السبت، 25 يونيو 2022

جزيرة المحبّة

تأليف : امل شانوحة 

الطائرة المُحطّمة


سبحت ريم بكلّ قوتها إلى أن وصلت لجزيرةٍ صغيرة غير مأهولة ! بعد أن قذفها الهواء لمسافةٍ بعيدة عن الطائرة التي راقبتها وهي تغرق على بعد اميالٍ من الجزيرة .. حيث تصاعدت ألسنة النيران ، قبل اختفاء دخانها الأسود بعد غرق الطائرة بركّابها المئتين ، والتي كانت ريم من ضمن ركّأب درجتها السياحيّة .. 


وقبل غروب الشمس ، بحثت على طول شاطىء الجزيرة الصغيرة عن ناجيين غيرها .. 

وحين لم تجد احداً ، صعدت فوق تلٍّ مرتفع .. لتنتبه بوجود شيءٍ يُشبه الجثة العالقة بين صخرتين بالشطّ الخلفيّ !


فركضت نحوه ، لتجد رجلاً فاقد الوعيّ .. وحين قلبته على وجهه ، عرفت أنه المغني المشهور (مراد) الذي جلس في مقاعد الدرجة الأولى ! 

فواصلت الضغط على صدره ، إلى أن بصق الماء الذي ابتلعه .. 


وما أن فتح عينيه ، حتى سألها بخوف :

- اين انا ؟!

ريم : وقعت طائرتنا في البحر ، ويبدو اننا الناجيّن الوحيدين من الحادثة !

- تحطّمت الطائرة !.. اللعنة على مدير اعمالي !!

- وما دخله بالحادثة ؟!

مراد بغيظ : هو من اقترح ذهابنا معكم ، بعد تأخّر طائرتي الخاصّة بسبب الأحوال الجويّة .. وبسببه ستُلغى حفلتي الغنائيّة


ريم بصدمة : أهذا ما يهمّك ؟! ألست حزيناً على وفاته ؟ 

- كان سافلاً طوال حياته 

- يا الهي ! الم يكن مساعدك لسنوات ؟

- عشرون سنة 

- الإنسان يحزن على وفاة قطته او كلبه ، وانت لست حزيناً على شخص لازم مشوارك الفنّي لعشرين سنة ؟! لا أصدّق ما اسمعه !


مراد بلا مبالاة : الدنيا علّمتني أن لا أتعلّق بأحد ، فعملي يأتي اولاً 

- بل تقصد المال ، لا غرابة إنك كنت تغيّر عشيقاتك كتغيّر ملابسك ! هيا قمّ يا رجل ، ودعنا نجد حلاً لهذه المشكلة

مراد باستنكار وغرور : يا رجل ! أتدرين كم صبيّة تتمنى مكانك الآن ؟ 

ريم بحزم : سيد مراد !! علينا الإسراع بتنفيذ بعض الأمور قبل غياب الشمس

- مثل ماذا ؟


ريم : علينا كتابة كلمة (HELP) او(SOS) في حال ارسلوا طائرة إنقاذ الى مكان غرق السفينة  

مراد : سنحتاج آلاف الأحجار الصغيرة لكتابتها بخطٍ كبير ، لتراه الطائرة من السماء

- لن نستخدم احجاراً بل اوراق الشجر ، ونحرقهم فور سماعنا هدير طائرة تُحلّق فوقنا

- وهل معك ولّاعة ؟

ريم : سنُشعل حطباً ، شاهدت الطريقة ببرنامجٍ ثقافيّ .. عمليةٌ غير سهلة ، لكنها ليست مستحيلة.. سأحاول إشعال النار ، بينما تكتب الكلمة بالحشائش .. هيا ماذا تنتظر !!

فنهض مُتأفّفاً : لست متعوّداً على العمل بنفسي

- سيد مراد !! لست في قصرك او بين معجبينك ، عليك مساعدتي للخروج سالميّن من هذه المصيبة


وابتعدت عنه .. فقال بصوتٍ منخفض :

- يا ربي ! من بين كل الفتيات الرقيقات ، علقت مع سيدة مُسترجلة

فصرخت ريم من بعيد : سمعتك !!

***


ومرّ الوقت ومراد مازال يجمع الورق الكبير ، لكتابة كلمة المساعدة .. بينما استطاعت ريم بعد جهدٍ جهيد ، وبعد تورّم يديها من إشعال الحطب .. ثم حمل شعلتها لإنارة كلمة الإنقاذ العشبيّة


فصرخ مراد معاتباً : ليس الآن !! علينا الإنتظار لحين قدوم طائرة الإنقاذ

- الشمس قاربت على المغيب ، وربما يأتون مساءً

- حينها تكون النار انطفأت !!  

- ما المشكلة ؟ نُشعلها مرة أخرى 

مراد بغيظ : يعني جمع الأوراق من جديد ، وتضيّع ساعتين من وقتي !! 

فردّت بتهّكم : وماذا ورائك سيد مراد ؟ 

- صحيح لا شيء نفعله بهذه الجزيرة المملّة ، لكن عليّ المحافظة على طاقتي وصحّتي قدر الإمكان 

- حين نعود سالميّن للوطن ، تتدرّب في النادي للمحافظة على لياقتك .. أمّا الآن فعلينا الإجتهاد للبقاء أحياءً ، مثل إيجاد مكانٍ نبيت فيه


مراد بابتسامةٍ خبيثة : أخيراً تكلّمتِ عن شيءٍ ممتع

ريم بحزم : لا تسرح بخيالك ، فأنت في مقام اخي طوال مكوثنا في هذه الجزيرة .. مفهوم !!

