الثلاثاء، 9 مارس 2021

المجانين العقلاء

 تأليف : امل شانوحة

لا تحكم على المظاهر


وصل الطبيب الشاب (مايكل) الى المصحّ النفسي الموجود في منطقةٍ مُنعزلة بالأرياف ، حيث استقبله الطبيب العجوز (جاك) بوجهٍ متجهّم :

- أخبرت الإدارة إن باستطاعتي السيطرة على 10 مجانين ، فلما ارسلوك الى هنا ؟

مايكل : أنا متخرّجٌ جديد ، وأريد مساعدتك في..

جاك مقاطعاً بلؤم : طردّت الكثيرين قبلك ، ولن أتردّد بفعلها ثانيةً 

- وأنا لن أغادر من هنا ، دون إذن الإدراة


وبعد إصراره على البقاء ، نادى جاك الممرّضة العشرينية (ديانا) لتدلّه على غرفته ..

***


أثناء مرورهما بجانب الصالة .. تسمّرت أنظار المجانين نحو الطبيب الجديد ، وملامح القلق واضحة على وجوههم ! 

فقالت الممرّضة : لا تقلق دكتور مايكل ، سيتعودون عليك لاحقاً 


ثم مشيا في رواقٍ طويل .. في آخره غرفةٍ صغيرة بها حمّامه الخاص ، وخزانة الحائط التي أشارت إليها الممرضة :

- يمكنك وضع ملابسك هنا .. الآن سأتركك لترتاح قليلاً

مايكل : لحظة قبل أن تذهبي ، متى يمكنني قراءة ملفّات المرضى ؟

- الدكتور جاك يحتفظ بهم في مكتبه الذي يبقيه مقفلاً ..

- لكن عليّ الإطلاع عليها لأعرف تشخيص المرضى !


ديانا : المدير ليس شخصاً سهلاً ، وأنصحك أن لا تعانده 

- في حال رفض طلبي ، سأضّطر لإبلاغ الإدراة

- لا تتعب نفسك ، لا يوجد إنترنت بهذه المنطقة المنعزلة .. والهاتف الأرضيّ الوحيد في المصحّ ، هو في مكتب الدكتور جاك 

مايكل : ماذا عن العاملين هنا ؟

- لا يوجد سوى انا والخادمة والحارس ، وحفّار القبور الذي يزورنا من وقتٍ لآخر 


مايكل باستغراب : قبور !

- نعم ، المقبرة خلف المشفى ..ألم ترها حين قدمت الى هنا ؟ 

- لا ! ولما افتتحتم مقبرة بجانب المصحّ ؟

ديانا : قبل سنوات كان لدينا ما يقارب 100 مريض نفسي من جميع القرى المجاورة : بعضهم مات بأمراضٍ معدية ، والآخرون انتحروا لأسبابٍ غامضة ! .. ورجاءً لا تسألني عن التفاصيل ، لأني لا اريد التورّط بمشاكل مع المدير .. والآن سأذهب لإحضار غدائك 

مايكل : لا !! سآكل مع المرضى 

ديانا بقلق : لا أنصحك بذلك ! فبعضهم عنيفٌ جداً ، والبعض الآخر لا يمكنك التنبؤ بتصرّفاته 


لكنه أصرّ على الجلوس معهم ، بنيّة التقرّب منهم قبل بدء علاجهم

***


ولم تكن بدايته موفقة ، فقد حاولوا مضايقته فور جلوسه معهم على الطاولة الكبيرة .. لكنه تجاهل صرخاتهم وتصرّفاتهم المريبة المزعجة ، وأكمل طعامه بصمت .. وبعد دقائق .. رضخوا للأمر الواقع ، وأكملوا طعامهم بهدوء !

***


بمرور الأيام .. إستمع مايكل لقصة كل واحدٍ منهم على انفراد في غرفة مكتبه ، بعد رفض الطبيب جاك إعطائه ملفاتهم ..

ليستنتج أن جميعم ولدوا بشكلٍ طبيعيّ ، وأن مشاكلهم العقلية والنفسية حصلت بعد تجاوزهم سن الشباب ! بسبب مصاعب الحياة : كالفقر والبطالة والإفلاس التجاريّ ..او الخيانة الزوجية وطعنة الأصدقاء .. او عقوق الإبناء لحصولهم على الميراث ..او بهدف الهروب من حكمٍ قضائيّ 


ورغم وجودهم في المستشفى لسنواتٍ طويلة ، الا انهم منقطعين تماماً عن العالم الخارجيّ بعد تخلّي عائلاتهم عنهم ! ..كذلك لرفض جاك إحضار التلفاز لهم : بحجّة إثارتهم المشاكل بسبب الأخبار او اختيار الأفلام والأغاني ، وصولاً للإعلانات !


