الجمعة، 17 فبراير 2023

أصدقاء للأبد

تأليف : امل شانوحة 

جمعنا القدر !


بعد إنتقال لؤيّ الى صفّه الثالث في مدرسته الجديدة ، صار يخبر والديه باستمرار عن صديقه الجديد وليد .. 


وبعد شهور ، عرفا أن وليد بالصفّ السادس ! فارتابا من الموضوع ، وسألاه عن سبب مصاحبته لولدٍ اكبر منه ؟!

فأجابهما لؤيّ : لا ادري ، هو يعاملني جيداً ..وأحياناً يشتري لي الحلوى من مصروفه

الأم : وكيف تعرّفت عليه ؟


لؤيّ : كان هناك طالباً في صفّي يتنمّر عليّ ، لأني تلميذٌ جديد .. وعندما حاول ضربي في الملعب ، دافع عني وليد ببسالة .. ومن يومها صار يرافقني بفرصة الغداء ، ويدرّسني المواضيع التي لم أفهمها بالفصل

الأب بقلق : هل حاول التقرّب منك بطريقةٍ غير لائقة ؟

لؤيّ : لا ابي ، هو يعاملني بلطفٍ فقط

***


في احد الأيام ، طلبت المعلّمة أن يكتبوا نصّاً عن الأم..  فأراد لؤيّ أن يستلهم موضوعه من صور امه القديمة .. 

فبحث في خزانتها اثناء إنشغالها بالطبخ ، ليجد صورة عرسها مع والده ..


كما وجد صورةً قديمة لها (مُمزّقة من النصف) وهي بفستان عرسٍ مُغاير ! وصورةٌ أخرى وهي تحمل طفلاً على وجهه وحمةٍ زهريّة! 


وهنا سمع امه تعاتبه ، بعد دخولها الغرفة :

- لؤيّ ! لما تبحث في اغراضي دون إذني ؟!

فأراها الصورة ، وهو يسألها باهتمام : هذا الطفل لا يشبهني ! فمن هو ؟

فأجابته بارتباك : إبن أحد اقاربي

لؤيّ : لكن وحمته على شكل قلب ، وهي تشبه التي في وجه صديقي وليد !


فسألته باهتمام عن اسم صديقه بالكامل .. وحين أخبرها ، أدمعت عيناها وهي تعيد الصور مكانها .. ومن بعدها التزمت الصمت طوال اليوم !

***


في الصباح التالي ، تفأجأ لؤيّ بأمه تحتضن وليد باكية خارج المدرسة ! 

وحين اقترب منهما ، سألته امه : 

- أهذا هو صديقك المفضّل ؟

لؤيّ : نعم

فردّ وليد : سبحان الله ! أحببته دون علمي بأنه اخي الصغير

لؤيّ بدهشة : اخوك !

الأم : نعم بنيّ ، هذا ابني البكر .. فبعد طلاقي من والده ، سافر به للخارج ..ولم اره بعدها !

وليد : وبعد وفاة ابي ، إنخطبت زوجته .. فأعادتني الى هنا ، لتتزوج من جديد


الأم : وتسكن الآن عند جدتك ؟

وليد : نعم ، ام والدي ..لكنها مريضةٌ جداً ، وبالكاد تهتم بي

الأم بقلق : وكيف عاملتك زوجة ابيك ؟

وليد بقهر : كانت تضربني بغياب والدي ، وتعاملني بلطف امامه !

الأم بغضب : اللعنة عليها !!

وليد : هي لديها طفلٌ الآن ، فليسامحها الله


لؤيّ : امي .. طالما وليد اخي ، فدعيه يعيش معنا 

الأم : عليّ سؤال والدك اولاً

وليد : اريد رؤيتك مجدّداً يا امي ، فأنا لا اعرفك جيداً 

الأم : سأراك دائماً ، أعدك بذلك .. وأشكرك لاهتمامك بأخيك الأصغر

ثم ودّعهما وليد ، ذاهباً لمنزل جدته 

^^^


بينما عاد لؤيّ مع امه لإخبار والده بالخبر المفاجىء الذي أزعجه تماماً ، رافضاً إحضار وليد الى منزله ، ومقترحاً على زوجته تغيّر مدرسة ابنه 

لكن لؤيّ رفض الإبتعاد عن اخيه الذي تعلّق به جداً منذ بداية السنة

***


بعد ايام ، لم يعد لؤيّ الى بيته ! 

فاتصل والداه بمديرة المدرسة التي اتصلت بسائق الحافلة الذي اخبرهم بأن الولدان نزلا لنفس العمارة .. فعرفت الأم انه رافقه الى شقة جدته !

^^^


فأسرع الوالدان الى هناك .. وصعدت الأم وحدها الى شقة حماتها القديمة التي استقبلتها بجفاء :

- الا يكفي انك بليّتني بوليد ، أتريدينني أيضاً أن أربّي ابنك الثاني ؟!!


فطلبت الأم من لؤيّ إحضار حقيبته ، للعودة الى المنزل..

لكنه أصرّ على البقاء مع اخيه .. فطلبت من زوجها الصعود ، وإقناعه بالعودة معهما .. لكن لؤيّ ظلّ مُمسكاً بقوة بيد اخيه ، رافضاً تركه او الإبتعاد عنه ! 

مما أجبر والده على قبول طلبه ، بأخذ وليد الى منزلهم .. لكن بشرط : البقاء لإسبوعٍ واحدٍ فقط 

***


خلال هذا الإسبوع .. راقب الأب وليد من بعيد ، خوفاً من تعليمه لؤيّ الفاظٍ وسلوكيّاتٍ سيئة .. لكنه تفاجأ بحسن خلقه ، ومساعدته لأخيه الأصغر بدروسه ..وتعليمه الوضوء والصلاة ! 

كما قام وليد بترتيب المنزل ، والطبخ مع امه التي كانت سعيدة بضمّ ولديها معاً .. مما جعل الأب يمدّد إقامته لشهر ، حتى بدء عطلة نصف السنة الدراسيّة ..

^^^ 


وفي أحد الأيام ، ذهب وليد معه للسوق .. حيث أُعجب الأب برزانته وحمله للأغراض ، وعدم طلبه الحلويات كبقيّة الأولاد.. بل كان متحمّلاً المسؤوليّة كشابٍ صغير ، حتى ارائه اكبر من سنه ! 

فتمنّى الأب أن يكبر لؤيّ ، ليشابه اخاه الأكبر بحسن تصرّفه وسلوكه

***


وفي يوم العطلة ، لعب الصغيران السلّة بحديقة المنزل .. فخرجت الكرة الى الشارع .. فأسرع لؤيّ للّحاق بها .. ووالده يراقب الوضع من النافذة العلويّة ، الذي لمح شاحنةً تمرّ بسرعة من هناك ! 

وقبل صراخه ، مُحذّراً ابنه .. أسرع وليد لدفعه من ظهره ، جعله يصل سالماً للرصيف المقابل .. بينما دُهس هو تحت عجلات الشاحنة !

وكانت الصدمة عنيفة ، هزّت العائلة بموت البطل الصغير

***


بنهاية العزاء .. وقف الوالدان امام القبر ، وهما يراقبان لؤيّ وهو يضع لعبته المفضّلة قرب شاهد اخيه ، وهو منهار بالبكاء .. 

في هذا الوقت علم الأب بحكمة ربه من لقاء الأخوين بعد هذه السنوات : وإحضاره منزله ، لإنقاذ لؤيّ من موتٍ محقّق

***


في الطريق ، حاول الأب التخفيف عن ابنه :

- كنا نريد إخبارك بمفاجأةٍ سارّة قبل ايام ، لكننا انشغلنا بالعزاء  

لؤيّ وهو يمسح دموعه : ماهي المفاجأة ؟ 

الأب : أمك حامل 

لؤيّ : أتقصد انه سيصبح لديّ أخاً جديداً ؟! 

الأم : او اخت .. ماذا تتمنّى ؟

لؤيّ : أخّ ، ونسميه وليد .. وهذه المرة ، انا من سيعتني به 


فكتمت الأم دموعها بعد أن خنقتها العَبرة !


الثلاثاء، 14 فبراير 2023

العيد البغيض

تأليف : امل شانوحة 

مقالبٌ جارحة


دخلت الصبيّة الثريّة الى عيادة الدكتورة النفسيّة وهي تحمل صندوقاً ، وضعته امام مكتبها وهي تقول :

- والدي يصرّ أن تعالجينني مع اقتراب عيد الفالنتاين اللعين

الطبيبة : نعم ، أخبرني عن مشكلتك مع هذا اليوم تحديداً.. لكن إخبريني اولاً : مالذي في الصندوق ؟

ففتحته امامها وهي تقول :

- جمعت هدايا احبّائي بهذا العيد في سنوات الدراسة ، إلى آخر هديّة حصلت عليها قبل ثلاث سنوات .. سأريهم لك


((وكانت هدايا مرحلتها الإبتدائية عبارة عن : العاب باربي ، واساور وعقود ملوّنة  بلاستيكيّة ، وأربطة شعر ، ودفاتر رسم.. 

اما مرحلتها المتوسطة : فدفاتر مذكّرات وحصّالات ، وقمصانٌ حمراء ، ورسائل غزل بريئة.. 

وبالثانويّة : علب مكياج وعطور.. 

اما في الجامعة : فكانت اشرطة موسيقيّة ودباديب حمراء.. 

اما في سنواتها الأربع الأخيرة : فكانت هدايا خطيبها من تذاكر سينما وحفلات موسيقيّة وخاتمٌ ذهبيّ))


ثم قالت بقهر :

- جميعهم إنفصلوا عني بعد العيد بأيام ، لهذا تشاءمت منه 

الطبيبة : الهذا تصرّين على إفساد العيد على المحبّين ؟!

- ضعي نفسك مكاني .. كنت سأتزوج بعيد الفالنتاين قبل عامين ، حينما اكتشفت خيانة خطيبي .. فخرجت غاضبة من منزله .. وفي الطريق ، شاهدت شاباً احمقاً يزيّن سيارةً صغيرة بالشريط الأحمر عند باب المعرض كهديّة لحببيته .. فوجدّت نفسي أجرح بابها بمفتاحي ..وهربت قبل انتباهه عليّ 

- هكذا أفسدتِ هديّته تماماً ، فإصلاح ذلك يحتاج لأيام عند الميكانيكيّ!

الصبيّة بابتسامةٍ ماكرة : طبعاً !! وبذلك يفوّت عيد الفالنتاين ، كما حصل معي


الطبيبة : وماذا عن بقيّة ضحاياك ؟

- في السنة التالية .. إستأجرت مقعداً بين كل مقعدين في السينما المخصّصة للمحبّين كيّ أفصل بينهما ، وأمنعهما من الإستمتاع بالفيلم.. (ثم ضحكت).. اليست فكرةً رائعة ؟ بل الأجمل انني تطوّعت بتغليف الهدايا بمتجرٍ في مول.. حيث تعمّدت على كسر الهدايا الزجاجيّة والإلكترونيّة .. وطباعة الشتائم على اكواب الهدايا ..وتمزيق القمصان المتشابهة بين المحبّين .. ورشّ رائحةٌ قذرة على الدباديب الحمراء قبل تغليفها .. وحفر القابٌ مسيئة على العقود والأساور ، لفصل العشّاق السخفاء.. وبعد طردي من هناك ، تذكّرت انه يمكنني فعل ذلك بشركة والدي الخاصّة بالبريد ! فتنكّرت تحت قناعيّ الطبّي ، وقمت بالشيء ذاته مع هدايا الحب ..


الطبيبة : نعم أخبرني والدك عن شكوى العملاء السنة الفائتة ، وانك كدّت تفلسين شركتك بفعلتك الشنيعة .. وطلب مني علاجك سريعاً ، لأن موظفيه مشغولين في الأيام القادمة بإرسال هدايا المحبّين

- بالرغم من وضعه كاميرات مراقبة وحرّاس على باب شركته ، مازال يخشى خططي الخبيثة ! .. بصراحة معه حق ، فأنا اكره هذا العيد المليء بالنفاق والمشاعر الكاذبة


وهنا ! استأذنت الطبيبة للردّ على مكالمةٍ خاصّة ، والتي تكلّمت فيها بهمسٍ وبابتسامةٍ خجولة .. 

