الجمعة، 13 أكتوبر 2023

تحرير القدس

تأليف : امل شانوحة 

الحلم العربي


تجمّع آلاف المصلّين في مسجد الأقصى لصلاة الجمعة ، لسماع خطبةً مدويّة على لسان أهم المشايخ وأكبرهم سنّاً وقدراً ، والذي بدأ خطبته بالقول :

- اليوم هو يوم تحرير القدس !!


فضجّ المسجد بالتكبيرات .. بينما استمع جنود الإحتلال من خارج الأسوار على صرخاتهم التي هزّت الجدران من حولهم ! 

وشعروا بغضبهم الذي يوشك على الإنفجار ، بعد تدميرهم لمعظم مباني غزّة بالقصف الجويّ الّلا إنسانيّ !


وأكمل الشيخ بعصبية :

- ماذا ننتظر بعد موت اهالينا وتدمير بيوتنا ، وقيام الدول العربيّة المجاورة بفتح مطاراتها لطيران العدوّ لإبادتنا ؟!! هل نتوقّع المساعدة من الزعماء الخوّنة ؟! .. نحن وحدنا !! لا ظهر يحمينا ، ولا قوّة لنا إلاّ بالله !! هو نصيرنا ، ووكيل أمرنا .. فاليوم هو يوم المصير ، إمّا النصر او الشهادة !! .. إمّا جنة الأرض ، او جنة السمااااااء !!!!


فصرخ المصلّون بحماس :

- لبيّك يا أقصى !! لبيّك يا مسّرى الأنبياء !!

الشيخ : هيا أخرجوا أسلحتكم !!


فأخرج كل شابٍ سكينته الحادّة من جيبه (بعد اتفاقهم على ذلك ، بسرّيةٍ تامة)

الشيخ بعلوّ صوته :

- هجوووم !!!!


وانطلق الشباب لخارج المسجد ، شاهرين أسلحتهم وعصيّهم ونبالهم .. وهم يركضون بأقصى سرعتهم نحو الدبّابات الثلاثة التي ارتجف الجنود بداخلها ، وهم يحاولون توجيه مدفعيّتهم باتجاه الفدائيين الشجعان.. 


وسرعان ما قفز بطلٌ لسطح دبّابة.. وفتح بابها ، لرميّ زجاجة كحول مولّعة بالنار.. صارخاً على الفلسطينين ، بالإبتعاد قبل انفجارها !!!


وحاول الجنود الأربعة الخروج منها ، وهم يطفئون النار عن زيّهم العسكريّ.. ليهجم الشباب عليهم ، ويذبحونهم كالخِراف ..


وهذا ما حصل مع الدبّابتين المجاورة لها ! قبل استلام ثلاثة فلسطينيين قيادتها ، بعد ذبح من فيها .. ليتبعهم بقيّة الشباب وهم يرمون قاذفات النار والحجارة باتجاه جنود الإحتلال الذين فرّوا هاربين ، رغم انهم مُدجّجين بالسلاح ! 

لكن هذا لم يوقف هجوم الثوّار الذين خسروا كل شيء بعد موت اهلهم ودمار منازلهم ، فلم يبقى امامهم سوى النصر او الشهادة


وقد استمتع الفلسطينيون بذبح جنود الإحتلال والإستيلاء على اسلحتهم التي سلّموها لقنّاصتهم الذين صعدوا لأسطح المباني العالية ، لاستهداف قادة العدو الذين تراجعوا للخلف وهم يصرخون بفزعٍ شديد للحرّاس بفتح ابواب الجدار !

***


لم تمضي ساعة على انتهاء صلاة الجمعة ، حتى اختبأ جميع جنود العدوّ خلف الجدار العازل !

ليبدأ مؤذّن الجامع بالتكبير : إعلانا على تطهير القدس من نجاسة اليهود ، وبوقتٍ قياسيّ !


لكن فرحتهم لم تكتمل بعد سماعهم هدير طائرةٍ حربيّة تحلّق فوق رؤوسهم ، وهي تشنّ قصفاً عنيفاً على تجمّعاتهم ! 


لتدمّر خلال دقائق قليلة عدّة منازلٍ هبطت فوق ساكينها ، ممّن تبقّى من العائلات الفلسطينيّة العُزّل ! فالعدوّ معروف بفوزه الدائم بالقصف الجويّ ، دون البرّي لجبنهم الشديد..


لكن حدّاداً بطلاً إستطاع صنع قاذفة صواريخ (أربجيّ) .. وبقذيفةٍ واحدة وجّهها نحو الطائرة ، وهو يدعو ربه :

((وما رميت إذّ رميت ، ولكن الله رمى))


وبضربةٍ واحدة ، أصاب الطائرة السريعة ! لتسقط وسط تهليلات الشباب ، وهم يراقبون الطيّار الذي يحاول جاهداً الوصول بمظلّته لخلف الجدار.. 


لكنه وقع أسيراً بين ايديهم ، لينصدموا بأنه من دولةٍ شقيقة ! والذي ترجّاهم بإسم العروبة أن يطلقوا سراحه.. 


فاقترب منه القائد الشيخ الذي صفعه بقوّة ، وهو يقول بقهر :

- لولا الخيانة العربيّة ، لاستردّدنا القدس من الشهر الأول لاحتلالها.. لكن بسببكم !! أُبدّنا عن بكرة أبينا.. مع العلم ان اليهود مصيرهم النار ..لكن الخوّنة في الدرك الأسفل من جهنم ، لبيعكم الجنة بثمن بخسٍ ! 

فسأله فلسطينيّ : ماذا نفعل به يا شيخ ؟!


الشيخ بغضب : أحرقوه علناً !! وانشروا المقطع في جميع وسائل التواصل الإجتماعي ، ليكن عبرة للجميع.. واخبروا العالم اننا سنحارب الخوّنة قبل اعدائنا ، ونعاقبهم بقسّوة دون رحمة.. أما المواطنون العرب الذين سيدعموننا ، سنعدّهم إخوّةً وأصدقاء .. ومن يعادينا منهم ، سيلقى مصيراً اسوء من اليهود.. والآن اقتلوا الطيّار الملعون !! ثم اهجموا على كافّة الحدود العربيّة ، واقتلوا العساكر إن حاولوا إيقافكم.. وبعد كسر الحواجز ، إسمحوا للمقاتلين العرب الأحرار بمساندتنا .. فالقدس اليوم للجميع !! إمّا أن نحرّرها معاً ، او نستشهّد فداءً لديننا !!!


وقد أفزع حرق الطيّار الخائن ، قادة العرب الذين هربوا للإحتماء بزعماء الغرب ! بينما فرّت جيوشهم المتمركّزة على الحدود ، بعد مداهماتٍ مليونيّة بكل الدول العربيّة المجاورة الذين اقتحموا الحدود من جهاتها الأربعة : الأردن وسوريا ولبنان ومصر..


وقد أرعب خبر عبورهم الحدود ، اليهود الجبناء الذين فرّوا برّاً وجوّاً وبحراً للخارج.. تاركين جدارهم الإسمنتيّ دون رقابة ، والذي تمّ تفجيره بعبواتٍ ناسفة .. ليقتحم آلاف العرب الأحرار المدن الإسرائيليّة


وعندما حاول بعضهم إحراق المستوطنات ، أوقفهم شيخ المسجد (القائد) قائلاً بمكّبر الصوت :

- إتركوها !! فهي منازل الفلسطينين الذين تدمّرت بيوتهم.. هي ملكٌ لنا !! كما المؤسسات والأراضي الزراعيّة التي عادت لأصحابها


وبعد رفض الطيّارون العرب تنفيذ أوامر قادتهم لتدمير فلسطين ، بعد مشاهدة حرقهم لجميع الخوّنة العملاء مع اليهود ! 

