي لا اخيفك يا ابنتي

اماني : اعرف امي , فأنا كنت اشعر دائماً بوجود احدٍ يراقبني في غرفتي , لكني مع هذا سأشتاق الى هذا المكان , فهو على الأقل كان بيتنا لوحدنا
امها : ماذا نفعل , هذا قدرنا .. (تتنهد) .. هيا بنا , فقد اخذت كل اغراضنا .. والآن احملي اختك والحقيني , فالرجل ينتظرنا بالسيارة 
***

وبعد ان تركت عائلة اماني البيت المهجور ..
وفي الطابق العلوي ..
ام زياد : اين اخوك ؟
رؤى : يجلس حزيناً في غرفة اماني .. المسكين ! لقد احبها بالفعل
امه : وانا حزينة ايضاً , فقد كنت اساعد الأم بالطبخ بالخفاء , و اتسلّى قليلاً
رؤى : وانا كنت الآعب الطفلة احياناً , كما كنت احب سماع قصص الأم لبناتها في المساء .. المهم , سأذهب الآن وارتّب اغراضي
امها : و الى اين ذاهبة ان شاء الله ؟!
رؤى : سأنتقل للعيش في الطابق السفلي , فقد اصبح الآن نظيفاً وخالياً من رائحة العفن 

وهنا سمعها اخوها الذي كان يصعد الأدراج 
زياد : جيد ! يعني قبلتي اخيراً ببيتنا المتواضع يا مغرورة ؟
رؤى بعناد : لا طبعاً !! هذا حلٌ مؤقت .. فطموحي هو ان اعيش مع فتى احلامي بإحدى القصور التي لا يتواجد بها سوى انا و هو
زياد بسخرية : سيأتي يوم وتقتنعي بأنها احلامٌ خيالية

امها : اتركها تحلم يا زياد , وانا بدوري سأدعو لها بأن تتزوج كبنات خالتك وتعيش كالأميرات
رؤى بحماس : نعم هكذا يا امي !! ادعي لي دائماً

ثم اخذت رؤى اغراضها و ذهبت تطفو مُحلّقة بخفّة نحو الطابق السفلي كجنيّةٍ مُتمرّدة

الأحد، 14 مايو 2017

الأبواب السبعة (قصة اطفال) من الموروث الشعبي اللبناني

كتابة : امل شانوحة



سبعة غرف ملونة تحت الأرض !

في صباح احد الأيام .. ذهب المزارع بشير الى ارضه , وبدأ كالعادة بحفر الأرض لوضع الحبوب , لكنه اختار هذه المرة بقعة صغيرة جرداء , محاطة بأشجارٍ كثيفة جعلتها بعيدة عن اعين الناس  
بشير : لما لم يزرع ابي رحمه الله هذا المكان من قبل ؟! 

ثم بدأ الحفر بنشاط , لكن شيئاً اعترض مجرفته ..
بدهشة : يبدو وكأن شيئاً مطمورٌ في الأسفل ! حسناً سأكمل الحفر لأعرف ماهو

وعندما اكمل الحفر , ظهر له بابٌ حديدي في وسطه حلقة 
بشير بحماس : ما هذا ؟! يبدو انه مدخل لقبوٍ ما .. سأشدّ قبضة الباب وافتحه


وعندما فتحه , رأى ادراجاً نحو اسفل الأرض 
بدهشة : يا الهي ! الى اين ستأخذني هذه الأدراج , لأحضر الفانوس وانزل لأستكشف المكان 
***

واسرع نحو بيته القريب واحضر الفانوس , ثم بدأ بنزول الأدراج ..وهو يعدّ الدرجات
بشير : هذه الدرجة الأولى ..والثانية ..الثالثة .........العاشرة

وفجأة ! عمّ الظلام بالداخل بعد سقوط الفانوس من يده , بسبب فزعه من صوت اغلاق الباب بقوة من فوقه
بشير بخوف : من اغلق الباب عليّ ؟! لا الفانوس !! لقد انكسر ! جيد ان معي علبة كبريت , لكن ضوئها سيكون خافتاً ؟! هل اعود الى بيتي ام اكمل النزول ؟! 

وبعد قليل من التردّد ..
بشير : لا بل سأكمل النزول , فربما اجد كنزاً في الأسفل  
واشعل الكبريتة الأولى , ثم استند على الجدار وصار ينزل الأدراج بتمهّلٍ وحذر

بشير وهو يعدّ خطواته : حسناً فهمت ..كل عشر درجات ينتهي السلّم , ليبدأ سلماً جديداً .. طيب لأبدأ ...هذه هي الدرجة الأولى ..الثانية ..الثالثة ..آه اللعنة ! كنت سأتعثّر .. الرابعة ..........العاشرة ..ما هذا ؟!

 وهنا انطفأت الكبريتة , فأشعل كبريتة اخرى وقرّبها من الجدار
بشير بدهشة : هذا ليس جدار , بل بابٌ خشبي لونه اصفر ! .. حسناً سأطرق الباب 

وطرق بشير عدّة طرقات لكن لا مجيب .. ففتح الباب الأصفر ليظهر من خلفه عالمٌ مضيء , كاد ضوء الشمس فيه ان يعميه ! فأغلق بشير عيناه بقوة وعبر من خلاله ..وهو يقول بدهشة :
- كيف يوجد شمس بداخل قبوٍ معتم ؟! وكأنه عالمٌ آخر تحتنا !..  يا الهي , عينايّ تؤلماني من قوة الإضاءة 

وبعد ان تعوّد بشير على الضوء , فتح عيناه بصعوبة ..فرأى قوماً يسكنون بيوتاً صغيرة , بينما يعمل الآخرون في حرفٍ يدوية داخل السوق لكن بكسلٍ شديد ! اما المارّة فيظهر جلياً على مُحيّاهم أثر التعب والأرهاق .. فأقترب وسأل الرجل العجوز :
بشير : عفواً يا عم , هل تخبرني اين انا ؟! ولما انتم متعبون هكذا ؟!

العجوز : يبدو انك غريب عن منطقتنا ! 
- انا قدمت من العالم الذي فوقكم
- آه ! انت من سكّان العالم الفوقي  
بشير بخوف : ماذا تقصد ؟! 
- لا تهتم .. اما جواب سؤالك .. فنحن عالم النور , حيث الشمس في عالمنا لم تغب منذ سنواتٍ طويلة , ولذلك نشعر دائماً بالتعب  و الأرهاق 

بشير بدهشة : الا تنامون ابداً ؟!
- وكيف ننام مع هذا النور القوي ؟
- الحلّ بسيط 
وطلب بشير من العجوز ان يجمع له الشعب ليخبرهم بالحلّ

وبعد ان اجتمع الجميع في السوق وهم يترنّحون من التعب , قال لهم بشير: 
- طالما ان شمسكم لا تغيب , فعليكم ان تهيّأوا بيوتكم للنوم .. 
فسألته امرأة باهتمام : وماذا نفعل؟!
بشير : عليكم ان تصنعوا ستائراً سوداء سميكة تضعونها على نوافذكم وبذلك تُظلم الغرف وتنامون قليلاً لتستعيدوا نشاطكم , ومن لا يملك منكم المال ثمناً للقماش فيكفي ان تطلوا نوافذكم بالطلاء الأسود لتعتيم غرف نومكم

فهلّل الجميع فرحاً بعد ان اعطاهم الحلّ لمشكلتهم , واسرع الجميع لبيوتهم لتنفيذ الخطة  

فأقترب العجوز من بشير ليشكره على صنيعه 
بشير : لا شكر على واجب يا عم , لكن اريد ان استشيرك في موضوع .. هل بعد ذهابي من عندكم اكمل طريقي الى أسفل الأدراج , ام اعود الى بيتي ؟
- برأيّ اكمل طريقك , فربما تجد مغامرات جديدة في انتظارك .. وكل ما استطيع فعله لك هو اعطائك هذا الشيء

ثم اعطاه بلورة مضيئة , واخبره انه في حال وضعها بالمكان المناسب , فستضيء مثل الشمس 

ثم قال له العجوز مُحذّراً : لكن لا تقم بنفس غلطتي يا بنيّ .. فأنا وضعتها قبل سنوات لشعبي لكي نعمل لساعاتٍ اطول .. لكني نسيت ان اضبط وقتها , ولهذا صارت تضيء كل الوقت , مما اتعبنا جميعاً .. ولهذا  اشكرك كثيراً لأنك خلّصتني اليوم من هذا الذنب الكبير
***

ثم خرج بشير من عالم النور وهو يحمل البلورة التي كانت تضيء طريقه نحو الأسفل .. بينما هو يعدّ الدرجات من جديد
- هذه الدرجة الأولى .. الثانية .. الثالثة ......العاشرة ..ماهذا ؟! انه بابٌ اسود ! حسناً سأفتحه

فإذا به عالمٌ مظلم لا ينيره سوى نور القمر الساطع فوق امواج البحر , كما النيران الخشبية التي اُوقدت بجانب الخيم الصغيرة 
فمشى حتى وصل اليهم ..وقد لاحظ على الفور اجسامهم النحيلة ووجوههم الشاحبة وكأنهم يتضوّرون جوعاً !
فسأل احدهم : ماذا حلّ بكم يا أخ ؟

فأجابه : يبدو انك غريبٌ عن منطقتنا ! نحن عالم الظلام , فالشمس عالقة بالعالم الذي فوقنا , لذلك بُتنا في ظلامٍ دامس .. 
وكما تعرف , الزرع يحتاج الى شمس كي ينمو .. وبعد موت مزروعاتنا اضطررنا للعيش على السمك لسنواتٍ طويلة , حتى بتنا نأنف الطعام ! وأزدادت لهفتنا لأكل الخضروات والفواكه , لكن هيهات بغياب الشمس .. كما ان الظلام الدامس يشعرنا بالأرهاق الدائم

فأخرج بشير الكرة المضيئة من جيبه , ليُسرع المارّة بإغلاق اعينهم التي لم تعتدّ رؤية مثل هذا الشعاع القوي منذ زمنٍ طويل  

وقد تكفّل بشير بنفسه لصعود الجبل القريب من الشاطىء ووضع البلورة المضيئة مكان القمر , بعد ان ضبط وقت اضاءتها ل 12 ساعة فقط .. 