ولعدم وجود الصحف والكتب في المصحّ ، يمضون جلّ وقتهم وهم ينظرون من نوافذ الصالة التي تطلّ على المقبرة الكئيبة الممتلئة بأصدقائهم القدامى من نزلاء المشفى ! ممّا زاد من إكتئابهم وابتعادهم عن الواقع ، وانغماسهم بعالم الخيال لتمضية وقتهم المملّ والبطيء جداً..


لهذا تفاجأوا حين أحضر مايكل جهازاً للعرض السينمائيّ (دون علم جاك) لمشاهدة فيلمٍ دراميّ على حائط الصالة ! مما جعلهم يتأثّرون كثيراً ، حتى أن بعضهم بكى بعد تذكّره عائلته ..


وحين عاد العجوز جاك الى المصحّ ، غضب كثيراً من عصيان أوامره ..وطلب مايكل لاجتماعٍ عاجل في مكتبه .. 


وهناك عاتبه لما فعله ، فبرّر مايكل قائلاً :

- وماذا تريدهم أن يفعلوا طوال اليوم ؟ على الأقل إحضر لهم قصصاً وكتباً مفيدة ..أم إنك تفضّل إنتحارهم كما فعل المرضى السابقين ؟

جاك بنبرةٍ صارمة : إسمع ايها الشاب .. لقد جرّبت معهم كل شيء ، ولا فائدة منهم .. هؤلاء الحثالة لا ينفعون الاّ كقطع غيار ، او فئران تجارب 


وقبل ان يستوضح مايكل ما قصده ! دخلت الخادمة المكتب لإخبار المدير بوصول رجل الإسعاف .. 

فسألها مايكل بقلق :

- هل أصيب أحدهم ؟!

فأجاب جاك : لا !! هذا صديقي .. (ثم قال ساخراً) .. يمكنك العودة الى أصدقائك المجانين ، وسنُكمل حديثنا لاحقاً


وحين عاد مايكل إليهم ، طالبوه بفيلمٍ آخر بعد انتهاء فيلمهم السابق .. فاقترح عليهم فيلماً لرسوم متحرّكة والت ديزني ، فوفقوا جميعاً بحماس !!

***


ومضت الأسابيع بروتينٍ يوميّ في المصحّ ، فيماعدا لياليٍ غريبة سمع فيها مايكل صرخاتٍ من بعيد ، والتي تحصل عادةً مع تلاعب الكهرباء في الممرّات ! 

وحين شكى لمديره ، أخبره أن يعتاد صرخات المجانين المفاجئة ، خاصة في الليالي الماطرة لخوفهم من البرق والرعد .. اما الكهرباء فهي ضعيفة في قريتهم الريفيّة ..

***


بمرور الأيام .. إعتاد المرضى اسلوب مايكل اللطيف بالتعامل معهم ، ولأجل ذلك عقدوا إجتماعاً سرّياً بينهم ..


وحين دخل مايكل غرفتهم ، قال ممازحاً :

- هل يمكنني الإشتراك معكم ؟

فأسرع كل واحداً منهم الى سريره ..


وحين انتهى من فحص الضغط ونبضات القلب للمريض الأول ، تفاجأ به يقول له بحزم : 

- أهرب من هنا !!


وكلما انتقل لمريضٍ آخر ، كرّر الجملة ذاتها ! 

وحين وصل لإريك (وهو متهم بقتل زوجته الخائنة وإبنه الغير شرعيّ ، والذي ادّعى الجنون للهرب من السجن) قال بجدّية :

- انت دكتورٌ جيد ، وأفضل من الأطباء السابقين .. لهذا أنصحك أن تغادر هذا الجحيم بأسرع وقتٍ ممكن ، قبل ان ينتهي بك المطاف الى ..(وأشار الى النافذة : يقصد المقبرة) !


ورفض المريض توضيح كلامه ! فظنّ مايكل انهم بحاجة للمزيد من الإهتمام لكيّ يتعوّدوا على وجوده بينهم  

***  


وبعد شهور من معاملته الحسنة ، تعلّق المجانين به لدرجة أن نفسيّتهم بدأت تتحسّن .. حيث تناوب مع الممرّضة ديانا على تلبية طلباتهم والإستماع الى همومهم .. 