لم يعد امام اسرائيل إلاّ الإعتماد على طيّاروها الذين كانوا أشدّ فزعاً من جنودهم ، والذين هربوا للخارج .. تاركين مطارهم العسكريّ خالياً ، ليتحاصر اليهود دون غطاءٍ جويّ.. 


فاستطاع المجاهدون الأبطال ، أسرّ آلاف المستوطنين الذين خيّروا بين السفر للخارج او الإعدام

***


وخلال اسبوعٍ واحد ، فرغت المستوطنات من اليهود ! 

وفي المقابل ، إستقبل مطارهم (تحت سيطرة المجاهدين) ملايين الفلسطينين المُهجّرين بكافّة انحاء العالم ، للسكن في مناطق اليهود المعمورة .. 

مع عودة العجائز الى ديارهم وهم يحملون مفاتيحهم القديمة ، ضمن احتفالٍ شعبيّ ضخم.. وعلى رقصات الدبكة الفلسطينيّة المشهورة 


كما اكتظّ مسجد الأقصى بالمصليّن وهم يكبّرون الله ، اثناء تصليحهم المسجد القديم .. بعد إغلاقهم السردايب والأنفاق من تحته بالأسمنت.. وتحطيمهم لحائط المبكى اليهوديّ .. 


بينما قامت النّسوة بتنظيف سجّاد المسجد وتعطيره ، وهم يزغردون بفرحٍ شديد.. وتشارك المراهقون بدهن الجدران الداخليّة والخارجيّة للمسجد ، وهم ينشدون الأغاني الوطنيّة 

***


من بعدها ، فُتحت ابواب الأقصى للزوّار العرب الذين اكتظّت بهم المدن الفلسطينيّة التي استعادت اسمائها القديمة ..وهم يتسابقون للصلاة في ساحة المسجّد ، وعيونهم مُغروّرقة بدموع الشوق ، بعد حرمانهم منها لأكثر من سبعين عاماً !

كما قدم المسيحيوّن المتديّنون لزيارة كنيسة القيامة ، تحت حماية الفلسطينيّون الأحرار 


بينما انتشر اليهود كلاجئين في اوروبا واميركا ، ليعودوا مُشرذمين وفقراء كما كانوا سابقاً !  

****


ملاحظة :

أليس حلماً جميلاً أن يحدث هذا فعلاً ؟! خاصّة انه مذكور بتوراتهم ان حكمهم سيدوم ٧٦ عاماً ، أيّ في السنة القادمة التي توافق ايضاً مرور مئة عام على انتهاء الخلافة العثمانيّة ، حيث وعدنا الله بمجّددٍ للدين كل مئة سنة ! 


لكن للأسف ، وحسب المذكور بعلامات يوم القيامة : فأنهم سينجحون ببناء هيكلهم على انقاض الأقصى ، بعد طردهم جميع الفلسطينيين الى الأردن وسيناء .. والذين سيعودون الى وطنهم بعد ثلاث سنوات من هدم المسجد ، لبنائه من جديد .. بعد طردهم اليهود الى خلف الجدار ، والذين سيبقون هناك لحين معركتهم النهائيّة مع سيدنا عيسى بعد نزوله من السماء في آخر الزمن (كما ذُكر في الأديان السماويّة الثلاثة)  


بالنهاية نقول : ((ربنا لا تمتحّنا في ديننا ، وصبّرنا الى يوم النصر الكبير))


الأربعاء، 11 أكتوبر 2023

المُحاصَرة تحت القصف

تأليف : امل شانوحة 

 

الخادمة المنحوسة


في قصفٍ عنيف لبلدةٍ جنوبيّة .. قامت إحدى العائلات بحزم أمتعتها للهرب للشمال خوفاً من قذائف العدوّ ، الى أن اكتظّت سيارتهم بالأغراض المهمّة والثمينة.. 

وحين ارادت خادمتهم الآسيويّة الجلوس معهم .. أخبرها السيّد بعدم وجود مكانٍ لها ، وأن عليها البقاء في فلّتهم لحراستها ! 

فانهارت باكية ، خوفاً من الموت تحت الرّدم ..

 

فقالت لها السيّدة ببرود :

- الثلاّجة مليئة بالطعام ، ويوجد مؤونة بالقبوّ تكفيكِ شهراً على الأقل .. ولا تنسي سقاية الأزهار ..وابقي المنزل نظيفاً لحين عودتنا بعد هدوء الوضع


وقاد السيّد سيارته غير آبهٍ بتوسّلات خادمته التي عادت مقهورة للفيلاّ الفارغة ، وهي خائفة من القصف الذي يزادد عنفاً في المساء! 

***


في آخر الليل ، إستيقظت مرتعبة بعد تحليقٍ مكثّف من طيران العدوّ فوق سماء الجنوب ! 

فسارعت بالإختباء بالقبوّ .. وهي تدعو الله بمرور الأزمة على خير ، اثناء استماعها لنشرة الأخبار من المذياع ، دون فهمها للعديد من الكلمات العربيّة الفصحى ! 

الشيء الوحيد الذي فهمته : أن جيشاً برّياً للعدوّ سيقتحم بلدتهم قريباً.. وهذا يعني سرقتهم للمنازل الفارغة ، ممّا يعرّضها للإعتداء او القتل .. 


فعرفت ان ايامها معدودة ! وهذا جعلها تشعر بالحنق والغضب من اهالي المنزل الذين خدمتهم لخمس سنوات ، ومع ذلك تخلّوا عنها لأجل اغراضهم الشخصيّة ! 

وتذكّرت كيف ضربتها السيدة بعنف ، لتذوّقها من مثلّجات ابنها .. وكيف كانوا يطلبون من المطاعم دون إحضار شيئاً لها ، بحجّة حصولها على أجرتها ! 

رغم معرفتهم بإرسال مالها بالكامل الى زوجها الذي لا يختلف كثيراً عن والدها القاسي الذي باعها منذ طفولتها ، لخدمة منزلٍ تلوّ الآخر .. قبل سفرها لدولةٍ عربيّة ، مُلاصقة لدولة العدوّ !

كل هذا جعلها تقرّر العيش سعيدة في آخر عمرها ، حسب المُتاح امامها..

***


وأمضت ايامها التالية ، بتناول ما تشتهي من المؤونة المالحة والحلوة.. 

بالإضافة لأكلاتها الآسيويّة التي منعتها السيدة من طبخها ، بعد أن أجبرتها على تناول طعامهم الذي لم تستسيغه يوماً !


كما جرّبت الشّيشة (النارجيلة) ومشروب المتّة ، بعد تقديمهما مراراً للسيد دون تذوّقهما .. 

وقد أعجبها الوضع بعد جلوسها على الكرسي الهزّاز ، المتواجد على شرفة غرفة السيدين (التي منعاها سابقاً من الدخول اليها) .. وهي تتناول حلوى طفليهما ، مع الشايّ الساخن 


كما تسلّت بألعاب الأولاد التي مُنعت مشاركتها معهم ، مُقتصراً واجبها على ترتيبهم فحسب .. لتتذكّر طفولتها الكئيبة التي قضتها بتنظيف المنازل 


واثناء لعبها بالدمى ، شعرت بفرحة الطفولة التي حُرمت منها بسبب الظروف الماديّة السيئة لعائلتها.. 

كما برعت بالألعاب الإلكترونيّة (بلايّ ستيّشن) خلال ايامٍ قليلة.. وتسلّت ايضاً بالمراجيح والزّلاّقة (الزحليقة) والنطّاطة المُخصّصة لصغار العائلة.. 


كل هذا دون نسيانها ترتيب المنزل وسقاية الزرع من وقتٍ لآخر ، خوفاً من عودتهم بأيّةِ لحظة

وقد اعتادت مع الوقت صوت القذائق البعيدة ، وهي ترتشف القهوة دون خوف !

