الثلاثاء، 9 يوليو 2019

خبث المشاعر

تأليف : امل شانوحة


إستغلالٌ مُدبّر !

في النشرة الصباحية لإحدى القنوات المحلّية لمدينةٍ صغيرة , أعلنت المذيعة الخبر قائلةً : 
- ما اصعب ان يقف الآباء عاجزين عن إنقاذ اطفالهم .. في حادثةٍ حصلت اليوم ظهراً : فقد رجلٌ اعصابه داخل فرعٍ مصرفيّ بعد رفض القرض الذي طلبه قبل ايام .. فقام بتهديد العملاء بالمسدس , وإجبارهم على التخلي عن مالهم بحجّة علاج ابنه الرضيع من مرضٍ خطير .. وسنعرض لكم ما صوّرته كاميرا البنك عن كيفية إنتهاء الأزمة

وظهر بالمقطع : الأب وهو يوجّه مسدسه نحو الرهائن المنبطحين على الأرض , بما فيهم حارس البنك .. والذين قاموا بإخراج ما في جيوبهم من اموال ووضعها في حقيبة المسلّح , بعد ان احتمى الموظفون خلف الزجاج الواقي من الرصاص ..

واثناء ذلك , قام احدهم بدفع العربة (التي ينام فيها إبن المسلّح) نحو الحارس الذي اسرع بتوجيه المسدس نحو الصغير , مُهدّداً الأب بقتله ان لم يرمي سلاحه .. ممّا أجبره على الإستسلام , وهو يترجّاه بأن لا يؤذي ابنه المريض .. من بعدها اقتحمت الشرطة المكان وقبضت عليه ..

كما عرضت الإذاعة مقطعاً آخر : لأشخاص يتظاهرون امام مركز الشرطة , تضامناً مع الأب الذي أجبرته الظروف القاسية على إرتكاب الجرم .. وطالبوا بإطلاق سراحه فوراً , وتكفّل بلدتهم بعلاج الطفل مجّاناً

وأنهت المذيعة الخبر قائلةً : ترى ماذا سيكون مصير الرجل الغريب الذي قدِمَ الى بلدتنا منذ ثلاثة شهور , والذي لقبه البعض بالأب الحنون الشجاع؟ .. سنعرف الإجابة من متابعتها لمحاكمته التي ستجرى خلال الأيام القادمة , لنتابع معكم لحظة إصدار الحكم في القضية التي أثارت البلبلة داخل مدينتنا الهادئة 
***

في اليوم المحدّد .. إضّطر القاضي لتبرئة الأب بعد ضغطٍ شعبي من اهالي المدينة الذين استقبلوا الرجل بالتصفيق عند خروجه من المحكمة , حاملاً الطفل بين ذراعيه (والذي بقيّ في الرعاية الإجتماعية طوال مدة سجن والده)  

وعاد الأب مع ابنه الى بيته المستأجر , ليتفاجأ بعشرات الرسائل المؤيدة على بابه , إحتوى بعضها على شيكات بإسمه كمساعداتٍ مالية .. عدا عن الكثير من الألعاب وحاجيات للطفل بعد علمهم بوفاة زوجته اثناء الولادة , وهو السبب الذي جعله ينتقل للعيش في مدينتهم الصغيرة ..

حتى ان جارته العجوز إقترحت عليه رعاية ابنه لحين إيجاده العمل المناسب .. 
وبدوره شكرهم على لطفهم معه , وكرّر إعتذاره عن سوء تصرّفه في البنك ذلك اليوم ..
*** 

بعدها بأيام .. تفاجأت إحدى الممرّضات بطفلٍ نائم في عربته المتروكة خلف باب المستشفى ! فأدخلته لتحميه من برد المساء , وأبلغت الأمن الذين علموا لاحقاً بأنه ابن الرجل الغريب الذي لم يجدوه في بيته !.. فبدأوا بالبحث عنه , خوفاً من ان يكون أصيب بحادثٍ ما .. 

وعلى الفور !! إنتشر خبر إختفاء الأب بين السكّان الذي حاول بعضهم البحث عنه في الأماكن الغير مأهولة .. اما الطفل , فأودع الرعاية الإجتماعية من جديد .. 
وقامت الإذاعة المحلية بنقل خبر الإختفاء , مع صورة للأب وابنه 
***

في صباح اليوم التالي .. وصلت إخبارية لرئيس الشرطة من المدينة المجاورة بأن الرجل سافر على متن الطائرة مساء البارحة بعد ان قام بسحب جميع الشيكات والتبرّعات , ممّا أغضب الأهالي الذين لم يستوعبوا كيف فضّل سرقة الأموال على علاج ابنه الوحيد ! 

الا ان رئيس الشرطة أحسّ بوجود خدعة في الأمر , وطلب من المستشفى إجراء الفحوصات اللازمة للطفل , والتي ظهرت نتيجتها سلبية وانه معافى تماماً وغير مصاب بمرضٍ خطير كما أوهمهم الوالد !
***

الأدهى هو ما حصل لاحقاً .. حين قدمت سيدة تعيش في القرية المجاورة الى مركز الشرطة , مُدعية بأن الطفل التي رأته بالأخبار هو ابنها الذي أُختطف من دار الحضانة قبل شهرين .. وقدمت لهم صورة عن بلاغ اختفائه من مركز الشرطة التابع لقريتها .. كما أخبرتهم بأن الرجل الذي ادعى انه والده , ماهو الا حارس المدرسة الذي استقال بعد ايام من اختفاء ابنها , ولم يشكّ به أحد لحسن سلوكه ! 