- هل انت متزوجة او مرتبطة ؟

- لا ، لكنك لست نوعي المفضّل

مراد بسخرية : أحقاً ! لا يعجبك أوسم شاب عربي بقدراتٍ صوتيّة مميزة ، عدا عن ملاييني وقصوري ويختي ؟

ريم بسخرية : ولا تنسى طائرتك الخاصّة

- لا تذكّريني بمساعدي الأحمق .. رحمه الله 

- هيا تعال معي ، أظني رأيت كهفاً اسفل التلّ ..

***


وبالفعل وجدا كهفاً يمتدّ للداخل ! 

مراد : جيد انك أحضرتي شعلة النار ، فلا ندري اين ينتهي الكهف

- سبحان الله ! كأنه طابق سفليّ للجزيرة ، ففيه دهاليز عديدة ..آه !! أنظر هناك ، تبدو كبركة ماء

- هل هي صالحة للشرب ؟

ريم : سأجرّب

- ماذا لوّ كانت مسمومة ؟ 

- هي ليست بركة راكدة ، بل تنبع من الأحجار ! سأتذوّق القليل منها .. الحمد الله !! المياه عذبة .. تعال واشرب ، انها لذيذة وباردة

وشربا حتى ارتويا..


ريم : كنت خائفة أن نموت عطشاً في هذه الجزيرة

- وماذا عن الطعام ؟

- نصطاد غداً 

مراد : واين السنّارة ؟

- نصنع واحدة

- آه نسيت انك شاهدت برامج عن البراري والأدغال 

ريم : أتستهزئ بي ؟! معلوماتي هي التي ستنقذ حياتك ، ايها الشاب المدلّل

- لست مدلّلاً !!


ريم : أحقاً ؟ انت اكثر شخص محظوظ بالعالم العربي ، بعد شهرتك بعمر المراهقة 

مراد : انت لا تدرين ما ضحيّت به لأجل شهرتي ، كما عشتُ طفولةً صعبة 

- مهما يكن ، فحياتك تبدو مُترفة للعديد من الناس 

- وماذا عنك ؟

ريم : لا وقت الآن لدردشة ، علينا إحضار بعض الأوراق والأعشاب لصنع سرائرنا داخل الكهف .. وسنشعل النار امامنا للتدفئة ، حتى لا نتجمّد مساءً

- فعلاً الجوّ يزداد برودة ! 

- يبقى الكهف ادفأ من التعرّض للرياح الخارجيّة .. هيا نسرع قبل حلول المساء 

***


وناما تلك الليلة ، كلاً على جانب الكهف .. 

وقبل غفوها ، دنّدن مراد أغنيته المشهورة .. 

ريم بنعاس : سيد مراد ، رجاءً توقف .. اريد ان انام 

- يعجبني صدى صوتي الجبليّ داخل الكهف 

- كفى غروراً ، ونمّ قليلاً 

مراد بغرور : أتدرين لوّ انك اردّتي سماع صوتي ، لكان عليك دفع مبلغاً كبيراً لحجز مكان في حفلاتي الصاخبة  

- وانا ممتنّة لسماعه من وقتٍ لآخر ، لكن غداً علينا تأمين طعامنا .. وانا احاول النوم رغم جوعي الشديد

- لا تقلقي ، بالغد نعود للوطن.. فحتماً الإعلام حالياً يضجّ بخبر وقوع طائرتي ، وسيضغط جمهوري على المسؤولين لإرسال طائراتهم للبحث عني 

ريم بتهكّم : طائراتهم ! سيكون جيداً لوّ ارسلوا هليكوبتر واحدة للبحث عن ناجين .. وبرأيّ لا تتفاءل كثيراً ، فربما نبقى هنا سنوات


مراد بقلق : اعوذ بالله ، لن أتحمّل هذه الحياة الشاقة اكثر من يومين

- انا راقبت الطائرة اثناء غرقها على بعد اميالٍ من الجزيرة ، فإن تتبّعوا صندوقها الأسود لن يتوقعوا وجودنا هنا ..

- لا تتشائمي هكذا ، سيرون كلمة الإنقاذ المشتعلة  

ريم بابتسامة : اذاً ستعود لجمع الحشائش غداً ؟

- بشرط !! انا أشعلها بالوقت المناسب 

- هذا إن لم يطيّرهم الهواء قبل وصول الطائرة الينا 

مراد : يا الهي ! علقت مع بومةٍ متشائمة

- حسناً ايها المتفائل ، نمّ قليلاً .. فأنا حقاً متعبة بعد سباحتي ساعتين للوصول للجزيرة

- ساعتين ! انا استيقظت لأجد نفسي بين احضانك

ريم بعصبية : بين احضاني ايها الكاذب !! كنت سأكسر اضلاعك وانا أضغط بقوة لإخراج الماء من رئتيك !!


مراد بابتسامةٍ خبيثة : هيا اعترفي ، الم تقومي بالتنفّس الإصطناعي؟

- أفضّل الموت على ذلك

مراد : بصراحة بدأت أشكّ بميولك ! 

- انا لا يعجبني الرجال المغرورين وعديميّ المسؤولية

بنبرة تهديد : نامي يا ريم قبل أن أريك شخصيّتي الغاضبة

ريم : أشكّ بوجود شخصيّة قوية خلف قناعك الناعم .. (ثم غطّت نفسها بالأوراق الكبيرة) .. رجاءً لا تغني الليلة ، فنومي خفيف 


فأدار وجهه وهو يتمّتم بضيق : مُسترجلة

لتردّ بصوتٍ منخفض : مغرور

وناما متضايقين من بعضهما

***


في ظهر اليوم التالي .. خرج مراد من الكهف ، ليراها تنحت السنّارة من غصنٍ طويل ، بحجرةٍ مُسنّنة .. فسألها :

- متى استيقظتي ؟

- منذ الصباح ، الآن أصبحنا وقت الظهيرة يا كسول

مراد : بالعادة أستيقظ بهذا الوقت ، فطبيعة عملي تستلزم السهر ليلاً 

- الم تتعب من السهر ثلاثين سنة ؟

- بالطبع تعبت ، لكني احب عملي الذي يُكسبني الكثير من المال


ريم : المال الحرام يأتي بكثرة لكنه لا يدوم ، فالله لن يبارك فيه

فردّ مُستنكراً : وما الحرام بامتاعي الناس ؟!