***


الى ان جاء يوم ، لمحت فيه من الشرفة : الجيش البرّي للعدو ، وهو يخترق المنطقة ! 

فأطفات جميع الأنوار ، وأغلقت النوافذ والأبواب جيداً.. 


واختبأت في القبوّ ، وهي تسمعهم يحاولون خلع باب الحديقة ! 

فدعت ربها أن يمضي يومها على خير .. لأن فلّتهم من البيوت القليلة التي لم تُصبّ بالقصف الجويّ ، مما يجعلها هدفاً للصوصّ من جنودهم.


ولحسن حظها ..أمطرت السماء بغزارة ، رغم انهم في فصل الصيف ! فعادوا الى معسكرهم على اطراف المدينة..

***


وبسبب قربها من الموت ، أصرّت اكثر على العيش آخر ايامها برفاهيّة .. 

فصارت تنام في أيّةِ غرفةٍ تختارها .. وتجرّأت على تجربة ملابس السيدة الفخمة .. ووضع مكياجها التي جرّبته لأوّل مرة في حياتها.. مع التزيّن بأفخم الإكسّسوارات التي تركتهم السيدة في درجها.. 

ثم التقطت صورة لها ، من كاميرا ابنتهم الصبيّة .. وخبّأتها بين اغراضها ، كذكرى لها ..


اما في غرفة الأولاد : فحاولت قراءة القصّص والكتب التعليميّة ، بعد أن علّمها  صغيرهم الحروف الأبجديّة.. 

لكنها بالنهاية اكتفت بتصفّح الصور داخل قصّص الأطفال ، ومشاهدة الرسوم المتحرّكة بالتلفاز .. قبل انقطاع الكهرباء عن المنطقة بأكملها ، بعد قصفٍ مُباغت ! 


لتمضي بقيّة ايامها على ضوء الشموع ، وهي نائمة في القبوّ .. بعد تمركّز جنود العدوّ في المنطقة القريبة منها ، ممّا زاد من خطورة الوضع !

***


ذات يوم .. إلتقت بجارتها العجوز التي نصحتها الهرب بسفينة المهجّرين ، بشرط دفع المال للقبطان..


فبحثت الخادمة في خزائن غرف الفلّة .. الى ان وجدت إسّورة وحلقاً ذهبيّاً للصبيّة التي نستهم في الدرج.. وكذلك كسرت حصّالة الأولاد .. كما باعت بعض الأجهزة الكهربائيّة الصغيرة بسعرٍ بخس ، لمحلٍ ظلّ يعمل اثناء الحرب .. وبذلك جمعت تذكرة الهروب

***


وفي مساءٍ هادىء .. حزمت حقيبتها الصغيرة التي وضعت فيها : بعض المُعلّبات وقارورتيّ ماء .. 


وبعد دفعها الأجرة للقبطان ، حشرها مع بقيّة الهاربين الذين يأملون بحياةٍ آمنة ببلدةٍ اجنبيّة ، بعيداً عن الوطن الجريح !

***


بعد ساعة من تجذيفهم في البحر .. رأوا اضواء قارب العدوّ يقترب منهم ! 

ليتفاجأ الهاربون الأربعون بقفز القبطان بالبحر ، للنجاة بنفسه ! 

فتبعه بعض الشباب واليافعين.. بينما لازمت النساء والأطفال والعجائز مكانهم.. 


وعندما قفز العسكريّان الى قاربهم الخشبيّ .. حاولت الخادمة إفهامهم بلغتها العربيّة الركيكة ، مّا حصل معها .. 

ومن دون سببٍ مقنع ، شتم ديانتها وربّها بألفاظٍ بذيئة ! 

مما استفزّها لدرجة جعلتها تصفعه بقوّة ! 

فسارع بإطلاق النار عليها ، ورميّ جثتها في البحر.. 


لتموت شهيدة بظلم اسيادها الذين عادوا بعد انتهاء الحرب لفلّتهم ، دون أثرٍ لخادمتهم التي لم يعلموا يوماً بنهايتها المُفجعة !


*****

ملاحظة :

بحرب تموز 2006 بلبنان .. شاهدت مقطعاً بالأخبار : عن هروب عائلة دون خادمتهم الآسيوية التي تركوها تبكي ، بعد اشتداد القصف الإسرائلي بالجنوب.. 

ولم أنسى منظرها وهي تناديهم بخوف ، اثناء ابتعادهم بالسيارة.. 

والله وحده يعلم إنّ ظلّت حيّة ، او ماتت تحت القصف !


الاثنين، 9 أكتوبر 2023

مصرف المياه المهجور

كتابة : امل شانوحة 

العالقون تحت الغابة !


في اوائل التسعينات .. إستيقظ جيم في المستشفى وهو مُصاب بارتجاجٍ في المخّ ، دون تذكّره ما حصل ! 

وبعد إطمئنان الطبيب على صحّته (بعد غيبوبته التي دامت اسبوعاً) ، دخل المحقّق الجنائي وهو يقول :

- كنت محظوظاً لسماع الحطّاب أنينك ، داخل مصّرف مياهٍ مهجور اسفل الغابة .. فأنت الناجي الوحيد بين اصدقائك الأربعة الذين توفّوا جوعاً وعطشاً ! بعد أن أثبتّ التشريح : أنهم لم يتناولوا شيئاً طيلة الأيام الستة التي علقوا فيها داخل الأنبوب الطويل ، المُغلق طرفيه بعد توقف العمل به قبل سنوات.. ويبدو أن هناك شخصٌ سادس ، أقفل غطاء المصّرف بالسلاسل بغرض أذيّتكم .. فهل لمحته اثناء فعله ذلك ؟


فانصدم جيم مما سمعه ! وطلب من المحقّق أن يُريه صور اصدقائه الأربعة المتوفّيين .. فأراه صورهم من الكتاب السنويّ للمرحلة المتوسطة

فتذكّر جيم اسماءهم ، دون معرفة ما حصل ! بعد إصابته بشيءٍ حادّ خلف رأسه ، تسبّب بفقدانٍ جزئيّ لذاكرته


فسأله المحقّق :

- هل كان لديكم صديقاً آخر يكرهكم ، وتوّعد الإنتقام منكم ؟! 

جيم : لا أذكر ذلك !

- الحطّاب هو من كسر السلّسلة لإخراجك من هناك ، بعد نزفك الكثير من الدماء.. ويبدو الذي حبسكم ، إستغلّ تعمّقكم في اكتشاف المصّرف المهجور الذي يمتدّ قرابة نصف كيلو ، قبل انتهائه بحائطٍ رمليّ.. فهل لمحت الجاني ولوّ لثواني ؟


فسكت جيم قليلاً ، قبل أن يقول :

- ربما رأيت مراهقاً بقميصٍ احمر ، يُراقبنا ليلاً من الفتحة العلويّة اثناء نومنا بالأسفل .. ولم أخبر اصدقائي به ، لظنّي بأنّي احلم !

