الأربعاء، 18 أغسطس 2021

مفتاح الكنز

فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة 

صاحبة الدم الفاتح


في الصباح الباكر .. وأثناء توجّه المعلمة سلمى الى مدرستها ، رأت صبياً (ثماني سنوات) يقف على شرفة الطابق الأول في المبنى المجاور ، قبل نزوله على قسطل عمارته باتجاه الشارع .. والركض بأسرع ما يمكنه ، داخل زقاقٍ ضيّق .. 

بعد قليل خرجت امه الى الشرفة ، وهي تبحث عنه بقلقٍ واضح ! 


فنادتها سلمى من الأسفل ، وهي تشير للزقاق : 

- رأيته يذهب بهذا الإتجاه 

فقالت الأم بضيق : سيقتلني هذا الولد ، صبّرني يارب !!


فأكملت سلمى طريقها دون التفكير بالأمر ، فهي معلمة ابتدائي ومتعوّدة على مشاغبة الأولاد بهذا العمر 

***


في اليوم التالي .. حصل الشيء نفسه ، فقرّرت سلمى اللحاق به ..لكنها لم تجده في أيّ مكان ! 

فأكملت طريقها الى المدرسة

***


في اليوم الثالث .. إستطاعت سلمى الإمساك به داخل الزقاق ، لترى في عينيه خوفٍ شديد ! خاصة بعد وصول امه التي ضربته بقسوة ، وسحبته من يده وهو منهار بالبكاء 


فأوقفتها سلمى : عفواً اريد سؤالك عن سبب هروبه المتكرّر ؟ فأنا معلمة ، وبإمكاني المساعدة

فأجابتها الأم : هو يرفض تناول الإفطار قبل ذهابه للمدرسة


فنظرت سلمى اليه .. لتجده يحرّك رأسه يميناً ويساراً ، كأنه ينفي ما قالته!

لكنها لم تستطع الإستفسار منه ، بعد أن أعادته امه بالقوة الى شقتها

***


في اليوم الرابع .. إلتقت سلمى بالولد على رصيف الشارع ، بعد هروبه من الحارة الشعبية .. وقبل قطعه الطريق ، أوقفته :

- أهربت مجدداً من امك ؟!

- هي ليست امي ، ارجوك ساعديني

وكان يرتجف خوفاً ! 


وحين سمعت صراخ امه وهي تبحث عنه ، أسرعت بإدخاله الى سيارة اجرة والإبتعاد عن المكان ، لفهم ما يحصل معه  

***


في السيارة .. أخبرها الصغير إن المرأة خطفته بعد إغرائه بشراء الحلوى ، لتقوم بتخديره وأخذه الى منزلها


وجاء كلامه صادماً لسلمى وسائق الأجرة الذي سأله عن عنوان منزله ؟

فأجابه الصبي : أذكر انه يوجد تحت عمارتنا ، محل لحوم 

السائق : ما اسم المحل ؟

الولد : مشاوي احمد واولاده

فسألت سلمى السائق : أتعرف ذلك المحل يا عم ؟

السائق : سأسأل اصدقائي عنه


واتصل بعدة سائقيّ الأجرة ، الى أن عرف العنوان .. وأخذهما الى هناك ..وفور وصولهم للمنطقة ، هللّ الولد فرحاً :

- نعم !! هذا شارعنا 

سلمى : امتأكد ؟

الولد وهو يشير لمبنى بعيد : 

- نعيش في ذاك المبنى ذوّ النوافذ الخضراء 


فشكرت سلمى السائق ، ونزلت مع الولد الى هناك ..

- هيا إصعد الى منزلك ، ماذا تنتظر ؟

- أخاف أن تغضب امي بعد غيابي اسبوعاً عن المنزل.. ارجوك إصعدي معي لتشهدي عمّا حصل 


فوافقت سلمى على اقتراحه .. 

وحين وصلا الشقة ، أخرج الولد المفتاح من جيبه .. فسألته باستغراب :

- أمعك المفتاح ؟!

- مازلت أحتفظ به .. رجاءً أدخلي بهدوء ، فأمي عادةً تكون نائمة بهذا الوقت المبكّر


وما أن دخلت الصالة ، حتى شهقت بعد رؤيتها صورة معلّقة على الجدار:

- هذه صورة ابي !

الولد : وابي ايضاً

- ماذا تقصد ؟!


وهنا دخلت امه وهي تقول : كيف حالك يا سلمى ؟

فارتجفت المعلمة فور رؤيتها زوجة ابيها التي قالت وهي تمسح رأس ابنها: 

- أخيراً إلتقى الأخوان 

سلمى : لم أكن أعرف إن لديّ أخ !

زوجة ابيها : إمك سامحها الله أصرّت على الطلاق ، بعد زواجي من والدك .. وأخذتك بعيداً عن المنطقة ، قبل إنجاب ابني .. كنتِ حينها في العاشرة على ما أذكر 


فنظرت سلمى بعتاب الى الولد :

- أكنت تعرف انني اختك منذ البداية ؟ ..وهل اختلقت قصة إختطافك لتحضرني الى هنا ؟  


وقبل أن تسمع جوابه ، سقطت مغشياً عليها بعد قيام زوجة ابيها بتخديرها بقماشة مبلولة ، أطبقتها على فمها بقوة من الخلف !

***


إستيقظت سلمى مساءً في مكانٍ مظلم ، وهي مقيّدة اليدين والقدمين بالسلاسل المثبّتة في جدارٍ متآكل بالرطوبة والعفن ! 


فظلّت تصرخ بعلوّ صوتها ، طلباً للنجدة .. إلى أن نزلت زوجة ابيها الأدراج ومعها القنديل ، وهي تقول :  

- اخيراً استيقظتِ ، لم أظن المخدّر سيجعلك تنامين النهار كلّه

سلمى : اين انا ؟

- في منزلٍ مهجور بجانب المقبرة

سلمى بخوف : أيّةِ مقبرة ؟ ماذا تنوين فعله بي ؟!


ففكّرت المرأة قليلاً ، قبل أن تقول : 

- حسناً ..طالما ستختفين بعد قليل ، فلا مانع من إخبارك الحقيقة

سلمى بقلق : أختفي !

- إسمعيني دون مقاطعة !!


وجلست فوق سجادة بجانب سلمى ، وهي تقول : 

- بعد انتقالي الى عمارتكم ، عزمتني امك على حفلة ولادتك ..  وحين وضعتك في حضني ، إنتبهت على الخط الذي يقسم كفّ يدك بالتساوي ، ولسانك المشقوق طوليّاً ، وبريق عينيك الذي فيهما حولٌ بسيط ..وكلها صفات الزوهريين ، وهم اطفال نادرون جداً ..ولأن دمائكم فاتحة اللون ، فهي ترضي حرّاس كنوز الأرض من الجن والعفاريت


 

سلمى : هل انت المرأة المقنّعة التي حاولت خطفي في صغري ؟ 

- حاولت ذلك عدة مرات ، قبل انتقالكما من العمارة .. 

- ألهذا منعتني امي من الخروج وحدي واللعب مع الأطفال في الشارع ، وأحضرت لي المعلمات كيّ لا اذهب للمدرسة ؟! 

- بصراحة لا ألومها على حرصها عليك ، فأنت كنز بالنسبة لنا

سلمى : من تقصدين ؟

- السحرة 

- هل أنت ساحرة ؟ 


زوجة ابيها بفخر : ومحترفة ايضاً ، لكني أعمل في السرّ خوفاً من الشرطة وحنق المسحورين .. المهم دعيني إكمل ..حين فشلت بخطفك ، أغريت والدك بكل الطرق للزواج مني ، على أمل أن يجمعني مع امك في بيتٍ واحد كيّ أخطفك .. لكن امك أفشلت خطتي برحيلها عن المنطقة .. فحاولت إقناع والدك بالمطالبة قانونياً بحضانتك ، لكنه أصرّ على الإنجاب مني .. وبعد ولادة ابني ، تخلّصت من ذلك المُغرم السخيف 

سلمى بصدمة : أقتلت ابي ؟!


المشعوذة : بالأصح أحرقته في محفلٍ شيطانيّ ، بحضور اصدقائي السحرة .. وأوهمت اقاربك والجيران بأنه طلّقني وهاجر للخارج دون الإكتراث لطفله

سلمى بغضب : اللعنة عليك !!

- لم يكن يهمّني والدك على الإطلاق ، بل انت عزيزتي .. والآن اريدك أن تصمتي لحين انتهائي من إستحضار الجني الذي اتفقت معه مسبقاً على وهبك له 

سلمى بخوف : وماذا سيفعل بي الجني ، يا حقيرة ؟

- ربما يقتلك او يأكلك او يتزوجك او يستعبدك .. انت ملكه ، وهو حرٌّ بك .. والآن إستمتعي بالعرض السحريّ


وبدأت تتلو تعويذاتٍ شيطانية بلغةٍ غير مفهومة ، وهي تنفخ على النار التي بجانبها ، ليخرج منها زوبعة سوداء تحرّكت في ارجاء الغرفة .. قبل أن يتبدّد الضباب ، ويظهر الجني بقرونه الحادّة وحوافر الماعز ، الذي اقترب من سلمى ليتفحّصها بعينيه المخيفتين .. قبل أن يقول للمشعوذة :

- أحسنت !! هي زوهرية بالفعل 


فقالت زوجة ابيها : لقد قمت بواجبي وأحضرتها لك ، وعليك تنفيذ وعدك لي

الجني : لكنك تأخرت عليّ سنواتٍ طويلة

- هي أتعبتني كثيراً .. ولم أستطع إيجاد عنوانها الجديد ، الا بعد موت امها وانتقالها الى منزل خالتها


وهنا سمعت سلمى صوت خالتها وهي تنزل اليهم ، قائلةً للمشعوذة:

- ألم تعديني أن أشاهدك وأن تستحضرين الجني ؟ 

سلمى بصدمة : خالتي !

الخالة : آسفة سلمى ..انت تعرفين ضيق الأحوال المادية التي أمرّ بها في الآونة الأخيرة .. وامك رحمها الله أخبرتني بشكوكها حول زوجة ابيك ، وعن محاولات خطفك وانت صغيرة لأنك زوهرية .. فقمت بالإتصال بها وإعطائها العنوان 


المشعوذة : وانا بدوري ارسلت ابني (الى صديقتي التي استاجرت امام منزلك) لتمثيل هروبه المتكرّر كيّ يجذب انتباهك ، ويحضرك إليّ 

- وانا نجحت بالمهمّة ، كما وعدتك 

قالها اخوها بعد انضمامه للجلسة ، فعاتبته امه :

- ألحقت بي للمقبرة كعادتك ، ايها المشاغب ؟

الولد : لأنك وعدتني أن اشاهد الجني .. أهذا هو ؟ 

وأشار الى الجني الذي قال له :

- نعم انا .. وسأكافئك عن إتمام دورك بمهارةٍ وخبث

وأعطاه عملة نقدية ..