وما ان سطعت البلورة بما يشبه نور الشمس , حتى هلّل الجميع فرحاً وانطلقوا جميعاً نحو اراضيهم البور لزراعتها من جديد 
وبعد ان أكل بشير بعض السمك المشوي مع الرجل , الذي قال له: 
- بما اننا اخذنا منك بلورتك المضيئة , فخذّ معكّ شعلة النار هذه لتنير دربك 

فشكره بشير على حسن الضيافة , وودّعه ليكمل طريقه..
***

وبعد ان اغلق الباب الأسود خلفه , نزل الأدراج مجدّداً حاملاً شعلة النار وهو يتساءل في نفسه :
بشير : كم عالمٌ غريب بقي في الأسفل ؟! لأنزل و أرى
وبدأ يعدّ الأدراج من جديد 
- الدرجة الأولى .. الثانية .. الثالثة ............العاشرة .. آه ! بابٌ جديد .. هذه المرة لونه ازرق , لأفتح وارى ماذا يوجد في الداخل.. ماهذا ؟! لا !!!!


وما ان فتح الباب حتى تدفق منه مياهٌ غزيرة , سحبته الى الداخل ..ومن دون مقدمات وجد نفسه في عمق البحر ..وقبل ان يغرق تماماً , شعر بأحدهم يسحبه من يده .. 

وعندما استيقظ وجد شاباً امامه ! 
بشير وهو يسعل مُخرجاً الماء الذي ابتلعه :
قال بصعوبة : اين انا ؟!
فأجابه الشاب : انت في عالم البحار 

فنظر بشير حوله فوجد عالماً داخل فقاعة زجاجية تحت البحر بينما الأسماك تسبح خارج الزجاج !
الشاب : نحن بنينا مدينتنا هنا , تجنّباً للحروب الطاحنة التي جرت على اليابسة فوقنا .. وبصراحة .. نحن من بدأنا العراك معهم والتعدّي على املاكهم , لهذا عاقبونا بالطرد من اراضيهم .. لكن كبارنا لم يقبلوا بالحكم الا اذا هم وعدونا بالمقابل بأن لا يقتربوا من البحر او حتى الشاطىء .. وبعد كتابة ذلك العهد القاسي , سكنّا تحتهم يحيط بنا البحر من كل جانب كما ترى 

بشير : ومنذ متى تعيشون هنا ؟
- لا ادري , فجدّ جدي كان من الغطّاسين القدامى الذين صنعوا هذا العالم 
- وهل مازال حكم النفي جارياً عليكم الى يومنا هذا ؟ 
- لا احد يعلم , لأنه لم يتجرأ اي شخص منّا للصعود الى اليابسة 
- اذاً ما رأيك لو تحقّقت لكم من الأمر ؟

فاندهش الشاب من جرأة بشير , واخذه عند قادته الذين فرحوا بتضحيته الجبّارة , وقرّروا ارساله مع الشاب الى الشاطىء (في الأعلى) بواسطة  غواصة كانوا بنوها قديماً

وعندما خرجت الغواصة فوق سطح الماء , قال الشاب لبشير مرتعباً : 
- انا سأوصلك للشاطىء ثم ابتعد , لأني أخاف من الوحوش التي على اليابسة
بشير : هذه ليست وحوش , بل حيوانات  
- اقصد اعداءنا الذين تحاربنا معهم قديماً
- آه فهمت , لا تقلق .. سأذهب اليهم لأرى الوضع , ثم اعود لأخبركم 
***

وبعد ان تخطّى الشاطىء الهادىء , وجد نفسه امام شجرة ضخمة عليها ادراجٌ خشبية 
بشير : ادراجٌ ثانية ! لكن هذه المرّة الى فوق

فصعد الأدراج وهو يعدّها : واحد .. اثنان .. ثلاثة ......... عشرة .. بابٌ أخضر داخل الشجرة ! سأطرقه .. (ونادى بصوتٍ عالي) .. هل يوجد احدٌ بالداخل ؟!!

ففتحت صبية جميلة له الباب , وهي مندهشة منه :
- انت لست من قبيلتنا او قبيلة اهل البحر ! مالذي اتى بك الينا ؟!
بشير : هل استطيع التكلّم مع رئيسكم لو سمحتي ؟

فأخذته الى الرئيس الذي استقبله في حضور افراد القبيلة الذين اندهشوا من وجود هذا الغريب بينهم !
بشير : كنت قبل قليل في عالم البحر , و قد اخبروني عن العهد الذي بينكم 

رئيس القبيلة : نعم هذا كان حكم جدي قبل سنواتٍ طويلة , ونحن احترمناه ولم نقترب من البحر او الشاطىء ثانيةً
بشير : طيب الم تشتاقوا لرؤية امواج البحر , او الى تذوق طعم السمك المشوي ؟

فصار افراد القبيلة الكبار يتذكّرون تلك الأيام بحزن , فقال عجوزٌ منهم :
- كنت سباحاً عظيماً في شبابي , لكني حرمت من هوايتي بسبب هذا الحكم الجائر
وقالت عجوزة : وانا كنت افضل امرأة تطبخ اصناف السمك , وقد اغلقت مطعمي منذ ذلك الحكم الذي خرب بيتي

فقال بشير : والناس ايضاً في عالم البحر مشتاقون جداً لطعم الفواكه والخضروات , والمشي فوق اليابسة بدل السباحة طوال الوقت .. وهم يتمنون لو تحصل هدنة بينكم , وتسمحوا لهم بالعيش ثانيةً معكم و ان تتشاركوا جميعاً ثمار الشجر و الإستفادة من البحر بسلام .. وقد ارسلوني اليكم كمرسال لأعرف رأيكم بالأمر ؟

وبعد ساعات من تشاور كبار عالم الغابات بالأمر , قبلوا بأن يُحضر بشير معه كبار عالم البحار لوضع شروط الهدنة بينهما 

وفي المساء .. احتفل مجتمع اليابسة مع مجتمع البحر , بعد ان قسّموا الجزيرة الى قسمين بينهما , على ان يكون البحر متاحاً للجميع 

ثم ودّع رئيس البحر ورئيس الغابة بشير عند البوابة : هل انت مصرّ على اكمال طريقك يا بشير 
بشير : نعم , اريد ان اعرف كم بقي من العوالم اسفل الدرج 
- بالتوفيق لك يا بني , لكن هل اطعموك جيداً ؟
بشير : نعم لقد اكلت وشربت بما يكفي لأكمال مغامرتي , فشكراً لكما
***

ثم خرج من عندهما نحو الأدراج المظلمة , بعد ان أشعل النار في شعلته وبدأ يعدّ الأدراج من جديد 
- الدرجة الأولى .. الثانية .........العاشرة ..آه وصلت .. بابٌ بنيّ هذه المرةّ ! لأفتح وارى .. بسم الله

ودخل ليجد طرقاتٍ ملوثة بالطين , بينما الأمطار تتساقط بغزارة , والناس تمشي بصعوبة وسط الوحل.. وعندما شاهد عجوزاً يعبر الشارع , قام بلحاقه 
بشير : يا عم .. يا عم انتظر !! 

العجوز : ماذا تريد ايها الغريب ؟! الا تراني مستعجلاً لأصل الى بيتي قبل ان يشتدّ المطر 
- ارجوك خذني معك الى بيتك , فقد ابتلّت ثيابي تماماً

فأخذه الى بيته الذي كان موسّخاً بالطين .. حتى ان بعض غرفه غارقة بالمياه 
بشير : ولما ترضون بالعيش وسط هذه الفوضى ؟!

العجوز : وماذا نفعل ان كان المطر هنا لا يتوقف لا صيفاً ولا شتاءً ؟! كما ان السيول قتلت الكثير من شعبي السنة الفائتة
بشير : اذاً ابنوا بيوتكم فوق الأشجار , وبذلك تحمون انفسكم من السيول والأوساخ 
- وكيف نبني مثل هذه البيوت المعلّقة ؟!
بشير : من حسن حظك انني كنت قبل قليل في عالم الغابات , ومن مشاهدتي لبيوتهم فوق الأشجار صارت لديّ فكرة عن طريقة صنعها , لكني احتاج الى مساعدة

ثم خرج مع العجوز الى وسط السوق , و جمع الناس الذين وقفوا تحت المطر يستمعون الى خطة بشير 

وعلى الفور .. استطاعوا تقليده بمهارة , بعد ان شاهدوه يبني بيتاً للعجوز فوق احد الأشجار

وفي المساء .. كان الجميع قد انتهى من بناء بيته فوق احد الأشجار .. وقد تفاجىء بشير بسرعة تعلّمهم كما سرعة انجازهم للعمل , حتى هو نفسه شعر وهو يساعدهم بأنه يمتلك قوةً خارقة ! 

والنتيجة كانت بأن الجميع فرح تلك الليلة لنومهم داخل بيوتهم الجافة البعيدة عن مجاري المطر على الأرض 

واثناء توديع بشير للعجوز لإكمال مسيرته نحو الأدراج الغامضة , قال له :
العجوز : امسك ايها الشاب ..لقد جمعت لك ماء المطر داخل هذه القربة , اشرب منها حين تعطش 
بشير : لكني لست ظمآناً يا عم
العجوز : هذه قربةٌ سحرية , فالماء الذي بداخلها لا ينضب ابداً .. خذها معك , لن تندم
فشكره بشير على هذه الهدية 
***

ثم اغلق البوابة خلفه , ليعود الى مغامرة الأدراج المجهولة  
بشير وهو يحاول اشعال النار بشعلته
بشير : تباً !! الشعلة ابتلّت بالمطر , يبدو انني لن استفيد منها , سأتركها هنا .. وسأحاول نزول الدرج على مهل كي لا اتعثّر وسط الظلام .. هيا يا بشير لا تخفّ , كلها عشر درجات وستصل الى عالمٍ آخر .. حسناً لأعدّها .. هذه الدرجة الأولى ..الثانية ...............العاشرة .. واخيراً وصلت .. اين هو الباب ؟

وصار يتحسّس الجدار هنا وهناك في الظلام
بشير بقلق : اين هو الباب ؟ انا لا ارى شيئاً .. آه وجدته .. يا ترى ما لونه هذه المرة ؟ لأفتحه 

لكن فتحه لم يكن سهلاً , وعندما دخل بعض النور استطاع بشير تميز لون الباب
بشير : آه الآن رأيت .. الباب برتقالي .. لكن ماهذه اللفحة الساخنة التي هبّت من ذلك العالم ؟! يا الهي ! هذا الباب يحتاج الى الكثير من القوة 

وبعد ان فتحه بصعوبة , شاهد كثباناً من الرمال خلفه واحسّ على الفور بالجوّ الحار جداً
بشير بدهشة : هذه صحراءٌ قاحلة ! هل ادخل اليها ؟! اخاف ان اعلق بالداخل

لكن بعد قليل من التردّد .. دخل الى ذلك العالم , ليشاهد خياماً لبدو .. وعندما اقترب من احد الرجال الذي كان ملثّماً بغترته , تفاجىء به يرفع سيفه في وجهه
بشير برعب : انزل سلاحك يا رجل !! لقد اخفتني 

الرجل : هل انت من قبيلة العدو ؟
بشير : لا لست من قبائلكم ولا من عالمكم اصلاً , كنت اريد فقط ان اسألك ..لما تعيشون بهذه الصحراء التي ليس فيها الا بعض النخيل ؟!

