الأربعاء، 11 أغسطس 2021

الرحلة المجانيّة

تأليف : امل شانوحة 

دروس في الحياة 


مع بدء العطلة الصيفية .. دخل الوالد الى منزله ومعه رسائل بريدية ، منادياً ابنه بصوتٍ عالي :

- آدم !! لديك رسالة من الثانوية .. أتمنى أن لا يكون إنذاراً آخر على إهمالك الدراسيّ

فنزل اليه وهو يقول بلا مبالاة : 

- طالما رسبت هذه السنة ، فما الحاجة لإنذاراتهم الغبية ؟!


وفتح الظرف ، ليجد إعلاناً عن رحلة تخييم مجانية في الغابة ! 

فستأذن والده الذي أجابه : 

- نعم يمكنك الذهاب

فأسرع آدم الى غرفته لتحضير حقيبته ، وهو متحمّس لرحلة الغد

***


في صباح اليوم التالي .. وقف آدم قرب منزله في انتظار حافلة المدرسة المخصّصة للرحلة .. 

وحين وصلت .. وجد بداخلها 19 من رفاقه الذين رسبوا هذه السنة : إمّا لسوء سلوكهم او لنتائجهم السيئة !

وبعد جلوسه في مقعده ، قال السائق الجديد : 

- طالما اكتمل العدد ، سنذهب مباشرةً الى مكان التخييم 


وبعد تحرّكه ..سأل آدم زميله :

- اليس غريباً أن تكافئنا المدرسة بنزهةٍ مجانية ، دون الطلاّب المتفوقين ؟!

إريك البدين : ربما يريدون تعليمنا أخلاقيات الكشّافة السخيفة لتحسين سلوكنا في السنة القادمة ، بما أن معظمنا من المتنمّرين الراسبين 

فقال زميلهما جيم : برأيّ لا تفكرا بالأمر ، واستمتعا بالرحلة.. (ثم فتح حقيبته المدرسية) ..أنظرا !! سرقت أغلى زجاجة خمر لأبي

آدم بحماس : وانا أحضرت السجائر واوراق اللعب ، كما سجّلت بعض الموسيقى الرائعة في جوالي .. إسمعا هذه الأغنية

  

ورفع صوت الموسيقى الصاخبة التي جعلت بقية الطلاّب يتراقصون طرباً.. بينما اكتفى السائق بالقيادة ، وهو يراقبهم من وقتٍ لآخر من مرآته العلويّة 

***


في الطريق ، توقف السائق امام عدّة محال تجارية للإستراحة .. وكلما سأله الأولاد عن مسافة الرحلة ، أخبرهم إنهم على وشك الوصول 

***


بحلول المساء .. توقفت الحافلة أخيراً بعد نوم معظمهم ، بسبب الموسيقى الهادئة التي وضعها لهم ..

ولم يستيقظوا الا على صراخ رجلٍ يقول بحزم :

- إنتباه !!!


فقفزوا من اماكنهم ! ليجدوا ضابطين عسكريين يأمرانهم بالنزول فوراً من الحافلة ! 

ومن حاول منهم الرفض والمقاومة .. قاما بسحبه بالقوة للخارج ، وسط رعب بقية الطلاّب !


وبعد اصطفاف 20 طالباً امام الحافلة ، لاحظ آدم غياب السائق ! فسأل الضابط عنه ، الذي اجابه : 

- سيجتمع بكم قريباً 

دون توضيح ما قصده ! ثم قال لهم :

- كما تلاحظون !! نحن متواجدين امام معسكر تجنيدٍ مهجور ، استخدمناه قبل أربعين سنة ..


فنظروا لبعضهم باستغراب ! قبل أن يتجرّأ آدم على سؤالهما :

- يبدو هناك خطأ في الموضوع ! فنحن كنا في طريقنا الى الغابة ، برحلة تخييمٍ مدرسيّة  

الضابط بلؤم : وهل كنتم متفوقين بالدراسة لتستحقوا رحلةً مجانية؟ 

فسكت الطلّاب وهم يشعرون بالحرج ، ليكمل الضابط كلامه : 

- القرار اتخذّ !! وستبقون في المعسكر طوال عطلتكم الصيفيّة 


فاعترض الطلّاب على بقائهم ثلاثة اشهر في مكانٍ مهجورٍ ومخيف!  