ويبدو أن المدير توقف عن مراقبته بعد إنشغاله بأمورٍ اخرى ، حيث أمضى جلّ وقته في محادثاتٍ على الهاتف داخل مكتبه المقفل !

***


في أحد الأيام .. دخل المدير الى الصالة غاضباً ، ليجد المجانين يغنون ويرقصون مع الطبيب والممرضة .. فصرخ عليهم بعلوّ صوته :

- إسكتوا جميعاً !!

فعمّ الصمت المكان ، قبل طلبه من مايكل الّلحاق به الى مكتبه في الحال


وهناك أخبره عن قدوم صحفيّة الى المصحّ ، لتصوير تقريرٍ عنهم

مايكل : أهذا ما يغضبك ؟! فلتصوّر ما تشاء ، مرضانا بألف خير وفي تحسنٍ مستمرّ

جاك بعصبية : لا اريد متطفّلين في مشفايّ !!

- إن كنت لا ترغب في مقابلتها ، يمكنني أنا وديانا الإهتمام بالموضوع ..  

جاك بامتعاض : حسناً ، ستأتي غداً صباحاً مع فريق عملها .. ومهما حصل ، إيّاك إدخالهم مكتبي .. إنهي المقابلة سريعاً ، ليعودوا من حيث أتوا 

- كما تشاء دكتور

***


لكن الأمور تعسّرت بسبب فضول الصحفية التي ارادت تصوير كل ركنٍ في المشفى .. كما أربكت مايكل حين سألته امام الكاميرا : 

- 90 مريضاً ماتوا خلال 20 سنة ! برأيّ عدد الضحايا الضخم يحتاج الى تحقيقٌ جنائي 

مايكل : انا توظّفت هنا منذ سبعة شهور ، ولم يمتّ أحد حتى الآن 

- وأين مدير المصحّ ، الدكتور جاك ؟

- في إجازته السنوية ، سيعود خلال ايام 

الصحفية : مستشفى كبيرٌ كهذا ليس فيه الا طبيبين وممرّضة واحدة وخادمة وحارس ! أرى ذلك إهمالاً إداريّ 

- نحن نهتم فقط ب10 مرضى ، والأطباء الآخرون إستقالوا بعد نقصان العدد 


وهنا توجّهت الصحفية للكاميرا وهي تقول :

((أعزّائي المشاهدين !! صوّرت لكم أجزاءً من مصحّ الأرياف التي لاحظنا فيها : صيانته الرديئة وحمّاماته المعطّلة ، وانتشار العفن والرطوبة في معظم غرفه ، عدا عن مقبرته المريبة التي تضمّ أكثريّة نزلاء المشفى الذين ماتوا بظروفٍ غامضة خلال العقدين الماضيين ! اما قبوه المعتم ، فقد رفض الحارس إدخالنا الى هناك بأمرٍ من مدير المشفى .. فإن شعرتم مثلي بوجود شيءٍ غامض يجري هنا ، أطالبكم برفع أصواتكم لتصل الى الإدراة العليا ، كيّ يراقبوا الوضع عن كثب .. كانت معكم جاكلين , مراسلة قناة BBC الإخبارية))

***


بعد ذهاب الصحفية والمصورين في آخر النهار ، لاحظ مايكل عصبية الممرّضة التي قالت له :

- لما بقيت معنا ؟ إلحق الآنسة المثيرة إن أردّت 

مايكل مبتسماً : أتغارين عليّ ! .. لحظة لا تذهبي ، انا آسف .. المدير جاك شدّد عليّ بمرافقتها خلال جولتها في المشفى  

ديانا : هو طلب منك إلهائها ، لحين إخفائه الأشياء المريبة 

- ماذا تقصدين ؟!

وقبل أن تجيبه ، ناداه المدير من بعيد .. فذهب الى مكتبه ليطلعه على تقرير الصحفية

***


لم تمضي ايام على عرض النشرة في الأخبار ، حتى تلقّى المدير إتصالاً من الإدارة العليا يخبرونه عن إرسالهم مراقبين .. وأن عليه إعطائهم نسخاً عن ملفات المرضى السابقين والحاليين .. كما السماح لهم بدخول جميع غرف المصحّ دون استثناء !


وبعد إنهاء المدير المكالمة ، أمر الجميع (الموظفين والمجانين) بتنظيف كل ركنٍ في المصحّ ، بما فيهم المجنون المعاق الذي أزال الغبار عن أثاث الصالة وهو يتنقّل بكرسيه المتحرّك ! 