الولد بفرح : أنظري امي !! انها ذهب 

فقالت المشعوذة للجني : المهم أن لا تنسى نصيبي من العملية


فأعطاها الجني كيساً من الخيش مليئاً بالعملات الذهبية ، وهو يقول:

- هذه لك ، ولخالة سلمى

الخالة : لي نصف المبلغ ، كما اتفقنا

المشعوذة : أعرف هذا ، سنتقاسمها بعد رحيلهما


بهذه الأثناء .. قام الجني بفكّ قيود سلمى ، وإمساك يدها بقوة وهو يقول : 

- تعالي معي

سلمى بخوفٍ شديد : الى اين ؟

المشعوذة : إذهبي مع عريسك يا سلمى ، ولا تعانديه 

فصرخت سلمى باكية : لا اريد !! خالتي ارجوك ساعديني

الخالة : آسفة سلمى ، الموضوع خرج من يدي

فنادت أخاها :

- انا اختك الوحيدة ، ارجوك ساعدني

الولد : آسف ، لكن أمي وعدتني بتعليمي الشعوذة إن نجحت بخطفك 


فضحك الجني : ستكون مشعوذاً عظيماً ايها الماكر ، وأتطلّع للعمل معك في المستقبل القريب

الولد بحماس : وأنا أعدك بخطف الكثير من الزوهريين ، في مقابل جبالٍ من الذهب 

الجني : جبال ! أنت طمّاعٌ كأمك ، وهي ميزة كل المشعوذين


ثم شدّ الجني يد سلمى ، وهو يقول بحزم : 

- وانت !! هيا بنا ، فقد تأخرنا عليهم

سلمى برعب : على من ؟ 

-  ستعلمين لاحقاً


ثم سحبها الى باطن الارض ، تاركاً أقاربها الثلاثة منشغلين بعدّ العملات الذهبية دون اكتراثهم لمصير سلمى المجهول في عالم الجن المرعب ! 

السبت، 14 أغسطس 2021

يخلق من الشبه أربعين

تأليف : امل شانوحة 

 

الشخصية المتطوّرة


إستيقظت رؤى وهي تشعر بدوارٍ شديد ، داخل غرفةٍ مظلمة ! فأضاءت جوالها على عجل .. لتضيء معها جوالات أخرى على التوالي ، مُظهرةً وجوه فتيات متواجدات معها في الصالة الكبيرة ..

وحين وجّهت نور جوالها عليهن ، لاحظت الشبه بينهن ! كأنها تنظر في مرآة تعكس نسخاً عديدة منها ! 

وبدورهنّ إرتبعنّ من تشابههن المريب 


وفي خُضمّ الفوضى التي اعترتهنّ ، توجهنّ جميعاً نحو الباب الرئيسيّ الذي وجدنه مُغلقاً بإحكام من الخارج !


وبعد طرقٍ شديد عليه ، اضيئت أنوار الصالة وحدها ! 

لينتبهن على تشابه أذواقهن في اختيار الملابس المريحة بألوانها الناعمة ، وعدم وضعهنّ مساحيق التجميل على وجوههن !

لكن لم يكترثن لذلك لانشغالهن بفتح الباب او كسره ، للهرب من هذا الحجز المخيف ..


ومرّت ساعتان من البحث المتواصل بكل ركنٍ وزاوية في ارجاء الصالة البيضاء الخالية من النوافذ ، ليفشل الجميع بإيجاد مخرجٍ آخر للهرب من هذا المأزق .. 

وبعد شعورهن باليأس ، عدن الى وسط الصالة للجلوس ومناقشة ما حصل 


وتكلّمت رؤى اولاً :

- سأعرفكن عن نفسي ، إسمي رؤى .. كنت ذاهبة الى منزل صديقتي ، حين شعرت بدوار اثناء عبوري إحدى الزقاق ، واختلّ توازني .. من بعدها استيقظت هنا ، دون تذكّر شيئاً آخر .. ماذا عنكن ؟


فنظرن لبعضهن بدهشة ، قبل أن يقلنّ بصوتٍ واحد :

- انا ايضاً اسمي رؤى !! 


فقالت رؤى الأربعينية : هل تمزحن معي ؟! يعني نتشابه بالشكل والذوق والإسم ، ونختلف فقط بالأعمار .. لحظة ! كم عددنا ؟ 


وأخذت تعدّهن ، قبل أن تقول : 

- أنتن 39 فتاة .. يعني تريدون أن تقنعوني إن المثل القديم الذي يقول ((يخلق من الشبه اربعين)) صحيحاً ؟ .. حتى لوّ كان صحيح ، أيعقل أن جميع شبيهاتي تسكنّ نفس المدينة ، وفي العصر ذاته .. اليس المفترض أن نكون منتشرين حول العالم ، ونولد في قرونٍ متباعدة ؟


فاكتفت الشبيهات بالنظر لبعضهن باستغراب ، دون النطق بحرفٍ واحد .. فأكملت رؤى كلامها :

- حسناً أخبروني ..ماذا فعلتنّ قبل وجودكن هنا ؟


فأجابت كل واحدة منهن إجابةً مختلفة : 

فإحداهن كانت تدرس لإمتحانات الجامعة ، قبل الغفو على سريرها .. لتستيقظ هنا 

والثانية كانت تقرأ قصة على الشرفة 

والثالثة تلعب بجوالها في الحديقة العامة 

والرابعة تكلّم خطيبها على الإنترنت 

اما الآخريات فلا تذكرنّ ما حصل ، قبل تواجدهن في هذا المكان الغامض!


واثناء حديثهنّ ، إنفتح باب خزانة صغيرة داخل الجدار ! 

فأسرعن نحوها ، ليجدن 40 طاسة بها حساء ساخن .. ولشدة جوعهن شربنها مباشرةً ، دون استخدام الملاعق


ثم أُقفلت باب الخزانة ، كأن هناك من يتحكّم بأبوابها عن بُعد ! 

فنادت رؤى بعلوّ صوتها :

- يامن أرسلت إلينا الطعام !! هل تراقبنا بكاميرا خفيّة لمعرفة ردّة فعلنا بعد جمعك لنساءٍ متشابهات ؟ 


وحين لم تسمع جواباً ، قالت بعصبية :

- أتحاول تطبيق أحد افلام الرعب التي شاهدتها بالسينما ؟ ..أظنك تنوي لاحقاً إنقاص طعامنا لكيّ نتشاجر ، اليس كذلك ؟ أم ستضع حبوب هلوسة في شرابنا لنتقاتل كالمجانين ؟ ..ما النظرية التي تريد إثباتها ايها المريض المعتوه ؟!!


وإذّ ببابٍ جانبيّ في آخر الصالة يُفتح على مصراعيه ، ليجدن بداخله مهجعاً طويلاً فيه 40 سريراً .. ثم بدأت الإضاءة تخفّ تدريجياً في زوايا الصالة ! كأنه يدعوهنّ للنوم بعد تأخر الوقت !


فاتفقن بصوتٍ منخفض على السهر ، خوفاً أن يؤذيهم ذلك المهووس (الذي خطفهم لهذه التجربة) اثناء نومهن ..


لكن بعد ساعاتٍ طويلة من الدردشة ، إعتراهن النعاس .. وبدأت الواحدة تلوّ الأخرى تدخل المهجع ، لتنام على سريرها التي اختارته بنفسها ..


وقبيل الفجر ، نمن جميعاً .. فيما عدا رؤى التي ظلّت تفكّر بالأحاديث التي سمعتها من الفتيات التي تشابهت ظروف حياتهن معها ، بشكلٍ كبيرٍ وصادم ! 

فجميعهن عانين من قساوة والدهم وعدم شعورهن بالأمان في صغرهن ، كما عشن في الغربة مع ضيق الأحوال المادية لسنواتٍ طويلة.. كما لديهن مواهب متعدّدة كالنحت والخيال الواسع ، وسماع الأغاني الطربية القديمة التي تحبها.. كما جميعهن لم يتوظفنّ بعد تخرجهن الجامعيّ ، للإهتمام بالعائلة .. وكأنهن يعشن الحياة ذاتها ، رغم اختلاف اسلوب تفكيرهن بحلّ الصعاب التي مرّرنا بها جميعاً!

***


إنتهى اليوم الأول في الحجز ، دون أيجاد وسيلة للهرب او معرفة نوايا الخاطف 


واستيقظن صباحاً .. ليجدن خزانة الجدار مفتوحة ، وبداخلها فطوراً ساخناً يكفي الجميع .. فتناولن طعامهن بصمتٍ وهدوء .. 


بهذه الأثناء .. لاحظت رؤى هوس إحداهن بالنظافة ، حيث قامت بمسح الكرسي وجانبها من الطاولة وملعقتها والشوكة بالمناديل المطهرة التي أخرجتها من حقيبتها ، قبل تناولها الطعام ! 


فقالت رؤى لها :

- ذكّرتني بنفسي ، كنت مثلك مهووسة بالنظافة ! 

- ومالذي تغيّر ؟

- أصبتُ بطفحٍ جلدي ، لكثرة إستخدامي المطهرات 

- لكن النظافة لا تسبّب الأمراض !

رؤى : هذا ما ظننته ايضاً ، لكن يبدو إن المطهرات ومساحيق التنظيف تُضعف مقاومة ومناعة الجلد ، فيصبح فريسة سهلة للجراثيم والفطريات.. أنصحك باستخدام التعقيم بتوازنٍ وحكمة  


لكن رؤى المراهقة لم تهتم بكلامها ، وظلّت حريصة على مسح كل شيء .. فتركتها بحالها ..


وبعد الطعام .. إنشغلن بالحديث عن حياتهن ، فلا شيء يفعلونه في مكانٍ لا إنترنت فيه ! 