وقال أحدهم مهدّداً : اهلي ينتظرون عودتي بعد اسبوعين ، وإلاّ سيتصلون بالشرطة

فردّ الضابط الآخر : 

- دعّ مشكلة الأهل علينا ... (ثم قال للجميع) .. اريدكم أن تلحقوا بنا ، لنريكم مكان إقامتكم 

 

ولم يكن امام المراهقين سوى طاعة اوامرهما .. ولحقوا بهما وهم يتلفّتون حولهم لرؤية الأسلحة العسكرية المرمية في زوايا المعسكر ، التي كان معظمها غير صالح للإستخدام !

***


وحين دخلوا الى المهجع الكبير .. وجدوا الكثير من الأسرة الصدئة ، فيما عدا 20 سريراً تمّ دهنها حديثاً ، ووضع الفرش النظيفة فوقها.. 

فقال أحد الضابطين :

- ستبيتون هنا طوال وجودكم في التجنيد الإجباريّ

الطلّاب بدهشة : التجنيد الإجباريّ !


فأكمل الضابط الآخر : وسيتمّ تدريبكم بقسوة طوال الشهور القديمة ، الى أن تتخرّجوا من معسكرنا كرجالٍ صالحين 

آدم بغضب : لا يحقّ لكم أن تقرّروا عنا !! 

إريك البدين وهو يرفع جواله مهدّداً : 

- والدي شرطي ، وسأبلغه الآن عن إختطافكم لنا 

فقال الضابط له : 

- لا تتعب نفسك ، لا يوجد إنترنت في هذه المنطقة المنعزلة .. 

الضابط الآخر : ولا نريد سماع المزيد من الشكوى .. غداً سيبدأ التدريب في الصباح الباكر ، لهذا إستعدوا للنوم 


فاعترض أحد الطلّاب : سيدي ، لا استطيع النوم في غرفةٍ مشتركة مع هؤلاء الصبية.. الا يوجد غرفة خاصة يمكنني استئجارها ؟ فوالدي رجلٌ ثريّ ويمكنه ..

فاقترب الضابط من وجهه ، مقاطعاً بلؤم :

- لست في منزلك ايها المدلّل ، وستشارك زملائك هذا المهجع الكئيب لحين انتهاء تدريباتكم ، مفهوم !!

ثم قال لهم :

- ستجدون اسمائكم على السرائر ، واريدكم التوجه اليها الآن ..(ثم صرخ) ..ماذا تنتظرون ايها الكسالى ؟!


فأسرع المراهقون الى سرائرهم ، التي وجدوا فوقها : بطانية ووسادة وملابس تجنيد تناسب حجمهم !

الضابط الآخر : ستلبسونها غداً ، بعد استيقاظكم في 5 فجراً

الطلّاب بامتعاض : فجراً !

الولد المدلّل معترضاً : هذا ظلم !! نحن في عطلة ، ولا نريد الإستيقاظ باكراً

فاقترب الضابط من وجهه :

- الجنود تستيقظ قبل صياح الديك .. ومن لا يفعل ، سنوقظه بطريقتنا القاسية


ثم أخرج الضابط الثاني من الكيس الأسود الذي يحمله : شطيرة كبيرة لكل واحداً منهم ، ووزّعها عليهم وهو يقول :

- هذه الليلة سنسمح لكم بتناولها هنا .. لكن ابتداءً من الغد ، ممنوع تناول الطعام إلاّ في القاعة المخصّصة لذلك

الضابط الآخر : هذا كل شيء لهذه الليلة ، نراكم غداً 


اريك : لحظة قبل أن تذهبا ، اريد دخول الحمام

الضابط : أترى ذلك الباب في آخر المهجع ، سيوصلك الى دورة مياه تكفي ثمانية اشخاص ، سنترك نورها مضاءً .. اما نور المهجع فسيطفىء بعد ساعة .. إلبسوا بيجاماتكم بعد إنهاء طعامكم 

الضابط الثاني : لحظة ، تذكّرت شيئاً مهماً .. أعطونا حقائبكم لتفتيشها ، ومصادرة الأشياء الممنوعة  

آدم : لا يحقّ لك هذا !

فصرخ الضابط عليه بقسوة : 

- الم تفهم بعد ايها البليد انك تحت أمرتي وسيطرتي !! 