- الحرام هو ما يحصل بالكواليس

- ماذا تقصدين ؟!

ريم : الجميع يعرف أنك زير نساء

- هنّ يلاحقنني في كل مكان بسبب وسامتي التي منحها الله لي ، وهذا ليس ذنبي 

- لكنك استغلّيته بطريقةٍ خاطئة ، فهآ انت تُحاكم بقضيّة نسب طفلٍ ..

مقاطعاً بعصبية : ذلك الولد ليس ابني !!

- هل انت متأكّد مئة في المئة ؟ قمّ بالتحليل وأرحّ الرأيّ العام


فردّ ساخراً : الم تقولي إن امور الفن لا تهمّك ؟ يبدو انك تتابعين قضيّتي جيداً !  

ريم : ليس باختياري ، فأخبار الفنانين تظهر اثناء متابعتي لوسائل التواصل الإجتماعي ، لكني لم اهتم يوماً بفضائح المشاهير

- لنغيّر الموضوع .. ماذا سنأكل ؟ فأنا جائع منذ البارحة

- إنتهيت أخيراً من صنع السنّارة 

- ومن اين أحضرتي الحبل ؟! 

ريم : هو نوع من الأعشاب قمت بتجديله ليصبح حبلاً ، وربطت بآخره دودة 

- دودة يا مقرفة !!

- أخرجتها من الصدفة .. هيا خذّ السنارة ، لتصطاد لنا


مراد : هل جننتِ ؟!! أتريديني أن انزل البحر ، وانتظر ساعات لحين اصطيادي سمكة

- الم تصوّر عشرات الأغاني وانت تركب يختك الفاخر ؟ هيا أرني براعتك بالصيد .. (وأعطته السنّارة) .. لا تقلق ، الدودة لن تؤذيك عزيزتي 

مراد : أتسخرين ؟ على الأقل عشت حياة الملوك ، واعتدّت خدمتي ممّن حولي .. 

ريم : لا خدم هنا ايها المدلّل ، إذهب وقمّ بواجبك.. فأنا صنعت السنّارة ، وسأقوم ايضاً بطبخ السمكة وتنظيفها ، وهذا الجهد يكفيني 


فابتعد مُتأفّفاً.. لتصرخ قائلةً :

- إصطدّ واحدة كبيرة !! أكاد اموت من الجوع

فتمّتم بضيق : سأصطاد سمكة قرش ، لتلتهمك ايتها المسترجلة

***


بعد ساعتين ، إصطاد سمكة متوسطة الحجم .. فقامت ريم بشوائها وتنظيفها ، ليأكلاها بنهمٍ شديد .. 

مراد : كان ينقصها الملح والحامض 

ريم بسخرية : وبعض التوابل والزعتر البرّي والكريما .. أشكر الله يا رجل انك اصطدّ غدائنا هذا اليوم

- وماذا عن العشاء ؟

ريم : هذا يتوقف على مجهودك ، فمهمّتك الصيد .. وأنا سأتكفّل بالطبخ 

- وكأننا عدنا للعصر الحجري ، الفرق الوحيد : إن آدم المسكين غير مسموحٍ له الإقتراب من حوّاء المتوحشة  

- قلت لك !! لست نوعي المفضّل

مراد بعصبية : وانت كذلك !! 

- اين انت ذاهب ؟

- سأتجوّل بالجزيرة ، إن لم يكن لديك مانع !!

***


بعد ساعة .. عاد ، ليجدها تتسلّق شجرة جوز الهند !

- ماذا تفعلين يا مجنونة ؟!! ستقعين على رأسك !!

فصرخت ريم من فوق الشجرة : 

- ربطّت نفسي جيداً بالحبل !! لا تقلق ، أوشكت الوصول لجوزة الهند .. سأرميها لك !! حاول أن تمسكها ، فأنا اريد تذوّق مائها

مراد بقلق : سأحاول !! إنتبهي جيداً


ورمت واحدة ، لكنها وقعت بقوّة على الأرض وانكسرت..

ريم : لا عليك ، سأقطع جوزة ثانية 

- اين وجدتِ السكين ؟!!

- معي الحجرة المسنّنة .. آآآآخ !!

مراد بقلق : مابك ؟!

- جرحت يدي

- إنزلي حالاً !!

ريم : أوشكت على قطعها .. هاهي ، سأرميها لك !! 

- أمسكتها !!

- ممتاز !! سأنزل اليك 


وما أن وصلت للأرض ، حتى حضنها بقوة !

- مابك ترتجف ؟!