الرجل : بلادنا لم تكن جافة , لكن الأعداء ردموا بيرنا فلم يعد لدينا ماء , ولذلك تذهب نسّوتنا كل صباح لتعبئة المياه من مكانٍ بعيد 
بشير مبتسماً : من حسن حظّكم ان معي الحلّ لمشكلتكم 
ثم اراه قربة الماء التي يحملها 

الرجل بحماس : هل هذه ماء المطر من بلاد الوحول التي فوقنا ؟!
بشير : نعم , واحتاج منك ان تجمع اصدقائك لنصنع سويّاً حوضاً كبيراً كي أفرغه بداخله

وعلى الفور .. انطلق الشاب الى رئيس قبيلته الذي جمع كل الرجال , وتعاونوا فيما بينهم لبناء حوضاً كبيراً من الطين , والذي ما ان افرغ بشير بداخلها القربة حتى تحوّلت الى واحةٍ غنّاء وسط الصحراء 

وفي المساء .. اقيم حفلاً كبيراً وذبحت الذبائح اكراماً لضيفهم بشير 

وفي الصباح : ودّعهم بشير ليكمل مغامرته , بعد ان شكرهم على التمر السحري الذي سيشعره بالشبع طوال رحلته
***

وبعد ان اغلق البوابة , تذكّر امر الشعلة 
- يا غبي يا بشير ! ليتني اخذت من عندهم شعلة نار جديدة بدل التي تركتها فوق .. حسناً لا بأس ..اصلاً لم يعد الظلام يخيفني .. لأنزل على مهل واعدّ الأدراج بحذر 

- واحد .. اثنان .. ثلاث درجات ........ عشرة .. وهآقد وجدت الباب ..مالونه هذه المرة ؟ لأشقّ الباب قليلاً .. آه رأيته , انه ابيض ..  لكن ما هذا الهواء البارد ؟! عساه خيراً .. هيا يا بشير ادفع الباب بقوة 

وعلى الفور.. هفّت على وجهه نسيم رياحٍ باردة قادمة من عالمٍ تكسوه الثلوج في كل مكان 
بشير : يالهذا البرد القارص .. لكني لا ارى سوى الثلوج ! .. يا ترى اين يختبأ سكّان هذا العالم ؟!

ومشى بضعة خطوات ..حتى وجد كهفاً يخرج منه الدخان , فذهب الى هناك ليجد اعداداً قليلة من الناس تعيش هناك .. 
الا انه سقط مغشياً عليه من شدّة البرد امام احد الأكواخ , ليسرع طفلٌ ما ويغطيه بالفراء 

وعندما استيقظ بشير كان داخل احد البيوت , وامامه بعض الفحم المحروق لتدفأته 
بشير وهو يستعيد وعيه : اين انا ؟!
والد الطفل : ابني وجدك بالخارج , وانا ادخلتك بيتي .. انت الآن في عالم الثلوج .. لكن مالذي احضرك الينا ؟!
بشير : كنت قد مررّت على ستة ابوابٍ قبلكم .. عالم النور وعالم الظلام , وعالم البحار وعالم الغابات , وعالم الوحول وعالم الصحراء 

الرجل : ومالذي استفدّته من كل هذه التجربة ؟
بشير : بصراحة لا اعرف , لأن كل هدية حصلت عليها في احد العوالم خسرتها لحلّ مشكلة العالم الآخر !
- لم افهم ! اشرح لي اكثر 

- اقصد بأنني حصلت من عالم النور على بلورة مضيئة لكني استخدمتها كشمس لحل مشكلة عالم الظلام الذي بدورهم اهدوني شعلة نار التي تبلّلت في عالم الوحول ولم تعد صالحة للأستخدام , بينما اعطوني في عالم البحار سمكة سحرية لآكلها فهي على حسب قولهم ستشبعني لفترة طويلة لكني أهديتها لزعيم عالم الغابات الذي كان مشتاقاً كثيراً لطعم السمك , كما اهدوني في عالم الغابات بعض الفواكه التي ستنشطني لاحقاً , لكني اهديتها لرئيس عالم البحار كي اقنعه بالصعود معي الى الشاطىء ليقوم بهدنة جديدة مع عالم الغابات , كما اهداني عجوزاً من عالم الوحول قربة من ماء المطر كي لا اظمأ ابداً لكني استخدمتها كحلّ لمشكلة العطش في عالم الصحراء الذين اهدوني بدورهم تمراً ليعطيني سعرات حرارية..

الرجل مقاطعاً : هل فعلاً اعطوك التمر السحري ؟! فشعبي يعاني من البرد ونحتاج فعلاً الى سكّريات لتدفئة اجسامنا , فقد تعلّمنا ان نعيش كل يومٍ بيومه لأننا لا نعلم ما يخبئه الغد .. فالحياة هنا صعبة للغاية , فبخلاف البرد القارص يمكننا في ايّ لحظة ان نتعرض لأنهيارٍ جليدي من الجبال التي حولنا , او ان يُنهش لحمنا بسبب الدببة القطبية او الحيتان في البحر , كما نعاني من قلة الطعام والتدفئة , لذلك ليست لدينا احلاماً كبيرة للمستقبل , ومع ذلك نحن سعداء بعيش الزمن الحاضر

بشير : نعم اعتقد انكم تحتاجونها اكثر مني .. تفضل التمر.. لكن عليك ان توزّعها على الجميع و تعطي تمرة لكل عائلة , فالتمرة الواحدة تكفي عائلة من خمسة اشخاص طوال حياتهم , هذا ما اخبروني به ! 
- جميل جداً , سأوزّعه بعد قليل على كل شعبي .. لكن اخبرني بما تنوي فعله الآن ؟

بشير : سأحاول ان اكمل مسيرتي نحو أسفل الدرج 
الرجل : لكن لا يوجد المزيد من الأدراج يا صديقي .. فنحن فقط سبعة عوالم اسفل الأرض 
بشير بدهشة : ماذا يعني هذا ؟!
- يعني انتهت مغامرتك هنا , وصار عليك العودة الى عالمك بعد ان تعلّمت دروسك .. 
بشير : عن ايّ دروس تتكلم ؟! انا لم افهم شيئاً !
- هيا اغمض عيناك 
بشير : لكني لا اريد النوم .. لا لحظة ! لما اشعر بالنعاس فجأة ؟!
***

وعندما فتح بشير عيناه , وجد نفسه ببيته داخل مزرعته .. وعلى صدره قصاصة ورق مكتوبٌ فيها :
((كنت تبحث عن الكنز , وقد حصلت عليه .. 
1- اعمل دون ان تجهد نفسك .... (تحيات عالم النور , البوابة الصفراء) ِ
2- خذّ وقتاً للراحة بين حينٍ وآخر ..(تحيات عالم الظلام , البوابة السوداء)
3-  لا بأس من المجازفة .. (تحيات عالم البحار , البوابة الزرقاء)
4- اغفر و سامح لتحظى بحياةٍ اجمل ..(تحيات عالم الغابات , البوابة الخضراء)
5- تعلم وتدرب على مهاراتٍ جديدة (تحيات عالم الوحول , البوابة البنية)
6- يد الله مع الجماعة.. (تحيات عالم الصحراء , البوابة البرتقالية) 
7- استمتع باللحظة وعشّ الحاضر ..(تحيات عالم الثلوج , البوابة البيضاء)

هذه الدروس يا بشير هي الكنز الحقيقي الذي سيساعدك بتخطي الصعاب في حياتك العامة .. مع تحيات البوابات السبعة لعالم الجن و العفاريت))

فيصرخ بشير بخوف : يعني لم يكن حلماً ! و كنت فعلاً ضيفاً في عالم الجن ؟! 

واُغميَ عليه من أثر الرعبة ! 

ملاحظة :
اقرأوا تعليقي في الأسفل , وشكراً لكم

الجمعة، 5 مايو 2017

خادمة القصر



خادمة القصر



تأليف :
أمل شانوحة



خادمة,غني,زواج,رفض,طبقة,اجتماعية,حب

لن اسمح لأبني المليونير ان يتزوج من خادمته !! 