آدم بخوف : آسف سيدي !


وبالفعل صادرا الخمر والحلويات والسجائر والألعاب الإلكترونية ، وكذلك جوّالاتهم ..ولم يتركا لهم سوى الملابس وأغراضهم الشخصية 

ثم قال الضابط ساخراً : سنذهب الآن لتناول ممنوعاتكم اللذيذة ، بينما تستعدون للنوم .. تصبحون على خير

وخرج الضابطان بعد إقفالهما المهجع بالمفتاح من الخارج !


وهنا قال آدم بقلق : هل نحن رهن الإعتقال ؟! 

إريك : أتظن المدرسة أرسلتنا لهذه الرحلة لتقويم سلوكنا ؟ 

جيم بخيبة أمل : 

- ونحن ظننا إن التخييم هدية من مديرنا اللعين ، لنكتشف انها عقابٌ جماعيّ ! 

الولد المدلّل بثقة : إطمئنوا يا اصدقاء .. أهلنا لن يسكتوا على هذه المهزلة .. وحتماً ستتصل أمي بالإدارة للإطمئنان عليّ ، فأنا ابنها الوحيد

آدم : انا قلقٌ من شيءٍ آخر 

- ماهو ؟


آدم : أخاف إنهما يتنكرا بهيئة ضبّاط ، وهما بالحقيقة ينتميان لعصابةٍ ما : كتجارة الأعضاء ، او منظمة ارهابية قاما بقتل السائق وخطفنا للمطالبة بمال الفدية ، او شيء من هذا القبيل

- آدم ! لا تزد همومنا يا رجل  

اريك : حسناً اهدأوا ..لتناول شطائرنا وننام ، وغداً نكتشف الحقيقة


وناموا بعد ساعات طويلة من اطفاء نور المهجع ، بسبب تفكيرهم بمصيرهم في هذه الرحلة المشؤومة

***


في الخامسة صباحاً .. إستيقظوا مرتعبين على صراخ الضابط وهو يأمرهم بالنهوض من سرائرهم .. 

فأسرعوا بالوقوف ببيجاماتهم ، وهم يترنّحون بتعبٍ ونعاس .. فيما عدا اريك الذي كان غارقاً في النوم .. 

ليشاهدوا جميعاً الضابط وهو يسكب الماء البارد على وجهه ، مما أيقظه باكياً وهو يرتجف من الخوف

الضابط : اريك !! توقف عن البكاء ، فالرجال لا تبكي .. (ثم قال للجميع) .. اريدكم أن تلبسوا زيّكم العسكري ، واللحاق بنا الى ساحة التدريب .. وابتداءً من الغد !! ستكونوا جاهزين قبل دخولنا المهجع ، وإلاّ سأعاقبكم بشدة 


وبعد خروج الضابطين .. أسرع الأولاد بتجهيز انفسهم ، ولبس زيّهم العسكري والإنطلاق للخارج ..  

***


في الساحة .. تفاجأوا بالسائق ينتظرهم هنا وهو يلبس الزيّ العسكري ويقول لهم : 

- دعوني أعرّفكم بنفسي .. انا العقيد المتقاعد مايكل سميث 

آدم بغيظ : هل تنكّرت كسائق مدرستنا لخطفنا امام انظار اهالينا ؟!

مايكل : ستعرفون كل شيء لاحقاً .. 

ثم قام بعدّهم ، ليجدهم 19 ولداً ..

مايكل : هناك ولدٌ ناقص !


وبعد قليل ، توجّه اريك لهم وهو يقول لاهثاً :

- آسف على تأخري ، كنت أغيّر بيجامتي المبلولة .. (ثم انتبه للسائق ، فسأله بدهشة) .. يا عم ، لما تلبس مثلنا ؟!

مايكل بحزم : لأني المسؤول عن تدريبكم .. والآن إثبت في مكانك يا ولد!! 


ثم أكمل كلامه الحازم مع الجنود المراهقين : 

- كما ترون !! نحن امام ساحة التمارين الرياضية .. وعليكم إجتياز كافة العوائق للوصول لخطّ النهاية .. وسيريكم الضابطان كيفية عبورها .. جاهزان !!

الضابطان بحماس : جاهزان سيدي !!


ثم أطلق مايكل صافرته وهو يحمل جهاز التوقيت ..

