السبت، 14 يناير 2023

مهووس النظافة

تأليف : امل شانوحة 

 

درسٌ قاسي


((رائحتكم قذرة ، ايها الحثالة))

عبارةٌ وُجدت على الجدار الخلفيّ للبارّ المحروق بالكامل ، بعد إقفال بابه  من الخارج بسلسلةٍ حديديّة وقفلٍ كبير ! 

وتمكّن الشرطي من كسره اخيراً ، بعد مقتل ٧ رجال و٣ من العاملين بالبارّ ، وإصابة 4 بحروقٍ شديدة  

 

كانت هذه الجريمة الأولى في منطقةٍ شعبيّة أمريكيّة ! فبالرغم من فقر اهلها إلاّ أنهم مسالمين ، حيث معظمهم من الطبقة الكادحة : كخدمٍ وعمّال.. أما أكثرهم علماً فهو جون الذي عمل ممرّضاً بسيارة إسعاف ، قبل تقاعده المبكّر


لهذا وجد المحقّق العجوز ما حصل في منطقته لغزاً محيّراً ! فلا احد من الأهالي مجرماً سابقاً او لديه ميولاً عنيفة ، ولا وجود لأجانب بينهم 


واثناء تحقيقه بالموضوع (الذي أخفاه عن ادارة المنطقة الكبيرة المجاورة ، كيّ لا يعيّنوا غيره للمهمّة) تزايد حجم المصيبة مع الأحداث الغامضة التالية !


فالأهالي بالكاد استوعبوا جريمة المحرقة ومقتل رجالهم دون سببٍ واضح ، حتى تكرّرت التهديدات من جديد ! 

وهذه المرة لم تكن عبارات مكتوبة على الجدران ، بل همسات في الظلام .. حين سمع عامل نظافة قبل دخول منزله :

((رائحتك كريهة)) 

دون عثوره على الشخص الذي قال ذلك !


فأخبر زوجته بالأمر ، والتي وجدته صباحاً مطعوناً بسكينٍ في قلبه ..وورقة امامه ، مكتوباً فيها :

((هذا عقابك لنومك دون استحمام ، ايها القذر))

ولم تكن زوجته مشتبهاً بها ، لكونها مشلولة

***


لم تمضي ايام حتى سمع عاملٌ آخر (إجتهد طوال النهار بتنظيف مصرف لمياهٍ ملوّثة ، قريبة من السوق) احداً يهمس بين الأشجار القريبة من منزله:

((رائحتك النتنة تنتشر في المكان))

فالتفتت حوله بقلق ، دون رؤيته شيئاً بالظلام !

وأوقع مفاتيحه خوفاً ، بعد تذكّره الحادثتين السابقتين .. 


وبعد دخوله منزله ، إتصل بصديقه وهو يراقب الوضع من النافذة .. فنصحه بالإختباء في القبو حتى الصباح .. 

لكن نصيحته جاءت متأخرة بعد إصابة العامل بطلقةٍ ناريّة ، حوّلت نافذته لشظايا انتشرت فوق جثته بالصالة !

***


ضجّ اهالي المنطقة الشعبيّة بالخبر ، وضغطوا على المحقّق لمعرفة القاتل المهووس بالنظافة .. لكن العجوز أصرّ على عدم إخبار المدينة بالجرائم ،  ووعدهم باكتشاف القاتل قريباً 

***


تزايد عدد الموتى في الأيام التالية ، والقاسم المشترك بينهم : انهم جميعاً عملوا في وظائف قذرة : كإزالة جثث الحيوانات من الطرقات ، والتحنيط البشريّ ، وتنظيف دور المياه في النادي القريب منهم .. وايضاً موت عاملة نظافة في دار عجزة ، وشخصان يعملان بالحظائر .. حتى المحقّق نفسه وجد ملاحظة على باب حمام منزله ، تقول : 

((عيبٌ عليك ايها الشائب ، حتى القطط تنظّف خلفها.. في المرة القادمة إن  لم تضغط السّيفون ، سأغرق رأسك داخله))

***


وبعد انتشار الحوادث في مجتمعهم الصغير ، حرص الأهالي على نظافتهم الشخصيّة ونظافة منازلهم واولادهم ! ورغم فقرهم ، اشتروا معطّرات الجوّ والعطور الرخيصة .. كيّ لا يشتمّ ذاك المهووس رائحة عرقهم ، فيقتلهم كما فعل بغيرهم !


اما العمّال : فقد استقالوا من وظائفهم القذرة رغم حاجتهم للمال ، وفضّلوا العمل في الزراعة بالحقول القريبة منهم .. مع استحمامهم فور عودتهم الى منزلهم

***


لكن ما لا يعرفه اهالي المنطقة ، إن المحقّق وضع كاميرات مراقبة فوق انوار الشوارع بسرّية تامة بينه وبين موظف الكهرباء ، خوفاً ان يكون القاتل من سكّان مدينته .. واتفق مع الموظف على إخبار كل من يسأله عن نوعيّة عمله : بأن الدولة وظّفته لإصلاح الأنوار المعطّلة 


ويبدو أن خطته نجحت ! بعد مشاهدته القاتل المقنّع وهو يلاحق عجوزاً تهوى تفتيش اكياس النفايات .. 