وبعد إغلاق جوالها ، قالت للمريضة :

- آسفة على المقاطعة 

الصبيّة : يبدو من وجهك المحمرّ بأنه إتصال من حبيبك ؟

الطبيبة بخجل : نعم ، كان يخبرني بإرساله هديّة لي

- اذاً لن أطيل عليك.. سأرحل قبل انتهاء جلستي ، لتفرحي بهديّتك القادمة ..واخبري والدي انني تعالجت ، فالموضوع لم يعدّ يهمّني

- أتقولين الصدق ؟

الصبية : طبعاً ، وأعدك بأن لا اؤذي المحبّين مجدداً .. فهم محظوظين بعكسي ، وعليّ تقبل الأمر


وودّعتها ورحلت.. لكنها لم تبتعد عن العيادة ، بل ظلّت تنتظر بسيارتها قدوم ساعي البريد..


بعد ساعة ، رأته يحمل صندوقاً زهريّاً وباقة من الورد ! فنزلت من سيارتها الفارهة ، لإيقافه قبل دخوله العيادة..

***


بعد قليل .. خرج ساعي البريد من العيادة ، وهو يقول :

- فعلت ما طلبته مني

فأعطته الصبيّة رزمة من المال


من بعدها تنصتّت على باب العيادة ، وهي تستمع لصرخات الطبيبة الفزعة .. بعد وضعها الصراصير في علبة الشوكولا الفاخرة من حبيبها !


الصبيّة : آسفة دكتورة .. لكني اكره عيد الفالنتاين ، وأستمتع بتعذيب العشّاق الحمقى ..يبدو انها هوايتي الجديدة !


وأعادت ما تبقى من مرطبان الحشرات المقرفة الى صندوق سيارتها المليء بالألعاب الناريّة والدُمى المؤذية التي تنوي توزيعها على منازل المخطوبين من معارفها واصدقائها .. 


كما عقدت العزم على إستثمار ثروة امها المرحومة بإنتاج برنامجٍ تلفزيونيّ لتخيير المحبّين بين عرسٍ يجمعهما او حقيبةٍ من المال .. وهي تعرف جيداً بأن الأكثريّة سيفضّلون المال على الحب .. 

قائلةً بنفسها بفخر : 

((أظن ابليس سعيداً بخططي الجهنميّة)) 

وقادت سيارتها ، وهي تبتسم بمكر !


الأحد، 12 فبراير 2023

جزيرة الشوك

*تأليف : امل شانوحة* 

المعلّم الصبور


كان من المفترض وصول الطائرة العسكريّة بركّابها **عشرين** سجينًا من المراهقين، بعد نقلهم بأمرٍ إداريّ من سجن الأحداث في مدينتهم الصغيرة إلى سجن العاصمة، بسبب جرائمهم العنيفة التي تجاوزت أعمارهم، والتي تراوحت بين 13 و19 سنة، بحراسة 4 من الشرطة الشباب، وقائدهم جاك الذي سيتقاعد فور انتهاء هذه المهمّة بعد تجاوزه الستين عامًا.


وكانت الرحلة ستمرّ على خير، لولا وجود المشاغب إريك الذي سيبلغ عامه العشرين بعد شهرين، وبعدها سيُنقل إلى سجن الكبار لإكمال سنواته الخمسة المتبقية من حكمه، بعد قتله أفراد عائلته (والداه وأخوه الأكبر) بحرق منزلهم أثناء نومهم، مع إصراره على عدم البوح بأسباب الجريمة التي قام بها بعمر 12 سنة، ممّا يؤكّد على عقليّته الإجراميّة الخطيرة!


ولعدم رغبته بالانتقال إلى سجن البالغين، قام بحيلةٍ أربكت ركّاب الطائرة: بعد طلبه من الشرطي المُراقب الذهاب إلى دورة المياه، أثناء وجود زميله بالداخل، مدّعيًا آلامًا شديدة في مصرانه.

فاضطرّ الشرطي لنقله تحت تهديد السلاح إلى حمّامٍ ثانٍ قريب من كابينة الطيّار، ومنعه من إغلاق بابه!


ولأن مدخل الحمّام بعيدٌ عن أنظار الركّاب والشرطة، لوجوده خلف غرفة الطعام، سارع بغرز مسمارٍ صدئ في رقبة الشرطي (كان وجده على أرضيّة الحافلة التي نقلتهم إلى الطائرة، واحتفظ به في ثيابه).

ثم سحب جثته إلى داخل الحمّام، بعد سرقة مفاتيحه، لفكّ سلسِلة قدميّه.


ليُفاجئ الطيّار باقتحام كابينته، مُشهِرًا السلاح في وجهه، وهو يأمره بالهبوط على أوّل يابسة يراها، قبل وصولهم إلى العاصمة.


وبسبب إقفال إريك باب الكابينة من الداخل، اضطرّ الطيّار لالتزام الصمت وعدم الإجابة على سؤال موظّف المراقبة في المطار، بعد رؤيته انحرافًا في مسار الرحلة! كما أجبره على إقفال اللاسلكي تحت تهديد السلاح.


ومن بعدها بدأت عمليّة الهبوط فوق جزيرةٍ في البحر، رغم إخبار الخاطف بخطورة الموقف.

الطيّار بقلق: الجزيرة صغيرة، والطائرة تحتاج مدرّجًا طويلًا للهبوط بسلام… دعني أبحث عن مكانٍ أفضل.

إريك بحزم: قلتُ اهبط هنا، وإلّا أطلقتُ النار على رأسك!!


وسرعان ما علا صراخ المساجين والشرطة بعد هبوطٍ حادّ للطائرة، وبالكاد استطاعوا ربط أحزمتهم بفزعٍ شديد!

***


كان القائد جاك أوّل من جرفته الأمواج نحو الشاطئ، بعد انخلاع باب الطائرة القريب من مقعده، جعله يطير في الهواء عقب تمزّق حزام الأمان الخاصّ به!


وبعد وقوفه على قدميه فوق الجزيرة النائية، لاحظ أجسام المساجين تطفو قرب الطائرة التي اندلعت بها النيران.

ولأنه بطل سباحة في فترة شبابه، تمكّن من إنقاذ تسعة مساجين، من بينهم إريك الذي تسبّب بقتل بقيّة الركّاب!

***


بعد استرداد المراهقين التسعة أنفاسهم على الجزيرة، هلّلوا فرحًا بغرق طائرتهم فور شعورهم بالحرّية.

بينما كتم جاك حزنه لموت رفاقه، كما خوفه من البقاء وحده مع المساجين المشاغبين الذين تميّزوا بتمرّدهم على القوانين!


وقطع أفكاره صوت إريك وهو يقول بلؤم:

- ألم تمتْ بعد، أيّها العجوز؟!

جاك معاتبًا: أهذا جزائي لأنّي أنقذتك من الغرق؟

إريك: لا فضل لأحدٍ عليّ!! وكنتُ سأجد طريقةً لإنقاذ نفسي… أساسًا أنا من اخترت هذه الجزيرة.

جاك بقلق: ماذا تقصد؟!


فبدأ يتفاخر أمام زملائه بما فعله، فهجم جاك عليه:

- أيّها اللعين!! قتلتَ الطيّار و11 مراهقًا و4 شرطة… أيّ 16 شخصًا لديهم عائلات في انتظارهم!


فدفعه إريك بعيدًا عنه، ليسقط العجوز بقوّة على ظهره، ثم اقترب مهدّدًا:

- اسمع أيّها الخرف، أنت رهينةٌ هنا… فنحن من سنحكم جزيرتنا، وسنجعلك عبدًا لنا… من يوافقني الرأي؟!!


فرفع خمسة أشرار أيديهم، وهم يبتسمون بخبث، بينما التزم الباقون الصمت، لخوفهم من إريك المعروف بتصرّفاته غير المتّزنة!

***


كان الوقت عصرًا عندما تفرّق المراهقون لاكتشاف الجزيرة الصغيرة، بعد تقييد العجوز بأصفاده في شجرة جوز الهند.


وظلّوا يسرحون ويمرحون بحرّية، حتى قاربت الشمس على المغيب، فناداهم العجوز:

- عليكم إشعال النار، وإلّا ستمرَضون من برودة المساء!!

فاقترب منه إريك:

- أنت الوحيد الذي سيبرد أيّها العجوز… أمّا نحن، فيمكننا تحمّل البرد.

جاك: صدّقني، برد المساء لا يُحتمل… وإن كنتَ تجهل طريقة إشعال النار، ففكّ وثاقي لأعلّمكم، فقد كنت قائد الكشّافة بعمركم، وأعرف طرق النجاة في البرّية.

إريك: لا تحاول إغرائي بمعلوماتك الهرِمة… أنت تريد إشعال النار كي ترانا المروحيّات التي تبحث عن طائرتهم المفقودة… لذلك لن نشعل النار لثلاثة أيّام، إلى أن يفقدوا الأمل بنجاتنا… وهذا قراري النهائيّ!!

- وماذا عن الطعام؟ ستحتاجون النار لشواء ما تصطادونه من البحر… ثم هل بحثتم عن مصدرٍ لمياه الشرب؟ وهل انتهيتم من بناء مكانٍ تنامون فيه؟ أنتم تحتاجون خبرتي للنجاة من هذا المأزق.

- اصمت أيّها العجوز!! باستطاعتنا تدبّر أمورنا دونك.

وتابع المراهقون تضييع وقتهم باللعب، بعد تحويل جواربهم كرةً من صوف!

***


بحلول المساء، نام كلّ واحدٍ في مكانٍ بعيدٍ عن الآخر، تاركين جاك مقيّدًا بالشجرة، ممّا أجبره على الحفر بقدميه كالقطط، لعدم السماح له بقضاء حاجته في البحر، كما فعلوا!


أمّا الطعام، فاكتفوا بتناول جوز الهند الذي أسقطوه بالحجارة من فوق الأشجار، ولم يسمحوا لجاك بشرب مائه الذي تقاسموه بينهم، بعد ارتواء زعيمهم إريك أوّلًا!


فاكتفى العجوز بمراقبتهم من مكانه على ضوء القمر، وهم يتقلّبون في أماكنهم من شدّة البرد، حتّى إنّ بعضهم طمر نفسه بالتراب أملًا بالدفء، وآخرون غطّوا أنفسهم بأوراق الشجر الكبيرة، كي لا يتجمّدوا أثناء نومهم!


حتّى إريك تفاجأ من برودة المساء، رغم حرارة الجزيرة المعتدلة صباحًا! لكنّه رغب بقيادة زملائه دون حاجته لخبرة جاك، الذي رغم كبر سنّه إلّا أنّه متعوّد على برودة الطقس من تدريبات الشرطة القاسية.

***


في الصباح، استيقظ العجوز على مشاجرة المراهقين مع إريك بعد شعورهم بالبرد والجوع، حيث صرخ كبيرهم في وجهه:

- من وضعك رئيسًا علينا؟!! فأنا في مثل سنّك، ولن أسمح لك بحرماننا من خبرات العم جاك.

إريك باستنكار: الآن أصبح جاك عمّك؟! ألم يكن يقتادكم كالخرفان إلى سجن العاصمة؟ ولولا جرأتي، لما شعرتم بالحرّية في حياتكم!! فلا تدّعي الأدب والأخلاق أيّها المنحرف.

زميله: على الأقلّ لم أحرق عائلتي أثناء نومهم أيّها العاقّ!!


فسحب إريك المسدّس من بنطاله، ووجّهه نحوه:

- اسمعني جيّدًا!! طالما استحوذتُ على سلاح جاك، فلن أتردّد بقتل أيّ واحدٍ يتجرّأ على مخالفة أوامري.

فحاول مراهقٌ آخر تهدئة الوضع:

- اهدأ رجاءً… إريك، نحن نريد فقط…

إريك مقاطعًا بغرور: السيّد إريك، أيّها الصغير!!

فتنهّد بضيق، قائلًا:

- حسنًا كما تشاء… يا سيّد إريك… نريد من العم جاك أن يعلّمنا بعض الأمور الأساسيّة للنجاة: كإشعال النار، وطريقة الصيد دون سنّارة، وكيفيّة شواء الطعام.

مراهقٌ آخر: ونريده أن يساعدنا بصنع كوخٍ دافئ، فهو لديه خبرة بهذه الأمور… فدعنا نستفيد منه يا رجل!

فقال أصغرهم بخوف: لا أريد الشعور بالبرد كليلة البارحة، رجاءً.

مراهقٌ آخر: وأنا جائعٌ جدًّا، وعطشانٌ أيضًا.

المراهق الكبير: نحن الأكثريّة يا إريك، ولا يمكنك منعنا من فكّ أصفاد العم جاك… فهيا هات المفاتيح!!

إريك بلؤم: أنا من يقرّر ذلك… هو يريدنا أن نشعل النار يا أغبياء، ليعثروا علينا ويقتادونا مجدّدًا إلى سجونهم.