حيث أعربت إحداهن عن قلقها من كلام الأقارب والجيران ، في حال تأخرت كثيراً بالعودة الى منزلها .. فقالت لها رؤى :

- انت ايضاً تذكّريني بنفسي ، فقديماً إنشغلت بكلام الناس ورأيهم عني .. لكن بعد تجاوزي الأربعين ، أصبح همّي الوحيد هو إسعاد المقرّبين مني 

- لكنّا محاطون بالناس ، وآرائهم تهمّنا

رؤى : طالما لا تقومين بشيءٍ يغضب الله ووالديك ، فلما الإهتمام برأيّ الآخرين الذين سيتحدثون عنك بالسوء في جميع الأحوال .. وانت رؤى 4 ، ماذا عنك ؟


فقالت الفتاة بسخرية : وهل رقّمتنا ايضاً ؟

- نعم ، انا رؤى الأولى لأنني أكبركنّ سناً 

- وماذا تريدين أن تعرفي ؟

رؤى الأولى : أخبرتنا البارحة إنك كنت تحادثين خطيبك بالإنترنت ، قبل تواجدك هنا .. فهل كنتما على وفاق ؟

- للأسف لا ، كنّا نتشاجر دائماً 

- ولماذا ؟

- كلانا عنيدٌ جداً ، ونريد إقناع الآخر برأينا وعاداتنا وتقاليدنا

رؤى : كنت كذلك ايضاً ، لكني تغيرت بعد فراقي عن حبيبي لأكثر من سنة

- ومالذي تغيّر ؟


رؤى بحزن : فهمت اننا غير متشابهين ، بل نُكمّل بعضنا .. يعني ما ينقصني أجده فيه ، والعكس صحيح .. لهذا طبيعي أن نكون مختلفين بالأفكار .. فأنا أميل لتحكيم عواطفي بالأمور ، بينما تفكيره عقلاني بحت .. ولوّ كلانا فهم هذا الإختلاف ، لحاولنا الإلتقاء في منتصف الطريق ، بدل الإنسحاب من العلاقة وغلق صفحتي القديمة وفي قلبي الكثير من الجروح والآلام 

- لا اريد أن يحصل هذا مع خطيبي ! 

رؤى : اذاً لا تفعلي مثلي .. إفهميه برفق أن يُخفّف سيطرته عليك .. وانتِ تعلّمي  تقبّل ارائه المختلفة لمّا تعوّدتِ عليه طوال حياتك

- وكيف عرفتي إن حبيبي مُتسلّط التفكير ؟! 

- توقعت بما اننا متشابهات بالشكل ، أن نكون وقعنا في شباك الحب ذاتها.. وماذا عنك رؤى 6 ؟

- أتقصديني انا ؟


رؤى : نعم 

- أظن مشكلتي هو تفكيري الدائم بالماضي

- ألم تسامحي والدك بعد ؟

- أجد صعوبة في ذلك 

رؤى : هل زرتي قبره ؟

- لا اظنني استطيع


رؤى : كنت مثلك قبل شهر ، لهذا أنصحك بالذهاب والتكلّم امام قبره عن افعاله القاسية التي ضايقتك وجرحت شعورك .. فضّفضي له عن مشاعرك ومخاوفك وهمومك وآلامك ، ومن بعدها سامحيه.. أتدرين لماذا ..لأنك لن تنجحي في حياتك ، وانت تفكّرين بماضيك الأليم .. تماماً كالطفل الذي يصرّ على النظر للخلف اثناء سيره مع والدته ، مما يجعله يتعثّر باستمرار .. كما إخبري والدك انك ستحتفظين دائماً بنصائحه الجيدة ، اما ذكرياته السيئة ، ستدفنينها معه في القبر ..وأعدك انك ستشعرين فوراً بالراحة ، بعد إزالة تلك الأحمال الثقيلة عن ظهرك 

- سأحاول ، شكراً على النصيحة


رؤى : وماذا عنك رؤى 40 ؟

- ولما رقّمتني بالعدد الأخير ؟ 

- لأنك آخر من رأيته هنا .. أخبريني قليلاً عن احلامك ومستقبلك ؟

- لا أظنني سأتوفّق بشيء ، طالما لم أفكّ سحري بعد

رؤى بدهشة : يا الهي ! كنت أفكّر مثلك في الماضي

- وهل كنت مسحورة ايضاً ؟


رؤى : التعسير الذي واجهته في حياتي المهنية والعاطفية ، والكوابيس المستمرة ، وضيق النفس والعصبية الزائدة والكثير من الأمور المريبة ، جعلتني أشكّ بذلك .. لكني أؤمن الآن أن لا احد يستطيع إيقاف ما قدّره الله لي .. فالرزق يلاحقنا كما الموت ، ولا يمكن للوسائل الشيطانية أن تمنعه من الوصول الينا.. وحين اقتنعت بذلك ، تحسّنت نظرتي للحياة .. أنصحك بتجربتها ايضاً

- ليتني أصبح متفائلة مثلك

رؤى : كنت متشائمة لفترةٍ طويلة من حياتي .. لكني أعيش اليوم ، كأنه آخر يومٍ في حياتي

- اليس هذا تشاؤماً ؟


رؤى : لا ، لأني احاول الإستمتاع بالمتاح امامي .. اما الغدّ ، فأترك تدبيره لربّ العالمين .. صدّقيني ، التفكير بالماضي والمستقبل متعبٌ للغاية .. إستغلّي اللحظة التي تملكينها ، واتقني عملك دون التفكير بتفاصيل ما سيحصل في المستقبل

- سأحاول ، وإن كان الأمر ليس سهلاً بالنسبة لي


ثم مضت ساعات وهن يتحدثن عن حياتهن .. وكلما مرّ الوقت ، لاحظت رؤى الأولى التشابه الكبير بين الفتيات اليافعات وتفكيرها في الماضي ، واللآتي تتشاركنّ معها العقد النفسيّة التي تخلّت عنها بصعوبة ! 

لهذا حاولت نصحهنّ قدر المستطاع ، بما أنها أكثرهنّ خبرة بالحياة 


وبعد تناولهنّ العشاء .. نامت الفتيات وهن يتأملن أن يفكّ الله أسرهنّ ، ليعدنّ قريباً الى بيوتهن  

*** 


في اليوم التالي ..إستيقظت رؤى الأولى وحدها في غرفة النوم ! 

فذهبت للصالة ، لتجدها فارغة .. 

فأسرعت للباب الرئيسيّ الذي مازال مقفلاً من الخارج 

فصرخت بعصبية :

- أأخرجت الجميع ، ما عدايّ ؟ ..ولما لم توقظني إحداهن للهرب معهن ؟ .. الآن اريد إجابة واضحة لما تنوي فعله بي ، ايها المراقب الملعون ؟!!


وهنا سمعت صوتاً رجوليّ يقول لها :

- رؤى .. اولئك الفتيات لم يكنّ شبيهاتك 

- اذاً من تكنّ ؟

الصوت : نسخك القديمة ، واختفين بعد تحقيقك الهدف 

- عن أيّ هدفٍ تقصد ؟ لا أفهم شيئاً ! 

- الم تلاحظي فرق السن بينكن ؟ 

- بلى 

- اولئك انت ، حين كنت في اعمارهنّ .. لهذا تركتك تناقشين معهن عقدك النفسيّة التي عانيت منها في الماضي ، واستطعت علاجها مع تقدّمك في السن .. الم تسامحي والدك قبل فترةٍ وجيزة؟  


رؤى : بلى !

- وتفهّمت عقلية حبيبك بعد سنة من الفراق ؟

- نعم !

- وتخلّيت أخيراً عن توهّمك بأنك مسحورة ؟

- أكيد

- وتوازنت بموضوع وسّوسة النظافة والإهتمام بآراء الآخرين ، والأمور الأخرى التي أعاقت حياتك ؟

رؤى : حاولت قدر المستطاع


الصوت : وهذا سبب تواجدك هنا .. فالقدر لم يخلقنا لنتنافس مع آخرين ، بل لنتفوّق على نسخنا القديمة المهترئة .. فالهدف من وجودنا : هو تطوير شخصيتنا لأفضل نسخة منا .. وهذا ما أصبحتي عليه الآن .. لهذا تخرّجت بنجاح من مدرسة الحياة ، وصار بإمكانك تحقيق المستقبل الذي تمنّيته.. هيا إفتحي الباب بقوةٍ وثقة ، لتري ما أعنيه  


وهذه المرة إستطاعت رؤى فتح الباب الضخم بسهولةٍ ويُسر ! لتجد امامها سلماً طويلاً بدرجاته المضاءة التي تصلها الى السماء


فقال الصوت :

- هآ انت وصلتِ أخيراً لسلّم النجاح .. اريدك أن تصعدي اليه ، دون النظر خلفك .. ونصحيتي الأخيرة : كلما حققّت نجاحاً ، أن تساعدي كل من حولك مادياً او معنوياً ، او حتى إبداء النصائح عن تجاربك في الحياة ..وأن تتناسي تماماً الإحباط والتشاؤم وعقد الماضي ، لأنك اليوم تحرّرت منها جميعاً .. 


وهنا علت الموسيقى الروحانيّة ، ليقول الصوت :

- ماذا تنتظرين يا رؤى ، إنطلقي !! 


وما أن وضعت قدمها على الدرجة الأولى ، حتى اشتعل الحماس بداخلها .. لتجد نفسها تركض بأسرع ما يمكنها الى فوق ، وكلها ثقة بالله أنه سيكافئها عن جهودها السابقة التي بذلتها لتحقيق حلمها الذي طال انتظاره ، والتي ستصل اليه بعزيمتها وجهدها المتواصل ، على أمل أن تصبح يوماً قدوة يُحتذى بها في المستقبل القريب الواعد !

الأربعاء، 11 أغسطس 2021

الرحلة المجانيّة

تأليف : امل شانوحة 

دروس في الحياة 


مع بدء العطلة الصيفية .. دخل الوالد الى منزله ومعه رسائل بريدية ، منادياً ابنه بصوتٍ عالي :

- آدم !! لديك رسالة من الثانوية .. أتمنى أن لا يكون إنذاراً آخر على إهمالك الدراسيّ

فنزل اليه وهو يقول بلا مبالاة : 

- طالما رسبت هذه السنة ، فما الحاجة لإنذاراتهم الغبية ؟!


وفتح الظرف ، ليجد إعلاناً عن رحلة تخييم مجانية في الغابة ! 

فستأذن والده الذي أجابه : 

- نعم يمكنك الذهاب

فأسرع آدم الى غرفته لتحضير حقيبته ، وهو متحمّس لرحلة الغد

***


في صباح اليوم التالي .. وقف آدم قرب منزله في انتظار حافلة المدرسة المخصّصة للرحلة .. 

وحين وصلت .. وجد بداخلها 19 من رفاقه الذين رسبوا هذه السنة : إمّا لسوء سلوكهم او لنتائجهم السيئة !