المحقّق : انت وصديقك البدين كنتما تلبسان ايضاً ، قميصاً رياضيّاً احمر ! فهل كانت لديكم حصّةٌ بدنيّة ذلك النهار ؟! اذا جوابك نعم ، فذلك المراهق هو زميلكم  بالصفّ الدراسيّ

- لا اعلم ! ربما

- وهناك أمرٌ ثاني غريب في الموضوع ! فقد وجدنا حقيبةً مدرسيّة مُخبّأة خلف الأنابيب : فيها مُخلّفات الطعام ، بالإضافة للوح شوكولا ونصف قارورة مياهٍ مُعبّأة ! لكن حسب تقرير التشريح لجثث أصدقائك : فقد خلت معدتهم من بقايا الطعام ، ممّا يؤكّد عدم تناولهم شيئاً لستة ايامٍ كاملة.. فمن برأيك خبّأ الحقيبة بعيداً عنكم ؟


جيم : ربما صديقي البدين .. ماذا كان اسمه ؟

- اريك

- نعم اريك ، أظنه أخفاها عنّا

المحقّق : لكن حسب أقوال عائلته بعد معاينتهم جثته ، انه خسر على الأقل خمسة كيلو من وزنه بعد اختفائه

- ربما لأنه تناولهم اثناء نومنا ، وفي اوقاتٍ مُتباعدة .. فخسر وزنه ، خوفاً من ضربه لوّ كشفنا امره .. فهو حتماً لن يشاركهم معنا ، خاصّة لعدم معرفتنا بموعد خروجنا من ذلك الجحيم

- سؤالٌ آخر .. حسب شهادة جوزفين ، صديقتك المُقرّبة التي أخبرتنا عن كرهك الشديد للضحايا الأربعة ، لتنمّرهم عليك طوال مرحلتك الإبتدائيّة بسبب فقر عائلتك .. لكن احوالك تبدّلت مع سنتك الأخيرة في المتوسطة ، بعد تحسّن مظهرك وملبسك ، وشرائك الدرّاجة الناريّة التي رفعت جاذبيّتك بين الطلاّب ! فمن اين حصلت على المال ، ووالداك عاملان بسيطان في مصنع مُعلّبات ؟!


جاك : ورثتهم عن عمّي الذي أهداني بعض المال ، لخدمته آخر عمره

- يبدو ان ذاكرتك تحسّنت اخيراً

- أتذكّر الماضي جيداً .. لكن احداث الغابة مازالت مُشوّشة في ذهني ، ولا ادري لما قرّرنا إكتشاف مصّرف مياهٍ مهجور !

المحقّق : لنعدّ لموضوع عمك .. فحسب اقوال والدك : إنه وظّفك لمساعدته بأعمال المنزل ، مقابل اجرةٍ بسيطة .. ولم يذكر ابوك شيئاً عن الميراث ! .. كلّ ما قاله : انك كنت متواجداً في منزل عمك لحظة وفاته .. فهل تخلّصت منه ، لسرقة امواله ؟

- لحظة ايها المحقّق ! عمي كان بخيلاً جداً ، ولم يضع المال في منزله.. ثم هو كان في الثمانين من عمره ، فهو اكبر إخوته.. ومن الطبيعي ان يموت بسكتةٍ قلبيّة

- اذاً من اين لك المال الذي جعل المتنمّرون الأربعة يصاحبونك هذه السنة ، بعد ان أذوك لأعوامٍ طويلة ؟!


جيم : كان عمي وعدني بدرّاجةٍ ناريّة ، في حال أحضرت ماله من الناس الذين تديّنوه منه بفائدةٍ كبيرة ! فاستطعت بإسلوبي الدبلوماسيّ إقناعهم بالدفع دون مماطلة.. لذلك اشترى لي الدرّاجة التي زوّدت شعبيّتي بين الطلاّب .. ورجاءً لا تخبر اهلي بشأنها .. فإمي ستمنعني قيادتها ، لخوفها الزائد عليّ !

- حسناً ، لنعدّ لحادثة المصّرِف .. 

جيم مقاطعاً : سيدي ، غداً أخرج من المستشفى .. بعدها يمكنني الذهاب معك للغابة ، لعلي أتذكّر ما حصل اذا نزلت الى هناك .. لكن بشرط !! ان نذهب وحدنا .. فالشرطة ستُربكني ، واحتاج للهدوء لتركيز على الأحداث الماضية

المحقّق : إتفقنا !!

***


في اليوم التالي .. رفضت والدة جيم ذهابه مع المحقّق لمسرح الجريمة ، بحجّة إرهاقه .. وطلبت منه ، تأجيلها ليوم الغد

^^^

وعصراً .. استأذن جيم والديه للتنزّه قليلاً ، لتصفيّة ذهنه .. فطلبا منه عدم التأخّر بالعودة..

***


في صباح اليوم التالي .. وفور رؤية جيم لفتحة المصّرف ، أخبر المحقّق بتذكّره ما حصل :

- سيدي ! الآن تذكّرت بأن مايكل (رئيس الشلّة) هو من اقترح نزولنا للمصّرف ، بعد خروجنا من آخر يومٍ دراسيّ قبل عطلة نصف السنة.. وكان المفترض إكتشافه خلال ساعة او ساعتين ، قبل عودتنا الى منازلنا 

المحقّق باهتمام : وهل تذكّرت الطالب ، صاحب القميص الأحمر الذي أقفل عليكم الغطاء ، اثناء انشغالهم باكتشاف عمق المصّرف ؟ ومن الذي تسبّب بجرح رأسك الذي أفقدك الوعيّ ؟

- دعنا ننزل للأسفل ، لربما تذكّرت المزيد من المعلومات


ففتح المحقّق الغطاء الحديديّ ، ليقول جيم بخوف :

- رجاءً سيدي .. إنزل قبلي ، فالعتمة في الأسفل تُرعبني حقاً !

المحقّق : حسناً ، سأضيء لك المكان بكشّافي .. لكن انتبه !! فهناك العديد من الدرجات الزّلِقة


وما أن نزل المحقّق اول درجتيّن ، حتى دفعه جيم من الخلف بقوّة ! ليتدحرجّ على طول السلّم الحديديّ .. ويسقط للأسفل ، صارخاً بألم من كسر قدمه :

- انت الفاعل ، ايها اللعين !!


جيم بابتسامةٍ مستفزّة : (( نعم انا !! وسأخبرك الحقيقة ، طالما لن نلتقي ثانيةً .. فأنا قتلت عمي بوضع زبدة الفول السوداني بطعامه الذي طبخته له ، فهو لديه حساسيّة شديدة منها ، بعد تخلّصي من ادويته.. فترجّاني لإحضار جاره الطبيب .. لكني استمتعت برؤيته يموت ببطء ، لحرمان والدي من ميراث جدّي.. وبعد موته ، سرقت الصندوق الذي رأيته صدفة وهو يخبّئه بخزنةٍ خلف صورة الحائط ، والذي فيه رزماً من الدولارات ! لكني لم استطع مشاركتها مع اهلي ، كيّ لا يكشفا جريمتي ..واكتفيت بتحسين مظهري ، مُدّعياً بأن ملابسي الجديدة هديّة من زميلي الثريّ .. كما أخفيت درّاجتي بمنزل صديقي .. 


وقد أدّى تحسّن مصروفي لإصلاح علاقتي بالمتنمّرين الذين عزمتهم اكثر من مرة في المطعم القريب من المدرسة ، رغم كرهي الشديد لهم لإفساد طفولتي ! وبعد وثوقهم بي.. إقترحت عليهم إكتشاف المصّرف الذي عاينته قبل يومين ، بعد تخبئة حقيبة الطعام التي فيها السلّسلة والقفل الّلتين استخدمتهما بعد تعمّقهم بالداخل ، دون ملاحظتهم انشغالي بقفل المخرج الوحيد للمصّرف ! واحتفظت بالمفتاح في جيبي.. 