- وما الذي سيمنع مروحيّاتهم من إيجادنا في النهار؟ هل سنختبئ تحت الحشائش والأحجار؟

- دعنا نشعل النيران الآن، وسنطفئها ليلًا.

- لا طبعًا!! النار مهمّة مساءً، فالبارحة كدنا نتجمّد من البرد.

إريك بحزم: اهدأوا جميعًا!! سنحاول اليوم إشعال النار بأنفسنا، وكذلك الاصطياد من البحر، وبناء الكوخ دون مساعدة العجوز.

- وفي حال فشلنا؟

إريك: إن قاربت الشمس على المغيب دون إيقادنا النار، سأفكّ قيود اللعين.

- أهذا وعد؟

إريك بعصبيّة: لا تتكلّم معي كأنّي صديقك، فأنا الرئيس هنا!! وعندما أقول كلمة، أنفّذها في الوقت المناسب… والآن!! ليقم الصغار بجمع الأوراق الكبيرة والأغصان، لصنع مكانٍ يصلح للنوم… وأريد من الكبار إشعال النار بكلّ الطرق الممكنة… أمّا أنتم!! فعليكم اصطياد السمك.

- وهل نصطادهم بأيدينا؟

إريك: لا تتغابوا… حوّلوا غصنًا طويلًا إلى رمحٍ حادّ، واصطادوا به… أعليّ تعليمكم كلّ شيء؟!

- وفي حال صادفنا سمكة قرش؟

إريك: القرش لا يقترب كثيرًا من الشاطئ، يا غبي.

- وماذا ستفعل أنت؟

إريك: سأبحث عن شجرةٍ ضخمة واقعة على الأرض، وأحفرها لتصبح صالحة للملاحة.

- أتعني قاربًا؟

إريك: طبعًا، وهل ظننتم سنبقى هنا طوال حياتنا؟ (ثم أشار ليابسة تظهر من بعيد)… أظنّها المدينة المجاورة… وقريبًا سنتوجّه إليها، لنعيش فيها بعيدًا عن مراقبة الشرطة.

- لا تحلم كثيرًا… فالشرطة ستعلم بنجاتنا، ويلاحقوننا من جديد.

إريك: وكيف سيعرفون، إن قتلتُ جاك قبل هروبنا؟

ثم نظر إلى جاك، الذي كان قلقًا من كلامه، قائلًا له:

إريك: أتكلّم عنك أيّها العجوز!! فقد خصّصتُ رصاصةً لك، لكنّي لن أستخدمها الآن… سأبقيك رهينة، في حال وجدونا خفر السواحل أو مروحيّات الشرطة… والآن يا شباب!! كلٌّ إلى عمله.

***


وكما توقّع المراهقون، فقد فشلوا بإيقاد النار، كما لم يصطادوا سمكةً واحدة، ولم يستفيدوا من الأوراق والأغصان التي جمّعوها، لعدم وجود حبالٍ يربطونها معًا لتصبح سقفًا لكوخهم!


بينما انشغل إريك بنحت شجرةٍ صغيرة، وهو ينوي تحويلها لقاربٍ يكفي هروبه وحده، دون اكتراثه بموت رفاقه على الجزيرة.

***


قبيل غروب الشمس، ثاروا مجدّدًا ضدّ إريك، وطالبوا بفكّ العجوز قبل موتهم جوعًا وعطشًا، فاضطرّ إريك للرضوخ لطلبهم.


وبعد إطلاق سراح جاك، سأله بسخرية:

- والآن أخبرنا أيّها العجوز، كيف ستشعل النار قبل دقائق من حلول الظلام؟

فأخرج جاك ولاّعته التي أخفاها بحذائه…

إريك غاضبًا: أيّها اللعين!! لِمَ لم تعطِنا إيّاها، ونحن نجاهد لإشعال النار؟!!

جاك: أردتُ أن أفهمك بأنّ قيادة المجموعة تحتاج إلى دهاءٍ وحكمة.

- أعطني الولاّعة!!

العجوز: بل سأشعل الأغصان بنفسي.

فرفع إريك المسدّس في وجهه: قلتُ!! أعطني الولاّعة.


ليفاجئه جاك بحركةٍ سريعة، تمكّن بها من سحب المسدّس من يد إريك بخفّةٍ وبراعة، وسط دهشة الجميع!

وبعدها وجّه المسدّس ضدّ إريك، قائلًا:

- لم أصبح قائد الشرطة عبثًا، فأنا أملك الحزام الأسود بالأساليب الدفاعيّة.

فسأله أحدهم: ولِمَ لم تدافع عن نفسك عندما قيّدناك البارحة بالشجرة؟!

- لأنّي رغبتُ بمراقبتكم عن بُعد، لأقيّم شخصيّاتكم.

- وما رأيك بنا؟

جاك: أولادٌ تائهون، تحتاجون الكثير من الإرشاد والتوجيه.

إريك: وهل تظنّ أنّ المكان والزمان مناسبان لتربيتنا، أيّها الخرف؟!!

فعاد جاك لتهديد إريك بالمسدّس، قائلًا بحزم:

- أنا القائد هنا!! ومن اليوم ستنادونني بالأستاذ جاك.

- أستاذ أم القائد؟

جاك: بل أستاذ، لأنّي سأعلّمكم الكثير من أمور الحياة، وأوّلها إشعال النار… هيا بنا!!

^^^


بعد إشعال جاك شعلةً كبيرة من النار، استطاع صيد سمكتين بعد سباحتهما داخل أخدودٍ صغير حفره من الشاطئ، بعد وضعه بداخله مجموعةً من الديدان وجدها بين الحشائش (كطُعمٍ للأسماك).

ثم قام بشوائهما، بإعطاء قطعٍ متساوية للجميع. صحيحٌ لم تشبعهم، لكنّها خفّفت من ألم جوعهم.


وبعد العشاء، أحضر نوعًا غريبًا من النبات، يمكن تحويل أوراقه إلى حبالٍ عن طريق تجديلها معًا، وهي حيلة تعلّمها بالكشّافة.


وعلى ضوء النيران، انشغل المراهقون بتجديل مجموعةٍ من الأوراق، ثم تسليمها لجاك الذي ربط بها السِعف الكبيرة (لإحدى النخلات البرّية)، وتحويلها كسقفٍ لكوخهم الصغير الذي أسنده على أغصانٍ رفيعة.


وبعد انتهائه من الكوخ، تجمّعوا داخله، محاولين التدفئة بشعلة النار القريبة منهم،

ما عدا إريك، الذي نام بعيدًا عنهم، رافضًا الرضوخ لقيادة جاك الذي تركه وشأنه.

***


في اليوم التالي، تفاجؤوا باختفاء العجوز، وظنّوا بهروبه بطريقةٍ ما، وبحثوا عنه في كلّ مكان، إلى أن عاد إليهم قبيل العصر وهو يقول:

- ألم تخبروني أنّكم استكشفتم الجزيرة دون عثوركم على مياهٍ عذبة؟

- نعم!

جاك معاتبًا: وكيف لم تلاحظوا الكهف الصغير في الجهة الخلفيّة للجبل؟ ففيه ينبوعٌ عذب.

- أحقًّا؟! نكاد نموت عطشًا.

جاك: إذًا دعونا ننتقل للجهة الأخرى من الجزيرة، ففيها ماءٌ وفير وتوتٌ برّيّ لذيذ.

إريك: اذهبوا أنتم!! فأنا أريد البقاء وحدي بهذه الجهة من الجزيرة.

زميله ساخرًا: تتكلّم وكأنّك ملكتَ الجزيرة؟

- هو لا يريد الذهاب معنا، لانشغاله بحفر قاربه.

جاك: إريك، يمكنك القدوم إلى هنا كلّ صباح لمتابعة الحفر، لكن تعال معنا للجهة المريحة من الجزيرة.

إريك بعصبيّة: لا أريد التواجد معكم، ألا تفهمون؟!!

جاك: حسنًا، كما تشاء.

أصغرهم: وماذا عن كوخنا الذي تعبنا في بنائه؟

جاك: سننام داخل الكهف، فهو دافئ ويسعنا جميعًا.


وذهبوا جميعًا خلف أستاذهم، ما عدا إريك الذي بقي قرب شعلة النار التي أضاءها جاك بولاّعته، قبل أخذه الشباب للجهة الأخرى من الجزيرة.

***


في الصباح، شعر إريك بالدفء أخيرًا، بعد إشعال جاك ناره التي انطفأت آخر الليل أثناء نومه، ممّا أيقظ إريك مرتعبًا:

- أخفتني يا رجل!

جاك: لِمَ أنت عنيدٌ هكذا؟ تعال معنا إلى الكهف الدافئ، وسأطلب من رفاقك جرّ شجرتك المحفورة للشاطئ المقابل.

إريك: لا!! فاليابسة التي أنوي الرحيل إليها قريبة من هذه الجهة… ثمّ هذا قاربي وحدي، ولا أريد مساعدة أحد.

- حسنًا… طالما لا تعرف طريق كهفنا، فقد أحضرتُ لك ماءً عذبًا وضعته داخل أجواز الهند الفارغة… وإن كنت جائعًا، سنشوي السمك بعد قليل… حاول تسلّق التلّ للوصول إلى شاطئنا، ومشاركتنا الطعام.

فظلّ إريك صامتًا…

جاك: كما تشاء، يبدو أنّك تعشق الوحدة!

***


وفي المساء، شعر إريك بجوعٍ شديد، فأخذ شعلة النار، وتتّبع رائحة الشواء القادمة من خلف الجبل، إلى أن وصل لشاطئهم، ليراهم من بعيد مجتمعين حول شعلة النار.


لكنّه لم يقترب منهم، بل أخذ يتنصّت على تجارب جاك في سجن الأحداث التي استمع إليها المراهقون باهتمام، وهم يأكلون السمك المشويّ، حيث سأله أحدهم:

- كنّا نظنّ أنّ إريك هو أسوأ سجينٍ مرّ عليك؟!

جاك: لا… كان آدم هو الأسوأ على الإطلاق، بعد قتله ثلاثين طفلًا في مدرسته الابتدائيّة.

- الابتدائيّة! كم كان عمره؟

جاك: 12 سنة، وكان راسبًا مرّتين، وكانت سنته الأخيرة قبل طرده، لتجاوز عمره الصفّ الرابع… ليفاجئ الجميع بسرقته سلاح والده وقتله معلّمَتَين وبقيّة رفاقه! كان يومًا حزينًا على الدولة بأكملها.

- وماذا حصل له؟

جاك: شنق نفسه بالملاءة داخل سجنه الانفراديّ بعمر 15… كان مضطربًا نفسيًّا، وطالبتُ كثيرًا علاجه بمستشفى الأعصاب، لكنّ رئيسي ظنّ أنّ السجن كفيل بتقويمه، إلى أن أنهى حياته بالانتحار! (ثمّ تنفّس بضيق)… والآن أريدكم أن تخبروني بجرائمكم؟

- ألا تعرفها؟!

جاك: سجنُنا يضمّ أكثر من 300 سجين، أكيد لن أحفظ جميع القضايا.. كلّ ما أعرفه أنّه صدر قرارٌ بنقل أسوأ 20 سجينًا إلى سجن العاصمة.. لذلك لديّ الفضول لمعرفة جرائمكم، وسأبدأ بأصغركم.. ماذا فعلتَ ليحكموا عليك طوال سنوات مراهقتك؟


المراهق الصغير: اسمي جيم، وعمري 13، وأنا مسجون منذ سنتين.. كلّه بسبب زوج أمّي الذي خنق قطّتي التي أيقظته من النوم.. كنت أترجّاه أن يتركها، لكنه كسر رقبتها أمامي، وأنا بعمر 9 سنوات.. وهذا جعلني أفكّر لياليَ طويلةً بقتله، إلى أن حقّقت حلمي بسنّ 11، وضربته بعصا البيسبول على رأسه أثناء سُكره حتى قتلته.. ماذا عنك يا صديقي؟


– أنا جون، وعمري 14.. شعرت بالغيرة بعد رؤية صديقتي المفضّلة برفقة الطالب الذي أكرهه، والذي قهرني.. إنها تعلم بخصامي معه!.. لهذا رميت حجارةً على درّاجته، أدّت لسقوطه أسفل عجلات سيارةٍ مسرعة، فمات دهسًا.. والأسوأ أنّ حبيبتي شهدت ضدّي، وبسببها عوقبت بسبع سنوات في سجن الأحداث.