وبعد جلوسه في مقعده ، قال السائق الجديد : 

- طالما اكتمل العدد ، سنذهب مباشرةً الى مكان التخييم 


وبعد تحرّكه ..سأل آدم زميله :

- اليس غريباً أن تكافئنا المدرسة بنزهةٍ مجانية ، دون الطلاّب المتفوقين ؟!

إريك البدين : ربما يريدون تعليمنا أخلاقيات الكشّافة السخيفة لتحسين سلوكنا في السنة القادمة ، بما أن معظمنا من المتنمّرين الراسبين 

فقال زميلهما جيم : برأيّ لا تفكرا بالأمر ، واستمتعا بالرحلة.. (ثم فتح حقيبته المدرسية) ..أنظرا !! سرقت أغلى زجاجة خمر لأبي

آدم بحماس : وانا أحضرت السجائر واوراق اللعب ، كما سجّلت بعض الموسيقى الرائعة في جوالي .. إسمعا هذه الأغنية

  

ورفع صوت الموسيقى الصاخبة التي جعلت بقية الطلاّب يتراقصون طرباً.. بينما اكتفى السائق بالقيادة ، وهو يراقبهم من وقتٍ لآخر من مرآته العلويّة 

***


في الطريق ، توقف السائق امام عدّة محال تجارية للإستراحة .. وكلما سأله الأولاد عن مسافة الرحلة ، أخبرهم إنهم على وشك الوصول 

***


بحلول المساء .. توقفت الحافلة أخيراً بعد نوم معظمهم ، بسبب الموسيقى الهادئة التي وضعها لهم ..

ولم يستيقظوا الا على صراخ رجلٍ يقول بحزم :

- إنتباه !!!


فقفزوا من اماكنهم ! ليجدوا ضابطين عسكريين يأمرانهم بالنزول فوراً من الحافلة ! 

ومن حاول منهم الرفض والمقاومة .. قاما بسحبه بالقوة للخارج ، وسط رعب بقية الطلاّب !


وبعد اصطفاف 20 طالباً امام الحافلة ، لاحظ آدم غياب السائق ! فسأل الضابط عنه ، الذي اجابه : 

- سيجتمع بكم قريباً 

دون توضيح ما قصده ! ثم قال لهم :

- كما تلاحظون !! نحن متواجدين امام معسكر تجنيدٍ مهجور ، استخدمناه قبل أربعين سنة ..


فنظروا لبعضهم باستغراب ! قبل أن يتجرّأ آدم على سؤالهما :

- يبدو هناك خطأ في الموضوع ! فنحن كنا في طريقنا الى الغابة ، برحلة تخييمٍ مدرسيّة  

الضابط بلؤم : وهل كنتم متفوقين بالدراسة لتستحقوا رحلةً مجانية؟ 

فسكت الطلّاب وهم يشعرون بالحرج ، ليكمل الضابط كلامه : 

- القرار اتخذّ !! وستبقون في المعسكر طوال عطلتكم الصيفيّة 


فاعترض الطلّاب على بقائهم ثلاثة اشهر في مكانٍ مهجورٍ ومخيف!  

وقال أحدهم مهدّداً : اهلي ينتظرون عودتي بعد اسبوعين ، وإلاّ سيتصلون بالشرطة

فردّ الضابط الآخر : 

- دعّ مشكلة الأهل علينا ... (ثم قال للجميع) .. اريدكم أن تلحقوا بنا ، لنريكم مكان إقامتكم 

 

ولم يكن امام المراهقين سوى طاعة اوامرهما .. ولحقوا بهما وهم يتلفّتون حولهم لرؤية الأسلحة العسكرية المرمية في زوايا المعسكر ، التي كان معظمها غير صالح للإستخدام !

***


وحين دخلوا الى المهجع الكبير .. وجدوا الكثير من الأسرة الصدئة ، فيما عدا 20 سريراً تمّ دهنها حديثاً ، ووضع الفرش النظيفة فوقها.. 

فقال أحد الضابطين :

- ستبيتون هنا طوال وجودكم في التجنيد الإجباريّ

الطلّاب بدهشة : التجنيد الإجباريّ !


فأكمل الضابط الآخر : وسيتمّ تدريبكم بقسوة طوال الشهور القديمة ، الى أن تتخرّجوا من معسكرنا كرجالٍ صالحين 

آدم بغضب : لا يحقّ لكم أن تقرّروا عنا !! 

إريك البدين وهو يرفع جواله مهدّداً : 

- والدي شرطي ، وسأبلغه الآن عن إختطافكم لنا 

فقال الضابط له : 

- لا تتعب نفسك ، لا يوجد إنترنت في هذه المنطقة المنعزلة .. 

الضابط الآخر : ولا نريد سماع المزيد من الشكوى .. غداً سيبدأ التدريب في الصباح الباكر ، لهذا إستعدوا للنوم 


فاعترض أحد الطلّاب : سيدي ، لا استطيع النوم في غرفةٍ مشتركة مع هؤلاء الصبية.. الا يوجد غرفة خاصة يمكنني استئجارها ؟ فوالدي رجلٌ ثريّ ويمكنه ..

فاقترب الضابط من وجهه ، مقاطعاً بلؤم :

- لست في منزلك ايها المدلّل ، وستشارك زملائك هذا المهجع الكئيب لحين انتهاء تدريباتكم ، مفهوم !!

ثم قال لهم :

- ستجدون اسمائكم على السرائر ، واريدكم التوجه اليها الآن ..(ثم صرخ) ..ماذا تنتظرون ايها الكسالى ؟!


فأسرع المراهقون الى سرائرهم ، التي وجدوا فوقها : بطانية ووسادة وملابس تجنيد تناسب حجمهم !

الضابط الآخر : ستلبسونها غداً ، بعد استيقاظكم في 5 فجراً

الطلّاب بامتعاض : فجراً !

الولد المدلّل معترضاً : هذا ظلم !! نحن في عطلة ، ولا نريد الإستيقاظ باكراً

فاقترب الضابط من وجهه :

- الجنود تستيقظ قبل صياح الديك .. ومن لا يفعل ، سنوقظه بطريقتنا القاسية


ثم أخرج الضابط الثاني من الكيس الأسود الذي يحمله : شطيرة كبيرة لكل واحداً منهم ، ووزّعها عليهم وهو يقول :

- هذه الليلة سنسمح لكم بتناولها هنا .. لكن ابتداءً من الغد ، ممنوع تناول الطعام إلاّ في القاعة المخصّصة لذلك

الضابط الآخر : هذا كل شيء لهذه الليلة ، نراكم غداً 


اريك : لحظة قبل أن تذهبا ، اريد دخول الحمام

الضابط : أترى ذلك الباب في آخر المهجع ، سيوصلك الى دورة مياه تكفي ثمانية اشخاص ، سنترك نورها مضاءً .. اما نور المهجع فسيطفىء بعد ساعة .. إلبسوا بيجاماتكم بعد إنهاء طعامكم 

الضابط الثاني : لحظة ، تذكّرت شيئاً مهماً .. أعطونا حقائبكم لتفتيشها ، ومصادرة الأشياء الممنوعة  

آدم : لا يحقّ لك هذا !

فصرخ الضابط عليه بقسوة : 

- الم تفهم بعد ايها البليد انك تحت أمرتي وسيطرتي !! 

آدم بخوف : آسف سيدي !


وبالفعل صادرا الخمر والحلويات والسجائر والألعاب الإلكترونية ، وكذلك جوّالاتهم ..ولم يتركا لهم سوى الملابس وأغراضهم الشخصية 

ثم قال الضابط ساخراً : سنذهب الآن لتناول ممنوعاتكم اللذيذة ، بينما تستعدون للنوم .. تصبحون على خير

وخرج الضابطان بعد إقفالهما المهجع بالمفتاح من الخارج !


وهنا قال آدم بقلق : هل نحن رهن الإعتقال ؟! 

إريك : أتظن المدرسة أرسلتنا لهذه الرحلة لتقويم سلوكنا ؟ 

جيم بخيبة أمل : 

- ونحن ظننا إن التخييم هدية من مديرنا اللعين ، لنكتشف انها عقابٌ جماعيّ ! 

الولد المدلّل بثقة : إطمئنوا يا اصدقاء .. أهلنا لن يسكتوا على هذه المهزلة .. وحتماً ستتصل أمي بالإدارة للإطمئنان عليّ ، فأنا ابنها الوحيد

آدم : انا قلقٌ من شيءٍ آخر 

- ماهو ؟


آدم : أخاف إنهما يتنكرا بهيئة ضبّاط ، وهما بالحقيقة ينتميان لعصابةٍ ما : كتجارة الأعضاء ، او منظمة ارهابية قاما بقتل السائق وخطفنا للمطالبة بمال الفدية ، او شيء من هذا القبيل

- آدم ! لا تزد همومنا يا رجل  

اريك : حسناً اهدأوا ..لتناول شطائرنا وننام ، وغداً نكتشف الحقيقة


وناموا بعد ساعات طويلة من اطفاء نور المهجع ، بسبب تفكيرهم بمصيرهم في هذه الرحلة المشؤومة

***


في الخامسة صباحاً .. إستيقظوا مرتعبين على صراخ الضابط وهو يأمرهم بالنهوض من سرائرهم .. 

فأسرعوا بالوقوف ببيجاماتهم ، وهم يترنّحون بتعبٍ ونعاس .. فيما عدا اريك الذي كان غارقاً في النوم .. 

ليشاهدوا جميعاً الضابط وهو يسكب الماء البارد على وجهه ، مما أيقظه باكياً وهو يرتجف من الخوف

الضابط : اريك !! توقف عن البكاء ، فالرجال لا تبكي .. (ثم قال للجميع) .. اريدكم أن تلبسوا زيّكم العسكري ، واللحاق بنا الى ساحة التدريب .. وابتداءً من الغد !! ستكونوا جاهزين قبل دخولنا المهجع ، وإلاّ سأعاقبكم بشدة 


وبعد خروج الضابطين .. أسرع الأولاد بتجهيز انفسهم ، ولبس زيّهم العسكري والإنطلاق للخارج ..  

***


في الساحة .. تفاجأوا بالسائق ينتظرهم هنا وهو يلبس الزيّ العسكري ويقول لهم : 

- دعوني أعرّفكم بنفسي .. انا العقيد المتقاعد مايكل سميث 

آدم بغيظ : هل تنكّرت كسائق مدرستنا لخطفنا امام انظار اهالينا ؟!

مايكل : ستعرفون كل شيء لاحقاً .. 

ثم قام بعدّهم ، ليجدهم 19 ولداً ..

مايكل : هناك ولدٌ ناقص !