ليركض الضابطان بكل قوتهما لاجتياز الحواجز الخشبية التي كان من بينها : الحبو اسفل الأسلاك الشائكة والقفز فوق النار وتسلّق الشباك ، الى ان وصلا أخيراً لخط النهاية


ثم قال مايكل للأولاد : والآن دوركم !!

اريك بقلق : لحظة سيدي ! انا لا استطيع القفز من فوق السور ، فوزني ثقيل وأخاف أن أكسر قدمي .. ولا اعتقد بوجود مستشفى قريب من هذا المعسكر 

مايكل : انت لديك تدريبٌ من نوعٍ آخر .. ارأيت ذلك الجهاز الكهربائي ، ستمشي عليه طوال فترة تدريب زملائك .. وأعدك أن لا تخرج من معسكري ، إلاّ بعد خسارة نصف وزنك على الأقل 

إريك بقلق : نصف وزني !


مايكل : نعم ، وهذا يعني انك ستأكل اقل من رفاقك  

- اساساً انا جائعٌ منذ الآن ، فنحن لم نفطر بعد

- سنتوجه لاحقاً الى قاعة الطعام ، فمن الخطر أن تتدرّبوا بمعدةٍ ممتلئة .. والآن من سيبدأ ؟ 

آدم بثقة : انا !!

مايكل : أحسنت يا بطل !! دعّ اصدقائك يرون قوتك

***


ورغم قساوة التمرينات ، الا ان آدم استطاع التفوق على زملائه بسبب لياقته وقوته البدنية .. 

وتابع الجنود التمرينات ، مع تسجيل العقيد لتوقيت وصولهم الى خط النهاية على لوحٍ كبير.. 


واثناء إجتياز الجنود المراهقين لتلك العقبات ، كان اريك يحاول جاهداً متابعة المشي على الجهاز الكهربائي .. 

إلى أن قام مايكل بإيقافه وهو يقول :

- يمكنك الإرتياح الآن ، فأصحابك أنهوا جميع التمارين  

ليسقط اريك على الأرض وهو يلهث بتعبٍ شديد..


ومن بعدها أعلن مايكل نتيجة المسابقة :

- الجندي الأسرع بينكم هو : آدم !!

فصفقوا له ، وهو يشعر بالفخر ..

ثم اقترب مايكل منه : بما انك الفائز ، ستحصل وحدك على تحليةٍ لذيذة 

فابتسم سعيداً ، بينما شعر زملائه بالضيق والغيرة ! 


وأكمل مايكل اوامره لهم : 

- الآن ستذهبون للإستحمام ، معكم 10 دقائق ..ومن يتأخر منكم ، سأفتح عليه الباب وارميه خارجاً ، حتى لو كان جسده مغطّى بالصابون

- ولما 10 دقائق فقط ؟

مايكل : لأن الجنود في المعارك ليس لديهم وقت للإستحمام .. وفي ايامنا ، كان علينا غسل اجسامنا في أنهر الفيتنام بأقل من دقيتين ، وبحذرٍ شديد ونحن بحالة ترقّب لجنودهم الذين يظهرون فجأة من فوق الأشجار او خلف الأعشاب ، عدا عن تماسيحهم المرعبة  

- وهل رأيت ذلك بنفسك سيدي ؟ 

مايكل : نعم ، ومات الكثير من اصدقائي هناك .. والآن سينظّم الضابطان دوركم في الإستحمام ..

ثم تركهم وذهب الى قاعة الطعام.. 

***


وهناك تكلّم مع الطبّاخة :

- شكراً لقبولك دعوتي للإنضمام الى مشروعي الصيفيّ

الطبّاخة العجوز : بالتأكيد سأفعل ، فأنا أحب المشاركة في تقويم الأولاد المشاغبين 

مايكل : أتدرين يا جورجينا ، إشتقت الى طعامك اللذيذ 

- صنعت لك الحلوى التي تحبها

- لكن رجاءً كما اتفقنا : الحلوى للفائز فقط بين الجنود ، لأن عليهم أن يستحقوها بجدارة

الطباخة : فهمت .. وسأطبخ الخضار المسلوقة والعصائد ، كما طلبت مني 

مايكل : شكراً لك .. هاهم يدخلون القاعة .. استعدّي


وبدأ مايكل يعدّهم ، ليلاحظ تأخّر أحدهم ! فسأل الضابط عنه :