واستغلّ مايكل فتح المدير لجميع الغرف المقفلة ، للنزول الى القبو الذي وجد فيه غرفتين : إحداها تشبه غرفة الجراحة ..والثانية : كأنها سجنٌ إنفراديّ او معتقلٌ عسكريّ ! قبل إسراع الحارس بأخذ الصواعق الكهربائية وادوات التعذيب الأخرى ، ونقلها الى مكانٍ مجهول ..وربما إخفائها في إحدى السراديب السرّية (كما أخبره المرضى) الموجودة خلف جدران المبنى الأثريّ القديم .. 


وحين حاول مايكل الإستيضاح من المدير عمّا يفعله بالقبو ، إكتفى بالقول بلا مبالاة : 

- بعض المرضى يحتاجون الى تنبيه ذهنهم المتبلّد ببعض الصعقات الكهربائية 

مايكل : وهل هذا سبب وفاة المرضى السابقين ؟

- انت تكثر من مشاهدة الأفلام المرعبة ..  


قالها بسخرية ، قبل إقفال مكتبه كعادته .. فتنصّت مايكل من خلف الباب ، ليسمع صوت تمزيق الورق ! ويبدو أن المدير مشغولاً بتزييف الحقائق في ملفّات المرضى السابقين ، قبل تسليمها للمراقبين القادمين غداً  

***


في عصر اليوم التالي .. إعتذر المراقبون عن التأخير بسبب الجوّ العاصف .. ولأنهم لا ينوّون المبيت في مصحّ المجانين ، قاموا بجولةٍ عابرة وسريعة على العنابر والغرف (بعكس اوامر الإدارة العليا) .. مما أسعد المدير الذي أعطاهم نسخاً لملفات المرضى (بعد تحريفه التقارير السابقة)


لكن أكثر ما ضايق مايكل : هو إثارة المرضى للشغب وإحراجه امام المراقبين دون سببٍ واضح ! حيث قام أحدهم بسرقة حقيبته الطبّية ، والآخر استولى على نظّارته .. اما البقيّة فرموا أدويتهم في وجهه ، بعد أن رشقوه بالوسائد .. وبالنهاية صرخوا عالياً بصوتٍ واحد :

- إخرج من مشفانا يا مايكل ، نحن نكرهك !!


فكتب المراقب تصرّفاتهم في تقريره ، معاتباً مايكل :

- يبدو انك لا تسيطر على مرضاك !

مايكل بدهشة وضيق : لا ادري ماذا حصل لهم ! هم بالعادة يتجاوبون معي جيداً

المراقب : الأفضل ان تعاملهم بحزم ، والا سنقترح على الإدارة تعين طبيباً آخر مكانك 

المراقب الآخر : الآن دعونا نذهب لرؤية القبو  


وقبل فتحهم باب القبو ، إنقطعت الكهرباء فجأة ! 

فتحجّج المدير بالعاصفة الرعدية .. فعادوا جميعاً الى فوق ، دون رؤية الغرفتين المشبوهتين هناك ! 

ثم أسرعوا بالرجوع الى المدينة قبل حلول المساء ..


وفي وقتٍ لاحق ..راقب مايكل مديره من بعيد ، ليراه يعطي مالاً لحارسه الذي يبدو إنه قطع الكهرباء بناءً على اوامره ! 

كما سمع الحارس يسأله باستغراب : 

- لما لم تسلّمهم تقريرك عن مايكل ؟!

فأجابه المدير بابتسامةٍ خبيثة : 

- مرضايّ الأعزّاء تكفّلوا بالأمر 


وضحكا بسعادة ، دون انتباههما لمايكل الذي عاد الى غرفته مُتسائلاً : إن كان المدير أمر المجانين بإثارة الشغب لطرده من المصحّ بعد تهديدهم بالتعذيب ، أمّ هناك سرّاً أكبر ؟! 

في جميع الأحوال نجا جاك من التحقيق معه عن اسباب الموت المفاجىء لمرضاه السابقين !

***  


مع الأيام .. تحسّنت علاقة مايكل بالمرضى من جديد ، كما توطّدت علاقته بالممرّضة ديانا ، فكلاهما عاشا طفولة سيئة .. 

فمايكل تربّى في دار الأيتام .. بينما ديانا هربت من منزل والدها المتحرّش ، وعملت نادلة لحين إكمال تعليمها في معهد التمريض .. 

