الخميس، 5 يناير 2023

جزيرة الكوارث

تأليف : امل شانوحة 

 

المحاصرون


تطوّع مئة شخص (مع عائلاتهم) لتجربة الحياة على جزيرةٍ أُكتشفت حديثاً وسط المحيط .. وعليهم العيش معاً داخل مبنى من خمسة ادوار ، في كل طابق اربعة شقق .. 

وتضمّنت عمارتهم : عيادة وصفوف دراسيّة ومخزن مؤنة تقوم الدولة بملئِه كل شهر حسب طلباتهم ، بعد توظيفها اثنين من السكّان للتواصل معها على الدوام 


المشكلة الوحيدة بهذه الجزيرة انها مسرحاً للكوارث الطبيعيّة ! فهم يعيشون بشكلٍ شبه يوميّ أصعب الطقوس المناخيّة التي تتغيّر دون سابق إنذار ! 

وليس امامهم سوى مشاهدة ما يحدث خارج مبناهم المُحصُن بهندسةٍ معماريّة فريدة ، تقيهم من الأعاصير والزلازل والحمم البركانيّة التي تظهر من العدم ، بالإضافة لتسونامي البحر الذي يحيط بهم من كل جانب! 


وفي المقابل وعدتهم الحكومة بجائزةٍ ماليّة ضخمة ، في حال استمرّوا بالعيش هناك لخمس سنوات .. وكانت وسيلة إتصالهم الوحيدة بالعالم ، جوالٌ قديم الصنع يُراسلون به : موظف الطقس ومسؤول المؤونة المُعينان من قبل الحكومة لمساعدتهم بتجاوز التجربة الفريدة من نوعها .. بعد موافقتهم جميعاً على شروط العقد ، قبل نقلهم مُخدّرين الى الجزيرة النائية! 


وقد امضوا حتى اليوم ، اربع سنوات في ذلك المبنى ! تعرّضوا فيه لكل المخاوف النفسيّة المصاحبة لوقوع الكوارث الطبيعيّة .. مُحاولين قدر الإمكان التأقلم مع طباع جيرانهم المختلفة ، لتعدّد جنسياتهم ولغاتهم.. لكنهم يتواصلون باللغة الإنجليزية التي يتقنوها ، فهم جميعاً من سكّان اميركا .. 


وخلال تلك الفترة .. تزوّج بعضهم ، مُنجبين اطفالاً انضمّوا للأولاد الأكبر سناً مع المراهقين المتأفّفين من طول التجربة التي حرمتهم من وسائل التواصل الإجتماعي .. 

فصغارهم الأكثر تعرّضاً للرعب الذي ينتاب سكّان العمارة ، كلما سمعوا صافرة الخطر التي تنذرهم ببدء كارثةٍ جديدة

ليسارع الأهل بنقلهم للسطح الزجاجيّ ، لمشاهدة الوضع المخيف في الخارج وهم يدعون ربهم أن تمرّ الأزمة بسلام ، دون انهيار مبناهم الإسمنتيّ البسيط .. 


وفور انتهاء الظاهرة المرعبة ، يعودون لحياتهم الروتينيّة من قراءة الكتب والإهتمام بمزرعتهم الصغيرة في قبوّ العمارة ..او تعليم الصغار لحين انتهاء التجربة بعد عام ، وحصولهم على الجائزة المغريّة التي وعدتهم بها الحكومة .. 

***


كل شيء مرّ على ما يرام في السنوات الماضية .. ومع اقتراب ليلة رأس السنة الأخيرة لهم في الحجزّ الإجباريّ ، سمحت لهم الحكومة لأول مرة بالإحتفال خارج المبنى ! بعد تأكيد ارصادهم الجويّة بهدوء الطبيعة الجويّة والأرضيّة والبحريّة القريبة من الجزيرة في الأيام الثلاثة القادمة 


وكان الأطفال أكثرهم سعادة وهم يركضون حول المبنى بحرّية .. بعكس التزامهم بالهدوء في ممرّات الشققّ ، وعتاب الجيران الدائم على إزعاجهم الطفوليّ !


بينما قام الرجال بتزيين الساحة القريبة من المبنى بالإضاءة وشرائط الزينة ، حسب توجيهات نسائهم اللآتي وضعن مأكولاتهنّ الشهيّة على الطاولة الكبيرة


الجميع كانوا سعداء ، ماعدا الشاب جاك الذي أصيب بالإكتئاب المُزمن من التجربة القاسية التي دمّرت شعور الأمان داخله ! فقرّر مفاجأة زملائه بالحديث معهم من سطح المبنى بمكبّر الصوت : 

- هاى يا اصدقاء !! سأخبركم بسرٍّ عني .. انا خبير متفجّرات .. والمسؤولون الحمقى ارسلوا كل ما طلبته من مواد كيميائيّة ، بعد أن أوهمتهم باستخدامها للزراعة .. لكني حوّلتها لقنبلةٍ ضخمة ، لغّمت بها مبنانا الكئيب .. وهآ انا أحمل زرّ التفجير ، وأنصحكم بالإبتعاد عن العمارة كيّ لا تصابوا بالشظايا المتطايرة !!