- اين جاك ؟

الضابط : يرفض الخروج من الحمام 

الضابط الثاني : يقول إن عليه الإهتمام بشعره الطويل 

مايكل بغضب : إذهب انت وانتظره بجانب الحمام .. وحين يخرج ، أحلق رأسه بالكامل لكي يعلم أن هناك اموراً اهم من هذه السخافات 

الضابط : حاضر سيدي


ثم قال مايكل لبقية الطلاّب :

- إسمعوني جيداً !! ممنوع تطويل الشعر والأظافر في معسكري ، وسنقوم بحلق رؤوسكم اولاً بأول .. مفهوم !!

فسكت الجميع ، فأعاد كلامه بغضب :

- هل كلامي مفهوم ؟!!

- نعم سيدي !!

مايكل : والآن إحضروا الصواني 


وسرعان ما تزاحم الأولاد حول الطبّاخة لشدة جوعهم ، فصرخ مايكل عليهم من بعيد :

- قفوا بالطابور !! وإلاّ ستحرمون من الغداء


فقاموا بتنظيم أنفسهم وهم يحملون صحونهم .. وحين سكبت لآدم العصيدة ، إعترض قائلاً :

- منظرها مقرف 

فاقترب منه العقيد ، وسحب منه الصحن : 

- يبدو انك غير جائع

آدم : لم اقصد ذلك !

- إعتذر منها

آدم بعصبية : انا لا اعتذر من احد

مايكل : اذاً إذهب الى المهجع ، فقد خسرت طعامك وجائزة التحلية بسبب سلوكك السيء مع الطباخة


فخرج آدم غاضباً وهو يشتم بصوتٍ منخفض.. بينما تناول البقية طعامهم بصمتٍ وهدوء .. 

***


بعد نصف ساعة .. أنهى اريك طعامه ، وتوجه للطباخة لطلب المزيد.. 

فقال له مايكل :

- الم اخبرك هذا الصباح انك ستحصل على كمية أقل من اصدقائك ، لإنزال وزنك

- لكني جائعٌ جداً

مايكل بحزم : لا مزيد من الطعام ، عدّ الى المهجع فوراً


فعاد حزيناً ، ليجد آدم مستلقياً على بطنه من الجوع والذي سأله :

- لما عدّت باكراً ؟

اريك بغضب : لم يسمح لي السائق اللعين بتناول المزيد

آدم : على الأقل لم يحرمك من الطعام ، فأنا لم آكل منذ البارحة 

- اذاً حاول أن لا تعترض اوامره ، فنحن لا نعلم ما يخطّطه لنا ..وهل فعلاً سيخرجنا من هذا الجحيم بنهاية الصيف ، ام ينوي على شيء يفوق تصوّرنا ! 

فأومأ آدم رأسه موافقاً بقلق ..


ولشدة جوعه ، نام في محاولة لنسيان آلام معدته ..وكذلك فعل بقية الطلاب بعد عودتهم متعبين الى المهجع

***


بحلول العصر .. إستيقظوا على صراخ العقيد مايكل وهو يأمرهم بالخروج للساحة للركض حولها.. 

- لكنها تمطر في الخارج !

مايكل بحزم : وانا اريدكم أن تركضوا تحت المطر ..هيا ماذا تنتظرون؟!!

فأسرعوا الى هناك ..


وما أن أنهى آدم دورته الأولى ، حتى سقط على الأرض 

مايكل : قمّ ايها الجندي !!

آدم بتعبٍ شديد : أكاد اموت جوعاً


فأشار للضابط بمساعدته للعودة الى المهجع ، ليفاجأ هناك بشطيرة كبيرة فوق سريره .. فأسرع بأكلها بنهمٍ شديد

الضابط : لا تخبر اصدقائك بذلك ، فنحن لا ننوي إيذائك .. إكمل طعامك ، وعدّ بعد ساعة للساحة لإكمال التمارين

آدم : سأحاول

- قلّ حاضر سيدي

- حاضر سيدي !!


وبعد قليل .. عاد آدم للساحة لإكمال الركض بنشاطٍ وحماس ، وسط دهشة زملائه !