مراد : خفت عليك يا مجنونة ، فالشجرة على ارتفاع طابقين

- هي فعلاً مرتفعة ! المهم أن نفتح الثمرة بحرص ، لأتذّوق مائها

- الم تشربيها من قبل ؟

- لا 

مراد : انا تذوّقت كل الفواكه النادرة بالعالم

- أعليك تذكيري دائماً بأنك مليونير ؟

- يبدو انكِ من الطبقة الكادحة ، فأنت لم تخبريني بعد عن حياتك


ريم : لاحقاً ، ساعدني الآن بثقبها

- تحتاج لجهدٍ كبير ، وأخاف على نعومة يدايّ

- يا الهي ! من بين كل الرجال ، علقت مع سندريلا

مراد بضيق : وانا مع عبسي الهمجيّ ، بدل لينا الحنونة (رسوم متحركة) 

- هذه اول مرة تضحكني..الآن دعني أتذوّق ماء جوز الهند.. يا سلام !! انها منعشة حقاً ، إشرب قليلاً

- لا يعجبني طعمها .. سأكتفي بأكل قطعة من جوز الهند ، لتغيّر طعم السمك في فمي 


وتناولاها معاً في اثناء حديث ريم عن حياتها واستلامها مسؤولية إخوتها الصغار بعد وفاة امها بسن المراهقة .. وتوظّفها فور تخرّجها لمساعدة والدها في مصروف المنزل .. وسفرها بالطائرة كان بعد إنجازها مهمّة للشركة التي تعمل فيها .. كما أخبرته عن قلقها على عائلتها بعد غيابها..

 

مراد باهتمام : وهل انت محامية جيدة ؟

- انا المسؤولة عن العقود الماليّة للشركة ، لما تسأل ؟

- لأن لديّ مشاكل مع بعض المنتجين الذين لم يوفّوا بالتزاماتهم الماديّة معي ، فهل يمكنني توكيلك بتلك القضايا ؟

ريم : نتكلّم في الموضوع بعد عودتنا سالميّن للوطن

- سأوكّلك بمهمّةٍ سهلة اولاً .. فإن نجحتِ ، تصبحين المسؤولة عن اموري الماليّة ، وبراتبٍ مجزّي

- وماذا عن موظّفك السابق ؟ 

مراد : طردّته قبل رحلتي المشؤومة ، بعد تحويله جزءاً من مالي لحسابه الخاصّ .. وهو ثالث موظّف اطرده لسوء امانته !


ريم : وهل تثقّ بي لهذه الدرجة ؟!

- للآن تبدين امرأة جديرة بالثقة ، وفي الأيام القادمة سأتأكّد إن كان قراري صائباً ام لا ..

ريم : كما تشاء .. المهم أن تعتبرني اختك لحين خروجنا من الجزيرة ، فأنت معروفاً عنك تحرّشك بموظفاتك

- أعتبرك اختي ! بل أنتي تشبهين أخي ثقيل الدم 

ريم : لأن اكون سيدة مسترجلة ، أفضل من شابٍ ناعم 

مراد بعصبية : والله إن قلتها ثانيةً ، سأريك رجولتي بحقّ !!

- آسفة ! يبدو انني تجاوزت حدودي

 

وهنا هبّت رياحٌ قوية مفاجئة !

- مالذي حصل ! لما تغيّر الجوّ هكذا ؟! 

ريم : أنظر !! الأمواج ترتفع من بعيد

- تسونامي !

- لنهرب الى الكهف

مراد : لا اظنه قراراً صائباً ، فالماء سيغمرنا في الداخل .. الأفضل صعود الشجرة الموجودة فوق التلّ ، فهي اعلى شيءٍ هنا

ريم بخوف : اذاً لنسرع !! الأمواج العالية في طريقها الينا 

***


وأسرعا بتسلّق الشجرة ، لتصلّ الأمواج العاتية الى قمّة التلّ ! وينجوا بإعجوبة من تسونامي مفاجىء..

 

وبعد هدوء الوضع ، نزلا الى الكهف .. ليجدا مياه البركة العذبة إختلطت بمياه البحر ، وأصبح طعمها مالحاً 

- اللعنة ! مالعمل الآن ؟

ريم : هل تسمع شيئاً ؟! 

- انها تمطر بالخارج !

- اذاً لنُسرع بجمع مياه المطر ، لحين تنظيف البركة نفسها بالأيام القادمة

مراد : وكيف نجمع المطر ؟!

- بأوراق جوز الهند .. هيا بسرعة !!


وخرجا من الكهف ، وبدءا بلمّلمة الأوراق الكبيرة التي ربطوها على شكل قمع ، لجمع مياه المطر في عدّة اماكن متفرقة من الجزيرة .. فالمطر يعتبر حالياً المصدر الوحيد لمياه الشرب

***


بحلول المساء ، عادا مُرهقيّن الى الكهف بعد تجميعهما مياهً تكفي يومين فقط ! 

لكن قلقهما زال بعد تنظيف البركة نفسها بمياهٍ صالحة للشرب ، بغضون ساعاتٍ قليلة !

مراد بدهشة : معجزة كيف تخرج مياهٌ نظيفة من بين الأحجار ! ترى اين مصدرها ، ونحن في منتصف البحر ؟!

ريم : سبحان الخالق ! كأنها معجزة لإنقاذ من يصل لهذه الجزيرة الغير مأهولة  


فتنهّد بضيق : وهل سنبقى على هذه الحال ؟ 

- ليس امامنا سوى عيش كل يومٍ بيومه 

مراد : بالمناسبة .. انت تصطادين غداً ، وانا أطبخ السمكة كنوعٍ من التغيّر  

- كما تشاء ، أميري المدلّل

***


في ظهر اليوم التالي .. سبحت ريم باتجاه صخرةٍ عائمة قريبة من الشاطىء ، للاصطياد من فوقها .. تاركةً مراد يحاول جاهداً إشعال النار 


وقبل نجاحه بإخراج الشعلة ، سمعها تصرخ من بعيد

- مراد !!!!

مراد : إنتظري قليلاً !! النار على وشك الإشتعال

ريم برعب : إنقذني !!

واختفى صوتها !


ليلمح يدها وهي تغرق في البحر ! فركض مُسرعاً نحوها ، لكنه لم يستطع القفز اليها بعد رؤيته التيّار يسحبها لعمق البحر .. 