حقوق الطبع محفوظة 2016, تحت طائلة المسؤولية


ملخّص القصّة

هي قصّة شاب غني لديه عقدة من النساء , لكنه احب خادمته التي ظنّت في البداية بأنه سائق القصر , فماهي ردّة فعل كلا العائلتين من هذه العلاقة , في ظلّ اختلاف طبقاتهما الإجتماعية ؟



ملاحظة :

هذه القصة تصلح كمسلسل عربي او تركي , وهي مستوحاة من مسلسل لبناني قديم بعنوان (عازف الليل) لكن بسياق و احداث مختلفة , اتمنى ان تعجبكم


لمتابعة احداث القصة 

الثلاثاء، 25 أبريل 2017

السمكات الثلاثة

(قصة اطفال) من الموروث الشعبي اللبناني
كتابة : امل شانوحة

مشعوذة,سمك,اطفال,قصة,خيالية,صياد,كرنب,كلفوفة

سأحرمهم من بناتهم , كما حرموني من التكريم العلني

حاول الملك لسنوات هو وزوجته ان ينجبا الأطفال , و بعد ان يأسا طلبا وصفةً سحرية من مشعوذة اتت حديثاً الى المنطقة . 
و بعد شهور ..انجبت الملكة ثلاث بنات توائم , فأقام الملك احتفالاً ضخماً حضره كبار المنطقة ماعدا المشعوذة التي لم يصلها دعوته , مما اغضبها جداً لأنها كانت تتأمّل تكريماً خاصاً لها

وفي ليلةٍ مظلمة ..استطاعات بواسطة سحرها تجميد الحرس في اماكنهم مما اوصلها الى مهد الفتيات الثلاثة , و قامت بإختطافهنّ 
***

وفي كوخها الموجود داخل الغابة ..استطاعت بواسطة السحر الأسود تحويلهنّ الى ثلاثة سمكات , ثم رمتهنّ بالبحر و هربت الى القرية المجاورة

ورغم ان الملك وضع جائزة ضخمة لمن يجدهنّ , الا انه فقد الأمل بالعثور على بناته بعد سنوات من اختفائهنّ
***

في القرية المجاورة و بقرب الساحل .. استطاع احد الصيادين من اصطياد سمكةٍ ضخمة , قام بإحضارها الى بيته الصغير (المكوّن من طابقين والموجود قرب البحر) .. لكنه فضّل ان يضعها داخل حوض استحمام مملوء بالماء لتبقى السمكة حيّة , كي يبيعها في اليوم التالي بالسوق 

لكنه استيقظ مرتعباً في منتصف الليل بعد ان شعر بحركة داخل حمامه ,  و لم يصدّق عيناه حين رأى فتاةً جميلة موجودة هناك .. 
و بعد ان اخبرته الأميرة (جواهر) بما فعلته المشعوذة بها و بأخواتها , وعدها بأن يعيدها الى قصرها في الأيام القادمة
***

وفي نفس هذه الليلة و بمنزلٍ آخر .. انبعث نورٌ من بلورة المشعوذة معلنةً خبراً مهماً .. فاستيقظت العجوز منزعجة , وهي تعاتب بلورتها : 
- هآ ماذا عندك من اخبار , كي توقظيني في منتصف الليل ؟
فظهرت داخل البلورة صورة الصياد وهو يتكلّم مع احدى فتيات الملك الثلاثة

المشعوذة تكاد لا تصدّق عينيها :
- اللعنة ! كيف وجدها وقد رميتهنّ في منتصف البحر ؟! عليّ ان اتخلص منها على الفور كي لا تخبر اباها بفعلتي , و يرسل جنوده لقتلي .. مالعمل الآن ؟!
وظلّت تفكّر طوال الليل الى ان وجدت الخطة المناسبة 
***

في صباح اليوم التالي .. كان الصياد قد طلب من الأميرة ان تبقى في منزله الصغير حتى يذهب و يشتري حماراً لأجل رحلة الذهاب الى المدينة المجاورة وايصالها سالمة لوالدها الملك .. 

و بعد ان جمع كل مالديه من مال ..وعند خروجه اوقفته المشعوذة وهي تلبس ثياب مهترئة :
- ابني .. جيد انني وجدت شخصاً هنا , ارجوك ساعدني
- آسف يا خالة لكني مشغول قليلاً 
- كل الذي اريده منك ان تشتري مني هذا الكرنب (الملفوف) لأشتري بثمنه بعض الخبز , فأنا جداً جائعة
- لكني لا احب الكرنب , ولا اعرف كيف اطبخه !

وبعد برهة .. لم يجد طريقة للتخلّص من الحاحها الا بشراء الكرنب منها فوضعه بسرعة في المطبخ الموجود بالطابق العلوي .. ثم اقفل الباب على الأميرة خوفاً عليها , فهي عاشت طوال حياتها في البحر و ستضيع حتماً ان خرجت للقرية
***

في المساء .. عاد الصياد سعيداً لأنه اشترى حماراً بسعرٍ جيد , لكنه وجدها نائمة .. فربط حماره بالأسطبل و نزل لينام في الأسفل.. ولم يكن يعلم بأن المشعوذة تنتظر عند الباب وهي تحمل بلورتها التي اكدت لها بأن كلاهما نائمين في الداخل .. 

وهنا اقتربت من باب الصياد , وقالت بصوتٍ اجش :
- كرنبي فوق !! كرنبي تحت !! كرنبي فتحي البوابة !!!

فتدحرجت الملفوفة المسحورة من فوق الدرج الى ان وصلت للباب , ثم قفزت على مقبض الباب وفتحته لتدخل منه المشعوذة , و تصعد بخفية الى فوق , ثم توقظ الأميرة التي لم تتعرّف عليها :
- من انت ؟!

المشعوذة بخبث : أنا والدة الصياد , اتيت لأطعمك 
- انا لا اشعر بالجوع يا خالة 
- هذا غير ممكن ! فأبني اخبرني بأنك لم تأكلي شيء منذ البارحة .. هيا يا صغيرتي , فقط اربع حبات من الأرز

و بعد ان اكلت ثلاث حبات ,وضعت الأميرة يدها على بطنها وهي تقول :
- يكفي يا خالة , انا اشعر بالتخمة 
فقالت المشعوذة في نفسها : انا اعرفت انك شبعت , لأن معدتك ما تزال معدة سمكة .. لكن عليّ التخلّص منك

وظلّت العجوز تصرّ عليها الى ان اكلت الأرزّ الرابعة .. ومن بعدها بدأت الأميرة تتلوّى من الألم و بدأ صوتها يعلو .. فأسرعت المشعوذة هاربة من منزل الصياد , بعد ان امرت الملفوفة بالعودة سريعاً الى المطبخ
***

في الصباح الباكر .. حزن الصياد اشدّ الحزن حين رأى الأميرة (جواهر) ميتة في السرير , وبعد ان دفنها .. بدأ يفكر :
- لا اعلم كيف ماتت ! ..كلّ ما أعلمه ان لديها اختان عالقتان في البحر .. سأذهب الى نفس المكان الذي اصطدتها منه , عسى ان اجدهما واعيدهما الى والدهما الملك

و بعد ساعات من المحاولات اليائسة , فشل الصياد بإيجاد الأميرتين في نفس المكان الذي اصطاد منه البارحة في البحر .. 
و قبل غروب الشمس خطرت على باله فكرة , حين قام بالصراخ بكل قوته قائلاً :
- لقد ماتت اختكما الأميرة جواهر !! و انوي اعادتكما الى والدكما الملك , و فكّ سحر المشعوذة عنكما

و اذّ بسمكة كبيرة تقترب من قاربه , وما ان وضع يده عليها حتى تحولت الى اميرة تشبه تماماً اختها جواهر , و التي قالت بدهشة وحزن :
- هل ماتت جواهر بالفعل ؟! 

فأخذها الى منزله بعد ان اخبرها بالطريق بأنه وجد اختها ميتة في السرير وعلى فمها آثار طعام , لكنه لا يعرف بالضبط كيف ماتت  
وفي المساء .. طلب منها ان تنام باكراً , استعداداً لرحلة الصباح الطويلة باتجاه قصر والدها
***

لكن الأمر تكرّر من جديد , حين اخبرت البلّورة المشعوذة بتمكّن الصياد من ايجاد الأميرة زمرّدة اخت جواهر

وفي المساء ..اقتربت المشعوذة من باب الصياد وقالت بصوتها المبحوح :
- كرنبي فوق !! كرنبي تحت !! كرنبي فتحي البوابة !!!

وبعد ان فتحت الملفوفة المسحورة الباب لسيدتها المشعوذة , قامت مجدداً بإطعام زمرّدة اربعة حبات ارز , وتركتها وهي تحتضر
***

وفي اليوم التالي .. استطاع الصياد ايجاد الأميرة الثالثة (فيروز) واخراجها من البحر , والتي ظلّت طوال الليل تبكي لموت اختيها (جواهر و زمرّدة)

لكن هذه المرة .. تظاهر الصياد بالنوم في الصالة الموجودة في الطابق السفلي .. و قد صُعق لرؤية رأس الكرنِبْ يتدحرج باتجاه الباب بعد ان تناهى الى سمعه صوت اوامر المشعوذة .. 

لكن قبل ان تقفز الملفوفة الى قبضة الباب لتفتحه , كان الصياد قد استلّ سيف والده المعلّق على الحائط , وقام بتقطيع الملفوفة الى قطع مبعثرة هنا وهناك

ثم اسرع بفتح الباب ليجد العجوز وهي تتنصّت على بابه فقطع رأسها على الفور , ثم لفها بسجادة .. واسرع نحو قاربه ورمى بجثتها في وسط البحر بعد ان ربطها بشيءٍ ثقيل .. 

وقد عاد مع تباشير الصباح ليجد الأميرة قد استيقظت جائعة , فقال لها :
- و ماذا كنت تأكلين عادةً ؟
- انا لا اريد سوى ثلاث حبات من الأرز , لأني أظن بأن معدتي مازالت معدة سمكة صغيرة 

وبعد ان اطعمها .. ذهبا برحلةٍ طويلة , حيث ركبت الأميرة فيروز حماره وهو رافقها مشياً على الأقدام الى ان وصلا القصر في صباح اليوم التالي
***

وقد عمّت الأفراح المدينة بعودة الأميرة الى حضن والديها اللذان حزنا كثيراً لموت اختيها 

و بعد الحفل ..اراد الملك مكافأة الصياد عن شجاعته قائلاً :
- اطلب منّا ما تشاء 
الصياد بارتباك :
- ان طلبت مصاهرتكم , فهل تقبلون بصيادٍ فقيرٍ مثلي ؟ 
فنظر الملك الى زوجته متردّداً بالاجابة , لكن الأميرة فاجأت والداها قائلة:
- انا موافقة .. فلولاه لبقيت سمكة طوال حياتي , و انت لا تعرف يا ابي كم حياة البحر مليئة بالمخاطر 
فقال الملك : حسناً اذاً , قبلنا بك بشرط ان تكون وزيري في قريتك  و المسؤول عن شؤونها

و لاحقاً استقبل اهالي القرية وزير الملك (الصياد سابقاً) وزوجته الأميرة بحفلٍ بهيج عم ارجاء البلاد 

ملاحظة :
قامت اختي مشكورة بمحاولة متواضعة لتحويل هذه القصة الى فيديو باليوتيوب وهذا هو الفيديو :


السبت، 22 أبريل 2017

الخفّاش النهاري (قصة للأطفال تصلح كفيلم والت ديزني)

تأليف : امل شانوحة


خفاش,صغير,انسان,فأر,اطفال,خيانة,نوم
قرّرت تعديل موعد نومي

قامت الوطواط الأم بحضن ابنها لتشجيعه مجدداً على الطيران
- هيا يا جيم , حاول من جديد
فأجابها بقهر : لا يا امي , هذه خامس مرة اضرب فيها رأسي بالجدار .. و لهذا قرّرت ان لا اطير ثانيةً !!