وصار كلّ ولدٍ (من الثمانية) يُخبر جريمته التي حصلت بسبب إهمال الأهل وقساوتهم، أو غدر الأصدقاء، أو صدمةً عاطفيّة.. وتعاطف جاك معهم بعد شعورهم بأخطائهم، ورغبتهم بالعودة بالزمن لتصحيح سلوكهم، قائلًا لهم:

– يكفي أنّ ضمائركم تؤنّبكم، فهذه أوّل خطوة لتصحيح مسار حياتكم.


فصرخ إريك من فوق التلّ:

– أمّا أنا!! فلا أشعر بالندم لقتل عائلتي اللعينة!

والتفتوا جميعًا نحوه باستغراب! فناداه جاك:

– تعال يا إريك!! ما زالت لدينا سمكةٌ مشويّة.

– اصطدنا الكثير من الأسماك اليوم.

إريك: أتيت لأخذ حصّتي، والعودة إلى كوخي.

جاك: هي لك، وخذ أيضًا الماء العذب.

فأخذ إريك السمكة والماء وجذوة النار، قائلًا:

– سأخذ هذه معي، لربما انطفأت شعلتي التي تركتها هناك.

جاك: خذ كلّ ما تحتاجه، وتأكد بإشعالك حطبةً كبيرة تكفيك طوال الليل.


وقبل ذهاب إريك، سأله جاك:

– ما الذي فعلته عائلتك لتحرقهم بحقدٍ شديد؟

إريك: هم ليسوا عائلتي الحقيقيّة.

جاك باستغراب: أأنت طفلٌ بالتبنّي؟!

إريك: بل والدي الذي ربّاني، هو من قتل عائلتي الحقيقيّة.. سمعت اعترافه أثناء سُكره مع صديقه.. فبعد اختلافه مع شريكه بالعمل، اقتحم منزلي الحقيقيّ وقتل إخوتي الثلاثة ووالديّ.. وقبل خروجه من المنزل، وجدني ألعب بالحديقة، وكنت في الرابعة، فأخذني إلى زوجته، مقترحًا أن أصبح لعبةً لابنه المنحرف الذي اعتدى عليّ طوال طفولتي.. وفور اكتشافي السرّ، أحرقتهم جميعًا أثناء نومهم.. ولأنّي لا أرغب بتكرار مأساتي بسجن البالغين، أوقعت الطائرة.. لهذا أعمل بجهد لإنهاء سفينتي، للهروب إلى حياةٍ أكثر حرّيّة، وبهويّةٍ جديدة.

جاك: لِمَ لم تُخبر القضاء بذلك؟! لكانوا خفّفوا عليك الحكم.

إريك: لا أحبّ أن أبدو ضعيفًا أمام أحد.. وأيضًا لعدم شعوري بالندم لقتلهم جميعًا.. كلّ ما أريده الآن، هو الخروج سالمًا من هنا.

جاك: أتمنّى أن يوصلك قاربك إلى مدينةٍ تعيش فيها حياةً لائقة.. تصبح على خير.

ثم شاهدوا إريك وهو يرحل بصمت..


أصغرهم: لِمَ لم تُجبره على البقاء معنا في الكهف الدافئ؟

جاك: هو يريد إثبات رجولته، فدعوه وشأنه.

***


بمرور الأيّام، تغيّرت طباع المراهقين برفقة العمّ جاك، الذي لم يبخل عليهم بنصائحه التي قوّمت الكثير من طباعهم السيّئة الناتجة عن إهمال الأهل والمجتمع.. بينما تابع إريك بناء سفينته على الجهة الأخرى من الجزيرة..


وفي أحد الأيّام، شاهدوا سفينةً تقترب من جهتهم من الشاطئ، فأسرع صغيرهم خلف الجبل لمناداة إريك.. ليتفاجأ به يجدّف مبتعدًا عن الجزيرة، بعد إنهاء قاربه دون توديعهم!


فظلّ الصغير يناديه لإخباره بوجود سفينةٍ بالجهة الأخرى، لكن الأمواج باعدت بينهما.. فعاد حزينًا إلى العمّ جاك الذي قال:

– هو الآن في طريقه إلى القدر المكتوب له، لا نستطيع فعل شيءٍ لإنقاذه.. دعونا نلوّح بالأوراق المشتعلة، للفت أنظار ربّان السفينة إلينا.


وظلّوا يصرخون ويصفّرون، إلى أن وصلت السفينة إليهم، ليتمّ نقلهم إلى العاصمة التي كانوا سيُقتادون إليها منذ البداية..

***


لم يستطع المراهقون الهرب من خفر السواحل الذين انتظروهم عند شاطئ العاصمة، بعد إبلاغ كابتن السفينة عن إنقاذه لمفقودين على جزيرةٍ نائية.. وبالطبع لم يتمكّن جاك (الشرطي الصالح) من إخفاء هويّاتهم، ليتمّ اقتيادهم إلى سجن الأحداث بالعاصمة..

***


لاحقًا، شهد جاك بحسن سلوكهم الذي تغيّر بعد شهرين على الجزيرة، ليتمّ تقييمهم من جديد من قبل لجنةٍ مختصّة بإصلاح الأحداث.. وأدّى تقريرهم الإيجابيّ إلى خفض سنوات عقوبتهم للنصف..


وبدورهم، شكروا العمّ جاك الذي كان بمثابة معلّمٍ ومرشدٍ لهم، راعاهم بحنانه وصبره عليهم أثناء تعليمهم أسس الحياة.. وشكروه أيضًا على قصصه المفيدة التي شاركها معهم كلّ ليلة..

***


أمّا إريك، فلم يجدوا أثره على مدى أسابيع في الدولة المجاورة، فعُدّ ميتًا، وأُغلق ملفّه للأبد.. دون علمهم بأنّه وصل إلى الشاطئ شبه ميّت، لتنقذه عصابةٌ مختصّة بتهريب المخدّرات من الميناء..

وبعد إخباره بهويّته وبطولاته للهروب من طائرة الشرطة، مُدّعيًا قتل رفاقه والشرطي جاك وبقاءه وحيدًا على الجزيرة، اعتبروه بطلًا ووظّفوه معهم..


وبمرور الأيّام، نجح إريك بالمهام الموكلة إليه، ليصبح خلال سنواتٍ قليلة اليدَ اليمنى لرئيسهم.. وقد أسعده المال الوفير الذي حصل عليه من نقله المخدّرات بين المناطق، وقتله لكلّ من يخالف أوامره، ليصبح عدوّ الشرطة الأوّل بعد تغيّر هويّته..


أمّا جاك المتقاعد، فكان الوحيد الذي عرفه (من صوره الملتقطة من المخبرين السرّيين)، فتنهد بحزن:

– لا يمكننا إصلاح الجميع، فهناك من وُلدوا كبذرةٍ شيطانيّة.. حمى الله مدينتنا من شروره وعقليّته المنحرفة!


السبت، 11 فبراير 2023

تسجيل صوتي لقصتي السابقة : رحلة الأحلام

   قام الأخ أحمد محمد سنان بالإخراج الصوتي لقصتي السابقة : ((رحلة الأحلام)) بمساعدة اصدقائه .. فلهم جزيل الشكر والثناء 

رابط القصة المكتوبة :

https://www.lonlywriter.com/2021/05/blog-post_19.html

رابط الفيديو :

https://www.youtube.com/watch?v=wXe8QRzndg4




الأربعاء، 8 فبراير 2023

المحقّق الصغير

كتابة : امل شانوحة 

رسومٌ متحرّكة


تمّ إستدعاء المحقّق المتقاعد آدم ، للتحقيق في سلّسلة جرائم غامضة حصلت اسبوعيّاً على مدار شهرين ، عجز مركز الشرطة (الوحيد بالمدينة الساحليّة) عن حلّها ، بقيادة محقّقهم الشاب إريك .. مما استدعى تدخلٌ سريع للمحقّق آدم المتمرّس بحلّ الألغاز المعقّدة ..


وبعد نزوله لإرشيف المركز ، أخبره المحقّق إريك عن شكوكه بأنهم يطادرون قاتلاً متسلّسلاً في غاية الدهاء .. فمنذ سنوات لم يُحجز في سجنهم الصغير سوى مخالفين المرور والمراهقين المشاغبين.. ولم تحصل جريمةٌ واحدة منذ عقدين من الزمن في مدينتهم الصغيرة ! 

بعكس آدم الذي حقّق بالعديد من قضايا القتل الغامضة في العاصمة قبل انتقاله لمدينتهم بعد التقاعد ، للبقاء بجانب عائلة ابنته 

*** 


وبعد وضع ملفات القضايا الثمانية امامه ، أطلعه إريك على ملخّصاتها ..

فالقضيّة الأولى : 

((كانت لسائحة وُجدت جثتها مُنتفخة على الشاطىء ، بعد غرقها في رحلة غوصٍ مع زوجها))

 

فسأله آدم : 

- واين زوجها الآن ؟

إريك : منعناه من مغادرة مدينتنا لحين كشفنا الّلغز ، وهو مُحتجزٌ داخل غرفته في الفندق منذ ثلاثة اسابيع 

- وهل فتشتم حقيبته جيداً ؟

- ليس فيها سوى ملابسه وحاسوبه 

آدم : وكيف قدِم مع زوجته الى مدينتنا ، عن طريق الحافلة ام الطائرة ؟

- بل الطائرة ، فهما قادمان من الولاية المجاورة 

آدم : وكم تذكرة عودة وجدتم في حقيبته ، بعد وفاة زوجته ؟

فأجابه إريك بدهشة :

- لم نجد سوى تذكرة طائرته فقط !

آدم بثقة : اذاً هو القاتل !! وإن كان لديها تأميناً مغرياً على حياتها ، نكون وجدنا سبب الجريمة

- انت عبقريّ ! .. الآن لدينا سبباً لاعتقاله 


وارسل إريك شرطيّن للقبض على زوجها بتهمة القتل.. 

^^^


بعد قليل .. وصل الزوج الى مركز الشرطة ، وهو يصرخ مُعترضاً على تقيّده وإهانته امام نزلاء الفندق .. 


وبعد التحقيق معه .. أصرّ على قطعه تذكرتين عودة.. لكن بطاقتها للطيران ضاعت من غرفة الفندق ، عقب إختفاء زوجته بالبحر ! وانه لم يطمع يوماً بمبلغ التأمين على حياتها ، لأن حسابه بالبنك ضعف ما تملكه من نقود 


لكن حججه لم تقنع المحقّقان آدم وإريك الذي أرسله الى السجن لحين محاكمته

*** 


اما القضيّة الثانية : فاستطاع آدم حلّها بسهولة ، فور انتهائه من قراءة تقرير الشرطة .. حيث ذُكر فيه : ((أن صديقة الضحيّة وصلت الى ساحة الجريمة ، بعد إتصال الشرطة بها !)) 

وحلّ الّلغز بعد استفساره من إريك : 

- هل أطلعتموها على مكان وفاة صديقها ؟

إريك : لا ابداً ، أخبرناها فقط بعثورنا على جثته بالغابة .. وأن عليها التوجّه بعد ساعة الى مشرحة المستشفى للتعرّف عليه .. لنتفاجأ بقدومها الى ساحة الجريمة قبل نقلنا جثته بسيارة الإسعاف ! 

- واين مات تحديداً ؟ 

- في عمق الغابة ، وهو لا يبعد كثيراً عن الكوخ الذي استأجراه لقضاء عطلتهما ..

آدم : طالما عرفت مكان موته ، فهي القاتلة .. إسجنوها فوراً !!

^^^


وكانت ردّة فعلها مُشابهة للقاتل السابق ! بعد إصرارها بأن احدهم اتصل بها عقب إغلاقها مكالمة الشرطة ، وحدّد مكان الجثة بدقة .. 

لكن المحقّقان لم يصدّقا كلامها ، واحتجزاها لحين محاكمتها 

***


اما بقيّة القضايا ، فأخذها المحقّق آدم الى منزله لمراجعتها على مهل .. بعد شكوكه بأنها لعدّة قتلة ، وليس لقاتلٍ واحد ..

***


في اليومين التاليين ، عمل آدم على حلّ قضيتين مُتشابهتين : وهي لمجموعة من المراهقين ماتوا مسمومين في مخزنين مهجورين .. والفارق الزمني بين الجريمتين اسبوعاً فقط !


ففي الجريمة الأولى التي أنهت حياة خمسة مراهقين : وُجد امام طاولتهم ستة اكواب فيها بقايا عصيرٍ مسموم .. 

ورغم اختفاء الناجي الوحيد بينهم ، إلاّ أن كأسه حوى إيضاً آثار السمّ .. 