فأسرع نحو شجرةٍ لكسر غصنها الطويل ، في محاولة لسحب ريم الى الشاطىء التي لا تبعد كثيراً عنه.. 

- إمسكي الغصن يا ريم !! إمسكيه بقوة !!

وبصعوبةٍ بالغة ، إستطاعت التشبّث فيه.. ليقوم بسحبها الى برّ الأمان

 

ثم اقترب منها للقيام بالتنفّس الإصطناعي ، ليُفاجأ بصفعة على وجهه !

ريم وهي تلهث بتعب : مازلت أتنفّس ايها المنحرف

فحضنها باكياً : الحمد الله على سلامتك ، يا عبسي المجنون

- على الأقل نادني عدنان 

مراد ممازحاً : لا !! إمّا عبسي او الفتاة المسترجلة ، ماذا تفضّلين ؟

- لا ، عبسي أهون


وضحكت رغم تعبهما بعد أن اوشكت على الموت ، بينما أخفى قلقه من فقدانها .. 

***


في المساء ، داخل الكهف .. وقبل نومهما ، قالت له :

- لا تنكر خوفك عليّ من الغرق

مراد : لا تسرحي بخيالك عزيزتي ، أنت لستِ نوعي المفضّل .. كلّ ما هنالك انني لم اردّ البقاء وحدي في الجزيرة ، دون خبرتك بوسائل الإنقاذ للخروج من هذا المأزق 

- لا يهمّك سوى مصلحتك 

مراد : الدنيا علّمتني ذلك 


ريم : لديّ فضول لمعرفة ما حلّ بحياتك لتتغيّر هكذا ؟

- ماذا تقصدين ؟!

ريم : مازلت أذكر ظهورك الأول ببرنامج المواهب ، كنت شاباً خجولاً ولبقاً للغاية  

- لأني من عائلة متديّنة 

- ولماذا انغمست في الشهوات لهذه الدرجة ؟!

مراد بحزن : أجبروني على ذلك وإلاّ خرجت من اللعبة

- أتقصد الماسون ؟

- هم المسيطرون على الإعلام ، وعليك تنفيذ اوامرهم ليعطوا الإذن للملحنين بتأليف الأغاني للمواهب الشابة


ريم : وما التنازلات التي قدّمتها لأجل الشهرة ؟

- لا اريد ذكرها

- هل صحيح ما يُقال عن العلاقات بين المنتجين.. 

مقاطعاً بضيق : توقفي يا ريم !! لست شاذاً ، لكن تلك الأمور حصلت مع مطربين آخرين

- وهل اقتصرت علاقتك بالنساء الثريّات ؟

مراد : رفضّت مرة ، فمنعوني من الغناء لأربع سنوات ! لدرجة انني أوشكت على العمل كمدرّس بمعهد الفنون ، لتوفير لقمة العيش

ريم : وبعدها انشهرت ، عقب إشاعات إدمانك الكحول والمخدرات والقمار؟

- لم يصل لدرجة الإدمان ، فقط علاقات عابرة مع الثريّات العجائز .. ورجاءً أغلقي الموضوع ، فأنا اكره نفسي كلما تذكّرت معاملتهنّ لي كعاهرٍ رخيص !


ريم معاتبة : كل هذا لأجل المال ! .. يا رجل ، لن يبقى بعد موتنا سوى سمعتنا .. أتريد لبناتك أن يعرفنّ بذنوبك ؟

مراد بقهر : تنازلت لأجلهنّ بعد أن هدّدوني بأذيّتهن ، فأنت لا تعرفين المستنقع الغارق فيه  

- ألا يمكنك الخروج منه ؟ أقصد بعد جمعك الملايين ، لما لا تفتح سلسلة محلاّت تجاريّة ومطاعم ؟ دون معرفة أحد (حتى المقرّبين منك) انك مالكها ، كيّ لا يحاربوك بها .. ومن بعدها تنسحب تدريجيّاً من عالم الفن ، بحجّة تدهوّر صحّتك بعد اقترابك من سن الخمسين


مراد بحزن : حاولت مرة الإنسحاب دون اذنهم ، وكادوا يقتلونني 

- أتقصد إن حادثة السير كانت مُفتعلة ؟! 

- احدهم زارني في المستشفى ، وهمس في أذني : انهم عطّلوا مكابح سيارتي ، وفي مرة الثانية سيقتلونني إن لم أطعّ اوامرهم

ريم : الهذا رقصت بغباء في البرنامج الإذاعيّ ، بعد اعترافك بفسادك وخيانتك لزوجتك ؟! 

- عالم الفن أوسخ مما تظنين 


ريم : وهل ستسمح لبناتك بدخوله ؟ 

مراد بغضب : أقتلهنّ إن فعلنّ !!

- يا خوفي أن يجرّوك لعالم الشواذّ والمخدرات ، كما حصل مع بعض الإعلاميين والفنانين الذكور ؟!

- الإنتحار أهون لي 


فسكتت ريم قليلاً ، قبل أن تقول : 

- ربما القدر وضعك في الجزيرة ، لإعطائك فرصة جديدة لتغيّر حياتك .. فكما ترى ، لم يصبك أذى من بقائك دون مالك ويختك وطائرتك الخاصة ومعجباتك الحمقاوات ، فأنت مازلت تأكل وتنام

مراد : بل الحقّ يُقال ، انني لم أنمّ دون خوف إلاّ على هذه الجزيرة 

- اذاً اترك عالمهم القذر !! 

- لا ادري كيف ! 

ريم : بإمكانك تغيّر هويّتك بعد خروجنا من الجزيرة ، فالجميع يظنّ بموتك بعد سقوط الطائرة .. هذه فرصتك للعودة للحياة النظيفة التي تربّيت عليها 


مراد بقهر : أتدرين يا ريم .. أحمد الله إن والدايّ توفيّا قبل شهرتي ، فأنا لا استطيع النظر في عينيهما بعد توسخّي مع عشرات النساء ، بل المئات .. ولا ادري كم ولدٌ غير شرعيّ سياقضينني على نسبه في المستقبل !