وفي ذلك المساء ، نام الجنود فور إطفاء نور المهجع من شدّة تعبهم

*** 


في الصباح الباكر .. قام مايكل مع الضابطين بالتفتيش على نظافة وترتيب سرائر الجنود واغراضهم الشخصية ، مما تسبّب بعقاب معظمهم لأنهم غير متعودين على اهتمام بهذه الأمور .. فيما عدا جندي نحيل نجح في الإمتحان ، فسأله مايكل باهتمام : 

- من علّمك الترتيب بهذا الشكل ؟ 

الجندي : انا مهووس بالنظافة ، لهذا ضايقني توقيتك للإستحمام ، فأنا بالعادة احتاج ساعة على الأقل للإنتهاء من ..  


مايكل مقاطعاً : في الجيش لا يتوفر دائماً الماء ، وعادة ما نقضي شهوراً في الخنادق دون استحمام ..لهذا عليك تحمّل الظروف الإستثنائية هنا 

الجندي : الا تجدونها مفارقة أن تهتموا بتريب سرائرنا واغراضنا وتلميع احذيتنا ، دون إكتراثكم بنظافتنا الشخصية !

مايكل : إهتمامك بأغراضك يعلّمك التركيز على التفاصيل التي قد تنقذ حياتك في ساحة المعركة .. والآن ستبقي هنا ، لحين تنفيذ زملائك العقاب الذي سأفرضه عليهم بسبب فوضتهم 


ثم أمر بقية الجنود بالخروج للساحة للقيام بتمارين الضغط والركض لأكثر من ساعتين ، ليعودوا منهكين الى فراشهم في انتظار وقت الغداء ..

***


واستمرّت التمارين القاسية لثلاثة اشهر ، بما فيها تمارين الرماية التي أثارت اهتمام معظم الجنود .. كما عاقب مايكل بعضهم لإصرارهم على مكالمة ذويهم ، لكنه أخبرهم إنه لا تواصل قبل انتهاء التجنيد الإجباري .. 


ومع الوقت إعتاد الصبية على قوانينه الصارمة ..وصاروا يستيقظون باكراً لتجهيز انفسهم ، قبل دخوله مع الضابطين الى مهجعهم ..كما ظهرت مواهبهم في الرماية والتمارين الرياضية .. حتى إن اريك خسر 10 كيلو من وزنه ، مما زاد ثقته بنفسه بعد ظهور وسامته .. كما تعوّد المراهقون على طعام الطباخة التي كانت تفاجأهم من وقتٍ لآخر بتحليةٍ لذيذة .. 

وقويت اواصر الصداقة بينهم ، وتحسنّت طريقة حوارهم بعد تجنبهم كلمات النقد التي اعتادوا استخدامها كمتنمرين سابقين .. 

***


وفي ليلتهم الأخيرة بالمعسكر ، أخذهم العقيد الى قاعة السينما ..  

فسأله آدم :

- هل سنشاهد اليوم ايضاً فيلماً وثائقياً عن حرب الفيتنام ؟ 

- أتمنى ان يكون فيلماً على الحرب العالمية الأولى او الثانية 

- المهم أن تخبرنا عن قصصك في الحرب اثناء مشاهدتنا الفيلم 


فقال لهم العقيد : 

- هذه المرة ستشاهدون فيلماً من نوعٍ آخر ، وسيكون الفيلم الأخير 

الجنود بدهشة : الأخير ! 

مايكل : نعم .. بما أن مدرستكم ستبدأ قريباً ، سأسرّحكم من المعسكر غداً صباحاً 


فهلّلوا فرحين وهم يحتضنون بعضهم بسعادةٍ غامرة ، فأكمل قائلاً :

- انتم استحقّيتم ذلك بعد اجتيازكم جميع العقبات والإمتحانات ، وتعوّدتم أخيراً على تلقيّ الأوامر ممن يكبركم سناً وخبرةً في الحياة .. كما تحسّنت سلوككم واهتمامكم بالنظافة والترتيب واللياقة البدينة .. وبما انها ليلتنا الأخيرة ، اريدكم ان تعرفوا سبب تواجدكم هنا


ثم اطفأ الأنوار ، وأضاء الفيلم الذي كان فيه رسائل حنونة من اهاليهم ، مما ابكى الجنود شوقاً لهم .. حيث حاول الأهل الإعتذار من ابنائهم لموافقتهم على إقتراح العقيد بإدخالهم الى برنامجه القاسي خوفاً على مستقبلهم ، بعد إهمالهم دراستهم واعتيادهم على أذيّة غيرهم 


وبعد انتهاء رسائل الأهل ، قال العقيد وهو يجلس خلفهم :

- والآن سأريكم السبب الحقيقي لاختياري لكم 


ووضع على الشاشة : صورة طالب قديم في مدرستهم ، إنتحر قبل سنة

آدم بدهشة : هذا جيمي الإنطوائي !