وبعد قليل ، توجّه اريك لهم وهو يقول لاهثاً :

- آسف على تأخري ، كنت أغيّر بيجامتي المبلولة .. (ثم انتبه للسائق ، فسأله بدهشة) .. يا عم ، لما تلبس مثلنا ؟!

مايكل بحزم : لأني المسؤول عن تدريبكم .. والآن إثبت في مكانك يا ولد!! 


ثم أكمل كلامه الحازم مع الجنود المراهقين : 

- كما ترون !! نحن امام ساحة التمارين الرياضية .. وعليكم إجتياز كافة العوائق للوصول لخطّ النهاية .. وسيريكم الضابطان كيفية عبورها .. جاهزان !!

الضابطان بحماس : جاهزان سيدي !!


ثم أطلق مايكل صافرته وهو يحمل جهاز التوقيت ..

ليركض الضابطان بكل قوتهما لاجتياز الحواجز الخشبية التي كان من بينها : الحبو اسفل الأسلاك الشائكة والقفز فوق النار وتسلّق الشباك ، الى ان وصلا أخيراً لخط النهاية


ثم قال مايكل للأولاد : والآن دوركم !!

اريك بقلق : لحظة سيدي ! انا لا استطيع القفز من فوق السور ، فوزني ثقيل وأخاف أن أكسر قدمي .. ولا اعتقد بوجود مستشفى قريب من هذا المعسكر 

مايكل : انت لديك تدريبٌ من نوعٍ آخر .. ارأيت ذلك الجهاز الكهربائي ، ستمشي عليه طوال فترة تدريب زملائك .. وأعدك أن لا تخرج من معسكري ، إلاّ بعد خسارة نصف وزنك على الأقل 

إريك بقلق : نصف وزني !


مايكل : نعم ، وهذا يعني انك ستأكل اقل من رفاقك  

- اساساً انا جائعٌ منذ الآن ، فنحن لم نفطر بعد

- سنتوجه لاحقاً الى قاعة الطعام ، فمن الخطر أن تتدرّبوا بمعدةٍ ممتلئة .. والآن من سيبدأ ؟ 

آدم بثقة : انا !!

مايكل : أحسنت يا بطل !! دعّ اصدقائك يرون قوتك

***


ورغم قساوة التمرينات ، الا ان آدم استطاع التفوق على زملائه بسبب لياقته وقوته البدنية .. 

وتابع الجنود التمرينات ، مع تسجيل العقيد لتوقيت وصولهم الى خط النهاية على لوحٍ كبير.. 


واثناء إجتياز الجنود المراهقين لتلك العقبات ، كان اريك يحاول جاهداً متابعة المشي على الجهاز الكهربائي .. 

إلى أن قام مايكل بإيقافه وهو يقول :

- يمكنك الإرتياح الآن ، فأصحابك أنهوا جميع التمارين  

ليسقط اريك على الأرض وهو يلهث بتعبٍ شديد..


ومن بعدها أعلن مايكل نتيجة المسابقة :

- الجندي الأسرع بينكم هو : آدم !!

فصفقوا له ، وهو يشعر بالفخر ..

ثم اقترب مايكل منه : بما انك الفائز ، ستحصل وحدك على تحليةٍ لذيذة 

فابتسم سعيداً ، بينما شعر زملائه بالضيق والغيرة ! 


وأكمل مايكل اوامره لهم : 

- الآن ستذهبون للإستحمام ، معكم 10 دقائق ..ومن يتأخر منكم ، سأفتح عليه الباب وارميه خارجاً ، حتى لو كان جسده مغطّى بالصابون

- ولما 10 دقائق فقط ؟

مايكل : لأن الجنود في المعارك ليس لديهم وقت للإستحمام .. وفي ايامنا ، كان علينا غسل اجسامنا في أنهر الفيتنام بأقل من دقيتين ، وبحذرٍ شديد ونحن بحالة ترقّب لجنودهم الذين يظهرون فجأة من فوق الأشجار او خلف الأعشاب ، عدا عن تماسيحهم المرعبة  

- وهل رأيت ذلك بنفسك سيدي ؟ 

مايكل : نعم ، ومات الكثير من اصدقائي هناك .. والآن سينظّم الضابطان دوركم في الإستحمام ..

ثم تركهم وذهب الى قاعة الطعام.. 

***


وهناك تكلّم مع الطبّاخة :

- شكراً لقبولك دعوتي للإنضمام الى مشروعي الصيفيّ

الطبّاخة العجوز : بالتأكيد سأفعل ، فأنا أحب المشاركة في تقويم الأولاد المشاغبين 

مايكل : أتدرين يا جورجينا ، إشتقت الى طعامك اللذيذ 

- صنعت لك الحلوى التي تحبها

- لكن رجاءً كما اتفقنا : الحلوى للفائز فقط بين الجنود ، لأن عليهم أن يستحقوها بجدارة

الطباخة : فهمت .. وسأطبخ الخضار المسلوقة والعصائد ، كما طلبت مني 

مايكل : شكراً لك .. هاهم يدخلون القاعة .. استعدّي


وبدأ مايكل يعدّهم ، ليلاحظ تأخّر أحدهم ! فسأل الضابط عنه :

- اين جاك ؟

الضابط : يرفض الخروج من الحمام 

الضابط الثاني : يقول إن عليه الإهتمام بشعره الطويل 

مايكل بغضب : إذهب انت وانتظره بجانب الحمام .. وحين يخرج ، أحلق رأسه بالكامل لكي يعلم أن هناك اموراً اهم من هذه السخافات 

الضابط : حاضر سيدي


ثم قال مايكل لبقية الطلاّب :

- إسمعوني جيداً !! ممنوع تطويل الشعر والأظافر في معسكري ، وسنقوم بحلق رؤوسكم اولاً بأول .. مفهوم !!

فسكت الجميع ، فأعاد كلامه بغضب :

- هل كلامي مفهوم ؟!!

- نعم سيدي !!

مايكل : والآن إحضروا الصواني 


وسرعان ما تزاحم الأولاد حول الطبّاخة لشدة جوعهم ، فصرخ مايكل عليهم من بعيد :

- قفوا بالطابور !! وإلاّ ستحرمون من الغداء


فقاموا بتنظيم أنفسهم وهم يحملون صحونهم .. وحين سكبت لآدم العصيدة ، إعترض قائلاً :

- منظرها مقرف 

فاقترب منه العقيد ، وسحب منه الصحن : 

- يبدو انك غير جائع

آدم : لم اقصد ذلك !

- إعتذر منها

آدم بعصبية : انا لا اعتذر من احد

مايكل : اذاً إذهب الى المهجع ، فقد خسرت طعامك وجائزة التحلية بسبب سلوكك السيء مع الطباخة


فخرج آدم غاضباً وهو يشتم بصوتٍ منخفض.. بينما تناول البقية طعامهم بصمتٍ وهدوء .. 

***


بعد نصف ساعة .. أنهى اريك طعامه ، وتوجه للطباخة لطلب المزيد.. 

فقال له مايكل :

- الم اخبرك هذا الصباح انك ستحصل على كمية أقل من اصدقائك ، لإنزال وزنك

- لكني جائعٌ جداً

مايكل بحزم : لا مزيد من الطعام ، عدّ الى المهجع فوراً


فعاد حزيناً ، ليجد آدم مستلقياً على بطنه من الجوع والذي سأله :

- لما عدّت باكراً ؟

اريك بغضب : لم يسمح لي السائق اللعين بتناول المزيد

آدم : على الأقل لم يحرمك من الطعام ، فأنا لم آكل منذ البارحة 

- اذاً حاول أن لا تعترض اوامره ، فنحن لا نعلم ما يخطّطه لنا ..وهل فعلاً سيخرجنا من هذا الجحيم بنهاية الصيف ، ام ينوي على شيء يفوق تصوّرنا ! 

فأومأ آدم رأسه موافقاً بقلق ..


ولشدة جوعه ، نام في محاولة لنسيان آلام معدته ..وكذلك فعل بقية الطلاب بعد عودتهم متعبين الى المهجع

***


بحلول العصر .. إستيقظوا على صراخ العقيد مايكل وهو يأمرهم بالخروج للساحة للركض حولها.. 

- لكنها تمطر في الخارج !

مايكل بحزم : وانا اريدكم أن تركضوا تحت المطر ..هيا ماذا تنتظرون؟!!

فأسرعوا الى هناك ..


وما أن أنهى آدم دورته الأولى ، حتى سقط على الأرض 

مايكل : قمّ ايها الجندي !!

آدم بتعبٍ شديد : أكاد اموت جوعاً


فأشار للضابط بمساعدته للعودة الى المهجع ، ليفاجأ هناك بشطيرة كبيرة فوق سريره .. فأسرع بأكلها بنهمٍ شديد

الضابط : لا تخبر اصدقائك بذلك ، فنحن لا ننوي إيذائك .. إكمل طعامك ، وعدّ بعد ساعة للساحة لإكمال التمارين

آدم : سأحاول

- قلّ حاضر سيدي

- حاضر سيدي !!


وبعد قليل .. عاد آدم للساحة لإكمال الركض بنشاطٍ وحماس ، وسط دهشة زملائه !


وفي ذلك المساء ، نام الجنود فور إطفاء نور المهجع من شدّة تعبهم

*** 


في الصباح الباكر .. قام مايكل مع الضابطين بالتفتيش على نظافة وترتيب سرائر الجنود واغراضهم الشخصية ، مما تسبّب بعقاب معظمهم لأنهم غير متعودين على اهتمام بهذه الأمور .. فيما عدا جندي نحيل نجح في الإمتحان ، فسأله مايكل باهتمام : 

- من علّمك الترتيب بهذا الشكل ؟ 

الجندي : انا مهووس بالنظافة ، لهذا ضايقني توقيتك للإستحمام ، فأنا بالعادة احتاج ساعة على الأقل للإنتهاء من ..  


مايكل مقاطعاً : في الجيش لا يتوفر دائماً الماء ، وعادة ما نقضي شهوراً في الخنادق دون استحمام ..لهذا عليك تحمّل الظروف الإستثنائية هنا 

الجندي : الا تجدونها مفارقة أن تهتموا بتريب سرائرنا واغراضنا وتلميع احذيتنا ، دون إكتراثكم بنظافتنا الشخصية !

مايكل : إهتمامك بأغراضك يعلّمك التركيز على التفاصيل التي قد تنقذ حياتك في ساحة المعركة .. والآن ستبقي هنا ، لحين تنفيذ زملائك العقاب الذي سأفرضه عليهم بسبب فوضتهم 


ثم أمر بقية الجنود بالخروج للساحة للقيام بتمارين الضغط والركض لأكثر من ساعتين ، ليعودوا منهكين الى فراشهم في انتظار وقت الغداء ..