ريم : لنخرج اولاً من هنا ، ثم تُصلح حياتك

- وهل ستساعدينني ؟

- بالتأكيد !!

مراد : انت تذكّريني بنفسي قبل دخولي هذا المجال .. كنت مثلك واثقاً من نفسي وانا أنصح غيري .. الآن بتّ اخاف النظر في المرآة من كثرة ذنوبي !

- الله أنقذك من الموت من بين مئتيّ راكب لهدفٍ ما ، ربما تعرفه بالمستقبل القريب .. هدّئ من روعك وحاول النوم ، فغداً يومٌ أفضل

***


إستيقظت ريم في اليوم التالي على صوت تأوّهات مراد ! 

فاقتربت منه لتجد حرارته مرتفعة .. وربما فضّفضته البارحة عن ماضيه ، أتعبت قلبه وصحّته 


فأمضت النهار بجانبه ، وهي تغيّر الضمّادات المبلولة على جبينه الساخن .. وهي تراقب دموعه التي تتساقط وحدها اثناء نومه ، كأنه يرى كوابيس مؤلمة ! 


فأشفقت على حالته ، لدرجة جعلتها تدنّدن أغينة نومٍ للأطفال

ففتح عينيه بصعوبة ، وهو يبتسم بألم : 

- ذكّرتني بأمي رحمها الله ، كانت تغنيها لأخي الصغير وهي تهزّه على قدميها لينام .. فرغم نشازك بالغناء ، إلا انني استمتعت بسماعها من جديد

ريم : لست محترفة غناء .. (وسكتت قليلاً) ..ما رأيك أن اسمعك أغنية من تأليفي ؟


وغنّت له اغنية رومنسيّة رقيقة ..

مراد بدهشة : أأنت ألّفتِ كلماتها ؟! 

- ولحنها ايضاً .. هل أعجبتك ؟ 

- جميلةٌ جداً ! لم اعرف انك تملكين موهبة التأليف والتلحين !

ريم بنبرةٍ حزينة : كتبتها لخطيبي 

- ولما لم تتزوجا ؟!

- سافر للغربة ، وتزوّج من أخرى  

- أعتذر منك 


ريم : أردّتك أن تعلم اننا جميعاً مررّنا بتجربةٍ عاطفيّة سيئة .. تماماً كما حصل معك ، فأنت مازلت تلبس هديّتها لليوم !  

(قالتها وهي تنظر لعقده الذي فيه بلّورة زجاجيّة ملوّنة) 

فمسك عقده وهو يقول بحزن : 

- كانت حبيّ الأول ، وموتها بالسرطان قتلني .. وكما قلت بمقابلتي التلفازيّة الأخيرة : سأبقي عقدها برقبتي حتى آخر يومٍ بحياتي والذي أظنه قريباً ، فأنا لا اشعر انني بخير


ريم بحزم : إيّاك أن تتركني وحدي هنا ، عليك مقاومة المرض بكل قوتك ، مفهوم !! 

- هل ارى دموع في عيون عبسي الهمجيّ ؟!

- نعم ايها المدلّل ، لا اريد دفنك .. سينكسر ظهري بعد جرّ جثتك الضخمة

مراد ساخراً : وها هي المسترجلة الفظّة تعود من جديد !


فاقتربت منه ، وقبّلت عينه ! ثم خرجت مُسرعة من الكهف قبل رؤيته دموعها .. ليشعر للمرة الأولى منذ سنوات بخفقان قلبه ، بعد شعوره بحنانها وخوفها الصادق عليه !


ولأجلها قاوم مرضه بإجبار نفسه على الخروج من الكهف والمشيّ بالهواء الطلق لاسترداد صحته .. وهو يراقبها من بعيد وهي تحاول الإصطياد له 


وبعد صعوده التلّ بصعوبة ، راقبها من فوق .. ليرى شيئاً كبيراً يسبح باتجاهها ! 

فصرخ بكل قوته :

- سمكة قرش !! أهربي


ونزل مُسرعاً نحوها ، ورمى نفسه بالبحر .. وسبح باتجاهها ، ليسحب ذراعها بقوة باتجاه الشاطئ.. قبل لحظات من هجوم القرش عليهما !

***


ووقفا على الرمال وهما يراقبان بفزع ، القرش الضخم وهو يبتعد الى عمق البحر..

ريم بخوف : يا الهي ! لم أتخيّله بهذا الحجم

فحضنها باكياً : كاد قلبي يتوقف من خوفي عليك

ريم : لحظة ! الم تكن فوق التلّ قبل قليل ؟ هل ركضت كل هذه المسافة لتنقذني ؟! 

- ارأيتي كم انا سريع

- أقصد انك تجاوزت مرضك ، دعني أرني حراراتك

ووضعت يدها على رأسه ..


ريم : مازالت هناك حرارة

- لم أفكّر بشيء سوى إنقاذك 

- يبدو لديك بعض الصفات الجيدة ! 

مراد : بل لديّ العديد منها ، لكني لا أظهرها إلاّ للأشخاص المهمّين بحياتي 

- وكم عددهم ؟

- واحدة فقط .. ولن اخبرك من هي ، يا غيّورة

ريم : ولما اغار عليك ؟ 

- نكمل كلامنا الشيّق في الكهف ، فقد عاد شعوري بالدوّار 


ريم : وماذا عن الصيد ؟ 

مراد : نأكل الجوز الهند المشوي لهذا اليوم ، وغداً أصطاد بعد استرداد عافيّتي

- معك حق ، الصيد مهمّة شاقة تناسب الرجال 

- اخيراً بدأت تظهر الأنوثة الكامنة في عبسي المجنون  

ريم ساخرة : يبدو انني أُصبت بالعدوى من اميرتي الناعمة 

مراد غاضباً : ريم !!