و هي تفحص جناحيه بقلق : لكن جناحيك بخير !
- المشكلة ليست بهما .. انا لا ارى جيداً يا امي , الكهف بالنسبة لي مظلمٌ للغاية !
***

و لذلك اضّطرت الأم لأخذ ابنها عند طبيب الخفافيش لفحص عينيه 
الطبيب : الا ترى الحروف الصغيرة على الجدار ؟!
جيم : لا ارى سوى الكبيرة , و بصعوبة ايضاً

و هنا أخرج الطبيب علبة الكبريت من فتحة بجدار عيادته بعد ان وضع نظارة سميكة على عينيه , و قبل ان يشعل الكبريتة , قال لأم الوطواط : 
- اغلقي عينيك , فأنا اريد التأكّد من أمرٍ ما

و مع ضوء الكبريتة استطاع جيم رؤية الحروف جيداً  
الأم بقلق : كيف لم يأذي النور عينيّ ابني يا دكتور ؟!

الا ان الطبيب اكتفى بطمأنتها على انه عارضٌ بسيط و سيزول مع الوقت , لكن كان واضحاً عليه بأنه يخفي شيئاً مهماً 
***

و فور ذهابهما من عيادته .. اسرع الطبيب الى منزل قائد الخفافيش ليخبره بأمر الوطواط الصغير جيم
القائد بدهشة : اتقصد انه يعاني من نفس مشكلة الأعور العجوز ؟!
الطبيب بفرح : نعم !! و هذا يعني اننا وجدنا مموّلاً جديداً لنا
- لكن كيف سنقنعه بالعمل معنا ؟  

و اكملا حديثهما دون ان يلاحظا جورج (ابن القائد) الذي كان يتنصت عليهما , و الذي فاجئهما بقوله :
- يعني يا ابي , كنت تستغلّ قدرة الأعور على الرؤية في النهار كي يحضر لك الفاكهة ! .. اليس هذا مخالفاً لدستورنا : بأن علينا مشاركة غنائمنا مع الجميع ؟!

ابوه القائد : ومن سمح لك بالتنصّت علينا يا ولد ؟!
الطبيب محذّراً : جورج اسمعني جيداً .. عليك ان تكتم هذا السرّ , و الا سنطرد جميعنا من الكهف.. هل فهمتني يا عزيزي ؟  
جورج : بالأول اجيباني ..هل صديقي جيم يرى في النهار ايضاً ؟!
الطبيب بتردّد : نعم 

جورج بخبث : اذاً هناك طريقة تُرغمه على العمل معنا .. لكني لن اخبركما بها , الا بعد ان تعداني بإعطائي تفاحة كل يوم
الطبيب بابتسامة : يبدو انه ورث الخبث عن ابيه
***

في المساء .. اجتمع اطفال الوطاويط حول الخفّاش الأعور الذي ناداهم ليخبرهم بقصة جميلة 
العجوز الأعور : سأخبركم اليوم عن ... قصتي انا
جيم : استخبرنا مالذي اصاب عينك ؟

الأعور : نعم .. فأنا اعتبر حالة نادرة من الخفافيش , حيث رؤية الليل عندي مشوّشة , لكني بالنهار استطيع الرؤية بوضوح
الأولاد مندهشين : أحقاً ؟!

و كان جيم على وشك ان يخبره بأنه يعاني من نفس المشكلة , لكن امه كانت قد حذّرته كثيراً من ان يخبر احداً بهذا السرّ , لذا اكتفى بالإستماع الى قصة العجوز باهتمام

الأعور : المهم .. اردّت في شبابي ان اجازف و اطير خارج الكهف في النهار , لكني صُدمت حين صادفت الكثير من الحيوانات المخيفة التي ارادت اذيتي ! و لهذا عدّتُ سريعاً الى هنا .. لكن خوفي تبدّد تماماً بعد معرفتي بأن قائدنا المبجّل يملك ماءً سحرية , و في حال وضعت قطرتين منها في عيني اصبح غير مرئي لباقي الحيوانات , و بذلك استطيع رؤية جمال العالم الخارجي دون خوف او مخاطر

جيم : اذاً كيف اصيبت عينك ؟
الأعور : يبدو انك اكثر الأولاد اهتماماً بقصتي .. حسناً سأخبرك بالبقيّة .. كان متوجبٌ عليّ ان ادفع ثمن الماء السحري للقائد , و ذلك بإحضاري فاكهة او فاكهتين كل يوم لمقاسمتهم لاحقاً مع الجميع .. لكني في احد الأيام طمعت و اردّت جمع الفاكهة لي وحدي , فخرجت دون ان اقطّر ذلك الماء في عيني 

جيم مقاطعاً و متحمّساً : و حينها تعاركت مع الدب , اليس كذلك ؟
الأعور : و من يستطيع العراك مع هذا الكائن الضخم ! كل ما اذكره انني رأيت اظافره الحادة تتوّجه بسرعة نحو وجهي , و لم اشعر بشيءٍ آخر .. و لولا خروج القائد في المساء للبحث عني , لكنت مُتّ في مكاني 
الأطفال بحماس : يعيش قائدنا البطل .. يعيش !! يعيش !!
*** 

و بعد ساعة في منزل القائد ..
الأعور متضايق : و هآقد اخبرت الأولاد بما فيهم جيم عن موضوع الماء السحري كما طلبت مني , مع اني لا اظنّه سيصدّق بهذه الخرافة

القائد بنبرة تهديد : اذاً ما رأيك ان نخبر الجميع بحقيقة ما حصل لعينك ؟
الأعور بتحدّي : لن تفعل !! لأني حينها سأكشف اوراقك لهم
القائد : اذاً نحن متفقين , انا احمي ظهرك و انت ايضاً
فخرج الأعور من عنده منزعجاً 
*** 

في اليوم التالي .. و قبيل طلوع الفجر بدأت امهات الوطاويط بالنداء على اطفالهنّ 
- هيا الى النوم يا اولاد , لقد طلع الفجر !! 

لكن جيم كان قد اخذ قراراً بالسهر حتى شروق الشمس .. بينما وقف جورج يراقبه من بعيد , لكن ما ان سطع نور الشمس حتى ظهر صوت شخيره (جورج) عالياً .. بينما استغلّ جيم نوم الجميع ليطير وحده بسعادة في ارجاء الكهف الذي رآه بوضوح لأول مرة منذ ولادته 
جيم بفرح : وأخيراً !! انا ارى كل شيءٍ الآن .. يا الهي , لم ادرك ان كهفنا كبيرٌ هكذا !

و اثناء طيرانه وجد بالصدفة مخزن القائد السرّي المليء بالفاكهة , و كان حارس الليلي للمخزن نائماً كالباقيين
جيم بدهشة : ما هذا ؟! الم يخبرنا القائد منذ ايام ان علينا شدّ الحزام لأننا نمرّ بأزمة موارد ! اصلاً كيف ادخلها الى هنا دون ان يكشفه احد ؟! 

و اذّ بصوت الأعور يظهر من خلفه : لما انت مستيقظ الى الآن يا ولد ,  و ماذا تفعل هنا ؟! 
جيم بخوف : آسف جدي , لم اكن اعلم انك حارسنا النهاري ! سأذهب للنوم فوراً !
الأعور : لا تخفّ بنيّ , كنت اريدك في موضوع..

لكن جيم اسرع هارباً و استلقى قرب امه النائمة , قبل ان يسمع كلام الأعور  
الأم بتعب : جيم اين كنت ؟! هيا اقلب جسمك ونمّ كالخفافيش الطبيعية 
جيم : قلت لك سابقاً ان النوم بالمقلوب يشعرني بالغثيان
- يا ربي لما ابني مختلفٌ عن الجميع ؟
- لأني مميز يا امي , وسأثبت لك ذلك مع الأيام 
***

عند الغروب و قبل موعد استيقاظ الجميع , توجه جيم ناحية جورج النائم وكان معه فحمة صغيرة , و قام برسم شارب وذقن على وجه صديقه ..

وفي المساء .. كانت هناك مسابقة طيران للصغار بحضور القائد .. فأقبل جورج الى جيم واصدقائه وهو يستهزأ منه كالعادة :
- لما قدمت الى المسابقة يا غبي , وانت بالكاد تستطيع الطيران ؟
جيم ساخراً : يبدو انك كبرت قبلنا يا جورج 

وضحك اصدقائه من المرسوم على وجهه , فأسرع جورج لغسل وجهه قبل بدأ المسابقة  
***

و حين انطلق الصغار يتسابقون لنيل الجائزة الكبرى , ارتطم رأس جيم لأكثر من مرة بجدران الكهف , فقال له جورج (الذي كان يتصدّر السباق) ساخراً :
- كان علينا ان نقيم المسابقة في النهار , كي تربحنا يا اعمى
فقال جيم في نفسه : انها لفكرةٍ جيدة , سأغمض عيني و اتذكّر شكل كهفنا كما رأيته في النهار 

و بالفعل !! استطاع جيم ان يسبق جميع الوطاويط الصغيرة .. وصفّق له الكبار , و خاصة امه التي تفاجأت كثيراً بالنتيجة !

و عندما اهداه القائد حبة عنب صغيرة كجائزة لفوزه , همس جيم للقائد :  - و لما لا تعطيني تفاحة من مخزنك السرّي ؟ 
القائد بصدمة : ماذا ؟!