***


واستمرّت التمارين القاسية لثلاثة اشهر ، بما فيها تمارين الرماية التي أثارت اهتمام معظم الجنود .. كما عاقب مايكل بعضهم لإصرارهم على مكالمة ذويهم ، لكنه أخبرهم إنه لا تواصل قبل انتهاء التجنيد الإجباري .. 


ومع الوقت إعتاد الصبية على قوانينه الصارمة ..وصاروا يستيقظون باكراً لتجهيز انفسهم ، قبل دخوله مع الضابطين الى مهجعهم ..كما ظهرت مواهبهم في الرماية والتمارين الرياضية .. حتى إن اريك خسر 10 كيلو من وزنه ، مما زاد ثقته بنفسه بعد ظهور وسامته .. كما تعوّد المراهقون على طعام الطباخة التي كانت تفاجأهم من وقتٍ لآخر بتحليةٍ لذيذة .. 

وقويت اواصر الصداقة بينهم ، وتحسنّت طريقة حوارهم بعد تجنبهم كلمات النقد التي اعتادوا استخدامها كمتنمرين سابقين .. 

***


وفي ليلتهم الأخيرة بالمعسكر ، أخذهم العقيد الى قاعة السينما ..  

فسأله آدم :

- هل سنشاهد اليوم ايضاً فيلماً وثائقياً عن حرب الفيتنام ؟ 

- أتمنى ان يكون فيلماً على الحرب العالمية الأولى او الثانية 

- المهم أن تخبرنا عن قصصك في الحرب اثناء مشاهدتنا الفيلم 


فقال لهم العقيد : 

- هذه المرة ستشاهدون فيلماً من نوعٍ آخر ، وسيكون الفيلم الأخير 

الجنود بدهشة : الأخير ! 

مايكل : نعم .. بما أن مدرستكم ستبدأ قريباً ، سأسرّحكم من المعسكر غداً صباحاً 


فهلّلوا فرحين وهم يحتضنون بعضهم بسعادةٍ غامرة ، فأكمل قائلاً :

- انتم استحقّيتم ذلك بعد اجتيازكم جميع العقبات والإمتحانات ، وتعوّدتم أخيراً على تلقيّ الأوامر ممن يكبركم سناً وخبرةً في الحياة .. كما تحسّنت سلوككم واهتمامكم بالنظافة والترتيب واللياقة البدينة .. وبما انها ليلتنا الأخيرة ، اريدكم ان تعرفوا سبب تواجدكم هنا


ثم اطفأ الأنوار ، وأضاء الفيلم الذي كان فيه رسائل حنونة من اهاليهم ، مما ابكى الجنود شوقاً لهم .. حيث حاول الأهل الإعتذار من ابنائهم لموافقتهم على إقتراح العقيد بإدخالهم الى برنامجه القاسي خوفاً على مستقبلهم ، بعد إهمالهم دراستهم واعتيادهم على أذيّة غيرهم 


وبعد انتهاء رسائل الأهل ، قال العقيد وهو يجلس خلفهم :

- والآن سأريكم السبب الحقيقي لاختياري لكم 


ووضع على الشاشة : صورة طالب قديم في مدرستهم ، إنتحر قبل سنة

آدم بدهشة : هذا جيمي الإنطوائي !

العقيد مايكل بحزن : جيمي كان حفيدي الوحيد

الجنود بدهشة : ماذا !

مايكل : اظنكم تعرفون السبب الحقيقي لانتحاره .. لكني لم اعرف ذلك ، الا بعد قراءة مذكراته التي ذكر فيها اسماءكم وكيف عذّبتموه لفظياً وجسدياً طوال سنتين في الثانوية ، مما أجبره على سرقة مسدسي مع علبة مليئة بالرصاص لقتلكم جميعاً

الجنود بخوف : قتلنا !


العقيد : نعم كتب في مذكراته خطته الكاملة لجريمة قتلٍ جماعيّة ، ونوى فعلها بعد عودتكم من عطلة نصف السنة .. وذات يوم دخلت غرفته دون إذنه ، لأراه يحمل مسدسي .. فترجّاني كثيراً أن أبقيه معه لبعض الوقت ، لكني رفضت طلبه.. لأفاجأ بانتحاره تلك الليلة شنقاً في غرفته ، بعد إفسادي خطته بالإنتقام .. (ثم سكت قليلاً) .. شعرت حينها بتأنيب الضمير لأني لم اجلس معه وأفهم سبب رغبته الشديدة للحصول على مسدسي ، لربما نصحته او أقنعت والديه بتغير مدرسته .. لكني لا أنكر إن انتحاره هو أفضل من قضاء بقية حياته في السجن ، بعد تشويه سمعة العائلة... ولأني متقاعد من الجيش إستطعت الحصول على الفيديوهات المصوّرة من مدرستكم التي توضّح مضايقتكم المستمرّة لحفيدي ، والتي أريتها لأهاليكم الذين خيّرتهم بين محاكمتكم او تقويم سلوككم بطريقتي العسكريّة .. فوافقوا  بتوقيعٍ خطّي على اقتراحي ، خوفاً على مستقبلكم ..(ثم وقف امامهم).. والآن بعد انتهاء المعسكر ، أتمنى أن تكونوا عرفتم قيمة أهاليكم وأهمية دراستكم ، وقرّرتم تحسين سلوككم مع الآخرين 

- نعم سيدي !!


ثم قال مايكل لآدم :

- أفهمت الآن لما صفعتك حين ناديت زميلك جيم بالعبد .. لأن حفيدي سمعها كثيراً منك ، مما جرح شعوره ودمّر حياته

آدم بحرج : آسف سيدي

فقال مايكل للجميع : 

- اريدكم ان تعرفوا اننا جميعنا بشر متساويين ، والذي يميزنا عن بعضنا هو الأخلاق وانجازاتنا في الحياة .. مفهوم يا اولاد

- مفهوم سيدي


مايكل : أحسنتم !! والآن إذهبوا للنوم ، فغداً تعودون الى بيوتكم كرجالٍ صالحين.. وانا سأبقى على تواصل مع اهاليكم وإدارة المدرسة لأتأكّد أنكم لن تعودوا الى تصرّفاتكم الطائشة ، وإلاّ أحلف انني سأخطفكم اثناء نومكم وأعيدكم الى هذا الجحيم من جديد

- لا سيدي ، نعدك أن نحسن التصرّف دائماً

مايكل : جيد .. الآن إذهبوا الى مهجعكم ، لقضاء ليلتكم الأخيرة .. تصبحون على خير


وعادوا وهم يشعرون بالندم على أخطائهم السابقة ، كما شعروا باحترامٍ شديد للعقيد الذي فضّل تحسين سلوكهم على عقابهم القضائيّ بعد تسبّبهم بانتحار حفيده الوحيد .. وتعاهدوا ليلتها أن لا يكرّروا تصرّفاتهم القديمة مع طلّابٍ آخرين 

*** 


وفي الصباح التالي .. عانق المراهقون اهاليهم وهم يبكون بسعادة لرؤيتهم بعد غيابٍ طويل .. 

وفي المقابل شكر الآباء العقيد والضابطين والطباخة على معسكرهم ومعاملتهم الجيدة لأولادهم التي حسّنت سلوكهم بشكلٍ ملحوظ.. 


كما لاحظ الأساتذة والمدير تغيرهم المفاجىء فور عودتهم للمدرسة مع بداية السنة الجديدة ، وهم في قمّة النشاط والحماس للدراسة ! مما جعل المدير يتفق مع العقيد مايكل على قيامه بذلك المعسكر الإجباريّ كل سنة للأولاد الكسالى والمنتمّرين من الطلاّب الجددّ ، على أن تكون المصاريف مناصفة بين الأهل وإدارة المدرسة .. 

فوافق العقيد برحابة صدر على اقتراحه ، طالما انه سيساهم في تقويم تصرّفات المراهقين ليكونوا فخراً لأهلهم واوطانهم في المستقبل القريب .. داعياً ربه أن يكون جهده ، راحةً وسلاماً لروح حفيده الراحل ! 

الاثنين، 2 أغسطس 2021

مبادئي في الحياة

فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة 

 

فارق السنّ


أثناء مرور الشاب (سيد) من قسم الآداب في الجامعة ، رأى فتاةً جميلة تخرج من هناك ! فتجمّد في مكانه وهو يراقبها أثناء ركوبها سيارة الأجرة بعد أن رمقته بنظرةٍ سريعة قبل ابتعادها عن المكان

***


بعد ايام .. بدأت تلاحظ وجوده الدائم خارج الجامعة ! وكلما حاول التقرّب منها ، أسرعت بإيقاف سيارة الأجرة للعودة الى منزلها


بعد اسبوع وأثناء محاضرةٍ أدبية ، طرق سيد باب القاعة مُعتذراً عن تأخره .. ودخل وهو يبحث عنها في المدرّجات.. فعاتبه الأستاذ :

- أتبحث عن مكانٍ مريح على الكورنيش ، إجلس في أيّ مكان!!

- آسف دكتور

وجلس في آخر القاعة ، وهو يراقب سما المنشغلة بالكتابة


بعد المحاضرة .. سألتها زميلتها هند عن رقم جوالها ، فأعطتها إيّاه ..ثم غادرت القاعة ، دون الإلتفات لسيد الذي كان على مقربة منهما

***


في اليوم التالي وبعد انتهاء المحاضرات ، رنّ جوال سما ..لتسمع شاباً يقول لها :

- انا في كافتريا الجامعة ، أريد التحدّث معك في موضوعٍ مهم

سما باستغراب : من انت ؟ وكيف عرفت رقمي ؟!

- سأنتظرك هناك ، لا تتأخري عليّ

***


فور دخولها الكافتريا .. لمحت ذات الشاب الأسمر ذوّ العينين الخضراوين الذي يلاحقها ، يشير لها من بعيد !


فاقتربت منه غاضبة :

- كيف حصلت على رقم جوالي ؟!!

- حفظته حين أعطيته لصديقتك

- وبأيّ حقّ .. 

مقاطعاً : اهدأي رجاءً ، أريد التحدّث معك بأمرٍ ضروريّ 


وبعد جلوسها ، قرّب منها العصير وهو يقول بابتسامة : 

- إشتريت عصير اناناس ومنجا ، فأيهما تختاري ؟ 

فأبعدت العصير عنها بلؤم : انا لن أقبله من شابٍ غريب 

- وانا لا اريد ان أكون غريباً 

سما بقلق : ماذا تقصد ؟! 