- آسفة 

***


ومرّت الأيام .. قضاياها بالصيد والتحدّث عن الماضي والمستقبل ، ليجدا الكثير من صفاتهما المشتركة : فهما من نفس الجيل الذي عاش الطفولة البريئة ذاتها ، بدراستهما الصارمة وتربيتهما المثالّية التي اشتاق مراد اليها كثيراً..

***


بعد اسبوعين على الجزيرة .. 

وفي الصباح .. إقتربت منه ريم اثناء نومه ، وقطعت عقده وهي تقول : 

- أحتاج البلوّرة في الحال !! 

وخرجت مُسرعة من الكهف ، ليحقها للخارج ويرى السفينة من بعيد !


في الوقت الذي كانت فيه ريم تسلّط ضوء الشمس على البلّورة الزجاجيّة ، كإشارة للسفينة ، وهي تصرخ : 

- مراد !! ماذا تنتظر ؟!.. أضيء شعلة النار ، ولوّح بها !! 

مراد : انهم بعيدون جداً

- اذاً سأقترب أكثر


وسبحت قليلاً باتجاه الصخرة العائمة ، ووقفت عليها وهي تعكس ضوء الشمس على البلّورة .. 

وفي غمرة حماسها بعد رؤيتها السفينة تغيّر وجهتها نحوهما ، وقع العقد منها ! 

فحاولت اللّحاق به ، لكن الأمواج أخذته بعيداً .. فعادت سابحة الى الجزيرة ، لترى مراد يلوّح للسفينة بسعادة

- انهم يتّجهون نحونا !!

- آسفة مراد

مراد : على ماذا ؟!

- أوقعت عقدك بالبحر .. 


وقبل أن تكمل كلامها ، تفاجأت بصفعةٍ قويّة منه !

- قمت بذلك عمداً يا غيّورة !! انت تعرفين كم هو مهم بالنسبة لي 

ريم : صدّقني ، وقع غصباً عني ! 

مراد بغضبٍ شديد : إخرسي !! لا اريد سماع صوتك حتى نصل لبلدنا


فالتزمت الصمت وهي مصدومة من ردّة فعله العنيفة ! وبدوره بقيّ صامتاً حتى بعد صعودهما السفينة وبقائهما وحدهما في غرفةٍ صغيرة ، أعطاها لهما الكابتن الأسيويّ مع وجبة غداءٍ خفيفة .. 


وبعد استلقاء مراد على سريره الصغير ، أشاح بوجهه بعيداً وهو مازال غاضباً منها .. لتبكي ريم بصمت في سريرها المواجه له ! 

***


أمضيا يومين هادئين على السفينة ، قبل حصول مشاجرة بين مراد وملّاح حاول التحرّش بريم .. 

وبعد قدوم القبطان لمعرفة المشكلة .. اشار مراد الى اصبعه ، لإفهامه أنها زوجته ! 

فأمر القبطان ملّاحيه (الذين تجمّعوا حولهما) أن لا يقترب احد من زوجة مراد الذي عاد معها الى الغرفة وهو يقول بحزم :

- إيّاك الخروج من الغرفة اثناء نومي !! أيّ شيء تريدينه من الخارج تطلبينه مني .. مفهوم !! 

ريم : طالما الحمام في غرفتنا ، فلن اخرج لحين وصولنا الى برّ الأمان

- أحسنت !!

ثم استلقى على فراشه ..

ريم : شكراً لحمايتك لي

- هذا واجبي 

وأكمل نومه كأن شيئاً لم يكن ! 

***


وصلا مساء اليوم التالي الى شاطىء بلادهم .. وهناك أوصلهم خفر السواحل الى مركز الشرطة .. وسرعان ما وصل الخبر للإعلام الذين تزاحموا خلف اسوار المركز ، لتصوير المغني المشهور الذي عاد حيّاً بعد سقوط الطائرة قبل ثلاثة اسابيع ! 

ولم تستطع ريم توديعه ، بعد تفريق المصوّرين بينهما .. لتعود برفقة اخيها الى منزلهما .. بينما عاد هو مع حارسه الشخصي الى منزل اهله ، بعد علمه بتقسيم ورثته جميع امواله (ظنّاً بوفاته) حتى قصره الذي بناه بنفسه ! ..فعاد غاضباً وهو ينوي عقابهم جميعاً

***


رفع المغني دعوى لاسترداد املاكه ، لكن الأمر يتطّلّب شهوراً لحلّ المشكلة .. 

فعاد مُجبراً للغناء ، لكنه شعر بفقدان حماسه وشغفه ! فهو مازال يتذكّر نصائح ريم بالإبتعاد عن طريق الشيطان والمال الحرام 

لهذا قرّر الشراء بماله (الذي احتفظ به ببنك سويسرا ، والذي لم يستطع الورثة سحبهم) مطعماً فاخراً ، والغناء فيه بسهراته الإسبوعيّة .. حيث امتلأت الطاولات بمعجبيه المخلصين .. 


ليشعر مراد للمرة الأولى بحرّيته باختيار اغانيه ، وتوقيت سهراته حسب راحته ، بدل العقود الفنيّة الإلزامية للشركات المخصّصة لحفلات المشاهير بالدول العربية .. رغم نقد الصحافة وزملائه على تقصيره ، والذي تحجّج  امامهم بتدهوّر صحّته بعد أزمة الطائرة (مُخفياً سعادته براحة البال التي لم يعهدها من قبل!)..