فأرسل المحقّق الشرطيين لأطراف المدينة لإنقاذها


لكنهما وصلا متأخريّن بعد العثور على جثتها (منحورة الرقبة) مرمية داخل حاوية النفايات ! 

فأسرعا بتمشيط المكان ، بناءً على توجيهات المحقّق الذي تابع تحرّكات القاتل المقنّع من كاميرات المراقبة .. الى أن قبضا عليه مُختبأ فوق الشجرة ، واقتاداه بسرّية تامّة للمركز 

***


فور دخول المحقّق غرفة الحجز ، وجد رجلاً آسيوياً مقيّد اليدين بالأصفاد خلف ظهره .. فجلس امامه وهو يقول :

- شكلك ليس غريباً عليّ !

فأجابه الآسيويّ بغضب : لست سائحاً ، بل عابر سبيل فقد روحين في بلدتكم اللعينة 

- إخبرني ماهي قصتك ؟

- مررّت بمنطقتكم العام الماضي ، وانا اقود منزلي المتنقّل برفقة زوجتي الحامل

المحقّق : نعم تذكرتك ! كنت تصرخ امام محطّة البنزين بهستيريا

- كنت في طريقي الى المستشفى .. لكن أتاها الطلق ، قبل إنتهائي من تعبئة شاحنتي بالوقود.. فطلبت من الناس المتجمّعة حولي : إحضار الطبيب ، لأن ولادتها متعسّرة

- فأرسلوا لك جون

الآسيويّ : نعم ، الممرّض المتقاعد الذي وصل الينا شبه سكران ..وسارع بولادتها دون غسل يديه او تعقيمهما ، رغم إلحاحي عليه!

- لكنها أنجبت طفلاً سليماً ، على ما اذكر ؟


الآسيويّ : صحيح ، وأكملت سيري لنقلها لأقرب مستشفى.. لكن حمّى النفاس أصابتها بالطريق ، اثناء إرضاعها طفلنا .. وسرعان ما انتقلت العدوى اليه .. ولم يستطع اطباء المستشفى علاجهما او تخفيض حرارتهما .. فمات طفلي اولاً ، ثم تبعته امه بعد ايام .. وأظهر  تقرير التشريح : إن سبب الوفاة هي قذارة يدايّ الممرّض اللعين ، الذي نقل اليهما فيروساً معدياً .. وحاولت في الشهور التالية نسيان ما حصل ، لكني لم استطع مسامحتكم على قذارتكم التي قتلت أعزّ ما أملك.. فقررّت تعليم الأمريكان النظافة التي أصبحت مهوساً بها بعد وفاة عائلتي

المحقّق بحنق : أأنت ستعلّمنا النظافة بعد أن أبليتم العالم بالكورونا؟

- انا يابانيّ ولست صينيّاً ، بلدينا مختلفتين بالطبائع والمبادىء .. فنحن شعب نقدّس النظافة والترتيب.. وانتم اخطأتم بحقي ، وتوجّب عقابكم

المحقّق : وما ذنبنا نحن ؟! فجون هو المخطئ ، وانت قتلت الجميع ما عداه!

الياباني : ومن قال ذلك ؟ .. متى آخر مرة رأيته ؟


فنادى المحقّق الشرطي ليسأله :

- اخت جون هي صديقة زوجتك ، اليس كذلك ؟ 

 الشرطي : نعم .. 

المحقّق : هل هناك اخبار مقلقة حول جون بالأيام الفائتة ؟ 

الشرطي : زوجتي أخبرتني عن قلق اخته بعد اختفائه لأيام ، ونسيت إخبارك بالأمر !


فأمسك المحقّق بقميص اليابانيّ ، وسأله بعصبية : 

- ماذا فعلت به ؟!!

الياباني مبتسماً : رميت اشلائه في عدّة مصارف مياه بشارعٍ فرعيّ ، فهو المكان الذي يناسب ذلك العفن

المحقّق مهدّداً : أتدري ايها اللعين انني سأعدمك ؟!!

- الإعدام مُلغى في اميركا

- هذا إن عرفت السلطات به ، لكن جرائمك ظلّت سرّية في منطقتي.. لهذا سأعدمك امام الأهالي الغاضبين ، وقريباً جداً

الياباني : وانا موافق ..اساساً انا ميت منذ عام ، لكن بشرط !!

- ماهو ؟

- أن تُغرقني في حوضٍ صغير مليء بالعطور .. فأنا أعاني من رهاب الجراثيم ، ولن ارضى الموت إلاّ بهذه الطريقة

المحقّق : وإن رفضّت طلبك ؟ 


فقام الياباني بحركةٍ سريعة خلف ظهره ، قبل تسليمه الأصفاد

فصرخ المحقّق بوجه الشرطي : 

- الم تقيّده جيداً ؟!!