فأخبرها عن إعجابه الشديد لها من النظرة الأولى ، ونيّته بخطبتها .. فهدأ روعها بعد تأكّدها من نواياه اتجاهها ، وأخذت تناقشه في الموضوع  

ليخبرها عن تفوقه بالهندسة ، وطموحه واحلامه المهنية .. وبدورها لاحظت اخلاقه العالية وتربيته الجيدة .. عدا عن الكثير من الطباع المتشابهة بينهما .. 

***


مع الوقت بدأت ترتاح له ، والتقيا دائماً في الكافتريا بعد انتهاء محاضراتهما .. وكان حريصاً على تقديم الهدايا لها في كل المناسبات والأعياد .. اما هي فاكتفت بإعطائه لعبة على شكل دب بلونٍ أحمر في عيد الحب ، كان غالياً جداً على قلبه 

***


في إحدى الأيام داخل الكافتريا ، وبعد ستة شهور من تعارفهما ..  

سما : آه صحيح ، لم اسألك حتى الآن عن عمرك ؟

- أتممّت الواحد والعشرين قبل اسبوعين

سما بصدمة : هذا يعني انني اكبر منك بسنتين !


ثم وقفت وهي تقول :

- ليتك أخبرتني بذلك مسبقاً ، فلديّ مبادىء في الحياة : (اولاً لا أتزوج من يصغرني ، ولا اتزوج من رجلٍ متزوج ، او من شخص مدللّ والدته)

سيد بقلق : لكن الأمر لا يهمّني مطلقاً 

سما بحزمٍ وضيق : لكنه يهمّني جداً !!

- سما ! انا شابٌ رياضيّ ، وانت تملكين براءة الأطفال .. لن ينتبه أحد أنك أكبر مني .. وبدوري لن أطلع اهلي واصدقائي بالأمر  

- يكفي انني عرفت ذلك .. رجاءً إنسى ما دار بيننا من أحاديث في الفترة الماضية 

ثم خرجت من الكافتريا , دون سماع المزيد من كلامه المعسول ! 

***


وفي الأيام التالية ..وبسبب ملاحقته الدائمة لها واهتمامه الزائد الذي أثار غيرة زميلاتها ، قلّلت سما مواعيد ذهابها الى الجامعة .. واكتفت بيومٍ واحد في الإسبوع لتصوير ما فاتها من محاضرات من صديقتها هند التي عادةً ما التقت بها خارج الجامعة ، والتي بدورها حاولت إقناعها بسيد بشتّى الطرق


سما معاتبة : حتى انت يا هند لا تفهمين وجهة نظري !

- هو شابٌ جيد ويحبك بجنون

- هل طلب منك إقناعي بالعودة اليه ؟ 

هند : بصراحة نعم

سما بحزم : هند !! عليك أن تختاري اما انا ، او ابن قريتك 

- ولما كل هذا العناد ؟!

- لأني لا أقبل الزواج ممّن يصغرني سناً ، هذه إحدى مبادئي في الحياة .. كما انني سأتخرّج هذه السنة ، وهو مازال امامه سنتين .. هل سأعمل لإصرف عليه .. انا لن أربّي طفلاً ، إخبريه بذلك

وابتعدت عن المكان بعصبية ، دون توديع صديقتها

***


قبل شهر من حفلة التخرّج .. أخبرت سما هند بخطبتها من رجلٍ آخر ، والتي ستسافر معه الى دولةٍ عربية مجاورة.. 


وحين علم سيد بالأمر جنّ جنونه ، واتصل بها عشرات المرات .. مما ضايق سما التي باعت خط جوالها لتخلّص منه .. 

كما قرّرت عدم حضور حفل تخرّجها ، خوفاً من إجتماع خطيبها بذلك المهووس المريب 

***


بعد زواجها ، إتصلت هند بها لمعرفة موعد سفرها مع عريسها .. فخافت سما أن يكون سيد ألحّ عليها بذلك ، لانتظارها في المطار ..فأعطتها تاريخاً مغايراً ..

***


وفي الوقت الذي كانت فيه سما ترتّب منزلها الجديد (بعد يومين من وصولها من السفر) .. كان سيد يبحث عنها بهستيريا داخل المطار ، دون إيجاد اسمها في أيةِ رحلة !

***  


بعد مرور ثلاث سنوات .. عادت سما مطلّقة الى منزل اهلها ، ومعها ابنها الصغير .. 


وبعد شهر ..تواصلت مع هند لإخبارها عن قساوة طليقها ..

لتتفاجأ سما في اليوم التالي باتصالٍ من سيد يطلب رؤيتها في الجامعة ، وإلاّ سيزور والدها في عمله ..


وخوفاً ممّا سيقوله لأبيها ، إجتمعت معه في الكافتريا .. ليخبرها أنه مازال مغرماً بها ، وانه مصرّ على الزواج منها

سما : هل جننت يا سيد ؟! في السابق كان فارق السن هو العائق الوحيد بيننا ، اما الآن فأصبح لديّ مشكلتين جديدتين : مطلّقة ، ولديّ ولد صغير

- لا يهمّني كل هذا ، اريد إكمال حياتي معك

- الأمر صعب .. كما انني لن اتنازل عن مبادئي لأجلك .. رجاءً إبحث عن زوجة تناسبك ، ولا تتصل بي ثانية وإلا سأضّطر لتغير رقمي للمرة الثانية

وخرجت من الكافتريا ، تاركةً سيد على وشك الإنهيار 

***


بعد شهور .. تفاجأت بسيد يزورها في الشركة التي توظّفت بها منذ شهرين ، وهو يحمل الورد والشوكولا


وما أن رأته امام مكتبها ، حتى قالت بضيق :

- أحلف إنني لن أحدّث هند ثانية !! فكل ما أخبرتها بسرّ ، تبوح لك به 

- هذا لأنها تعرف مدى حبي لك

- سيد !! أخبرتك أن زواجنا بات مستحيلاً

سيد بابتسامة : على فكرة ، حدّثت امي عنك البارحة 

- وهل ضربتك حين عرفت أنك مغرمٌ بمطلّقة ؟

- دخلت المستشفى

- سيد ايها المجنون ! ستقتل والدتك 

- جميعنا سنموت 


سما : لا تنسى انك ابنها الوحيد وأملها في الحياة 

- هي تصرّ على تزويجي من اهل قريتنا ، وأنا مصرّ أن لا اتزوج غيرك والا سأقتل نفسي

سما : هوسك بي أصبح مخيفاً .. أخبرتك اكثر من مرة إن لديّ مبادىء في الحياة ..

مقاطعاً بعصبية : اللعنة على مبادئك السخيفة !!


ورمى الملفّات من فوق طاولتها بغضبٍ شديد ، وسط دهشة الموظفين ! 

وبسبب صراخه العالي ، خرج المدير من مكتبه وهو يسألهم :

- من يصرخ في شركتي ؟!!


فهمست سما لسيد : رجاءً أخرج من هنا  ، قبل أن يطردني من العمل

- إستقيلي الآن ، وسأتكفّل بك وبإبنك

وهنا اقترب المدير منهما :

- هل هناك مشكلة سيدة سما ؟

- لا ، قريبي سيخرج حالاً 


ونظرت اليه بنظرة ترجّي .. مما أجبر سيد على الخروج من الشركة ، محاولاً السيطرة على أعصابه المتوتّرة 


في هذا الوقت .. طلب المدير سما الى مكتبه ..

وهناك سألها إن كان الشاب يهدّدها بشيء ، فأخبرته بموجز قصتها مع سيد


المدير : يمكنني الإتصال بالشرطة لمنعه الإقتراب منك 

- أتمنى أن لا تصل الأمور لهذه الدرجة 

- سما .. هناك حلّ وحيد للتخلّص منه

- ماهو ؟

المدير : أن تتزوجي ثانيةً

- ومن سيتزوج من امرأةٍ مطلّقة لديها ولد ؟

- انا


فتفاجأت من كلامه ، ليكمل قائلاً :

- لا تقلقي ، سأكون سعيداً بتربية ابنك لأنني عقيم 

- آسفة لم أكن أعرف ! 

- كان هذا سبب طلاقي مرتين .. 

- لكنك لا تعرفني جيداً 

المدير : صحيح انك توظّفت منذ شهرين فقط ، لكني لاحظت إجتهادك في العمل وافكارك المبدعة لتطوير شركتي ..كما أُعجبت بأخلاقك العالية ومعاملتك الحسنة مع زملائك .. وإن كنت لا تمانعين ، سآتي لخطبتك هذا المساء .. وإن رفضني والدك ، فلن يتأثّر عملك هنا


ففكّرت قليلاً ، قبل أن تقول بخجل : 

- سأخبر والدايّ بقدومك الليلة ..

وأسرعت بالخروج من مكتبه بارتباكٍ واضح ..

*** 


وفي المساء ، تمّ الإتفاق على الخطوبة والزواج برضا الأهل .. ووعدها العريس بشهر عسلٍ مميز في اوروبا ، كما حلمت دائماً .. وفي المقابل طلبت منه أن يكون زواجهما بحضور العائلتين فقط ، خوفاً من وصول الخبر لذلك المهووس العنيف 


وعُقد الزواج دون إخبار صديقتها هند بالأمر ، وسافرت معه للخارج .. 

***


بعد شهور .. علم سيد بالخبر وكاد يفقد عقله ، وانهار باكياً دون تمكّن عائلته من تهدأته ..


واستطاع بطريقةٍ ما من بعث رسالة الى إيميلها ، يقول فيها :

((طالما مبادئك الحمقاء فرّقتني عنك مرتين ، سأنتقم من نفسي بالزواج من سيدة في قريتي جاهلة وتكبرني بعشر سنوات ، وسأهاجر معها لأميركا دون عودة الى الوطن))

فردّت عليه بلا مبالاة : ((إن نويت تدمير حياتك ، فهذا شأنك وحدك)) 

وتسبّب جوابها القاسي بانقطاع التواصل بينهما

***


بعد عشر سنوات ، ورثت سما اموال زوجها بعد وفاته .. ومن بين ما ورثته : فيلا وشركة في اميركا .. 

فانتقلت الى هناك لإدارة اعمال زوجها.. 

وبينما هي هناك ، تذكّرت أن سيد يعيش في نفس ولايتها ! 

فبحثت عنه بالإنترنت ، لتنصدم بوجوده في السجن المركزي بعد قتله زوجته ! 