فلما بقيّ حياً بعكس رفاقه ؟ وهل هو صاحب المكالمة المجهولة التي أبلغ فيها الشرطة عن مكان الجثث ؟


وقبل إيجاد آدم الحلّ ، رنّ جرس بابه .. ليجد ابنته تستأذنه بترك ابنها (12 سنة) عنده ، لأن لديها موعداً مع طبيب الأسنان .. 

ورغم انشغاله بعمله ، إلا انه وافق على استضافة حفيده الوحيد لبعض الوقت


وبعد ذهابها ، طلب منه اللعب بجواله بصمت امام مكتبه .. 

ثم وصله إتصال من إريك يسأله عن المستجدّات بالقضيّتين التاليتين ، فأهالي الضحايا يستعجلونهم لمعرفة قاتل ابنائهم ..


فأخذ الجدّ يناقش معه الّلغز على الهاتف ، ليفاجأ بحفيده يقول وهو يتابع اللعب على جواله :

- السمّ في مكعبات الثلج ، يا جدي 

فصعق الجد بما سمعه ! وأخبر إريك باتصاله لاحقاً 


وبعد انهاء مكالمته ، سأل حفيده :

- كيف عرفت ؟!

الحفيد : عُرض ذات الّلغز بإحدى حلقات المحقّق كونان ، الم تشاهده من قبل ؟

- أتقصد الرسوم المتحرّكة اليابانية ؟

- هي سلسلة مانغا للكاتب غوشو أوياما ، حُوِّلت إلى مسلسل أنمي وألعاب فيديو يا جدي

الجد : نعم ، شاهدت حلقة منها .. هي جميلة ، لكنها برأيّ لا تناسب الأطفال .. فهي تشجّع عقولهم على التفكير بجريمةٍ كاملة .. المهم !! لديّ سؤال يخصّ قضيتي .. لما لم يموت الضحيّة السادسة ؟

- ومن قال انه ضحيّة .. ربما هو الذي استضافهم لقتلهم

- إحتمالٌ وارد ! إكمل نظريتك

الحفيد : أظنه شرب العصير بسرعة قبل ذوبان الثلج في كأسه .. بينما شربوا رفاقه العصير متأخراً


فقبّل الجد رأسه بفخر :

- انت رائع !! لقد حللّت الّلغز الذي عجزت الشرطة عنه

- لأني شاهدت جميع حلقات كونان ، وحلقات شارلوك هولمز الصغير

الجد : شارلوك محقّقٌ كبير ، عُرض مسلّسله في زماني 

- لا ، فقد أصدرت شركة والت ديزني مسلسلاً للأطفال : عن شارلوك هولمز بعد عودته لزمننا بهيئة طفلٍ عبقريّ ..لكن الرسوم اليابانية (المحقّق كونان) تبقى أفضل بكثير ، فهي تناقش قضايا جنائية حقيقية .. المحزن إن كلا المسلّسلين انتهيا بوفاة المؤلف اليابانيّ ، واختتام النسخة الأمريكية بالحلقة الثلاثين .. ونشعر انا واصدقائي بالمللّ لعدم وجود قصصٍ بقوتهما ! 

الجد : اذاً اريدك أن تساعدني بحلّ الّلغز الثاني 

- وماهو ؟


فأخبره عن عثور الشرطة على ثلاثة مراهقين في مخزنٍ آخرٍ مهجور ، بعد وفاتهم بجرعة سمّ .. ولم يجدوا بساحة الجريمة سوى حبوب ادوية متناثرة على طاولتهم 

الحفيد : طالما الجريمتين متشابهتين ، فالقاتل واحد 

- أظن ذلك .. 

- وهل اقراص الدواء مسمومة يا جدي ؟

الجد : لا ابداً ، فالمختبر الجنائي أكّد انها فيتامينات 


ففكّر الصغير جيداً ، قبل ان يقول : 

- اظنه وضع السمّ بكؤوس الماء  

الجد بصدمة : يا الهي ! ستصبح أفضل من جدك حينما تكبر .. كيف لم يخطر ببالي ذلك !

- أعتقد أن القاتل راهنهم على تناول الحبوب ، ووعدهم بجائزةٍ مالية لمن يجد الحبة الغير سامة بينها .. دون وضعه السمّ في مائه ، بعكسهم

الجد : انت لا تدري كم انا فخورٌ بك

- جميع اصدقائي يفكّرون مثلي ، فنحن عشقنا المحقّق كونان وشارلوك الصغير كثيراً


وهنا وصله اتصال من مدير الشرطة : 

الجد : سنكمل كلامنا لاحقاً ، عليّ إخباره بحلّ اللّغزين.. ذكّرني أن أشتري لك هدية لاحقاً 

الحفيد بابتسامة : على الرحب والسعة يا جدي

^^^


رغم حلّ القضيتين السابقتين إلاّ انهم لم يجدوا القاتلين او ربما ذات القاتل الذي فرّ من المخزنين المهجورين دون شهود .. خاصّة لعدم وجود كاميرات مراقبة بذلك الشارع المظلم

***


اما القضيّتين التاليتين فكانتا اكثر غموضاً .. حيث تلقّى مركز الشرطة إتصالاً مجهولاً لشخصٍ يطلب إرسال مظلّتين وحقيبة مالٍ لسطح البرج (مبنى من 12 طابقاً وهو الأعلى في منطقتهم الساحليّة ، عبارة عن فندقٍ قيّد الإنشاء يطلّ على الشاطىء)

 

وقد أجبر الخاطف الشرطة على توصيل حقيبة المال بمبلغ 10 الاف دولار (وهو مبلغٌ مقبول بالنسبة لمتطلّبات معظم الخاطفين المبالغ فيها) الى السطح باستخدام سلّم سيارة المطافئ ، بعد أن هدّدهم بوجود قنبلةٍ مزروعة بين ادراج الطابق الأول والثاني..


وحين وصل رجل الإطفاء ، وجد شاباً مقنّعاً يضع مسدسه برأس موظفة (تعمل في محلٍ قريب من الفندق) .. 

مما أجبره على تنفيذ الأوامر : بوضعه المظلّتين وحقيبة المال امام الشاب المقنّع ، والنزول مجدّداً على السلم ..


وانتهت القضيّة .. باستغلال الخاطف للرياح العاصفة بذلك اليوم ، التي جعلت مظلّته تصل الى الشاطىء القريب .. والهروب بقاربٍ اتوماتيكيّ ، بعيداً عن انظار الشرطة .. 


وفي نهاية الملفّ ، وجد آدم تساؤل إريك : ((لما طلب مظلّتين ، طالما ترك المُختطفة على السطح غائبة عن الوعيّ بعد تخديرها بحقنة منوّم ؟!))


ولم يكن صعباً على آدم معرفة نوايا الخاطف .. فاتصل على إريك لإخباره السبب ، الذي يدلّ على ذكاء الرجل المقنّع :

- هو طلب مظلّتين لإيهامكم بأن الأخرى للرهينة ، ضماناً له .. كيّ لا تفسدوها ، فيسقط ميتاً للأسفل .. لهذا أجبركم على إحضار مظلّتين صالحة للتحليق بهما في الهواء .. الم تتعقبوا ارقام النقود التي أعطيتموها له ؟

إريك : بلى ، ويبدو انه وزّعها على فقراء المنطقة !

- أنت تمزح ! ألم يصرفها على نفسه ؟ 

- لا .. ربما اراد التشبّه بروبن هود  

آدم : لما يخاطر بنفسه لأجل فقراءٍ لا يعرفهم ؟! القضية فعلاً غريبة

 

اريك : ماذا بشأن القضيّة التالية ؟ فالرسالة التي وجدناها بيد العجوز الميت : يطالبنا فيها بعدم البحث عن قاتله ، لأنه هو من ترجّاه لإنهاء حياته !

آدم : وهل صدّقت ذلك ؟ لابد أن القاتل كتبها بنفسه

- خطّ الرسالة تُشابه ما كتبته العجوز في مذكراته 

- وهل صعبٌ على القاتل تهديده بالسلاح لكتابة الرسالة ؟ 

إريك : لكنه عجوزٌ هرم ومسالمٌ للغاية حسب شهادة جيرانه ، فلما قتله؟! 

- الم يُفقد شيءٌ ثمين من شقته ؟  

إريك : لا ، حتى امواله مازالت في درج مكتبه .. وخاتمه الذهبي ظلّت بيد الجثة

- يبدو أن القاتل يتلاعب بنا

إريك : أتظنه نفس القاتل بالقضايا السابقة ؟ 

- القاسم المشترك بينهم ، انهم جميعاً اذكياء .. فلندعو الله انه واحد ، كيّ لا نُطارد عدّة بارعين بإخفاء جرائمهم .. 

***


بعد قيام آدم بحلّ الألغاز السابقة من منزله ، كان عليه التوجّه لمسرحيّ الجريمتين التاليتين.. 

ففي الجريمة الأولى : عثرت الشرطة على صورة لمنتحر ، أُلتقطت من كاميرا فوريّة .. وتُركت الصورة بجانب الجثة ، مما يؤكّد انها جريمة قتل .. والتي حصلت قرب مبنى مهجور من خمسة طوابق ! 


وبعد وصول آدم الى هناك .. عاين مكان موت الضحيّة (حسب الطبشور المرسوم على الرصيف داخل زقاقٍ ضيّق) 

ثم نظر مجدداً للصورة ، وهو يقول لإريك : 

- هل معك علبة سجائر ؟

- لم اكن اعرف انك تدخن !

- أجب سؤالي 

إريك : نعم معي ، وفيها ستة سجائر

- عدّدها كافي .. أعطني العلبة مع الولاّعة ، والحقني


ودخل آدم المبنى المهجور .. وصعد السلالم ، الى ان وصل للطابق الأول الذي وجد نافذته المطلّة على موقع الجريمة ، مُغلقة ! 

فأشعل السيجارة ، وفتح النافذة .. ثم رماها للأسفل .. وظلّ يراقب السيجارة من فوق بصمت ، دون فهم إريك ما يفعله !


وبعد قليل ، نظر آدم لساعته : 

- إستغرق الأمر ثلاثة دقائق

إريك : ماذا تفعل ؟!

- إتبعني بصمت


وصعد آدم للطوابق الأخرى ، رامياً سيجارة مشتعلة من نوافذها التي وجدها جميعاً مفتوحة .. وبعد مراقبته الوضع بكل طابق ، نزل لاهثاً مع إريك للأسفل 

إريك : سيدي أتعبت نفسك بصعودك الطوابق الخمسة ! 

آدم : هي بالفعل جريمة قتل .. ولولا أن رأس الضحيّة إرتطم بقوة بحافّة الرصيف ، لما مات من الطابق الأول

إريك باستغراب : اليس غباءً أن ينتحر من الطابق الأول ؟ ألم يكن أفضل لوّ صعد للسطح ؟

- الم تسمع ما قلته ؟ هي جريمة قتل وليست انتحار .. وهناك من دفع الضحيّة من ظهره ، اثناء تدخينه السيجارة 


إريك : ولما اخترت الطابق الأول بالذات ؟

آدم : أنظر للصورة جيداً .. فطرف السيجارة الموجودة اسفل ذراع الضحيّة ، مازالت مشتعلة اثناء التقاط القاتل للصورة الفوريّة .. مما يؤكّد ان أحدهم دفعه ، ثم أغلق النافذة خلفه ..  

- فعلاً هي النافذة الوحيدة المغلقة بجميع ادوار المبنى !

- وهذا خطأ القاتل الذي لم ينتبه ايضاً لاشتعال السيجارة بجانب الجثة .. فحين رميت السجائر من بقيّة الطوابق ، انطفأت قبل وصولها الأرض .. بينما استغرقت ثلاثة دقائق لتنطفئ بعد رميها من الطابق الأول ، وهو وقتٌ كافي لنزول القاتل وتصويره الضحيّة 


إريك : انت رائعٌ فعلاً ! ومع هذا ، لم نستطع إكتشاف الجاني 

- الا تلاحظ إن معظم ضحايا القضايا الثمانية ، من المراهقين والشباب ؟ اظن القاتل يعرفهم من قبل  

إريك : الإطفائي الذي ارسلناه بمال الفدية ، أخبرنا أن يد الخاطف المقنّع تبدو لمراهقٍ وليس لرجل .. هل نحن بصدّد قاتلٍ متسلّسل ؟ 

- سنعرف بعد حلّنا الّلغز الأخير


إريك : القضيّة الثامنة والأخيرة : هي لشابٍ منتحر ، وجدنا بجانبه مُسجلٍ قديم فيه شريط بصوته : يؤكّد إنتحاره

آدم : وهل هو صوته بالفعل ؟

- هذا ما أكّدته أخته .. وكان صوته مرتجفاً ، كأنه خائف

- واين المسجّل ؟

إريك : في ارشيف الشرطة

- اذاً لنذهب ونسمعه جيداً

***  


((كان الشريط بصوت المنتحر وهو يطلب السماح من زوجته لإنهاء حياته بسبب ديونه المالية))

فسأل آدم إريك :

- هل انت من وجدّت المسجّل اولاً ؟

- نعم 

- إخبرني بالتفصيل كيف سمعت الرسالة ؟

إريك : ضغطت زرّ الجهاز ، وسمعت كلامه المرتجف .. وبعدها بثانيتين ، ظهر صوت الطلقة النارية بالتسجيل .. 