وقد لاحظ المرضى التناغم بينهما ! ودائماً ما شجّعوا مايكل على الزواج منها ، لكنه لم يجد الوقت المناسب لمفاتحتها بالموضوع ..

***


قبل نهاية السنة .. أرسلت الإدارة العليا تقريرها السنويّ للمدير جاك مُطالبين بتقاعده المبكّر ، لأن جميع الملفّات التي قدّمها لهم تبيّن عدم خبرته الطبّية بهذا المجال !


ولاحقاً نقلت الممرّضة ما سمعته لمايكل الذي سألها :

- هل هو غاضبٌ جداً ؟

ديانا : يكاد ينفجر ! فقد سمعته يتكلّم بالهاتف بعصبية حين مرّرت بجانب مكتبه ، وكان يقول إنه لن يترك المشفى قبل إنهاء ثمن جزيرته

- جزيرته !

- نعم هناك إشاعة : أنه اشترى جزيرة صغيرة في المنطقة الساحلية ، وبها منزل فخم ينوي قضاء بقيّة عمره فيه  

مايكل : لكن راتبه كمدير لا يكفي مشروعاً ضخماً كهذا !

- أظن المجانين وحدهم يعرفون كيف جمع ثروته الطائلة  


كلامها الغريب جعله يراقب الوضع بدقة ! فطالما إن جاك سيُرغم على التقاعد خلال شهر ، فهذا يعني انه سيتورّط بشيءٍ غير قانوني قبل رحيله

***


في إحدى الليالي .. إستيقظ مايكل بعد رؤيته كابوسٍ مفزع ، وفتح نافذة غرفته لتدخين سيجارة لإراحة أعصابه .. 

بتلك الأثناء ، لمح نوراً خافتاً قرب المقبرة ! وحين أمعن النظر : شاهد سيارةً صغيرة .. وجاك يُعطي السائق كيساً ثقيلاً ، الذي وضعه داخل حافظة مبرّدة .. وفي المقابل أعطاه رزمة من المال .. ثم افترقا !

*** 


في اليوم التالي .. تفاجأ مايكل بغياب المريض الذي يعاني من الصرع المزمن ! 

وحين سأل زملائه ، رفض الجميع الحديث عنه ! وكان واضحاً الخوف والحزن عليهم 


فتوجّه الى مكتب جاك لسؤاله عنه ، فأخبره أن عائلته قدمت باكراً لإعادته الى منزله .. 

لكن جوابه لم يكن مقنعاً ، فالمريض أخبره مراراً : أن زوج امه لا يرغب بوجوده قرب اطفاله الذين يرتعبون كلما أصابه الصرع .. 


فعاد للبحث عنه في جميع الغرف ، الى أن وصل للقبو المقفل .. 

وهناك سمع شجاراً في الداخل بين الخادمة (ريتّا) والحارس الشخصي لجاك ، حيث قالت غاضبة :

- تعبت من مسح دماء العمليات ، إخبر رئيسك أن يضاعف أجري والاّ سأفضحه امام الجميع !!


وحين شعر بخطواتٍ تقترب من الباب ، أسرع بصعود الدرج عائداً الى غرفته وهو يشعر بأن تهديدها لن يمرّ بسلام !

***


في اليوم التالي .. أوقع مايكل قهوته الصباحية على الأرض دون قصد ، فنادى الخادمة لتمسحه .. 

فدخلت الممرضة وهي تقول :

- ريتّا ليست هنا .. أخبرني المدير إنها حصلت على إجازتها السنوية ، وبأن الخادمة الجديدة ستصلنا بعد قليل 


فتذكّر مايكل تهديدها ليلة امس ، وعلم إن اختفائها ليست صدفة .. 

فتوجّه الى المقبرة ، ليلاحظ قبراً محفور حديثاً ! 


وهذه المرة استطاع اللّحاق بحفّار القبور قبل ذهابه (فهو لا يأتي للمصحّ الا باتصالٍ من جاك) 

وتجنّب مايكل سؤاله مباشرةً عن الخادمة ، لأنه حتماً سينكر رؤيتها خوفاً من مديره .. لهذا تصنّع الإبتسامة وهو يشير للقبر الجديد :

- أظن ظهرك يؤلمك ، فريتّا سمينةٌ جداً


فأومأ الحفّار برأسه إيجاباً وهو يحرّك يديه ، بإشارة على أنه دحرجها نحو القبر ! ففهم مايكل إن جاك إختاره معاقاً (أخرس وأصمّ) كيّ لا يفضح جرائمه

***


لكن شكوكه لم تتأكّد الا بعد ايام ، عقب خروج جاك من المصحّ لزيارة قريبه ..