فطلبت من محاميها إحضار إذناً لها بزيارته

***


وكان سيد قضى في السجن خمس سنوات ، إستطاع خلالهم فرض هيبته على المساجين بعد مثابرته على الرياضة ورفع الأثقال التي زادت من قوته البدنية ..حيث لم يجرأ احد على مضايقته اثناء وجوده في صومعته : وهي غرفة موحشة بالسجن يقضي بها جلّ وقته بالصلاة وقراءة القرآن .. وكان معروفاً بعدله ورأيه السديد ، لهذا التجأ اليه المساجين عند نشوب المشاكل بينهم ، مما أكسبه إحترام الحرّاس ايضاً 


وفي ذلك اليوم ..أخبره الحارس أن لديه زيارة 

فأجابه سيد بضيق : لا اريد رؤية محامين او موظفي الشؤون الإجتماعية 

- لا هذه زيارة خاصة 

سيد باستغراب : انا ليس لديّ اصدقاء في اميركا .. ووالدايّ كبيران في السن ولن يسافرا كل هذه المسافة .. واولادي عند خالهم ، فمن سيزورني؟!

- سيدةٌ عربية

- عربية !


وذهب معه الى غرفةٍ خاصة بطلبٍ من محامي سما التي تفاجأت من تغير شكله وضخامة جسمه ، ولحيته وشعره الطويلين !

ورغم قوته وجبروته المعروفة بين المساجين ، الا انه انهار فور رؤيتها ..وهجم نحوها ليحضنها باكياً كطفلٍ صغير ، وسط دهشة الحارس الذي اضطّر لإبعاده عنها بسبب قوانين السجن !


وبعد جلوسهما على كراسيٍ متواجهة ، أمسك بيدها بقوة وهو مازال يجهش بالبكاء .. فقالت له بشفقة :  

- اهدأ يا سيد واخبرني بما حصل ، فأنا لا أصدق انك قتلت زوجتك ! لما فعلت ذلك ؟ هل خانتك ؟

- لا ، الغبية رمت ذكراك الوحيدة لديّ

- ماذا !


سيد : كنت أضع هديتك (الدب الأحمر) فوق طاولة بزاوية غرفتي ، وكنت أمنع اولادي وزوجتي من لمسه ، فهو مازال يحمل عطرك .. وفي يوم لم اجده مكانه ، فسألتها عنه .. وأخبرتني انها تغار من وجوده في منزلها ، لهذا رمته.. فلم أجد نفسي الا وأنها أصفعها بقوة ، لتتعثّر بالسجادة ويرتطم رأسها بحافة السرير وتُقتل على الفور.. 

سما : ولما لم تخبر الشرطة إنها تعثرت وحدها ، بدل إعترافك بالقتل ؟ فالأمر كان حادثاً عرضياً ، وليس متعمّداً

- لأن ابني الكبير شهد ضدي ، بعد رؤيته ما حصل .. فحكموا علي ب 25 سنة ..

- واين اولادك الثلاثة الآن ؟


سيد بحزن : أعادهم خالهم الى القرية ، وبقيت وحدي في الغربة

- أنت مجنون يا سيد ، أتقتل زوجتك لأجل لعبةٍ صوفية !

- هو هدية حبيبتي .. ألست تحتفظين بعقدي الذي نقشت عليها اسماءنا؟

- بالطبع لا ، رميته بعد زواجي الأول

سيد : هذا لإنك لم تعرفي الحب مثلي ..


ومدّ ذراعه امامها وهو يسألها : أتدرين ماذا يوجد داخل دمي ؟

- كريات دم بيضاء وحمراء

- لا ، ذكرياتي مع سما تمشي في عروقي .. انت روحي ومن دونك اموت

سما : انا انسانة عادية جداً ، فلما انت مهووس بي هكذا ؟

- ليس ذنبي ، فقلبي يصرّ على النبض بإسمك  

وهنا اقترب منهما الحارس :

- إنتهت الزيارة !! 


فأمسك سيد بيدها بقوة وهو يقول :

- عديني أن تزوريني ثانية ، فروحي عادت إليّ بعد رؤيتك من جديد  

- سأحاول يا سيد

وخرجت من هناك وهي تشعر بالشفقة عليه

***


في الأيام التالية ، إتفقت مع محاميها على إعادة فتح قضية سيد .. وطلبت منه إثبات براءته مهما كلّفه الأمر


وبعد شهور بالمحاكم .. نجح المحامي بإثبات أن موت زوجة سيد كان حادثاً عرضياً وليس مقصوداً ..وإن إمضائه خمس سنوات في السجن كافياً لعقابه ، خاصة بعد إثباته حسن سلوكه .. 

وبسبب ذلك وافق القاضي على إطلاق سراحه ، بشرط وضعهم جهازاً على ساقه لمراقبة تحرّكاته لمدة عام

***


وكم كان فرحة سيد كبيرة حين وجد سما في انتظاره خارج السجن ، فحضنها مطوّلاً وهو يقول :

- انا مدينٌ لك لإخراجي من السجن

سما : هذا أقل ما يمكنني فعله بعد إفسادي حياتك ..فلوّ لم تعرفني لكنت الآن مهندساً بارعاً ، ومتزوجاً بإمرأة تناسبك ، ولديك عائلة يفخر والداك بها .. انا آسفة لتدمير حياتك دون قصدٍ مني

- انا مستعد للتضحية بكل ما قلته لأكون زوجك ولوّ ليومٍ واحد

- وانا موافقة


فتراجع للخلف بصدمة !

- موافقة أن تتزوجيني !

سما : نعم .. لأنه لم يحبني احد مثلك ، واريد تجربة الحياة معك

فحضنها بسعادة

- لا أصدّق ما سمعته ، أكاد اطير فرحاً

***


وخلال ايامٍ قليلة ، كُتب كتابهما في سفارة دولتهما ..ليمضيا أجمل شهر عسل في حياتهما في شقةٍ صغيرة


وبعد شهرين ..أخبرته أن الشركة التي تعمل لديها بحاجة الى محاسب ، بعد طردهم الموظف السابق الذي حاول اختلاسهم

سيد : وكيف أذهب الى هناك والجهاز اللعين في قدمي ؟

- إلبس بنطالاً فضفاضاً .. فأنا مدحتك عند المدير الذي يثق بآرائي ، وأعدك أن لا يعرف احد بقضيتك .. إذهب وابهرهم بذكائك  

وبعد ترددٍ شديد ، وافق على العمل هناك ..

***


وباشرافٍ منها ، إستطاع سيد التفوق بذكائه على بقية الموظفين .. ليحصل بسبب تفانيه بالعمل على ترقياتٍ متتابعة .. ويُعيّن بغضون سنة مديراً عاماً للشركة (بعد اتفاق سما مع محاميها بعدم إخباره بأنها ورثت الشركة من زوجها السابق ، خوفاً على مشاعره ورغبةً منها برفع معنوياته المدمّرة بعد تسريحه من السجن)


وبعد اطمئنانها بأن شركتها أصبحت بيده الأمينة ، إستقالت للإهتمام بطفلهما الأول ..

***


بعد شهور ، أطلعته على صور فيلا صغيرة :

- ما رأيك أن نقوم بتقسيط هذه الفيلا الجميلة بدل شقتنا الصغيرة؟

سيد : لا شيء يغلو عليك عزيزتي.. سأعطيك راتبي اولاً بأول ، ودعي المحامي يدفع اقساطها  

- شكراً حبيبي

***


وقامت سما بالإحتفاظ براتبه في البنك كل شهر (دون علمه) لدراسة ابنهما المستقبلية .. 


إلى أن جاء يوم أخبرته عن موعد إنتقالهم الى الفيلا.. 

سيد باستغراب : أبهذه السرعة ؟! أتمنى أن لا تكوني دفعتي شيئاً من اموال زوجك المرحوم

- لا طبعاً ، جميعها اموالك عزيزي 

***


وانتقلا الى هناك (دون معرفته أن الفيلا ورثتها ايضاً من زوجها السابق ، حمايةً لكبريائه) 


وبعد استقرارهما هناك ، قالت له :

- بما أن الفيلا كبيرة ، ما رأيك أن نجمع فيها اولادنا ؟

- تقصدين ابنك من زوجك الأول ؟

- واولادك الثلاثة ايضاً

سيد بحزن : لا أظن خالهم سيوافق 

- دعّ محامي يتفق معه 

***


وبعد اسابيع .. تفاجأ سيد بإرسال الخال جميع إبنائه اليه (دون معرفته بدفع سما مبلغاً كبيراً لتنازله عنهم)


ليجتمع الأولاد الخمسة داخل الفيلا التي ملأتها سما بالألعاب الرياضية والإلكترونية التي أعجبتهم كثيراً .. 

وكان لعبهم سوياً سبباً للإتفاق والتعاون بينهم الذي حصل خلال شهورٍ قليلة ، برعاية والدين محبّين  

***


في إحدى الليالي ، قالت سما لزوجها :

- اعتذر منك

سيد : عن ماذا ؟ الأنك أخرجتني من السجن ووظّفتني بشركة زوجك ، وعيشتني انا واولادي بفلتك التي ورثتها عنه ؟ 


سما بدهشة : من أخبرك بالأمر ؟! 

- عرفت هذا منذ البداية .. فمن سيقبل بتوظيف سجينٍ سابق ، ويقوم بترقيته للوصول للإدارة العامة بهذه السرعة .. (وقبّل رأسها) ..شكراً على رعايتك لمشاعري وكبريائي 

- بالحقيقة كنت أعتذر منك عن شيءٍ آخر

- ماهو ؟


سما : لأني لم أتزوجك منذ البداية .. لوّ كنت أعرف السعادة التي تنتظرني ، لما اعترضت عليك ابداً

سيد ساخراً : وماذا بشأن مبادئك في الحياة ؟

- سيد !

- بصراحة انا مقتنعٌ بها الآن .. فكيف قبلتُ الزواج من سيدة تكبرني سناً ؟! ..ولوّ عدنا لطفولتنا سنجد انني كنت رضيعاً ، حين بدأتِ انت بالمشي والكلام .. ودخلتي المدرسة ، بينما امي تعلّمني النطق.. انت فعلاً اكبر مني بكثير ! 

- يا ثقل دمك

- أمزح حبيبتي


وحضنها بسعادة ، وهما راضيان بالقدر الذي جمعهما بعد عناء سنواتٍ طويلة ! 


المشاعر المُحرّمة

تأليف : امل شانوحة    الروبوتات البشريّة في اليوم الأول من عمل طبيب الأسنان (جيمس) بعيادته التي افتتحها بعد تخرّجه .. واثناء علاجه المريض ال...