العقيد مايكل بحزن : جيمي كان حفيدي الوحيد

الجنود بدهشة : ماذا !

مايكل : اظنكم تعرفون السبب الحقيقي لانتحاره .. لكني لم اعرف ذلك ، الا بعد قراءة مذكراته التي ذكر فيها اسماءكم وكيف عذّبتموه لفظياً وجسدياً طوال سنتين في الثانوية ، مما أجبره على سرقة مسدسي مع علبة مليئة بالرصاص لقتلكم جميعاً

الجنود بخوف : قتلنا !


العقيد : نعم كتب في مذكراته خطته الكاملة لجريمة قتلٍ جماعيّة ، ونوى فعلها بعد عودتكم من عطلة نصف السنة .. وذات يوم دخلت غرفته دون إذنه ، لأراه يحمل مسدسي .. فترجّاني كثيراً أن أبقيه معه لبعض الوقت ، لكني رفضت طلبه.. لأفاجأ بانتحاره تلك الليلة شنقاً في غرفته ، بعد إفسادي خطته بالإنتقام .. (ثم سكت قليلاً) .. شعرت حينها بتأنيب الضمير لأني لم اجلس معه وأفهم سبب رغبته الشديدة للحصول على مسدسي ، لربما نصحته او أقنعت والديه بتغير مدرسته .. لكني لا أنكر إن انتحاره هو أفضل من قضاء بقية حياته في السجن ، بعد تشويه سمعة العائلة... ولأني متقاعد من الجيش إستطعت الحصول على الفيديوهات المصوّرة من مدرستكم التي توضّح مضايقتكم المستمرّة لحفيدي ، والتي أريتها لأهاليكم الذين خيّرتهم بين محاكمتكم او تقويم سلوككم بطريقتي العسكريّة .. فوافقوا  بتوقيعٍ خطّي على اقتراحي ، خوفاً على مستقبلكم ..(ثم وقف امامهم).. والآن بعد انتهاء المعسكر ، أتمنى أن تكونوا عرفتم قيمة أهاليكم وأهمية دراستكم ، وقرّرتم تحسين سلوككم مع الآخرين 

- نعم سيدي !!


ثم قال مايكل لآدم :

- أفهمت الآن لما صفعتك حين ناديت زميلك جيم بالعبد .. لأن حفيدي سمعها كثيراً منك ، مما جرح شعوره ودمّر حياته

آدم بحرج : آسف سيدي

فقال مايكل للجميع : 

- اريدكم ان تعرفوا اننا جميعنا بشر متساويين ، والذي يميزنا عن بعضنا هو الأخلاق وانجازاتنا في الحياة .. مفهوم يا اولاد

- مفهوم سيدي


مايكل : أحسنتم !! والآن إذهبوا للنوم ، فغداً تعودون الى بيوتكم كرجالٍ صالحين.. وانا سأبقى على تواصل مع اهاليكم وإدارة المدرسة لأتأكّد أنكم لن تعودوا الى تصرّفاتكم الطائشة ، وإلاّ أحلف انني سأخطفكم اثناء نومكم وأعيدكم الى هذا الجحيم من جديد

- لا سيدي ، نعدك أن نحسن التصرّف دائماً

مايكل : جيد .. الآن إذهبوا الى مهجعكم ، لقضاء ليلتكم الأخيرة .. تصبحون على خير


وعادوا وهم يشعرون بالندم على أخطائهم السابقة ، كما شعروا باحترامٍ شديد للعقيد الذي فضّل تحسين سلوكهم على عقابهم القضائيّ بعد تسبّبهم بانتحار حفيده الوحيد .. وتعاهدوا ليلتها أن لا يكرّروا تصرّفاتهم القديمة مع طلّابٍ آخرين 

*** 


وفي الصباح التالي .. عانق المراهقون اهاليهم وهم يبكون بسعادة لرؤيتهم بعد غيابٍ طويل .. 