وطوال إحتجازنا اسفل الغابة ، إدّعيت المرض والجوع مثلهم.. وكنت انتظر نومهم ، للتزوّد بالطعام والشراب مُستغلاً عتمة المساء ، بعد اطفاء الكشافيّن الوحيدين الّلذين في حوزتنا .. وكان هدفي عقابهم لإسبوع ، عمّا فعلوه بالطلّاب الضعفاء .. لكن للأسف بعد يومين ، أُصيب اريك البدين بإسهالٍ حادّ.. ربما بسبب الفطريات المتواجدة في الزوايا ، كما ستلاحظ بعد قليل .. فطلبنا منه التعمّق للداخل ، لقضاء حاجته .. لنتفاجأ به ، ميتاً هناك ! وبعد موته المفاجئ .. صار صعباً عليّ ، فتح القفل امامهم .. فقرّرت الإنتظار 


وبعدها بيوم .. تشاجر التوأمان بعد سقوط لوح شوكولا من جيبي ، امامهما.. فظنّ كل واحدٍ منهما ، أن الآخر أخفاها عنه .. وسرعان ما تعاركا عليها .. ليمسك برأس أخيه ، ويضربه مراراً بالأرضيّة الصلبة ، الى أن هشّم جمّجمته ! فقمنا بسحب الجثة ، ورميها بجانب البدين الذي بدأ يتحلّل ببطء .. وبسبب قتله أخيه ، إنهار باكياً لساعاتٍ متواصلة .. وفي اليوم التالي ، أصيب بتقيوءٍ مستمرّ من تأنيب الضمير ..ورفض الذهاب لآخر النفق (لعدم نشر الرائحة الكريهة بيننا) لخوفه من الجثتين هناك ، مُدّعياً رؤية ظلالٍ سوداء تحوم حولهما ! فتشاجر معه مايكل (قائد الشلّة) الذي حاول تهدئة حركاته العنيفة ، بالشدّ على رقبته.. مما أدّى لاختناقه بقيّئه ..ولم نستطع إنقاذه ، فمات على الفور ! 


وبقيت انا ومايكل الذي لاحظ باليوم السادس : أن وجهي ليس شاحباً مثله ، وهناك بقايا خبز بين اسناني ! ففتّش جيوبي بالقوّة ، ليجد غلاف حلوى .. فبدأ بضربي ، لعدم مشاركتي الطعام معه .. وتسابقنا على الدرج.. وقبل وصولي الى الفتحة ، لكمته بقوّةٍ على بطنه .. جعلته يتدحرج للأسفل ، كما حصل معك.. ثم أخرجت المفتاح للهرب من المكان الذي امتلأ برائحة الموتى وبقايا فضلاتنا ، لاعتقادي بموت مايكل بعد دقّ عنقه .. لأتفاجأ بصراخه الغاضب بعد معرفته بأنني الشخص الذي سجنهم هناك ! وكنت أوهمتهم سابقاً بأن الفاعل : هو المشرّد المجنون الذي يسكن الغابة ، لرؤيتي له قبل ايام وهو يخرج من المصّرف الذي يعدّه منزله.. وقبل فتحي قفل السلّسلة .. ظلّ مايكل يشتمني اسفل الدرج ، لأن وقوعه القويّ أذى ظهره ، فلم يستطع الّلحاق بي .. واكتفى برميّ حجرةٍ حادّة (بما تبقّى من قوته) أصابت مؤخّرة رأسي ..فسقطت على الأرض ، وانا أشعر بدوارٍ شديد.. بينما كان مايكل يحتضر ، بعد جفاف جسمه من الماء.. 


ويبدو ان نزفي الكثير من الدماء ، أفقدني الذاكرة ! لهذا اختلطتّ عليّ الأمور بشأن المراهق ذوّ القميص الأحمر ، الذي هو انا .. عرفت ذلك البارحة بعد قدومي الى هنا وحدي ، عقب قراءتي العنوان من صحيفةٍ في منزلي.. لأتذكّر كل شيء ، فور رؤيتي لمكان الحادث ! لهذا اشتريت سلّسلة وقفل ، خبّأتهما خلف الشجرة.. وطالما انك مُصابٌ بكسرٍ في قدمك .. سأسجنك هنا ، لتلقى مصير المُتنمّرين .. فأنت أخبرتني ان الشرطة لن تعود لمسرح الجريمة بعد إزالتها جميع الأدلّة ، خلال الأسبوع الذي قضيّته غائباً عن الوعيّ في المستشفى.. وكلّه بسبب فضولك !! كان المفترض عليك ، تقيّد القضيّة ضدّ مجهول.. لكن تطفّلك الزائد ، سيُنهى حياتك.. رجاءً ، سلّم لي على ارواح الملاعيين في جهنم !!))


وبعد إقفاله الغطاء بالسلّسلة ، عاد جيم الى منزله.. غير آبهٍ بصرخات المحقّق الذي يعاني من إصابةٍ بالغة بالقدم .. بعد أن علِقَ في مكانٍ مُجرثمٍ ومهجور ، دون طعامٍ او ماء .. ليواجه مصيراً مُخيفاً ، كما حصل مع المتنمّرين الصغار !


الجمعة، 6 أكتوبر 2023

شبح الإعدام

تأليف : امل شانوحة 

العقوبة المتأخّرة


إستيقظ جاك في منتصف الليل على صوت أنفاسٍ ثقيلة في سريره ! 

فالتفت بضيق ، ليجد شبحاً اسوداً مُستلقي بجانبه .. 

فحاول كتم غيظه ، قائلاً : 

- انت ثانيةً ! ألن تتركني وشأني ؟!


ثم نهض مُتثاقلاً الى دورة المياه ، وهو يقول للشبح :

- إيّاك أن تتّبعني !! اريد بعض الخصوصيّة .. أفهمت ؟!!

***


بعد ساعة .. وأثناء ارتشافه القهوة في غرفته الصغيرة بنزلٍ رخيص ، سمع صراخاً مُزعجاً من خزانة ملابسه !

فرفع الموسيقى في سمّاعات الأذن على اعلى صوت .. وأكمل شرب القهوة ، وهو يتساءل بضيق :

((متى تهدأ صرخاته اللعينة ؟!)) 

***


في عمله الجديد ، كان عليه اجراء مقابلة مع مدير المصنع الذي سأله :

- هل عملت من قبل ؟

جاك : نعم .. في العديد من الأعمال البسيطة ، لكني لم أكمل فيها

المدير بقلق : ونحن بدورنا قمنا ببحثٍ عنك ، وعلمنا ان الشرطة حقّقت معك بأكثر من جريمةٍ غامضة !

- لا دخل لي بالجرائم المذكورة ، فأنا لم أُسّجن في حياتي


وهنا ! ظهر الشبح الأسود من جديد ، واقفاً خلف المدير

فتمّتم جاك بضيق :

- ليس وقتك ، ايها اللعين

المدير : ماذا قلت ؟!

جاك : لا شيء .. سيدي ، انا عاملٌ مجتهد .. واريد العمل في مصنعك ، لأني بحاجة للراتب لدفع الآجار

- بعض معارفك أخبرونا انك سكنت حيّ الأثرياء لسنوات ، بينما تعيش الآن في غرفةٍ صغيرة ! فما السبب ؟


وهنا ! ضحك الشبح ساخراً (دون أن يسمعه المدير).. 

فأجاب جاك بعصبيّة : 

- هل قدمت لخطبة ابنتك ، لكيّ تبحث عن ماضيّ وسجلاّتي العدليّة ؟! فعملي عندك ، يقتصر على وضع بضائعك الرخيصة في كراتين ! .. أتظن أيّ احد يقبل براتبك الزهيد ، لولا حاجته اليه ؟!!


وكما هو متوقع .. تمّ رفضه من الوظيفة ، لعصبيّته الفجائيّة التي يمكن أن تسبّب  المشاكل مع العمّال لاحقاً !

***


في المساء ، عاد جاك الى غرفته الرخيصة .. ليجد إشعاراً من المالك على بابه ، بالطرد خلال اسبوع إن لم يدفع الأجارين السابقين! 