*** 


بعد شهر ، وصلته اخبار عن تقدّم عريسٍ عجوز لريم ! 

فقام بزيارةٍ مفاجئة لوالدها والشرح له : بعدم حصول علاقة بينه وبين ريم طوال مكوثهما بالجزيرة..

فردّ والدها بقهر : أعرف هذا ، فأنا متأكّد من اخلاق ابنتي .. لكن الإشاعات انتشرت عن حملها بإبنك ، لكونك زير نساء ! 

- الهذا اردّت تزويجها من عجوز ؟

- هو الوحيد الذي وافق على الزواج بها ، رغم الإشاعة المسيئة بسمعتها !  

مراد بحزم : لكني غير موافق !! 

- ماذا تقصد ؟!

- يا عم .. بحياتي كلها لم اجد فتاة خلوقة كإبنتك ، وسأكون غبياً إن ضيّعتها من يدي .. لهذا أتيت اليوم لخطبتها ، وأظنه وصلتك اخباري بأني لم اعد اسافر لإحياء الحفلات بالخارج .. وسأصرف على بيتي من مدخول المطعم فقط .. وأعدك أن أبعد ريم واطفالنا عن الإعلام والإشاعات القذرة

***


وبالفعل تزوجا بحفلةٍ عائليّة ضيّقة .. وأكملا حياتهما بعيداً عن الأضواء بعد إستلام ريم لأموره الماديّة ، بالإضافة لتأليفها أغاني جديدة وتلحينها له .. لينشرها بدوره في وسائل التواصل الإجتماعي بعيداً عن شجع دور الإنتاج .. ويحصدا مبالغاً ضخمة ، من ملايين المتابعين لمشواره الفنّي .. 

ليكون مراد اول متّبعي هذا الإسلوب في نشر اغانيه ، ليقلّده العديد من الفنانين الصاعدين .. كما ضجّ مطعمه بالزبائن والمعجبين المخلصين الذين استمعوا لأغانيه الجديدة بسهراته الإسبوعية ..


وكلما سألوه عن زوجته ، أجابهم :

- هي من أعادتني الى نسختي الأصليّة ، وأزالت قناع الشاب الناعم المدلّل الذي يضرّ بسمعتي ورجولتي..هي رفيقة الجزيرة وسفينتي المُنقذة

***


وبمرور السنوات .. عاش مراد وريم مع اولادهما الثلاثة ، بالإضافة لبناته بعد تنازل طليقته عنهنّ عقب زواجها وسفرها للخارج .. ليعيشوا بهناءٍ ووفاق ، بعيداً عن أطماع اصحاب النفوذ الجشعة بأفكارهم الشيطانيّة الخادشة لحياء وأخلاقيات المُحافظة للمجتمع العربي !


هناك 8 تعليقات:

  1. ياحلولي ...
    القصه دي لذيذه جدا وربنا
    من اطعم ماقرات واكلت ههههه
    ولكم تمنيت لو بقيا في الجزيره الى الابد
    وانني احتج بشده لتلكم النهايه الحزينه ....
    وياريتني اباجوره ...اخي بن اليمن ههههه
    وياريتني اباجوره...اخت امل ...وفعلا قصه تحفه فنيه ادبيه ...☆♡☆♡☆♡☆♡☆♡☆♡☆♡

    ردحذف
    الردود
    1. لك مدة طويلة لم تعلّق على قصصي يا عاصم ، سعيدة جداً انها اعجبتك

      حذف
    2. مرحبا اخي عاصم نورت المدونه بوجوودك

      لم اعرف ماهي الاباجوره
      ولكن ي ريتني اباجوره وثنتين وثلاث واربع وخمس اباجورات ههههههه


      لافيكيا سنيورا
      اخت امل نسيت اخبرك
      لقد اعجبتني الاغنيه الرومنسيه التي غنتها ريم لمراد
      ومن شدة اعجابي للاغنيه سمعتها مرارا وتكرار.. ههههه

      لافيكيا سنيورا



      حذف
  2. القصة رائعة جداً وجميلة
    قصة شاملة كوميديا ودراما ورومانسية ورعب
    تصلح فيلم سينمائي

    ردحذف
  3. لافيكيا سنيورا

    روووووووووووعه اختي امل
    لقد اطلقتي قنبله نووويه كوميديه دراميه
    مشكووووووره من اعماااق قلبي
    مشكووووووره اختي الغاليه

    من اروع القصص الدراميه التي لن انساها

    اعجبتني تهمة التنفس الاصطناعي
    وعبسي والمسترجله ومازاد من روعتها اختيارك مكان الاحداث وكلها على بعضها في حلو في حلو

    صرااااحه لقد فاجأتيني بهذه القصه الكوميديه الدراميه..

    مشكوووووره اختي امل من اعماااااااق قلبي

    اسأال الله ان يحقق احلامك ..

    لافيكيا سنيورا


    ردحذف
    الردود
    1. وانا سعيدة جداً انها اعجبتك ، لافيكيا سنيورا اخي ابن اليمن

      حذف
  4. روعة يا أمل بل انت اروع بإحساسك وافكارك التي تأسر قلوب القارئين اسرت قلبي وعشت افضل لحضات في هذا الاسبوع مشكورة انت كاتبتنا المبدعة

    ردحذف
    الردود
    1. ُممّتنةٌ جداً لتعليقك الرائع ، وأتمنى دائماً أن اكون عند حسن ظنّك وظن القرّاء .. تحياتي لك

      حذف

القرية الثلجيّة

تأليف : امل شانوحة  اسرارٌ مُميتة عُيّن جنديان وضابط لمراقبة حدود دولتهم الشماليّة ، القريبة من المحيط المُتجمّد .. وعليهم العيش معاً في كوخ...