ثم اسرع جيم الى اصدقائه ليحتفل معهم بالفوز , تاركاً القائد قلقاً من انكشاف سرّه 
***

في نهار اليوم التالي .. و بينما كان جيم يطير داخل الكهف بحرّية و الكلّ نيام , ناداه الأعور : 
- جيم !! تعال الى هنا !! 
جيم برعب : انا لم ادخل ثانيةً الى مخزن القائد .. احلف لك
الأعور : لا ليس هذا الموضوع .. لقد اخبرنا الطبيب عن رؤيتك النهارية , و قد وافق القائد بأن تعمل معي  

جيم بسعادة : يعني ستسمحون لي بالطيران خارج الكهف ؟!!
الأعور : نعم , لكن هذا سيبقى سرّاً بيننا .. و الآن دعني آخذك الى القائد  من أجل الماء السحرية
جيم : لكن القائد نائمٌ الآن !
الأعور : لا تقلق , عندي طريقة لإيقاظه 
***

في منزل القائد .. قام الأعور بوضع اصبعيه في انف القائد الذي استفاق منزعجاً وهو يحاول التقاط انفاسه 
القائد مُغمض العينين : يا اعور !! كم مرّة قلت لك ان لا توقظني هكذا ؟!!
الأعور : امسك !! ضع النظارات على عينيك قبل ان تُعميك الشمس

و بعد ان وضع نظّاراته رأى جيم الصغير عنده , والذي اسرع بإخباره عن رغبته بالعمل مع الأعور
القائد : ممتاز !! اعجبني حماسك .. يعني صار لدينا الآن فارساً جديداً للفترة النهارية .. اذاً دعني اضع لك بعض القطرات السحرية قبل قيامك بهمّتك الأولى
***

في الخارج .. كان جيم يطير بفرح و سعادة هنا و هناك
جيم : انظر يا جدي !! ..كل الزهور متفتّحة بعكس الليل !
الأعور و هو يلهث بتعب : نعم نعم .. جيم توقف يا بنيّ , فأنا عجوز و لا استطيع مجاراتك

و لهذا اتفقا على ان يعود الأعور الى الكهف ليرتاح , بينما يُكمل جيم عمله في احضار الفاكهتين للقائد , بشرط ان لا يقترب ناحية ايّ انسان
***

و مرّت الأسابيع ..لم يعرف فيها احد من الخفافيش بعمل جيم السرّي مع القائد , و لا حتى امه و اصدقائه .. و قد صار مع مرور الوقت محترفاً في إيجاد الفاكهة .. لكنه لم يردّ ان يعطيها كلها الى القائد الأناني , فصنع لنفسه مخزناً سرّياً داخل الكهف , ووضع فيه الذّ الفاكهة و انضجها  ليعطيها ذات يوم لأمه و اصدقائه بعد ان يخبرهم بعمله السرّي

و قد عرف جورج بأمر المخزن بعد ان راقبه .. و حين اخبر اباه القائد بذلك , جنّ جنونه و امر حرسه بأخذ كل الفاكهة من عنده ووضعها في مخزنه السرّي , مما اغضب جيم كثيراً .. 

و قد حاول الأعور تهدئة الوضع , الا ان جيم تحدّاهم جميعاً و قال بأنه  سيخرج من الكهف دون حاجته الى مياه القائد السحرية 

و بعد ذهابه غاضباً الى بيته , قال القائد بقلق :
- مشكلة اذا خرج غداً و عاد دون ان يُصاب بإذى , حينها سيعرف بأن مائي السحري مجرّد كذبة و لن يعمل معنا بعد اليوم , هذا اذا لم يفضح مخزني السرّي امام الجميع

الطبيب : و مالعمل اذاً ؟
القائد : يا اعور !! انت الوحيد الذي تستطيع ملاحقته بالنهار .. اريدك ان تختبىء في الخارج و عند اقترابه منك , ترمي حجراً على جناحه
الأعور بعصبية : اتريدني ان اؤذي وطواطاً صغيراً ؟! .. لا طبعاً !!
الطبيب : ستكون اصابة خفيفة , و انا اعدك ان اعالجه جيداً .. لكن علينا اخافته , كي لا يجرأ على الخروج من هنا دون اذن القائد

و بعد الكثير من المناقشات و التهديدات , قبِلَ الأعور مُرغماً على خطتهم الشريرة
***

و بالفعل !! اصابه بحجرٍ اسقطته ارضاً .. لكن قبل ان يقوم الأعور بإعادته الى الكهف , شعَرَ بحركةٍ بين الحشائش ارعبته كثيراً , فتركه يتأوّه على الأرض و طار بعيداً , قبل ان يدرك بأنها مجرّد فأرة صغيرة 

و حين فتح جيم عيناه بتعب , رأى فأرة بقربه تقول بدهشة :
- ايوجد وطاويط بالنهار ؟!
جيم بألم : انكِ تشبهيننا كثيراً لكن دون اجنحة , فمن انت ؟
- ماذا ؟! الم ترى فئران من قبل ؟! ..لا لا تجيب الآن .. دعني اعالج جرحك اولاً

و بعد ان داوته بوضعها نوع من النبات على جناحه المتأذّي , سألته عن سبب اصابته , فأخبرها بشكوكه حول قائده 
الفأرة : لابد انه ارسل احداً خلفك لأذيتك , كي تبقى عبداً له
- و هذا ما اظنّه ايضاً .. انت فعلاً ذكية !
- طبعاً , فالعيش مع البشر ليس بالأمر الهيّن
- اذاً هل تساعديني في موضوعٍ مهم ؟

ثم اتفق معها على خطة للإيقاع بهم..
***

في اليوم التالي .. تفاجأت الخفافيش بوجود كمية كبيرة من الفواكه في وسط الكهف , مما اغضب القائد الذي ذهب فوراً لمنزل جيم 
القائد معاتباً : يا غبي !! لما لم تحضر الفواكه الى مخزني السرّي ؟!

جيم و هو يتظاهر بالمرض : ايّ فاكهة ؟! انا لم اخرج اليوم من الكهف , فكما ترى جناحي تأذّى كثيراً , ربما لأني لم اسمع كلامك بشأن الماء السحري
القائد متفاجىء : اذاً من فعلها ؟!

جيم بخبث : في هذا الصباح و قبل ان اعود الى النوم , شاهدت من بعيد الأعور وهو يتكلّم مع الطبيب الذي كان يضع نظارته السميكة
القائد بغضب : يعني اتفقا على العمل معاً من ورائي ؟! طيب لما تخليا عن هذه الكمية الكبيرة من الفاكهة ؟!
جيم : لأن الإنتخابات على الأبواب , و ربما اراد الدكتور ان يظهر بصورة البطل امام الجميع 
القائد بغيظ : اللعنة عليه !!

جيم : اظنه ينتظر انتهاء الجميع من العشاء كي يلقي كلمته عليهم , برأي اسبقه و اخبر الجميع انك انت الذي احضرت لهم العشاء .. هيا !! ماذا تنتظر ؟ بسرعة اذهب قبل ان تخسر مكانتك عندهم
***

و على الفور .. وقف القائد امام الجميع و اخبرهم بأن له شهراً يقوم بالبحث بمفرده عن الفاكهة و جمعه في مخزنٍ خاصٍ له , كي يوفّر الطعام للجميع 
***

في هذه الأثناء .. كان جيم يقلّب الطبيب على القائد 
الطبيب بدهشة : ماذا تقول ؟!
جيم بخبث : تعال و اسمع صاحبك بنفسك , انه يضحّي بكل ما جمعه من فاكهة لغرض الإطاحة بك في الإنتخابات القادمة
الطبيب بغضب : لا لن اسمح له !!
***

و حدثت بالفعل مشادة قوية بينهما امام الجميع , و لكي يثبت الطبيب خبث صاحبه دلّ كبار الوطاويط على مخزن القائد السرّي
القائد بارتباك : انا قمت بتقسيم الفاكهة التي جمعتها الى قسمين , اعطيتكم الآن النصف .. و النصف الذي بقي هنا , كنت انوي اعطائكم ايّاه فور نجاحي بالإنتخابات

الطبيب بعصبية : انه يكذب يا سادة !! هو كان يستغلّ الأعور لسنوات للعمل عنده .. لا ادري ان كان جميعكم يعرف بهذه المعلومة , لكن الأعور لديه جينات خاصة تساعده على الرؤية في النهار بعكسنا جميعاً , و لهذا كان يحضر له الفاكهة ..
احد الوطاويط مقاطعاً و بغضب : الهذا كنّا لا نجد الكثير من الفاكهة اثناء بحثنا الليلي ؟!!

و حاول القائد دون جدوى تهدئة الجموع الثائرة .. الى ان تقرّر الإستعانة بجارتهم (البومة الحكيمة) والتي احضروها لاحقاً الى الكهف للحكم بينهم 

و كان اولاد الوطاويط يرونها لأول مرة في حياتهم
وطواط صغير وهو ينظر الى فوق بدهشة : انظروا يا اصدقاء الى رأس البومة , انه يدور في كل الإتجاهات , كما ان عيناها كبيرتان جداً !
جيم : امي اخبرتني ان عينيها تساعدانها على الرؤية الليلية فهي لا تملك السونار و تقنية صدى الصوت مثلنا , لكنها مع هذا تعتبر صيادةً ماهرة .. المهم سأترككم الآن لأطير اليهم
صديقته ريمي : لا يا جيم , الكبار يتناقشون في امرٍ مهم و لا يريدوننا بجانبهم
جيم : لا تقلقي , اصلاً هم سينادونني بعد قليل

البومة من فوق :
- جيم !! تعال الى هنا
جيم وهو ينظر الى اصدقائه المتفاجئين : 
- عندما أعود سأخبركم بسرٍّ كنت اخفيه عنكم .. 
ثم طار سريعاً الى فوق
***

و بعد ان اخبر جيم كبار الوطاويط بكل ما حصل معه , سألته البومة : 
- اذاً من اين اتيت بكل هذه الفاكهة ؟
- صديقتي الفأرة اخبرتني بمكان مخزن الإنسان
كبار الخفافيش بصدمة : افعلاً ذهبت الى هناك لوحدك يا مجنون ؟!

جيم : نعم ..و سأخبركم بمكانه , لكن عندي شرطين .. اولاً : كنت وعدت الفأرة ان لا تأخذوا الكثير من المخزن كي لا يشعر الإنسان بوجود اهلها هناك .. و ثانياً : اتمنى ان لا تعاقبوا الأعور لأنه كان مرغماً على .. 

القائد مقاطعاً بغضب : الأعور طائرٌ خائن !! لأنه قديماً قام بإنقاذ انسان 
الوطواط العجوز بصدمة : ماذا ! احقاً فعلت ذلك يا اعور ؟! الم نكن انا و انت الناجون الوحيدون من الحريق الذي اشعله ذلك الإنسان بكهفنا القديم .. فكيف تجرأ اذاً على ..