فاستلقى مُتهالكاً على سريره ، ليعود لسماع صرخات الشبح من خزانة ملابسه

فصرخ جاك غاضباً : 

- اللعنة عليك !! ماذا تريد مني ؟ فأنا تبتّ من عملي السابق الذي كان يُغنيني عن التذلّل للناس ، بعد أن كنت قاتلاً مأجوراً موثوقاً به من الأثرياء ورجال العصابات .. وبسبب ظهورك الدائم ، إبتعدت عن عالم الجريمة .. لكن يبدو ان توبتي لم تجعلك تختفي من حياتي ! .. رجاءً إنطلق للسماء ، طالما قُتلت ظلماً.. أعرف انك تعذّبت كثيراً ، لحين خروج روحك .. فصرخاتك لم تهدأ يوماً في عقلي .. لكني حينها ، كنت قاتلاً مُبتدئاً.. ولم أقتل الشخص المطلوب .. فسامحني !! أعترف بأني أخطأت بحقّك .. رجاءً إذهب للجنة ، ودعني في همّي.. ماذا عليّ فعله ، لتختفي تماماً من حياتي؟!!


فإذّ بأوراق الرزّنامة المُعلّقة على الحائط تتحرّك بسرعة ، الى ان سقطت ورقة منها! 

فنهض جاك عن سريره لرؤيتها ، قائلاً باستغراب :

- التاريخ بعد شهرين ! فماذا تقصد ؟!

فصارت الورقة تتحرّك بيده .. فعلم أن عليه إدارتها .. 

ليجد بالجهة الخلفيّة ، رسمة لميزان العدالة !


جاك مُعترضاً : لا !! لن أسلّم نفسي للشرطة .. فجريمتك حصلت قبل عشرين سنة ، وسقطت بمرور الزمن .. كما إنّي بعت بيتي لتزوير هويّتي الجديدة ، للعيش بأمان بعيداً عن العصابات .. لكنك لا تسمح لي بالعمل الحلال !

فاحترقت الورقة بيده ، التي سارع برميها فزعاً !


ليبدأ الشبح بتكسير كل شيء بالغرفة .. فصرخ جاك رعباً : 

- ارجوك توقف !! لا أملك المال ، لدفع ثمنها


وسرعان ما سمع طرقاتٍ عنيفة على بابه ، من مالك النزل الذي صرخ غاضباً :

- جاك !! ماذا تفعل بالداخل يا لعين ؟!! هل تحطّم أثاثي ؟! أحلف انني سأتصل بالشرطة


وقبل أن يجيبه.. قفز الشبح على صدره ، وهو يخنقه بعنف !

فصرخ جاك بصوتٍ مخنوق ، للمالك :

- رجاءً إتصل بالشرطة حالاً ، قبل أن يقتلني الوحش الشرير !!

***


في مركز الشرطة .. لم يصدّق المحقّق كلامه عن الشبح الذي لازمه عشرين سنة ! وذلك بعد اعترافه بجميع جرائمه ، التي قُيّدت سابقاً ضدّ مجهول .. 

ثم تابع جاك كلامه :

- كل من قتلتهم سابقاً ، كانوا افراد عصابات او اناساً سيئين .. ودفع منافسيهم اموالاً كثيرة للتخلّص منهم ، ولست نادماً على قتلهم.. لكن الشبح يعود لرجلٍ طيّب ، تواجد في المكان والزمن الخطأ .. فصاحب القصر المُراد قتله ، أعطاه المفاتيح لإصلاح الكهرباء .. فظننته الشخص المطلوب ، وأصبته برصاصةٍ في صدره .. لكن المسكين لم يمتّ بسرعة ! وتركته يتلوّى في الصالة ، وهو يصرخ بعلوّ صوته الذي مازالت أسمعه حتى اليوم !


المحقّق : انت تعلم انه مرّت سنواتٍ عديدة على جرائمك..

جاك مُقاطعاً : أعلم انها سقطت بمرور الزمن.. لكني لن ارتاح من الشبح العنيد ، قبل محاكمتي عن جرائمي السابقة .. لهذا لا ريد محامياً ، ولا استئناف او تمييّز.. اريد فقط حكم الإعدام ، لأرتاح من تأنيب الضمير

***


وبالفعل حُوكم بالإعدام عن جرائمه السابقة .. 

وفي اليوم المحدّد (أيّ بعد شهرين على تسليم نفسه ، وهو نفسه التاريخ المكتوب بورقة الرزّنامة التي اختارها الشبح) ربطه الحرّاس بكرسي الإعدام .. وخرجوا من الغرفة ، ليواجه مصيره المحتوم ..


وفجأة ! ظهر الشبح الذي تكلّم معه لأول مرة : 

- أخيراً يا جاك ستأخذ العدالة مجراها .. وصار بإمكاني الصعود للسماء بعد حصولي على حقّي.. وأعدك بمراقبة عذابك في جهنم ، وانا أستمتعّ بنعيم الجنة ، بعد قتلك لي ظلماً وعدواناً !


ثم تلاشى الشبح لأجزاءٍ صغيرة ، قبل اختفائه تماماً !

فصرخ جاك بعلوّ صوته :

- لا تشغّلوا الكهرباء !! فاللعين اختفى اخيراً.. لا يمكنكم إعدامي ، فقد سقطت جرائمي بمرور الزمن !! ارجوكم لا تعدمونني ، فقد تعاقبت نفسيّاً بما فيه الكفاية !! اريد محامياً الآن !!!


وظلّ يصرخ دون أن يسمعه احد ، من خلف الزجاج السميك الذي يفصله عن اهالي قتلاه الذين قدموا لمشاهدة اعدامه.. وكل ما رأوه هو تمّتمته بكلامٍ غير مفهوم ، والفزع الواضح في عينيه ! قبل اهتزازّ جسمه بعنف ، بعد تشغيل الكرسي الكهربائي الذي أنهى حياته التعيسة للأبد !


الخميس، 5 أكتوبر 2023

الزفّة المُلتهبة

كتابة : امل شانوحة 

العرس الحزين


بعد فتح بوفيه العرس المُكتظّ بأهالي العروسيّن ، إنشغل الجميع بتناول عشائهم الفاخر وسط اجواءٍ إحتفاليّةٍ رائعة .. حيث انضمّ الشباب والصبايا للعرسان ، لمشاركتهما الرقص على انغام موسيقى صادحة.. الى أن شخصت أبصارهم نحو السقف الذي اشتعل دون سابق إنذار !


وبغضون ثواني .. ضجّ المكان بصراخ المعازيم الذين حاولوا إنقاذ اطفالهم وعجائزهم من القاعة المُحترقة ..

بينما حضن العريس زوجته بذهولٍ تام ، وهما يراقبان عائلاتهما تحترق امام أعينهما !


وقبل استيعابهما لحجم الكارثة .. سحب مُتعهّد الأعراس يد العروس من عريسها ، وهو يقول له :

- سأهرّبها من جهة المطبخ !! إسرع بإنقاذ والدك وأخيك ، فهما يحترقان


وهنا انتبه العريس على صراخ اهله ! فانطلق اليهم.. 

بهذه الأثناء .. إضّطر المُتعهّد لحمل العروس المُنهارة ، بعد دوّس المعازيم الخائفة على طرف ثوبها الطويل ..


وبعد وصولهما للمطبخ ، أُغميّ عليها فجأة !

***


لتستيقظ في اليوم التالي ، فوق ارجوحةٍ قرب بحرٍ صافي ! 

فظنّت انها شاهدت كابوساً مُفزعاً .. ونادت عريسها الذي وعدها بسفرةٍ سياحيّة كهديّة شهر العسل .. 


لتنصدم برؤية مُتعهّد الأعراس ببنطالٍ قصير ! وبيده زجاجة الخمر ، وهو يقول بابتسامةٍ عريضة :

- أخيراً استيقظتي !!.. صباحيّة مُباركة يا عروس

العروس بصدمة : من انت ؟! ..واين انا ؟!