فصرخ أحدهم : لا تفعل !! ستموت فور انهيار المبنى 

جاك : قرّرت الإنتحار بتفجير تجربتنا المدمّرة نفسيّاً .. فلا أظنكم ستنسون ما حصل هنا ، او تتعافون بعد عودتكم لبلداتكم 

فقالت سيدة بقلق : إن هدمته ، لن نجد مكاناً نتآوى به من الكوارث المرعبة

جاك : وهل صدّقتي بوجود جزيرة على الأرض تجتمع فيها الزلازل والبراكين والأعاصير والعواصف الثلجيّة والتسونامي التي تظهر وتختفي من العدم ، وتستمرّ طوال السنة ؟!

رجل : انت شاهدت تلك الكوارث معنا في السنوات الأربعة الماضية 


جاك : شاهدناها من النوافذ السميكة التي لا تُقتح بأيّة طريقة ! وأظن تلك الكوارث مجرّد جرافيك معروضة على تلفازٍ ضخم ، لإرعابنا نحن واطفالنا .. 

المرأة : لا ارى مغزى للحكومة لإخافتنا ، مقابل جائزة ضخمة ! 

جاك : غرضهم أن نفقد أعصابنا ، كما حصل معي .. وبهدمي مبناهم ، سأفسد خطتهم مهما كانت .. والآن ابتعدوا عن العمارة التي سأفجّرها عند الرقم عشرة ... (ثم صرخ بعلوّ صوته) : 1..2..3.. 


فهرب الجميع بشتّى الإتجاهات ، مُبتعدين عن المبنى الذي انهار تماماً بعد الرقم عشرة ! ليموت جاك تحت ركامها

***


بعد هدوء العاصفة الرمليّة التي أحدثتها الشظايا المتطايرة في كل مكان ، تجمّعت العائلات لإيجاد حلٍّ للمشكلة .. فالشمس قاربت على المغيب ولا يوجد في هذه الجزيرة كهفاً او شجراً يبنون اكواخهم فوقها .. وطالما ليس معهم جوالات (حسب شروط المسابقة) فلا يمكنهم الإتصال بالمسؤولين لإرسال سفينة اليهم ، بعد فساد التجربة قبل شهور من نهايتها ! 


ووسط نقاشاتهم الصاخبة ، نادى طفلٌ امه :

- أمي !! أخي شوّه صورة البحر !

فنظر الجميع حيث أشار .. ليروا أن الحجرة التي رماها اخوه الأصغر ، أصابت الواجهة البحريّة ، التي لم تكن سوى شاشة تلفازٍ عملاقة !


فاقترب الرجال مذهولين مما رأوه ! ليكتشفوا أن هناك ثلاث شاشات أخرى عملاقة تحيط مبناهم من كل الجهات ، لإيهامهم بأنهم عالقين داخل جزيرة نائية ، بينما هم في موقع تصويري كبير .. لتصيبهم الصدمة بعد إيقانهم بصحّة شكوك جاك الذي قتل نفسه لإثبات نظرية المؤامرة ! 


فانفجر احدهم غضباً وهو يكسر إحدى الشاشات بقضيبٍ حديديّ من بقايا المبنى المتهدّم ، صارخاً بهستيريا :

- من وراء هذه التجربة السخيفة ؟!! لما أضعتم اربع سنوات من حياتنا ، باحتجازنا داخل استديو سينمائيّ سخيف ؟!


وسرعان ما شاركوه زملائه بتحطيم التلفاز ، لحين ظهور ما يوجد خلفه : وهو طريقٌ صحراويّ .. عرفه احدهم على الفور ، قائلاً :

- هذه تكساس !

- هل جننت يا رجل ؟ مُحال أن نكون مازلنا في اميركا !

الرجل : أعرف هذا الطريق جيداً ، فقد مررّت بتلك المحطّة عشرات المرّات اثناء عملي كسائق شاحنة 

(وأشار لمحطّةٍ بعيدة) 

امرأة بضيق : لا أفهم شيئاً ! لما حجزونا في منطقةٍ امريكيّة ؟ وما الغرض من تجربتهم السخيفة ؟!


وهنا ظهر صوت من ميكروفون مخبّأ داخل صخرةٍ مزيّفة (كديكور في الجزيرة الوهميّة) قائلاً : 

- كنتم تعيشون في برنامج واقعي ..وقد شاهدكم ملايين الناس حول العالم ، بعد ترجمة محادثاتكم لأكثر من لغة

فصرخ احدهم : وماذا استفدتم من ذلك ؟!!