- هل سمعت الرسالة فور ضغطك زرّ المسجلّ ؟ 

- نعم ، لما تسأل ؟!

آدم : يبدو انه أخبر رسالته الأخيرة تحت تهديد السلاح ، ومن بعدها قُتل

- لكن المختبر الجنائي يؤكّد بصماته على المسدس ، وهناك علامة لفوهة المسدس على رأس الضحيّة.. يعني المنتحر هو ماسك السلاح  

آدم : بل القاتل أجبره على قتل نفسه ، بعد تسجيله الكلام الذي أملاه عليه


إريك : لا أفهم لما تصرّ على انها جريمة قتل ؟!

آدم : لأنك سمعت رسالة المنتحر بعد طلقة النار .. وهذا يؤكّد أن القاتل أعاد الشريط ، لتسمعه الشرطة منذ البداية 

- فاجأتني من جديد ! حسناً .. طالما تأكّدنا انها جريمة قتلٍ أخرى ، فهل هي لنفس القاتل بالقضايا السابقة ؟ 

آدم : عليّ التحقيق مع القاتلين في اول قضيتين ، لأني بدأت أشكّ أن كلامهما صحيح .. ويبدو أن القاتل المتسلّسل الذي نبحث عنه ، ورّطهما بالجريمتين الّلتين تتشابهان بأسلوبه ودهائه ! 

إريك : اذاً سأرسلهما تباعاً ، للتحقيق معهما ثانيةً

***


بالعودة للقضيّة الأولى : أصرّ الزوج على قطعه تذكرتيّ عودة : له ولزوجته .. وعدم طمعه بمبلغ التأمين على حياتها .. 

وأخبر آدم انه غاصّ مع زوجته لاكتشاف مغارة في عمق البحر .. ودخلت قبله الى هناك ، ولم تخرج ابداً !

فصعد الى قاربه ، لطلب المساعدة من مرافقي الرحلة .. فنزلوا جميعاً للبحث عنها ، دون عثورهم عليها داخل المغارة .. وبعدها بأيام ظهرت جثتها على الشاطىء 

^^^


اما بالقضيّة الثانية : فأصرّت المتهمة أن اتصالاً وصلها عقب مكالمة الشرطة ، وهو من حدّد لها مسرح الجريمة بدقّة داخل الغابة .. وطلبت من المحقّق آدم التأكّد من سجل مكالمات جوالها قبل شهر ، من شركة الهاتف 


فسألها آدم : وهل كان مسرح الجريمة بعيداً عن مكان إقامتك مع صديقك ؟

- لا ، فكوخنا المستأجر بآخر الغابة.. لكننا تركناه قبل يومين من وقوع الجريمة ، لكثرة البعوض

- واين سكنتما بعدها ؟

المتهمة : في فندق المسافرين  


وبعد إعادتها للحجزّ ، تأكّد آدم بأن الفندق الذي اخبرته عنه هو نفسه الذي نزل به السائحين في القضيّة الأولى .. فعرف أن القاتل تتبّع الضحيتين من الفندق ذاته !

***


بعدها بأيام.. استلم آدم سجلّ مكالمات جوّال المتهمة ، ليجد انها تلقت مكالمة من رقمٍ خاصّ ، بعد دقيقتين من مكالمة الشرطة .. 

فطلب من شركة الهاتف تحديد مكان المكالمة المجهولة ، ليخبروه بأنها قادمة من ذات الفندق !

^^^


وفوراً ذهب الى هناك مع إريك ، وطلب التسجيلات القديمة لكاميرات المراقبة بالفندق .. 

لتُظهر الفيديوهات : تعقّب عامل النظافة (المراهق) للسائحين ، كما مراقبته لصديق المغدورة ! 


كما صوّرته الكاميرا الخارجية للفندق وهو يلاحق صديقها برحلته نحو الغابة ، وهو يحمل كيساً اسوداً يبدو بداخله فأساً حاداً ، كالذي أصاب رأس القتيل !


فشعر آدم بالإرتياح ، قائلاً لإريك :  

- أخيراً أمسكنا القاتل المتسلّسل .. إقبضوا على العامل فوراً !!

***  


الغريب إن الموظف البالغ (19) سنة ، لم يقاوم الإعتقال ! واكتفى بابتسامةٍ مستفزّة اثناء تقيّد الشرطي يديه ..

^^^


في مركز الشرطة .. سأل آدم المراهق : إن كان هو من قام بالجرائم الثمانية ؟ 

المراهق باستنكار : ثمانية قتلى ! بل هم عشرة .. يبدو أنكم لم تحققوا بعد بجثتيّ كوخ الصيادين 

آدم بعصبية : ولما قتلتهما ايضاً ؟ 

المراهق : طرقت الباب على كوخهما مساءً ، مُدّعياً ضياعي في طرقات الجبل .. فأصرّا على تناولي العشاء معهما .. فأخرجت مسدسين من جيب معطفي ، وقتلت كل واحدٍ بمسدسٍ وضعته بيد الآخر .. وقمت بتحطيم اثاث كوخهما ، ليبدو ان شجاراً نشب بينهما .. والأجمل انني وجدت صورتين لزوجاتهما في محفظتهما ، فاستبدلتهما.. ليبدو لكم ان كل واحداً منهما مصاحباً لزوجة الآخر .. وعندما انكشف سرّهما ، قتلا بعضهما ..(ثم ضحك).. لا اظنك كنت ستكتشف هذا الّلغز بسهولة ، بسبب وضعي للقفّازين


آدم وهو يكتم غضبه : ولما قتلتهما ، هل كنت تعرفهما ؟

- لا ابداً ، لم اعرف سوى المراهقين في المخزنين المهجورين .. فهما اصدقائي بالثانوية .. وكذلك الشاب الذي رميته من الطابق الأول ، فهو رئيسي بالعمل .. وكان حينها يخبرني برغبته لتحويل المبنى المهجور لفندقٍ آخر بعد ترميمه .. وبصراحة كان شخصاً متزمّتاً ، لهذا رميته من فوق اثناء تدخينه السيجارة


فتنهد آدم بضيق : حسناً ، لنبدأ من القضيّة الأولى .. أخبرني بالتفصيل عن جريمة السائحين ؟

المراهق : دخلت غرفتهما لتنظيفها ، فوجدت بذلتا الغوص المستأجرة .. فقمت بخرق انبوبة الأكسجين لأحدها ، دون معرفتي انها ستكون من نصيب الزوجة.. وبعد ساعتين ، عاد زوجها باكياً لاختفائها بالبحر .. واظن اكسجينها نفذ داخل المغارة .. وبعد انتفاخ جثتها ، رمتها الأمواج للشاطىء .. اما عن اسباب القتل ، فسأخبرك بها بعد شرحي لجميع الجرائم 

آدم : حسناً ، إكمل 

- بعد انشغال زوجها بإدلاء شهادته للشرطي الذي قدم للفندق ، أسرعت الى غرفته .. وفتشت حقيبته ، لأجد تذكرتيّ عودة .. فأخفيت بطاقتها ، للتلميح للشرطة بأنه نوى قتلها قبل قدومه الى مدينتنا .. لكن الشرطة الحمقى لم يكتشفوا الحلّ لشهرين .. فشعرت بالمللّ وتابعت جرائمي 


آدم : وماذا عن الجريمة الثانية ؟

- أظن الكاميرا كشفتني وانا ألاحق الشاب الى الغابة 

- اذاً لا عداوة بينكما

المراهق : لا ، كنت أتسلّى فقط .. وبعد قدوم الشرطة ، إختبأت خلف الشجرة .. ولم يروني لشدّة الظلام .. وسمعتهم يهاتفون صديقته ، ويطلبون حضورها بعد ساعة للمشرحة.. فاتصلت من جوالي على رقمها (الموجود بجوال الضحية ، الذي سرقته منه بعد قتله) وأخبرتها بأن جثته بجانب الشجرة العملاقة الشهيرة بتلك الغابة.. فوصلت قبل نقلهم جثمانه للمستشفى ، لتقع الغبية بفخّ شكوكهم


المحقّق آدم : وماذا بشأن القضايا التالية ؟

المراهق : بدايةً دعني اخبرك بسعادتي لاكتشافك الثغرات التي تعمّدت تركها في كل قضيّة

آدم بتهكّم : أحقاً !

- نعم .. فأنا من اغلقت باب النافذة ، بعد دفع رئيسي من المبنى .. كما أعدّت شريط المنتحر لبدايته.. ووضعت السمّ بالثلج والماء ..اما رسالة العجوز الغامضة ، فكانت جريمتي الأولى .. وحينها لم اكن بارعاً بموهبتي ، لهذا لم يكن صعباً عليك معرفة بأني هدّدته بالسلاح لكتابة رسالته الغريبة  


آدم : لحظة قبل أن تكمل .. من اين لك كل هذه الأسلحة ؟ فأنت تركت سلاحين مع ضحايا الكوخ .. وتركت سلاحاً قرب المنتحر المديون ، بالإضافة للسلاح الذي هدّدته به .. 

المراهق : عمي لديه محل اسلحة ، وكنت اساعد بتنظيفه بأوقات فراغي .. ولا اظنه لاحظ إختفاء اربعة اسلحة صغيرة من متجره المليء بأنواع البنادق والذخائر .. اظنها ستكون صدمة له بعد معرفته بجرائمي الذكية .. المهم دعني أكمل لك إنجازاتي ، فأجمل ما قمت به : هو القفز بالمظلّة بعد طلبي اثنتين منها ، لكن ليس للسبب الذي أخبرتني به .. فأنا لم اطلب الثانية للرهينة ، بل ربطت فيها تمثالاً يستخدم في محلاّت الملابس ، بعد أن ألبسته ذات ملابسي .. وكنت أثقلته بالحجارة .. وهو من رميته اولاً ، لتأكّد من عدم وجود قنّاصٍ ينتظرني اسفل المبنى .. واثناء انشغالهم بطيرانه .. قفزت من الجهة الخلفيّة للمبنى (بعد تخدير الرهينة) باتجاه موقف سياراتٍ فارغ .. ثم مرّرت بجانب الشرطة دون انتباههم ، بعد إزالة قناعي


آدم باستغراب : لكنهم أخبروني بأن الخاطف وصل للشاطىء ، وهرب بالقارب !

- توهمّوا ذلك ، لأنهم وصلوا للشاطىء بعد غرق التمثال بالبحر .. فاعتقدوا بهروبي بالسفينة .. على كلٍ ، انا فخورٌ بك ايها العجوز .. اخيراً وجدّت منافساً ذكياً لي


آدم : دعك من هذا الكلام وأخبرني عن المراهقين المسمومين بالمخزنين ، لما قتلت اصدقاء مدرستك ؟ 

المراهق : في المخزن الأول ، لم يعرف رفاقي بشأن الثلج المسموم .. اما الذين ماتوا بالماء المسموم ، فقد راهنتهم على ألف دولار ان اختاروا الحبة الوحيدة الغير سامة بين الأدوية .. وليتك رأيتهم وهم يرتجفون بشدّة اثناء بلعهم الفيتامينات

وضحك ساخراً..


آدم بحزم : إخبرني الحقيقة ، لما ارتكبت تلك الجرائم ؟ 

المراهق : كنت كتبت هذه الجرائم كحلقات لمسلسل شارلوك هولمز الصغير ، من انتاج والت ديزني..

آدم مقاطعاً : نعم نعم ، تقليداً للمحقّق كونان الياباني

- أحسنت ايها العجوز !

- إكمل !!