- أنسيتيني بهذه السرعة ؟! انا من رتّبت عرسك

- واين عريسي ؟!

فأجابها بلؤم : تفحّم مع اهله وعائلتك

فانهارت بالبكاء ، بعد تأكّدها إن ما شاهدته البارحة لم يكن حلماً !


بينما جلس هو على الكرسي بجانب أرجوحتها ، لشرح ما حصل بهدوءٍ مُستفزّ :

- ماذا أفعل بقلبي الذي ذاب عشقاً بكِ من النظرة الأولى التي أتيتِ فيها مع خطيبك الى مكتبي ، لتنظيم عرسكما ؟ .. ومن يومها وانا أخطّط لخطفك من كل معارفك.. فدهنت سقف الصالة بسائلٍ سريع الإشتعال .. وفي اللحظة المناسبة ، زوّدت قوّة المُفرقعات .. بعد أن طلبت من النُدُل وضع بوفيه الكحول على جانبيّ المدخل الوحيد للقاعة ، لكيّ ينفجرّ مع الحريق ، لمنع المعازيم بما فيهم الموظفين (الشهود) على الهرب.. كما أقفلت باب المطبخ بعد تهريببك منه ، عقب وضعي قماشة المخدّر على انفك .. ثم وضعتك بسيارتي المتوقفة خارج المطبخ.. وانطلقت بكِ الى مطارٍ صغير ، خاصّ بالطائرات الشراعيّة .. وذلك بعد قيامي بتغيّر ملابسك ، ورميّ فستانك المحترق أطرافه في حاوية النفايات.. ثم حلّقت بطائرتي الخاصّة الى جزيرة الكاريبي ، التي سمعتك تُخبرين عريسك بأمنيّتك قضاء شهر العسل فيها.. ويبدو ان المخدّر الذي نوّمتك به ، قويّ المفعول ! لأنك أضعت على نفسك أجمل ليلة عرس ، والتي أصبحتِ فيها زوجتي بالفعل


فصفعته بقوّة :

- يا ملعون !! من سمح لك بخطفي من زوجي ، وحرماني من اهلي !! أعدني فوراً الى بلادي !!!

فأجابها ببرود : 

- مستحيل !! فقد دفعت مبلغاً كبيراً لخرّيج سجون ، لتزوير هويّتنا الجديدة مع شهادة زواجنا.. ولا يمكنك الخروج من هذه الجزيرة ، إلاّ باليخت الذي أملك مفاتيحه .. وستبقين معي ، الى أن تُغرمي بي فعلاً..

ورفع كأسه ، وهو يقول بفخر : 

- في صحّتك يا عروس !!


وضحك ساخراً وهو يحتسي الخمر ، تاركاً العروس تُعاني من أكبر صدمةٍ في حياتها !


الثلاثاء، 3 أكتوبر 2023

المسابقة الإنتقامية

تأليف : امل شانوحة 

العمارة المهجورة 


في ذلك العصر ، وبيوم عطلةٍ رسميّة للصين .. إرتفع رنين جرسٍ مزعج ، أيقظ ثلاثة رجال وامرأتيّن من إبرة التخدير ! 

ليجدوا أنفسهم مُعلّقين بالحبال (بزيّ مُنظفيّ الزجاجّ) في الطوابق العليا لناطحة سحابٍ مهجورة !  


وقبل إستيعابهم ما حصل ! سمعوا رجلاً يقول من مكبّر صوتٍ ، مُعلّق على السطح (الذي يبعد اربعة طوابق عنهم) : 

- اهلاً بكم في مسابقتي الإنتقاميّة !! 

فبدأوا بالصراخ بعد رؤيتهم المسافة الشاهقة التي تفصلهم عن الأرض ، وهي (١٢٠ طابقاً) !


وتحدّث الصوت المجهول (الذي يراقبهم من طائرة درون صغيرة تحلّق فوقهم) قائلاً :

- أنصحكم بعدم التحرّك !! فهذه الحبال وطنيّة ، وأنتم تعرفون جودة بضائعنا الصينيّة .. لهذا يمكنكم السقوط في أيّة لحظة 

فصرخ أحدهم : ماذا تريد منا ؟!!

الصوت : سأسألكم بضعة أسئلة عن ماضيكم .. ومن يجيب إجابةً صادقة ، أرفعه للسطح .. والناجي منكم ، يستخدم السلالم للنزول .. فلا مصاعد بهذه العمارة التي توقف بنائها ، لمشاكل في الأساسات ! ..وكما ترون !! لا يوجد عمارات قريبة منه ، ولن يسمع احد صراخكم .. لذا حاولوا الإجابة على اسئلتي ، قبل حلول المساء.. سأبدأ اولاً مع أكبركم سنّاً : انت تعمل في مختبرٍ طبّي ، اليس كذلك؟


فأجابه الرجل (الخمسينيّ) مُرتجفاً (لخوفه من المرتفعات) : 

- نعم سيدي

الصوت : وعملك هو وضع التراكيب الكيمائيّة في علبٍ مُطهّرة ، لتوزيعها على  الصيدليّات ؟

- نعم سيدي

الصوت : وهل اخطأت يوماً في عملك الدقيق ؟ 

فأجابه الرجل بارتباك : لا ، سيد..

وقبل إكمال كلامه ، انقطع حبلٌ من الحبال الثلاثة المُعلّقة في بذلته .. جعلت الجميع يصرخون فزعاً !!!!

  

الصوت مُهدّداً : لا تكذب عليّ !! وإلاّ سأقطع بقيّة حِبالك .. فأنا اعرف غلطتك السابقة ، لذا عليك إجابتي بصدق

الرجل وهو ينهجّ بخوف : حاضر سيدي

الصوت : إخبرني ماذا حصل ؟

- سقط مسحوقٌ آخر داخل الوعاء الذي أخلط فيه التركيبة الكيميائيّة ..فخفت أن يراني المراقب .. وأكملت تعبئة الجرعات ، دون إبلاغ الإدارة عن الخطأ

الصوت : وكم علبة دواءٍ عبّأت من الجرعة الخاطئة ؟ 

- واحدة فقط

فانقطع الحبل الثاني..


الصوت بعصبية : أجبني بصدق !!

الرجل وهو يكاد يُغمى عليه من الرعب : 

- عشرون !! .. عشرون علبة ، سيدي

الصوت : وما مفعول المسحوق المُضاف الى الدواء ؟

- يُضاعف العوارض الجانبيّة

الصوت : وكنت تعرف ذلك مُسبقاً ؟

الرجل : نعم

الصوت : ومع ذلك أكملت عملك ، مُعرّضاً عشرين مريضاً لأعراضٍ مميتة ؟

الرجل وهو منهار بالبكاء : انا آسفٌ حقاً

الصوت : ماذا كان سيحصل لوّ أخبرت المراقب بالخطأ ؟

- كان طردني .. لأن عليه رميّ التركيبة بالكامل ، وهذا سيكلّف المختبر خسائر ماديّة ، تبلغ ضعف راتبي 

الصوت : طردك كان أفضل من قتلك الأبرياء ، ومنهم امي ايها اللعين !!


وقبل أن يستوعب الرجل جريمته ، انقطع الحبل الأخير .. ليسقط ميتاً ، اسفل بقيّة المشتركين الذين تجمّدوا من شدة الرعب !  

^^^


الصوت : والآن لنتابع المسابقة مع سيدتنا الأولى !!

المرأة بخوف : سيدي ارجوك .. انا لم أفعل أيّ غلطٍ في حياتي

فانقطع حبلها الأول..