وانتشر الغضب العارم بين اهالي المدينة لمعرفتهم انهم ساعدوا مختطفاً بأموالهم , بعد إستغلاله عواطفهم البريئة اتجاه الطفل المريض .. 

وفي نفس الوقت ..تضامنوا مع الأم التي خرجت من مركز الشرطة وهي تحتضن ابنها بشوقٍ وحنان .. واقترحت عليها إحدى العائلات السكن معهم لحين انتهاء الإجراءات القانونية (لعلمهم بفقرها) .. 
كما قدّم لها تجّار المدينة مساعداتٍ مالية .. وأهدت بعض الأمهات أغراضاً للصغير تضامناً معها  
***

بعد اسبوع .. تفاجأت العائلة المضيفة باختفاء الأم التي تركت ابنها الرضيع نائماً في سريره ! 

وبحثوا مطوّلاً عنها , الى ان انصدموا بالنتيجة ذاتها : حيث هربت بالمساعدات المالية الى مكانٍ مجهول , بعد سرقتها أغراضاً ثمينة للعائلة التي سكنت عندهم ! 

وكان رئيس الشرطة أشدّهم غضباً لإحساسه بالتقصير لعدم مطالبته بأوراقٍ رسمية تثبت امومتها للطفل , واكتفى بتقرير إختفائه الذي يبدو انه مزوّر ! فهو كما بقية السكّان صدّقوا تمثيلها المتقن بإظهار فرحتها العارمة بعودة الطفل اليها .. وبذلك تساوى خبثها مع ذلك الرجل الذي استغلّ ايضاً طيبة أهالي المدينة المسالمة ..
لذلك أصرّ رئيس الشرطة على معرفة هويّة الطفل المجهولة.. 

وأمضى شهوراً في البحث عن اصله , الى ان عرف بأنه ابن عائلةٍ غجرية دخلت البلاد بطريقةٍ غير قانونية , ولهذا لم يبلّغوا عن إختفائه خوفاً من القبض عليهم .. 

وكم سعدت الأم الحقيقة بعودة الطفل المُختطف اليها .. لكن هذه المرة لم يتضامن احدٌ معهم , بل صبّوا غضبهم عليهم ..وطالب الأهالي بطردهم فوراً من بلدتهم , لرفضهم ان يستغلّ أحد طيبتهم بعد اليوم 

ممّا أجبر رئيس البلدية على إستئجار قاربٍ صغير , وضع فيه العائلة الغجرية بأبنائها الثمانية في مواجهة البحر الهائج , مُعرّضاً بذلك حياتهم لخطرٍ محدق !

وفي الأخبار المحلية .. أنهت المذيعة الخبر بقولها : 
- وكالعادة : يُعاقب الضعفاء على اخطاء غيرهم .. كان الله في عون العائلة الغجرية التي ربما لن تصل يوماً الى شطّ الأمان ! 
***

وفي مدينةٍ ساحلية .. كان الرجل والمرأة (الأب والأم المزيفان) يستمتعان بدفء الشاطىء .. 
وبعد ان أنهت عصيرها , قالت له :
- ارأيت .. كان قراري صائباً حين طلبت منك خطف ابن الغجرية , واستغلال طيبة اهالي المدينة الساذجين
الرجل : نعم لكن لا تنسي انني انا من اقترحت الذهاب اليهم منفصليّن , كيّ نجمع اكبر قدر من المساعدات المالية
- وهآ نحن حصلنا على اجمل عطلةٍ مجانية .. لكن مالنا اوشك على الإنتهاء وعلينا إيجاد خطة جديدة 

الرجل وهو يراقب أحد اولاد الشوارع : ما رأيك بذلك الولد الصغير ؟ يبدو متشرداً , هل أخطفه ؟ 
المرأة : ليس في وضح النهار , دعنا نخطّط جيداً.. وعلى فكرة .. بحثت البارحة في الإنترنت , ووجدت قريةً صغيرة تتميز بتحفها الأثريّة , وسكّانها اناسٌ بسطاء .. والأجمل انهم لا يملكون مركزاً للشرطة , والمسؤول الأمني فيها : رجلٌ عجوز لن يشكل تهديداً لنا  

الرجل : وماذا لوّ رفضوا إعطاءنا شيء ؟
المرأة بحماس : حينها نتخلّى عن فكرة الولد , لتبدأ المغامرة مع الخطة البديلة .. فنقوم بإقلاق راحتهم ليلاً نهارا , مُستخدمين الأقنعة والأسلحة والتهديدات .. وكل ما يلزم للخروج بالمال الوفير من هذه المهمّة , او ببعض الأثريات الثمينة التي نبيعها لاحقاً في السوق السوداء ..

الرجل بابتسامة : كم أعشق دهاءك ومكرك يا زوجتي العزيزة !
وضحكا بخبث ..

هناك تعليق واحد:

  1. للأسف هكذا حالنا، لا نعتبر من المرة الاولى ، نقع في الخطأ مرة و مرتين و أكثر ، بتعرفي يا استاذة العبرة و الحكمة الي ناخذها تكون مؤقتة يعني لما يمر عليها مدة ، نرجع و نقع بنفس الخطأ
    كذلك حال هذه القرية سيقعون في نفس الخطأ عندما تمر مدة كاقية على نسيانهم لهذه الخدعة 😊🌸

    كما عهدناكِ يا استاذة اسلوب رائع و مميز في سرد القصة
    دمتي رمزاً للأبداع استاذتي 💮❤

    حكم القزاز🌸💚

    ردحذف

الحنان الأمومي

تأليف : امل شانوحة الإبن العاقّ في ظهر ذلك اليوم , واثناء إنشغالها في المطبخ .. دخل عليها ابنها الشاب بلباسه القوطيّ , بعد ان كانت ...