الأعور مقاطعاً و بإحراج : كنت مضّطراً لذلك .. (و بلع ريقه ثم قال بارتباك) .. في صباح احد الأيام رأيت دباً يهجم على بشري صغير كان يلعب في الغابة , و لم اجد نفسي الاّ و انا احوم حول رأسه كي الهيه عن الولد الذي استطاع الهرب منه بصعوبة
القائد بسخرية : و ماذا نفعتك بطولتك ؟ فأنا الذي قمت بحملك و اعادتك الى الكهف بعد ان فقأ الدب عينك و كسر جناحك , اتذكر ذلك ام نسيت ؟

الأعور بغضب : و انا دفعت لك ثمن هذا !! و أنت بالمقابل قمت باستعبادي لسنوات .. ولوّ كنت اعرف انني سأعيش بقيّة عمري ذليلاً هكذا , لكان الموت ارحم لي !!

و ضجّ المكان باعتراضات الوطاويط الكبار (المجتمعين و هم متدلّيين بالمقلوب من سقف الكهف) بينما باقي الخفافيش تنظر اليهم من تحت بقلق كبير لما يجري بينهم !

البومة : هدوء جميعاً !!! و الآن بعد ان استمعت الى الجميع , سأعلن قراري النهائي
فسكت الجميع بانتظار الحكم .. 

البومة بصوتٍ جهوري : لقد قام الطبيب و القائد بخيانة ثقتكم و العمل بشكلٍ فردي طبقاً لمصالحهم الخاصة , و قد أمرت بطردهم مع عائلاتهم الى خارج الكهف , فهل توافقوني الرأيّ ؟!!

فصرخ جميع الخفافيش بالكهف بصوتٍ واحد : ارحل !! ارحل !! ارحل !!

و اكملت البومة حكمها : اما الأعور فأظنه تلقّى عقابه منذ سنوات ,  و انصحكم بأن تستفيدوا من حالته و حالة جيم الخاصة بأن تجعلاهما المراقبين النهاريين عن أمن الكهف 
فسألت احد الأمهات (الموجودة في الأسفل) البومة : عفواً سيدتي , لكن كيف سيراقبان الكهف بالنهار ؟ .. لم افهم !

فطلب جيم ان تسمح البومة له بالكلام , وحينها شرح للجميع عن تميزه هو و الأعور بالرؤية النهارية , مما سبب صدمة للبعض ! لكنهم بالنهاية استوعبوا الموضوع , ووافقوا على اقتراح البومة بالإستفادة من موهبتهما المميزة
***

و بعد رحيل الطبيب و القائد و عائلاتهما مذلولين من الكهف , ودّعت البومة الجميع ورحلت هي ايضاً .. 

و حينها جاء الدور على جيم كي يُخبر كبار الوطاويط بمكان مخزن الإنسان كما وعدهم .. و بعد ان عرفوا المنطقة بالتحديد , اسرعوا بالذهاب اليه .. 

فعاد جيم الى اصدقائه الذين حيّوا بطولته , و باركوا له عمله الجديد
***  

في نهار اليوم التالي و اثناء تجواله .. شاهد صديقته الفأرة عالقة بالمصيدة , فأسرع بإنقاذها ..
جيم : الحمد الله على سلامتك , دعيني ارى قدمك المصابة
الفأرة بغضب : ابعد يدك , و اذهب عن وجهي !!
جيم بدهشة : مالذي حصل ؟!
- الم تعدني البارحة ان تخبر الوطاويط بأن لا يسرقوا الكثير من الفاكهة الموجودة في مخزن الإنسان ؟
- نعم , هم وعدوني بذلك !

مقاطعة و بغضب : لكنهم لم يفوا بوعدهم , بل اخذوا الكثير .. هذا عدا عن الفاكهة المعضوضة .. و آثارهم التي تركوا في كل مكان اغضبت الإنسان كثيراً وجعلته ينشر المصائد و الأدوية السامة بكل ارجاء المخزن مما تسبب بأذيّة جماعتي .. والبارحة حكم عليّ رئيس الفئران : بضرورة ايجاد مخزنٌ جديد في غضون 3 ايام , و الا سيطردني مع اهلي من مجتمع الفئران .. انا حقاً نادمة لأني ساعدتك .. هيا اغرب عن وجهي  و اتركني بهمّي !!

لكن جيم اصرّ على مساعدتها .. و حين اقترح عليها بأن تركب ظهره كي يطير بها حول المكان مما سيسهّل مهمتها في ايجاد المخزن الآخر , قبلت بعرضه مُرغمة  

و بعد دقائق من الطيران , صارت تشعر بسعادة عارمة انستها غضبها الشديد من صديقها جيم
جيم : انظري الى هناك !! يبدو انه مخزناً آخر
الفأرة بارتياح : ممتاز !! هيا اهبط الى هناك , و دعنا نستكشف المكان
***

و كان مخزناً للجبن , و فيه زاوية صغيرة للفاكهة 
الفأرة و هي تأكل قطعة صغيرة من جبن : يا سلام , هذا المخزن افضل من السابق , فنحن الفئران نفضّل الجبن على الفاكهة

جيم و هو يأكل تفاحة : انا لم احب طعم الجبن , و جيد انني وجدت بعض الفاكهة و الا متّ من الجوع .. لكن دعينا نخرج سريعاً من هنا فقد قاربت الشمس على المغيب , و اذا استيقظت امي و لم تجدني بالكهف فستقلق حتماً

لكن قبل ذهابهما تفاجئا بدخول الإنسان الى هناك , فاختبئا خلف الصناديق
الفأرة : لا يبدو اننا سنذهب الى ايّ مكان , لأننا اذا تحرّكنا خطوة واحدة فسيشعر الإنسان بوجودنا
جيم : و مالعمل الآن ؟
- دعنا ننتظره لينتهي من نقل البضاعة الى المخزن , و من ثم نهرب
***

و حلّ الليل و لم ينتهي الإنسان بعد من عمله.. 
الفأرة : اظننا سننام اليوم هنا , و غداً نذهب الى بيوتنا
جيم متضايق : لا , هذا سيقلق امي كثيراً
- ان تقلق ليوم افضل من ان تترحّم عليك للأبد , هيا نمّ قليلاً و دعني انام ايضاً

و بعد قليل ..
جيم : على فكرة , انا لم اعرف اسمك بعد
الفأرة : اسمي جيري .. امي سمّتني على اسم بطلها في افلام الكرتون , حيث كانت تشاهده مع والدي من زاوية صالة الإنسان

جيم بابتسامة عريضة : اذاً تصبحي على خير يا جيري
جيري : يا الهي ! ماهذه الأسنان البارزة يا ولد , عليك ان تضع تقويماً لها
جيم بدهشة : كل الوطاويط تملك هكذا اسنان ! لكن نابايّ لم يكبرا بعد .. انظري !!
- اهذا يعني انك لن تمصّ دمّي ؟ 
فيضحك جيم : لا تقلقي , فأنا مازلت اتغذّى على الفواكه فقط , اما الحشرات و مصّ الدماء فهي للكبار فقط
***  

في الكهف .. امضت ام جيم ليلةً عصيبة و هي تبحث هنا و هناك عن ابنها الضائع , و قد وعدها الأعور ان يبحث عنه في الصباح الباكر
***

في اليوم التالي .. استيقظ جيم ليرى جيري تتغطّى بجناحه , فأيقظها مبتسماً :
- صباح الخير يا صديقتي
جيري فزعة : يا الهي !! لقد ارعبتني ابتسامتك المخيفة 

و هنا تفاجئا برؤية الإنسان (الشاب) فوقهم , و الذي صرخ لوالده العجوز قائلاً :
- ابي !! لقد وجدت فأراً و وطواطاً هنا !!

و على الفور .. بدأ الشاب ووالده يلاحقاهما بالعصا..
الفأرة و هي تركب ظهر الوطواط بخوف : جيم !! طرّ بسرعة من خلال تلك النافذة المفتوحة , هيا اسرع !!
جيم و هو يطير بفزع : ماذا يقول الإنسان ؟ انا لا افهم عليه , ارجوكِ ترجمي لي !!
الفأرة : يريد قتلنا , ماذا يريد يعني ؟ هيا طرّ بسرعة !! 
و استطاعا الهرب بصعوبة ..

الا ان الأب العجوز اسرع الى شاحنته بعد ان وضع شيئاً في صندوقها , ثم نادى على ابنه الشاب :
- هيا اركب بسرعة يا ولدي !!
الفأرة وهي تنظر بقلق الى الشاحنة من فوق ظهر جيم : اظنهما سيلحقاننا !
جيم برعب : و ماذا نفعل الآن ؟!
جيري : عندي خطة .. هيا اهبط في صندوق الشاحنة , لكن بحذرٍ شديد

و قبل ان يهبطا كان الشاب يصوّرهما من جواله , فعاتبه والده الذي كان يقود الشاحنة بسرعة
- ماذا تفعل يا ولد ؟!
- ابي الا ترى الفأر و هو يركب ظهر الوطواط , هذا حدث لا يتكرّر كثيراً , سأصوّرهما ثم أضعه على اليوتيوب .. آه ! الى اين ذهبا ؟!
- ليس في عقلك الا الكمبيوتر و السخافات
- ابي لقد اختفيا , فلما تكمل المسير ؟
- انا اعرف اين يوجد كهفهم , لأني عندما كنت شاباً قمت بإحراقهم جميعاً وهم نائمون .. و سأفعل هذا الآن , و لهذا احضرت سلاحي الذي يخرج منه النار

و كانت الفأرة و جيم المتواجدان في الصندوق يستمعان لكلام الأب 
جيم : هآ يا جيري , ماذا يقول هذا العجوز ؟
الفأرة برعب : اظنه سيحرق كل الوطاويط !
جيم بدهشة : ماذا ؟! و مالعمل الآن ؟
جيري : طرّ بسرعة الى هناك و حذّرهم جميعاً .. انا عندي عملٌ هنا , سأنهيه بسرعة ثم ألحق بك  
***

و طار جيم بأسرع ما يمكنه لتحذير قومه , بينما قامت جيري بقرض اسلاك السلاح الناري لإتلافه , ثم تسلّلت الى محرّك الشاحنة و قرضت احد الأسلاك التي ادّت الى إيقاف الشاحنة

في الداخل ..
الأب بعصبية : ما بها الشاحنة توقفت فجأة ؟!
الشاب : اظنها اشارة من الله كي تترك المساكين و شأنهم
ابوه بعصبية : مساكين !! اتعرف كم خسرنا بمخزن الفاكهة بسبب هجومهم البارحة عليه ؟