وفي المقابل شكر الآباء العقيد والضابطين والطباخة على معسكرهم ومعاملتهم الجيدة لأولادهم التي حسّنت سلوكهم بشكلٍ ملحوظ.. 


كما لاحظ الأساتذة والمدير تغيرهم المفاجىء فور عودتهم للمدرسة مع بداية السنة الجديدة ، وهم في قمّة النشاط والحماس للدراسة ! مما جعل المدير يتفق مع العقيد مايكل على قيامه بذلك المعسكر الإجباريّ كل سنة للأولاد الكسالى والمنتمّرين من الطلاّب الجددّ ، على أن تكون المصاريف مناصفة بين الأهل وإدارة المدرسة .. 

فوافق العقيد برحابة صدر على اقتراحه ، طالما انه سيساهم في تقويم تصرّفات المراهقين ليكونوا فخراً لأهلهم واوطانهم في المستقبل القريب .. داعياً ربه أن يكون جهده ، راحةً وسلاماً لروح حفيده الراحل ! 

هناك 5 تعليقات:

  1. اولاً اعتذر عن التأخير بالنشر بسبب فيروس دمّر ملفات (C) في كمبيوتري .. لكن بعد 3 ايام من التصليح ، إستعدّت ملفات (D) التي فيها جميع الملفات الخاصة بالكتابة ولله الحمد .. تحياتي للجميع

    ردحذف
  2. احسنت ياكنز الابداع . ونحمد الله عل سلامة جهازك ومنتظرين منك الافضل كما عهدنا منك...

    ردحذف
  3. حسنا ... عودا حميدا . وجزيل الشكر على كل قصه تحاول إصلاح إعوجاج ما . ولكن برأيي المتواضع من عاين البشر علم بأن تقويم السلوك يكاد يكون مستحيلا وفي غاية العسر خاصة بعد إنقضاء سن السادسه فضلا عمن قضى طفولته ومراهقته في فضاء العبث الفسيح . فهذه النماذج ستظل على إعوجاجها ولن يصلحها شيء . ومؤخرا أسهبت نوعا ما بعض الأفلام الغربيه في هذا الموضوع لمحاولة الوصول لإجابه لتلك الشخصيات السايكوباثيه إن جاز التعبير . لماذا يفعلون ذلك ؟ وكيف لا يردعهم أي وازع ؟ وكيف يواصلون حياتهم هكذا ؟ وما الذي يحول الإنسان السوي لهذا الوحش ؟ إلخ ... وعذرا للإطاله .... وإلى المزيد .

    ردحذف
    الردود
    1. هناك الكثير من البرامج التلفزيونية التي عالجت فساد المراهقين ، اما بأخذهم الى التجنيد الإجباريّ او في رحلة تخييم كشافيّ ، او حتى نقلهم الى السجن لتخويفهم من مستقبلهم في حال تابعوا تصرّفاتهم الطائشة .. ثم يراقبونهم لشهور بعد انتهاء البرنامج ويسألون الأهالي والأساتذة ، ليجدوا إن نسبة كبيرة منهم تحسنوا بالفعل .. فالمتنمّر عادةً يريد لفت الإنتباه اما بسبب تجاهل الأهل له ، او لقسوة احد الوالدين ، فيقوم بإفراغ غضبه على الأولاد الأضعف منه .. وبرأي لو عالجنا مشاكلهم النفسية وزدنا الوعظ الديني لديهم ، فهناك امل بإصلاحهم ..فبذرة الخير موجودة في قلب الجميع ، ولا يوجد اشرار مئة بالمئة خاصة عند الأولاد والمراهقين ، فالله رحيم وباب التوبة مفتوحٌ دائماً حتى آخر نفسٍ لنا .. تحياتي لك

      حذف
  4. اولا لقد قدمتي سبب تأخيرك ع النشر ...وهذي سالفه كنت اتسائل شو صار ..ولكن الحمدلله ....وكالعاده شكرا ع المقال الحلو ..

    ردحذف

غلطة عمري

فكرة : أختي أسمى كتابة : امل شانوحة    الأسرة اولاً وظّف المدير فؤاد (الخمسيني) سكرتيرةً جديدة إسمها سهى (العشرينية) التي كانت متوسطة الجمال...