الصوت : قمنا ببثّ ردّات فعلكم وتصرّفاتكم اثناء إهتزاز المبنى بزلزالٍ وهميّ ، وارتفاع حرارته فور مرور الحممّ المزيفة بجانبه ..وخوفكم اثناء غمرِنا طابقكم السفليّ بمياه تسونامي ، المُصوّر بتقنيّةٍ عالية ..وصراخكم خلال اهتزاز النوافذ بالعواصف المُفتعلة .. ورجفان اجسادكم اثناء زيادتنا درجة برودة الشقق ، بالثلوج الوهميّة .. كنوع من الدراسة لردّات فعل الإنسان تجاه الكوارث الطبيعيّة

المرأة غاضبة : أحياتنا لعبة بأيديكم ؟!! فقد انتحر احدنا بسببكم !

الرجل بعصبية : على الأقل إخبرونا انها تجربة علميّة لعينة !!


الصوت : اردنا تصوير ردّات فعلكم الطبيعيّة ، وليست المصطنعة

فقال شاب : لحظة لحظة !! لا يهمّني ما حصل .. اريد معرفة متى سأحصل على جائزتي الماليّة ؟ 

الصوت : أيّةِ جائزة ، انتم لم تنهوا سنتكم الأخيرة من التجربة

الشاب بعصبية : ليس ذنبنا ما فعله جاك الأحمق

الصوت : أتدرون إن ثمن المبنى المُهدّم ، يساوي اضعاف ما كنا سندفعه لكم ؟


الرجل باستهزاء : وماذا سيفيدكم المبنى بعد انتهاء التجربة ؟ هل كنتم ستنقلوه لوسط العاصمة ؟

الصوت : بل كنا سنحضر متطوّعين جدّد بعد انتهاء مسابقتكم ، لكن جاك أفسد التجربة علينا وعليكم ..ولا تنسوا انكم دمّرتم تلفازاً ضخماً ، كلّفنا آلاف الدولارات .. لهذا لن تحصلوا على فلسٍ واحد!!

الشاب صارخاً : اللعنة عليكم !! أضعتم سنوات من عمرنا دون فائدة 

وقالت صبيّة باكية : تخلّيت عن منحتي الجامعيّة للقدوم الى هنا

شاب آخر بحزن : وانا تركت خطيبتي ، لرفضها مشاركتي بهذه المسابقة  


الصوت بلؤم وتهديد : ليس ذنبنا !! وأنصحكم بالتزام الصمت بعد خروجكم من الصحراء ، فنحن نعرف عناوين منازلكم وأعمالكم .. فلا تجبرونا على إسكاتكم للأبد !! 

الرجل : من انتم يا رجل ؟!! .. من حقنا معرفة الحقيقة 

الصوت : هذا ليس من شأنك .. وبرأيّ أن تسارعوا للوصول الى المحطّة قبل حلول المساء .. فالصحراء مليئة بالثعابين والعقارب .. وأظن السائق الذي معكم ، يعرف هذا جيداً 

فنظروا جميعاً للسائق ، الذي اومأ برأسه إيجاباً !

الصوت : إنتهى تواصلنا معكم بهذه اللحظة !!


وانقطع الصوت ! ليلمّلوا الأغراض التي بقيّت سليمة من انهيار المبنى .. 


ثم مشوا خلف بعضهم باتجاه المحطة البعيدة دون علمهم بأن الحافلتين التي ستصلان بعد ساعة للمحطّة المهجورة سيُبثّ داخلهما غازٌ سام ، لقتلهم جميعاً وإبقاء سرّية المسابقة الحكوميّة التي ستتابع تجربتها في مكانٍ آخر مع متطوّعين جدّد !


هناك 4 تعليقات:

  1. محظوظون هولاء فكل الشرور تأتي من مخالطة البشر ... ياليت كنا معهم فنموت موتا سريعا ... نهايه جميله لبداية عاما ممضا بائسا آخرا

    ردحذف
  2. لافيكيا سنيورا

    كل عام وانتي بخير


    الله يرحمه جاك كان صديقي الروح بالروح.

    وتستمر الاخت امل في قتل ابطال قصصها الواحد تلو الاخر دون شفقه. والمحظوظ منهم من انتهى به المطاف في مصحه نفسيه.

    لافيكيا سنيورا

    ردحذف
    الردود
    1. وانت بخير ابن اليمن .. نعم اقتلهم الواحد تلو الآخر ، فقد امضوا معي ست سنوات .. يكفيهم هذا القدر من القصص .. (ضحكة شريرة)
      نشرت قصة جديدة ، اتمنى معرفة رأيك بها .. لافيكيا سنيورا

      حذف
  3. قصة مميزة و احذاث ممتعة، رجعتي لي متعة القراءة، خاصةً انها من نوعي المفضل، شكراً امل 🖤

    ردحذف

الأمومة المُختطفة

تأليف : امل شانوحة    إنقاذ طفل دخلت الطبيبة النسائيّة غرفة الولادة ، لتجد الحامل تبكي بمرارة ! فسألتها باستغراب: - مابك ؟! انت على وشك ول...