المراهق : انا وبقيّة جيلي ، كبرنا على هذين المسلّسين .. ولأني لا اريد النسخة الأمريكية أن تنتهي كاليابانية ، راسلتهم مراراً بأفكاري هذه .. لكنهم أنهوا المسلّسل الرائع بعد ثلاثين حلقة ، وكسروا قلبي مع الكثير من محبّي هذا النوع من الرسوم المتحرّكة .. لذلك فكّرت بارتكاب تلك الجرائم مع ترك ثغرات دقيقة بكل واحدة ، على أمل أن يحلّها محقّق ذكيّ مثلك .. فربما بعد إذاعة قضيّتي بالإعلام ، تصل لأسماع منتجيّ شارلوك الصغير ..فيقومون بإنتاج حلقاتٍ جديدة من مسلّسلي المفضّل

آدم بصدمة : هذا اسوء تبرير سمعته بحياتي !

- صدّقني لو شاهدّت الرسوم ، لأصبحت مهووساً مثلي

***  


لاحقاً ، حصل تماماً كما توقع القاتل المراهق ! وأنتجت والت ديزني حلقات جديدة مُقتبسة عن جرائمه الغامضة التي أفرحت العديد من الأطفال لعودة مسلّسلهم المفضّل ، ومنهم : حفيد المحقّق آدم الذي تفاخر امام اصدقائه بحلّه للغزين من تلك القضايا 


وكان من بين اصدقائه : اثنان من المهوسين بالمسلّسل ، تهامسا فيما بينهما:

- اخيراً عرفنا الطريقة التي تجعل المؤلفين ينتجون المزيد من حلقات مسلّسلنا المفضّل 

- تمهّل قليلاً ، ولننتظر ريثما نصبح مراهقيّن .. من بعدها نخطّط لجرائم غامضة ، كما فعل بطلنا المجنون .. وبذلك يستمرّ مسلّسلنا للأبد

فصافحه بحماس : إتفقنا !!

وابتسما بخبث !


السبت، 4 فبراير 2023

العنوسة

كتابة : امل شانوحة 

 

الفرصة الأخيرة


تربّت عزّة ونور بتحفّظٍ كبير من والدهم الذي حرمهما من التعليم او الإختلاط مع الأقارب او بنات جيلهنّ .. ولولا مرضه الذي أصيب به في منتصف العمر ، لكان نفّذ تهديده بالزواج من الأخرى لإنجاب الصبيّ الذي تمنّاه دائماً.. 

فهو عدا عن قساوته بالتصرّف معهما ، رفض جميع العرسان ..فهما بالنسبة له مخلوقتين لخدمته ، ومساعدة امهما فحسب !


ولم تكن ابنته الكبيرة عزّة (الأربعينيّة) تشعر بالظلم ، لمحبتها له وإخلاصها بخدمته .. بعكس نور (الثلاثينيّة) الخائفة من العنوسة ، والتي ترغب بشدّة الزواج من أيّ شابٍ دون شروط .. 

لكن والدها يصرّ على طرد الخطّاب اولاً بأول .. لهذا حاولت الإنتحار مرتين ، لولا إنقاذ اختها لها بآخر لحظة .. والتي أخفت الأمر عن والديها ، منعاً للمشاكل ..


كما حاولت نور الهرب من منزلها ، إلاّ أن عزّة أعادتها قبل غروب الشمس .. فهي تعرف تماماً عصبيّة والدها ، القادر على إنهاء حياتها دون تأنيب ضمير !  

***


مرّت سنةٌ أخرى على إحتجازهما داخل شقتهما الصغيرة ، قبل سماعهما صراخ امهما من المطبخ ! 

فركضا اليها .. ليجدا والدهما يختنق بالطعام ، ووجهه مِحمرّ بشكلٍ مخيف .. فحاولت عزّة مساعدته بالضغط على بطنه .. وهي تصرخ على الصغيرة ، لمناداة الممرّض من الطابق السفليّ لعمارتهم ..


لكن نور فضلت الجلوس على الدرج ، بانتظار سماع صرخة امها التي تؤكّد وفاة والدها الظالم .. فهي لا تنوي إنقاذ الوحش الذي دمّر حياتها .. 


وبعد دقائق ، عادت للداخل وهي تتصنّع البكاء لعدم إيجادها جارهم .. لتجد امها منهارة بالبكاء فوق جثة زوجها .. وعزّة صامتة بحزنٍ شديد .. 

فحاولت نور إخفاء ابتسامتها ، لشعورها بالإرتياح لانتهاء أزمتهنّ اخيراً !

***


في عزاء الوالد ، قدم اقاربهم من المناطق المجاورة لتقديم الواجب .. وكان من بينهم شابٌ وسيم ومتعلّم ، أتى من العاصمة فور سماعه بوفاة قريب والده .. 


وفي الصالة .. تبادلت الفتاتان نظرات الدهشة ، لعدم معرفتهما بوجود هذا القريب من قبل ! 

وحاولت الصغيرة التقرّب منه ، كلما قدمت القهوة للضيوف .. لكنه لم يلتفت اليها ، وظلّ يقرأ جزءاً من القرآن على روح الميت .. 

فقالت بنفسها بسعادة :

((وسيم ومتدينٌ ايضاً ، سأجعله نصيبي مهما كلّفني الأمر))

***


بعد انتهاء الأيام الثلاثة للعزاء ، قدّم الشاب تعازيه للأم قبل عودته للعاصمة .. وأعطاها بطاقته ، في حال أردنّ مساعدةً ماليّة .. 

فوضعت الأم بطاقته في جيبها ، وهي تشكره على لطفه .. بينما نور تراقبهما من بعيد وهي تخطّط لسرقة البطاقة ، لمعرفة رقم قريبها المثاليّ 

***


إستطاعت نور باليوم التالي أخذ فستان امها ، بحجّة غسله .. لتسارع بكتابة رقم هاتف الشاب على ورقة ، أخفتها فور قدوم امها لتفتيش جيب الفستان قبل وضعه بالغسالة .. 

وبعد إخراجها البطاقة ، قالت لإبنتها :

- جيد انني أوقفتك ، فنحن لا نريد تضيّع رقمه .. لأننا لا نعلم ما ينتظرنا في المستقبل 


فابتسمت نور بخبث ، وهي تنوي محادثته ليلاً من جوّال والدها المتوفي التي استولت عليه بغرض الحفاظ على مقتنيات والدها ، الذي حرمهمنّ من اشياء كثيرة ، منها الهاتف الأرضيّ !

***


في اليوم التالي .. أمضت نور طوال النهار وهي تنقل سريرها وأغراضها من غرفة اختها الى مكتب والدها ، وهي تدّعي شوقها لأبيها ورغبتها بالشعور بروحه تحوم حولها ! 

ورغم استغراب اختها الكبيرة من حبها المفاجئ لوالدها ، إلاّ انها لم تمانع إنتقالها من غرفتها ..


وبعد حصول نور على استقلاليتها اخيراً ، تحدّثت مع الشاب وهي تتصنّع البكاء على فراق والدها ، وشعورها بالفراغ دون وجود رجلٍ بحياتهنّ .. 

وبدوره واساها بكلماتٍ رقيقة ، عارضاً خدماته الماليّة متى احتجنّ اليها ..

***


لم تكن تلك المكالمة الوحيدة بينهما .. وامتدّ الحديث طوال الليل بين العاشقين الجدّد .. حيث أبدى إهتماماً بها ، ورغبته بالتقرّب من عائلتها .. فهو يدير متجر والده للأدوات المنزليّة ، وباستطاعته استئجار منزلاً للزواج بها.. 

وبدورها لم تمانع بأنه يكبرها ب15 سنة ، فهي تريد تجربة الحياة الزوجيّة بعيداً عن حياة اهلها المملّة الفقيرة ..


المشكلة الوحيدة التي اعترضته : هو عدم إيجاده الوقت المناسب للقدوم اليهن ، فهو مشغول دائماً بأعماله في العاصمة .. حيث أخبرها انه لا يسافر إلاّ بالمناسبات المهمّة : كأعراس الأقارب او لتقديم العزاء .. مما أحبط نور التي تعرفه منذ ثلاثة اشهر .. فهي لم تعدّ ترضيها كلامه المعسول ، بل تريد منه فعلاً يؤكّد نيّته الصادقة للإرتباط بها .. خاصة بعد إرسالها صوراً فاضحة بالجوال ، بعد إلحاحه المتواصل 

ومن بعدها صار يتهرّب دائماً من التحدّث مع امها عن خطبتهما ، مما جعلها تشكّ أنه تلاعب بها !

***


بعد ايام .. صرخت الأم بعلوّ صوتها ، بعد موت نور بجرعةٍ زائدة .. حيث تناثرت حبوب دواء القلب الخاصّ بوالدها امام سريرها ! 

وكانت الصدمة كبيرة لأختها عزّة التي لاحظت اكتئابها بالفترة الأخيرة ، لكنه لم يخطر ببالها أن تُنهي حياتها !

 

وبعد نقل الإسعاف جثتها الى ثلاّجة المستشفى ليوم الدفن .. أخبرت عزّة امها بأنها سمعتها مراراً تتحدّث من شاب بالجوّال طوال الليل ، وإن انتحارها بسبب صدمةٍ عاطفيّة .. 


لكن الأم أخفت ذلك عن المعزّيين ، وأخبرتهم بأن ابنتها قتلت نفسها حزناً على والدها الحنون ! وإن انتقالها لمكتب والدها زاد من شوقها له .. 

فتمنّوا أن يكون برّها لوالدها سبباً بغفران ربها لانتحارها المخالف للدين ! 

***  


وكان من ضمن المعزّيين ، الشاب الوسيم الذي أخفى قلقه وتوتّره عن الضيوف .. فهو شعر بالذنب لعدم إيفائه بوعوده لقريبته الشابة التي وافقت على جميع شروطه بغرض الزواج منه ، وإخراجها من جحيم اهلها (على حسب قولها) ..


واثناء مرور عزّة لتضيّف القهوة على الأقارب والأصدقاء ، همست له بحنق :

- هاتف اختي معي .. وقرأت جميع محادثاتك الخبيثة .. كما رأيت الصور المشينة التي ارسلتها لك ، بناءً على طلبك .. 

فهمس بارتباك : رجاءً إخفضي صوتك ، لا اريدهم أن يعرفوا إنني سبب انتحارها 

عزّة : حسناً ، لن اخبرهم .. لكن عندي شرط ، كتبته هنا 

ثم دسّت ورقة صغيرة بيده.. 

وبعد ذهابها ، صُدم بما قرأه !

***


بعد شهر من وفاة نور .. عُقد زواج عزّة على قريبها الوسيم ! 

فهذا كان شرطها لإخفاء ما فعله بأختها .. خاصّة انه يُدير متجر والده الملتزم دينياً ، والذي بإمكانه طرده لوّ عرف بوقاحته ! 

***


بعد انتهاء شهر العسل ، وعودته الى متجره .. أخذت عزّة تمشّط شعرها بمنزلها الكبير ، وهي تتذكّر كيف اذابت بعض ادوية والدها ، التي حقنتها بذراع اختها اثناء نومها .. وشاهدتها وهي تنتفض بعد تسارع قلبها .. اثناء نثرها بقية الأدوية على فراشها .. وكتابة رسالة الإنتحار لأمها ، وهي تقلّد خطّ نور ((آسفة امي ، فالحياة لم تعدّ تُطاق)) .. 


ثم نظرت للمرآة وهي تحدّث نفسها :

((سامحيني يا نور .. كان عليّ إبعادك عن طريقي ، لإجباره على الزواج بي .. فأنا أحببته اولاً ، وهو مناسب لعمري اكثر منك .. لكنك سرقتي رقمه قبلي ، بينما أخفت امي بطاقته عني .. لذلك خطّطت لقتلك ، كيّ اراه بالعزاء .. فأنا لست غبية لأفوّت فرصتي الأخيرة بالزواج .. أمّا صورك المشينة فمازالت موجودة بجوال ابي الذي أبقيته معي ، لكيّ أبتزّه بها من وقتٍ لآخر لتنفيذ طلباتي .. ولن أشعر بالذنب لما فعلته بك ، لأنك لست ملاكاً .. فجارنا الممرّض أخبرني إنه تواجد في منزله لحظة وفاة ابي .. فكما تخلّصت من والدنا ، تخلّصت منك .. يبدو أن والدي كان مُحقاً حينما قال : إن النساء من جنس الشياطين))

وابتسمت بمكر !  


الخميس، 2 فبراير 2023

الطائرة المفقودة

*تأليف : امل شانوحة* 

رحلة الكشّافة


غامر ثلاثةُ شبابٍ بترك مخيّم الكشّافة لاكتشاف الغابة القريبة منهم، وتوغّلوا فيها إلى أن عثروا على هيكل طائرة شبه مُحطَّمة بين الأشجار، تبدو كأنّها هبطت اضطراريًّا قبل سنواتٍ طويلة!