- وهل تظن قتلهم هو الحل ؟ الا تعلم انهم يخلصوننا من كمية كبيرة من الحشرات , كما ان باستطاعتنا الإستفادة من سمادهم في الزراعة , حتى ان العلم الحديث استفاد من ريقهم في صنع ادوية تخففّ الجلطات الدموية
- الأب بسخرية : يا سلام 
- هذه حقيقة علمية .. الا تذكر بحثي المدرسي الذي كتبته عنهم , بعد ان انقذني ذلك الوطواط الشجاع من الدب ؟

- الن تنسى هذه الحادثة ابداً ؟
- كيف انسى يا ابي و آثار يد الدب ما زالت محفورة في ذراعي ؟! 
- يكفي سخافات !! انا سأحرقهم كي احمي مزروعاتي .. هيا انزل , سنكمل الى هناك مشياً على الأقدام , اصلاً نحن اقتربنا كثيراً من الكهف 
- طيب الا تخاف من عضتهم , فقد يتسبّبون لك بالسعار ؟
- قبل قليل كنت تمدحهم و الآن تخيفني منهم .. لكن لا تقلق , هم نائمون في النهار  

- اذاً كيف شاهدنا وطواطاً قبل قليل ؟ و حتى الوطواط الذي انقذني وانا صغير كان موجوداً بالنهار !
- ربما يوجد انواعٌ اخرى منهم ! كل ما اعرفه ان معظم الوطاويط الكبيرة تكون نائمة بهذا الوقت..والآن احمل سلاحي و الحقني !! 
***

في الكهف .. كان جيم قد اخبر الأعور بالأمر و الذي اسرع الى بيت جارتهم البومة .. بينما حاول جيم جاهداً ايقاظ امه و رؤساء الوطاويط لكنهم جميعهم في سباتٍ عميق !

و هنا ! وصلت جيري برفقة مجموعة من الفئران الذين قدموا معها لمساعدة الخفافيش في معركتهم ضد الإنسان
جيري بقلق : هآ يا جيم , هل ايقظتهم ؟
جيم بتعب : لقد حاولت , لكنهم في غيبوبة !

و هنا دخل الأعور و هو يقول بقلق : و البومة ايضاً لم تستيقظ معي , مالعمل الآن ؟
فاتفقت جيري مع اصدقائها الفئران على احضار خرطوم المياه المتواجد بالمزرعة القريبة منهم .. و بعد ان وجّهته ناحية الوطاويط المتعلّقين في سقف الكهف

نادت جيري بصوتٍ عالي : ابي !! افتح الصنبور
و استيقظ الجميع فزعاً بعد ان بِلّلوا بالماء
كبير الخفافيش بغضب : يا الهي !! .. نور !.. لما ايقظتمونا نهاراً , انكم بذلك تأذون عيوننا ؟!

لكن ما ان علموا بهجمة البشر الوشيكة عليهم , حتى دبّ الرعب في نفوس الوطاويط .. و اسرعت الأمهات بتخبئة صغارها بين شقوق الكهف

جيري : لا تقلقوا !! لقد اتلفت سلاح النار و سيارتهم , و مع هذا رأيتهم يكملون سيرهم مشياً باتجاهنا ! علينا ان نتفق على خطة سريعة قبل وصولهم الى هنا
الأعور بدهشة : سلاح النار ! اظنه الرجل نفسه الذي حرق اهلي قبل سنوات ..(ثم بغضب).. لقد اتى بقدميه اليّ و سأنتقم منه !!

و لهذا اقترح الأعور ان يتظاهروا جميعاً بالنوم , و عندما يصبح الإنسان و ابنه في وسط الكهف يهجمون جميعاً على رأسيهما , بينما تهجم الفئران على اقدامهما

و هذا ما فعلوه بالضبط !! و حين لم يعمل سلاح النار , رماه العجوز و اسرع خارجاً الى سيارته , تاركاً ابنه الشاب يواجه المعركة لوحده ..لكن ما ان رأى الأعور آثار اظافر الدب محفورة على ذراع الشاب , حتى صرخ على باقي الوطاويط
- توقفوا جميعاً !!

فتوقف الجميع بدهشة ! و هنا جازف الأعور بنفسه ووقف على ذراع الشاب المشوّهة , محمّلقاً في عينيه 
و حينها انتبه الشاب على هذا الوطواط الأعور , فقال بدهشة :
- اهذا انت ؟! أأنت من انقذتني قديماً من الدب , وفقدت عينك بسببي ؟
فقال الأعور لجيري : ترجمي لي ماذا يقول ؟
جيري بدهشة : اظنه عرفك !

الشاب بابتسامة : نعم هذا انت , انا متأكّد .. يا الهي كم انا سعيدٌ الآن !! فطوال هذه السنوات كنت اظنّك ميتاً .. اتدري .. سأتفق معكم على اتفاق ,  و انا حقاً لا ادري ان كنتم ستفهمون عليّ ام لا .. لكن اسمعوني جيداً .. نحن نملك مخزنان , احدهما فاكهة و الآخر جبن .. و بنهاية كل شهر نرمي بعضاً منها في الزبالة .. لا لأنها منتهية الصلاحية , لكن البشر نزقين من ناحية الأكل و يهتمون كثيراً بصحتهم , ولهذا نرمي الكثير من الطعام الذي مازال صالحاً للأكل .. وقد قرّرت ان اقدّمه لكم بنهاية كل شهر , و سأضع تلك الفاكهة و الجبن على باب كهفكم , و انتم توزعونها فيما بينكم .. لكن عليكم ان تعدوني بأن لا تقتربوا من مخازننا بعد اليوم .. هآ ما رأيكم بهذا الإقتراح , هل انتم موافقون ؟

و بعد ان ترجمت جيري كلامه للجميع , صرخ الجميع صرخةً واحدة
الشاب بدهشة : يبدو انكم فهمتوا كلامي , يا للعجب ! 

و هنا سمع صراخ والده الخائف من الخارج , فأسرع اليه
***

في الخارج .. جلس الأب يتفحّص جروح ابنه بقلق :
- لما تأخرت , هل اذوك هؤلاء الملاعيين ؟
فأخبر والده عن الإتفاق الذي عقده مع الخفافيش
الأب : هل جننت يا ولد ؟!
- ابي دعنا نتراهن .. في حال صحّت توقعاتي و لم تتعرّض فاكهتنا لأيّ ضررّ طوال هذا الشهر , حينها فقط نُكمل اتفاقنا معهم 

و بصعوبة بالغة رضيّ الوالد بهذا الرهان الغريب , بشرط : انه في حال رأى وطواطاً او فأراً يحوم بأيٍّ من المخزنين , فسيقوم حينها بإحراقهم جميعاً
***  

و بعد شهر , و في الكهف ..قام البشري الشاب بتنفيذ اتفاقه معهم .. ثم عاد الى شاحنة والده 
الأب لأبنه : هآ هل انهيت عملك ؟
الشاب : نعم .. لقد اعطيتهم الطعام الزائد و اخذت سمادهم .. و كما رأيت يا ابي لم نرى احداً منهم في مخازننا طوال الشهر الفائت , و بهذا وفّرنا المال الذي كنا نصرفه على المصائد و المبيدات .. (و بابتسامة قال) .. يعني انا من ربحت الرهان يا ابي
الأب : يبدو ان هناك حلولاً افضل من استخدام القوة !
***

داخل الكهف .. كان الأعور و ابو جيري يوزّعان الطعام الشهري عليهم , حيث الفاكهة للوطاويط و الجبنة للفئران ..
الأعور : لقد وفّر الإنسان علينا مهمّة البحث عن الطعام
جيري : كما انه اخذ السماد من كهفكم , و اصبحت رائحته مقبولة يا رجل

احد الوطاويط وهو يأخذ فاكهته : و لما الإنسان يحضر الطعام قبل شروق الشمس ؟ بالكاد استطيع الوقوف من شدة النعاس
ابو جيري : هم عادة ينقلون البضائع في الصباح الباكر  
***

في مكانٍ ثاني من الكهف .. كانت الوطواط الصغيرة ريمي تكلّم جيم الذي جاء للتوّ من بيته : 
  - لقد استيقظت باكراً يا جيم .. هيا اذهب و احصل على طعامك
جيم : اسبقيني انت , اريد التكلّم قليلاً مع صديقتي جيري 
فنظرت ريمي بغيظ الى جيري , قبل ان تذهب لتقف في طابور الوطاويط

فضحكت جيري قائلة : يبدو ان صديقتك تغار مني
جيم : انت صديقتي الصباحية و هي صديقتي المسائية
جيري : طبعاً يحق لك هذا , فأنت تعمل حارساً نهاري في هذه السن الصغيرة 
جيم متضايق : لكن امي طلبت من كبار الوطاويط ان يجعلوني حارساً نهارياً بداخل الكهف فقط , مع اني لم اعد صغيراً .. انظري الى اسناني
و يريها نابيه , و يكمل قائلاً :
جيم : لقد لاحظت نموهما البارحة 

جيري : من المفترض ان اخاف منك الآن , يا مصّاص الدماء
فيضحك جيم : و هل تصدّقين بهذه التخاريف ؟
- ايّ تخاريف ! لقد صنعوا من القصة عدّة اجزاء .. وقد شاهدت جميع تلك الأفلام عندما كنا نعيش في بيت الإنسان
- الهوليود تحب المبالغة .. ثم هل رأيتِ سابقاً مصّاص دماء يطير في النهار ؟
- نعم صحيح , انت حالة خاصة ..لابد ان يصنعوا فيلماً خاصاً لك
- بل اتمنى ان تكتب قصتي كفيلم لوالت ديزني , و تمثلين فيه انت دور الأميرة .. ما رأيك ؟ 

فتضحك جيري : اذاً عليك ايها الأمير ان تحمل اميرتك على ظهرك , و تقوم لها بجولة حول الكهف
- يبدو انك احببت الطيران
- نعم , فأنت حقّقت لي حلم حياتي
- اذاً اصعدي على ظهري , يا اميرتي جيري

و صار يطيران بفرح داخل الكهف , و الجميع ينظر الى هذين البطلين الصغيرين بسعادة و فخر 

قصص الأرواح

تأليف : امل شانوحة    مدوّنة الأحلام - أين أنا ؟! تساءلت بقلق وهي تتلفّت حولها في فضاءٍ واسع ، تتحرّك فيه ظلالٌ أثيريّة بهدوءٍ مريب ! لتسم...