الصوت : إستعجلتي بالكذب .. دعيني اسألك اولاً

فظلّت تبكي بخوفٍ شديد ..

الصوت : ماهو عملك ؟

- معلّمة حضانة

الصوت : وهل ضربتي اطفالاً من قبل ؟

- لا ابداً !!

فانقطع حبلها الثاني..


الصوت بعصبية : الا تفهمين يا غبيّة !! انا اعرف الإجابات سابقاً 

فقالت بصوتٍ مرتعش : ضربت ولداً صغيراً ، لوّث ملابسه في الصفّ 

الصوت : الم يطلب منك دخول الحمام ؟

- أدخلته مرتين في الحصّة الواحدة !

الصوت : ألم تعلمي انه مصاب بالسكّري ، ولديه حالةً مرضيّة ؟

فسكتت بضيق ..


الصوت بغضب : تكلّمي !! فمازال امامك حبلٌ واحد ، لتموتي

- نعم .. أخبرتني المديرة بالتقرير الطبّي الذي أحضرته امه .. وأن عليّ السماح له دائماً بدخول الحمام .. لكنه اراد الذهاب في منتصف الإمتحان ، ولم اردّه أن يغشّ خارج الصفّ

الصوت : وبسبب إذلاله امام اصدقائه ، رفض الصبيّ تناول ادويته ثانيةً ..لرغبته بالبقاء مريضاً ، كيّ لا يعود للمدرسة .. فتوفيّ بعدها بإسبوع

- لم أكن اعلم ! ظننته انتقل لمدرسةٍ أخرى  

الصوت بغيظ : هذا الصبيّ هو ابن اخي ، يا حقيرة !!

وانقطع حبلها الأخير ، لتسقط ميتة امام بقيّة المشتركين الفزعين !

^^^


الصوت : والآن دور الشاب الثاني !!

الشاب بفزع : سيدي ، انا لم..

الصوت مقاطعاً : لا تقمّ بذات خطأ الحمقاء ، والتزم الصمت لحين سؤالك

- حاضر سيدي

الصوت : ماهو عملك ؟

- قطع الأشجار

الصوت : تقصد تهذيب حدائق المنازل ؟

- نعم سيدي

الصوت : ما أكبر ذنبٍ في حياتك ؟ ..وإيّاك والكذب !!


الشاب : قطعت غصن شجرةٍ ضخمة قرب سور منزل ، دون انتباهي على مرور ولدٍ بدرّاجته على الرصيف المُلاصق لهم .. فسقطت على رأسه !

الصوت : وأُصيب بالعمى

- هل هو قريبك ايضاً ؟!

الصوت : كان صديق ابني في المدرسة التي تركها للتعلّم بمدرسة المعاقين ، فأصيب ولدي بالإكتئاب لخسارته صديقه المفضّل .. ولأن ذنبك كبير بعد تدميرك حياة ولدٍ صغير ، فأنت لا تستحق الفرص الثلاثة

وانقطعت حباله الثلاثة معاً ، ليسقط ميتاً !

***


الصوت : والآن دور الرجل الأخير !!

- سيدي ، سأخبرك بكل شيء

الصوت : ممتاز !! هكذا لن تتعبني

الرجل : انا مقاولٌ نزيه ..واخطأت مرةً واحدة في حياتي ، عندما ترجّاني والدٌ فقير لقبول بناء غرفة فوق كوخه المتهالك ، لتزويج ابنه الشاب فيها .. وأحلف انني لم آخذ رشوى مقابل ذلك ، فحالتهم الماديّة سيئةٌ للغاية 

الصوت : أتعلم ما حصل بعدها ؟

- علمت لاحقاً بانهدام البناء ، وموت العائلة بكاملها .. فهل تعرفهم ايضاً ؟! 


الصوت : كانوا جيراني بالحيّ القديم ، قبل أن أصبح ثريّاً .. وقد حزنت على وفاتهم .. ولأنني مُخطئٌ مثلك لعدم مساعدتهم ماديّاً ، سأسمح بصعودك للسطح دون استخدام الحبال .. فنجاتك متوقف على قوّة اصابعك 

فنظر الرجل لفوق : اربعة طوابق ! هذا مستحيل

الصوت بلؤم : او أقطع حبالك !! لتلقي حتفك ، كرفاقك.. فماذا تختار ؟

الرجل بخوف : حسناً موافق .. لكني بعيدٌ عن الجدار 


وإذّ بحباله تترنّح (عبر تحكّم الثريّ بها ، أوتوماتيكيّاً عن بعد) .. الى أن أمسك الرجل بحافّة نافذةٍ مكسورة .. 

وفجأة ! انقطعت حباله .. ليتمسّك أكثر بالحافّة ، بعد خسارة وسيلة نجاته الوحيدة !

الصوت : 

- هيا يا بطل !! حاول الصعود وحدك ، لحين انهاء عملي مع السيدة الأخيرة

^^^


وبيننا يستلّق الرجل بحذر الى فوق ، تكلّم الثريّ معها :

- أتدرين ماهو ذنبك ؟

المرأة بحزن : انا ممرّضة ، وربما قسوت قليلاً مع المرضى

الصوت : بما فيهم خطيبتي التي وصفتها بالفاسقة ، لحملها قبل الزواج 

- انا من عائلةٍ متديّنة ، لهذا..

الصوت غاضباً : ما لا تعرفينه يا جاهلة !! انه اعتدى عليها ثلاثة رجالٍ سكارى.. وطلبت منها إسقاط الجنين .. وهي أطهر إنسانة عرفتها في حياتي !! وبسبب استحقارك لها ، انتحرت فور خروجها من المستشفى .. وبذلك خسرت حبيّ الأول .. وعندما أجد الرجال الثلاثة الملاعين الذين حطّموا قلبيّنا ، سأعلّقهم مكانك من اقدامهم .. وسأتلذّذّ بتعذيبهم عن طريق..

 

وقبل إكمال كلامه ، تعثّر المتسابق السابق بحافّة شرفةٍ مكسورة .. ليسقط مباشرةً فوق السيدة الذي تمسّك بقدمها .. 

ولم تتحمّل الحبال ثقل إثنين ، فانقطعت .. ليسقطا معاً للأسفل !

فضحك الثريّ ساخراً : فعلاً بضائعنا الصينيّة رخيصةٌ للغاية ، وتستحقّ الإتلاف ! 

^^^


وبموت المتسابقين الخمسة ، أعاد طائرة درون الى سيارته الفارهة المتوقفة اسفل ناطحة السحاب .. وهو يقول لسائقه : 

- إغسل سيارتي جيداً ، قبل إعادتها للقصر .. فالجثث الخمسة التي سقطت قُربنا ، لطّختها بالدماء

السائق : حاضر سيدي.. (ثم سكت قليلاً).. هل تسمح لي بسؤال ؟ 

الثريّ : قلّ ما عندك 

- هل جميعهم أذوا أقاربك بالفعل ؟

الثريّ : لا ، قرأت عن اخطائهم بالصحف المحليّة .. وأغاظني إفلاتهم من العقاب ، لذلك قرّرت معاقبتهم بنفسي.. وسأشارك فيديو المسابقة مع اصدقائي (من الطبقة المخمليّة) بسهرة الأحد ، فهم يحبون أفلام الأكشن 


وضحك بعلوّ صوته ، بينما تبتعد سيارته عن الساحة المهجورة التي ينوي استخدامها ثانيةً مع متّهمين جدّد ، لتسليّته كلما شعر بالمللّ !


الحوت الوحيد (قصة للأطفال)

تأليف : امل شانوحة  التردّد المنخفض في أعماق المحيط الأزرق ، وُلد حوتٌ صغير لم يكن كبقية الحيتان.. صوته الضعيف ، بالكاد يُسمع ! حتى أمّه لم ...