فقال الياباني : لا ذنب له .. فأنا عملت في مراهقتي مع ساحرٍ محترف ، علّمني جميع الطرق للإفلات من القيود والسلاسل .. وإن لم تقبل بقتلي بالطريقة التي اخترتها ، لن أتواجد في سجنك ليوم المحاكمة ..وربما أُلحقك ببقيّة القتلى ، فأنت ايضا تُهمل نظافتك حسب مراقبتي لك.. اما اذا وافقت ، فسألتزم الهدوء لحين اعدامي .. أعدك بذلك

فقبل المحقّق مُرغماً ، خوفاً من تعرّضه للإيذاء !

***


وفي يوم الإعدام .. تجمّع الأهالي امام القاتل اليابانيّ ، وشعرهم مبلول وثيابهم نظيفة بعد استحمامهم صباحاً .. فهم مازالوا خائفين منه ، رغم إحضاره مكبّلاً بالسلال من يديه وقدميه !

فضحك القاتل :

- هذه اول مرة تفوح منكم رائحة جميلة ! .. ارأيتم !! لا ضرر من النظافة .. بعكس القذارة التي تجلب لكم الأمراض ، والموت ايضاً


فسأله المحقّق بعد إحضار شرطيّاه الحوض الحديديّ الصغير ، المليء بعطرٍ فاحت رائحته الجميلة المكان

- هل لديك ما تقوله لأهالي القتلى ؟ 

الياباني : إن كان قتلاكم ذويّ سلوكٍ قذر كرائحتهم ، فنار جهنم ستطهّرهم تماماً .. أمّا إن كانوا حسنيّ الخلق ، فستفوح منهم الرائحة الجميلة بالجنة .. (ثم سكت قليلاً) .. أعتذر منكم !! لكني أكره القذارة .. وأتمنى بعد رحيلي أن تحافظوا على نظافتكم الشخصيّة وبيوتكم وشوارعكم .. إعتبروني درساً لكم في الحياة


ثم راقب الجميع الشرطيان وهما يغرقا رأس القاتل بسائل العطر ، وجسمه ينتفض طلباً للهواء .. الى أن هدأ تماماً ، بعد خروج روحه


وبعد نقله الى المدفن .. طلب المحقّق من الأهالي إلتزام الصمت ، كيّ لا ترهقهم شرطة المدينة بالأسئلة والتحقيقات الجنائيّة .. 

فوافق الجميع على كتمان الجرائم السابقة

***


بمرور الأيام .. عاد الكثيرون منهم لعاداته القذرة ، بسبب اعماله المرهقة.. لكن بعضهم استمرّ على روتين النظافة الذي أشعرهم بالنشاط والحيويّة ، بعد قلّة تعرّضهم للأمراض المعدية كما حصل معهم سابقاً ! 

وبذلك لم يذهب موت اليابانيّ هباءً ، بعد تلقينهم درساً قيّماً بالحياة بأصعب وأغرب طريقةٍ ممكنة !


هناك 4 تعليقات:

  1. ولكن كون الصين هي منبع كورونا فيها نظر
    . حدوته طريفه . وللعلم دورات المياه في امريكا واوروبا لا يوجد بها ما يسمى بالشطافه داخل قاعدة الحمام وانما يستخدمون المناديل فقط !
    ولكن على كل فاوروبا ارقى قليلا من امريكا.

    ردحذف
  2. لا اعلم لماذا .. لكن ضحكت كثيرا من امر ذالك الياباني، هو غريب جدا ههههه
    القصة رائعه .. سلمت يداك، والله جميع قصصك جميلة ورائعه جدا
    لو جعلوا قصصك كألأفلام سيكون هذا اجمل، فكم قرأت قصص من مدونات مختلفة.. لكن لم ولن تكن جميلة ابدا
    عكس مدونتك يا أمل ، فكم من شخص تغير بسبب هذه المدونه فهي مرتبة ومفيدة ورائعه استمري بذالك،وحفظك الله
    تحياتي لك،من العراق
    لحظة،قبل ان انشر التعليق،اخبريني هل لهجتكم تشبة لهجة سوريا؟؟

    ردحذف
    الردود
    1. تسلم اخي على رأيك الجميل بمدونتي المتواضعة ...
      نعم هناك مفردات متشابهة بين اللهجة اللبنانية والسورية ، ولكن تختلف حسب المناطق .. الا ان باللهجة السورية يمدّون الحروف اكثر .. يمكنك مشاهدة المسلسلات اللبنانية ومعرفة الفرق.. تحياتي لك

      حذف
  3. النظافة من الامان وفاقد الشي لايعطي

    ردحذف

الطائرة المفقودة

تأليف : امل شانوحة  رحلة الكشّافة غامر ثلاثة شباب بترك مخيّم الكشّافة لاكتشاف الغابة القريبة منهم .. وتوّغلوا فيها الى ان عثروا على هيكل طائ...