والأرعب من ذلك، أنّهم عثروا على بعض الركّاب ما زالوا مُقيّدين بكراسيهم بحزام الأمان، بعد تحوّلهم إلى هياكل عظميّة!


وبعد تصويرهم للجثث العشرة من رحلةٍ تتّسع لأكثر من مئة راكب (فمعظمهم طار من النوافذ المُكسَّرة)، نادى أحدهم رفاقه وهو واقفٌ أمام جثّةٍ مشوّهة، قائلًا:

- هذه جثّة سيّدة، عرفتها من بقايا فستانها الأحمر.. لكن لماذا يداها مقطوعتان، وأسنانها تبدو مقلوعة بعنف، بعكس الآخرين؟!

- ربّما اقتحم حيوانٌ برّيّ باب الأمتعة المكسور، وهجم عليها.. كونها الناجية الوحيدة بينهم!

- بل هناك أغرب من ذلك.. لم أجد سوى جثّة طيّارٍ واحد، ولا أثر للآخر!

- ربّما قذفته الرياح بعيدًا مع بقيّة الأمتعة والركّاب..

- السؤال الأهم، لماذا لم تبحث الشرطة عنهم؟!

- اهتراء هيكل الطائرة يدلّ على أنّ الحادثة حصلت بنهاية القرن الماضي.. لكنّي أشكّ أنّها مُفتعلة، لأنّي وجدت الصندوق الأسود بلا أسلاك! فهو من النوع القديم الذي يتعطّل بسهولة، ممّا يؤكّد نظريّتك بأنّها رحلةٌ قديمة.

- وكيف عرفت مكانه؟

- شاهدت فيلمًا وثائقيًّا عنه، وهو يُخبَّأ عادةً في مؤخرة الطائرة.

- دعونا نُصوّر كلّ شيء، وعندما نعود إلى المخيّم ننشره على الإنترنت.

فظهر صوتٌ من الخلف: هذا إن وصلتم سالمين!!!


فالتفتوا إلى مصدر الصوت، ليجدوا عجوزًا بشعرٍ ولحيةٍ طويلين، يصوّب بندقيّته نحوهم، قائلًا بعصبيّة:

- انزلوا فورًا من طائرتي، قبل إلحاقكم ببقيّة الضحايا!!

ولخوفهم من كونه مجنونًا، مشوا أمامه بصمت.


وظلّ يأمرهم بمتابعة المسير، إلى أن وصلوا إلى كوخٍ في أعلى الجبل (القريب من الغابة) مع حلول المساء!

***


داخل الكوخ، قيّدهم بكراسيهم أمام المدفأة التي أشعلها بعد اشتداد البرودة.

فسأله أحدهم بخوف:

- ماذا تنوي فعله بنا؟!

العجوز بلؤم: التخلّص منكم.

- وما الذنب الذي فعلناه لتقتلنا؟!

العجوز: وهل تظنّون أنّني سأترككم تفضحون سرّي؟!!

- ولماذا تقلق منّا، بعد رميك جوّالاتنا في النار؟

العجوز: وما يُدريني أنّكم لن تُخبروا أصدقاءكم في المخيّم عمّا رأيتموه في الغابة؟! فبسبب فضولكم، وضعتموني أمام خيارين: إمّا قتلكم، أو تقطيع أيديكم وألسنتكم.

الشاب بلؤم: أتقصد كما فعلت بالراكبة صاحبة الرداء الأحمر؟

فاقترب العجوز منه:

- أنت ذكيّ، ما اسمك؟

- ديفيد.

العجوز: اسمع يا ديفيد، عليك ضبط لسانك الطويل الذي بإمكانه إنهاء حياتك.

فقال صديقه: طالما سنموت بجميع الأحوال، فلماذا لا تُخبرنا بسرّك؟

العجوز مبتسمًا: يبدو أنّ الفضول يقتلكم.

فأومأوا برؤوسهم إيجابًا، بخوف.

العجوز: حسنًا، سأخبركم حكاية الطائرة المفقودة.. انتظروني قليلًا.


وأخذوا يشاهدونه وهو يُركّب سينما قديمة، تُظهر صورًا على الحائط فوق المدفأة: ((لرجلٍ يُلاعب ابنه الصغير))، وهو يشرح لهم ما يرونه:

- هذه صوري مع ابني جاك، الذي توفّيت أمّه أثناء ولادته، فربيته وحدي.. كان قرّة عيني، وكان مطيعًا للغاية.. وببلوغه سنّ الثامنة، صرت آخذه معي إلى مدرّج الطائرات لتعليمه قيادة الطائرة الشراعيّة.. ولشدّة ذكائه، تمكّن من تحليقها وحده في عمر 13، وكنت فخورًا به.. وبعمر 20 كان أصغر طيّار، بعد نجاحه بتفوّق على بقيّة زملائه الذين يكبرونه سنًّا.. ولأنّي طيّارٌ محترف لأكثر من عشرين سنة، توسّطت له عند شركتي للسماح له بقيادة أوّل رحلةٍ جويّة، مع إشرافي عليه.. وللأسف، تواجدت تلك السيّدة الملعونة بتجربته الأولى.

- أتقصد صاحبة الرداء الأحمر؟

العجوز بقهر: نعم.. وهي صبيّة ثريّة، جلست في الدرجة الأولى.. وكلّ ساعة تدخل إلى كابينة الطائرة وهي تأمرنا بالإسراع للوصول إلى حفلتها في الدولة المجاورة، كأنّنا نقود حافلة! كم كانت غبيّة ومتغطرسة..

- وماذا حصل بعدها؟

العجوز: كلامها المُستفزّ عن سوء عملنا أربك ابني المتوتّر، وجعله يهبط بقوّة فوق المدرّج.. لم يكن هبوطًا سيّئًا، لكنّها أسقطت العصير على فستانها الغالي، فصارت تشتمه وتتوعّده بالشكوى عليه لدى إدارة المطار.. ولأنّ والدها من أهمّ المساهمين في المطار السياحيّ، طردوا ابني من عمله الذي يعشقه منذ الطفولة! ليس هذا فحسب، بل أصرّت على حرمانه من التوظّف في معظم شركات الطائرات الخاصّة والعامّة في الدولة! فوالدها سياسيٌّ نافذ، ممّا أحبط ابني كثيرًا، لدرجة أنّه شنق نفسه في ليلة عيد ميلاده الثاني والعشرين!

- قصّةٌ حزينة!


العجوز بقهر: موته دمّرني تمامًا، فقدّمت استقالتي.. لكن شركتي أصرّت على قيامي برحلةٍ أخيرة قبل تقاعدي المبكّر.. وكان ذلك بعد سنةٍ من وفاة جاك.. ومرّت الرحلة بسلام، قبل سماعي لصوتها المزعج وهي تُحقّر أقدم المضيفات في طائرتي.. وكأنّ القدر وضعها في طريقي من جديد، لأُريح العالم من نرجسيّتها! فخرجت من كابينتي لأراها تضحك بصوتٍ مرتفع باتصالٍ هاتفيّ، دون اكتراثها بمن حولها! فثار جنوني، فقاتلة ابني على بُعد مترين منّي، وشعرت برغبةٍ في خنقها بيديّ حتى الموت.. لكنّي تمالكت أعصابي، وعدت إلى الكابينة وأنا أُخطّط لقتلها.. فقمت أوّلًا بإغلاق المحادثات مع برج المراقبة دون علم مساعدي، ثم تركته يُحلّق وحده بحجّة ذهابي إلى دورة المياه.. في هذه الأثناء، نزلت إلى خزانة الصندوق الأسود، وقلعت أسلاكه بعنف، ثم عدت إلى الكابينة وطلبت من مساعدي تهدئة الوضع بعد شجار الثريّة الغبيّة مع راكبةٍ بجانبها.. وفور ذهابه، غيّرت مسار الطائرة متوجّهًا إلى الغابة، ثم ثبّتّ الطيران بالتحليق الآلي بعد وضعي كلمة السرّ في جهاز الكمبيوتر، لمنع مساعدي من التحكّم بالمسار.. من بعدها عاد مساعدي، ليتفاجأ بتحليقنا المنخفض فوق الجبال القريبة من الغابة! فأراد تعديل الارتفاع، لكنّي ضربته بكتاب التعليمات الضخم على رأسه، فأفقدته الوعيّ، ثم أقفلت باب الكابينة عليه من الخارج بمفتاحي الخاصّ.. ونزلت إلى مستودع الطائرة، ولبست المظلّة، وفتحت باب الأمتعة، لتطير الحقائب في الهواء، مع ارتفاع صراخ الركّاب بعد اهتزازٍ عنيف بالطائرة.. وما إن لمحت الغابة، حتّى قفزت إلى الخارج، ونزلت سليمًا بمظلّتي، وأنا أشاهد الطائرة تهبط بعنفٍ فوق الأشجار، وأمضيتُ يومين سيرًا على الأقدام، إلى أن وصلتُ إلى حطام الطائرة، وتفقّدتُ الموتى الذين علقوا بكراسيهم، ولم أصدّق عينَيّ بعد رؤيتي الملعونة ما تزال حيّة!

- فقتلتها بنفسك؟

العجوز: نعم، بعد إحضاري الفأس من الكوخ.

- وكيف عرفت بشأن الكوخ؟!

العجوز: هو منزلي، بنيته مع ابني لاصطياد الأرانب والطيور في الصيف.

- ألهذا وجّهت الطائرة إلى الغابة؟

العجوز: نعم..

- وماذا حصل بعد إحضارك الفأس؟

العجوز: قطعتُ يديها وحطّمتُ أسنانها، كي لا يعرف أحد بأنّها الفتاة المدلّلة الشهيرة.

- أفعلتَ ذلك وهي حيّة؟!

العجوز: بالطبع!! وتركتُها تنزف حتى الموت، بعد أن أخبرتها بقتلها لابني الوحيد.

- ولم يأتِ أحد لتفقّد الطائرة طوال السنوات الماضية؟

العجوز: وكيف سيعرفون مكانها بعد تدميري الصندوق الأسود، واختفاء الطائرة بين الأشجار الكثيفة؟!.. وها أنتم بعد ثلاثين سنة، تريدون فضحي بعمر الثمانين.. لا طبعًا، موتكم أسهل بالنسبة لي..


وأزال فأسه المُعلّق عن الجدار، ليصرخوا بهلع وهم يترجّونه بتركهم وشأنهم، بعد وعدهم بكتمان سرّه..

لكنّه أسقط الفأس أوّلًا على رأس كبيرهم، ثم رقبة الثاني.. أمّا الثالث، فتظاهر بالموت بعد إصابة الفأس كتفه، قاطعًا جزءًا من لحمه، والحبل حول ذراعيه.


وأثناء استلقائه على الأرض، وهو يكتم ألمه بصعوبة، مُراقبًا بطرف عينه العجوز وهو يجرّ بصعوبةٍ بالغة الجثّة الأولى لدفنها خارج الكوخ، استطاع سحب اللاسلكيّ الصغير المُخبّأ بإحدى جواربه، واتصل برئيس مخيّم الكشّافة لإخباره بموجز ما حصل.

ليردّ الرئيس بخوف: وأين عنوان الكوخ؟


وقبل أن يجيبه الشاب، وقع الفأس على رأسه من الخلف، بعد سماع العجوز لصوت الجهاز.. وبعد قتله، أمسك اللاسلكيّ قائلًا بقلق:

- لا أدري ما قاله الملعون! من الأفضل الاحتراس هذه الليلة.

***


بعد دفنه للشباب الثلاثة خارج كوخه، وضع كرسيّه أمام النافذة المُطلّة على الغابة وهو يحمل بندقيّته، وبجانبه صندوق الذخائر، وخلفه حبلٌ مُعلّق من السقف، وكرسيّ آخر أسفل منه، مُتحدّثًا مع صورة ابنه:

((سأقاوم قدر المستطاع، وسأقتل كلّ من يقترب من منزلي.. وإن انتهت الذخائر دون قضائي على جميع أفراد الشرطة والمتطفّلين الحمقى، سأشنق نفسي، للّحاق بك إلى الجحيم.. أعدك بذلك، يا ابني العزيز)) 

ثم لقّم سلاحه بالرصاص، بانتظار ضحاياه الجدد!


الزوبعة النورانية الجزء الثالث والأخير

تأليف : امل شانوحة  رابط الجزء الأول من القصة https://www.lonlywriter.com/2026/09/blog-post.html رابط الجزء الثاني من القصة  https://www.lon...