فاستغلّ مايكل غيابه مع حارسه الشخصي ، لنبش آخر قبرين .. ليجد جثتيّ مجنون الصرع وريتا اللذين لم يتحلّلا بالكامل.. 


والمخيف بالأمر انه إزيلت اجزاءً من جسمهما : مثل الكليتين والكبد والرئة والقلب ، حتى قرنيّة أعينهما ! حينها علم أن جاك يتاجر بأعضاء المرضى لشراء جزيرته اللعينة 


وقبل ردمه القبرين ، صوّر الجثتين بجواله دون علمه أن الخادمة الجديدة تراقبه من النافذة ، والتي أخبرت مديرها فور عودته الى المشفى 


فقال لها جاك بضيق : كنت أعلم إن هذا الفضوليّ لن يهدأ قبل كشفه اللغز 

الخادمة : هل ستتخلّص منه الليلة ؟

جاك : موته سيثير شكوك الجميع ، لهذا سأنفّذ خطتي السابقة : وسألفّق له جرائمي السابقة 

- لكنه لم يتعيّن هنا قبل سنة ، فكيف ستنسب إليه مقتل مرضاك القدامى ؟

جاك : بما أن الطبيب ديفيد توظّف منذ استلامي الإدارة ، فسأجعل مايكل يحلّ مكانه 

- هل ستبدّل ملفّات التعيين ؟

- نعم .. وبهذا يُحاكم عن قتله 90 مجنوناً ، في الوقت الذي نقضي فيه معاً لحظات ممتعة في جزيرتنا المعزولة عن العالم البغيض


فأبعدته عنها بدلال : لا تحضني الآن ، لا اريدهم ان يعلموا بعلاقتنا السّرية .. مع إنني مازلت غاضبة منك لتوظيفي كخادمة في مشفاك!

جاك : آسف حبيبتي ، لكني لا ائتمن أحداً غيرك بعد تهديدات المجنونة ريتّا .. أتمنى ان لا يضايقك منظر الدماء في القبو بالأيام القادمة

- انا امرأة قوية ، وسأدعمك حتى النهاية


وأكملا حديثهما الرومنسيّ ، دون علمهما أن المريض إريك يتصنّت عليهما من خلف باب المكتب 

*** 


في اليوم التالي .. دخلت الممرضة الى غرفة مايكل وهي تسأله : 

- أمازلت تبحث عن جوالك ؟

مايكل بضيق : أظنه وقع مني في غرفة المرضى !

- اساساً لما تضعه في جيبك ، طالما لا وجود للإنترنت هنا ؟!

- أُسجّل فيه ملاحظاتي اليومية ، فأنا لا اريد تدوينها في دفترٍ قد يُسرق بأيّة لحظة .. كما فيها صوراً مهمّة

- إذاً إسأل المرضى عنه وعن العجوز آدم ، فهو مختفي منذ الصباح

مايكل : هو يعاني من الزهايمر ، لابد انه تاه بين العنابر

- حسناً ، سأبحث عنه ثانيةً 

***


في الصالة .. إجتمع مايكل بالمرضى ، ليشعر على الفور بتوتّرهم وارتباكهم ! والذين رفضوا الإجابة عن اسئلته حول الجوّال والعجوز آدم ..والوحيد الذي نطق بينهم ، هو إريك الذي قال له :

- لا تستعجل دكتور مايكل ، فبعد قليل ستعرف كل شيء


ولم تمضي دقائق .. حتى تفاجأ الجميع بقدوم الصحفية وفريق عملها من جديد ! والذي أثار غضب جاك الذي طلب رحيلهم فوراً ، لعدم حصولهم على إذنٍ مُسبق ..

فأجابته الصحفية : تلقّينا إتصالاً من هنا ، يطلب قدومنا لتصوير فضيحة كبرى

جاك : أنت تهذين ! فالهاتف الوحيد في المشفى موجود في مكتبي ، وانا لم أتصل بكم ايها الفضوليين 

فقال إريك بصوتٍ عالي  : انا اتصلت بهم !! 


وقبل ان يفهموا كيف إقتحم مكتب المدير المقفل ! أدار إريك ماكينة العرض السينمائيّ وهو يقول :

- آسف دكتور مايكل ، سرقت جوالك البارحة لتصوير آدم الذي ضحّى بنفسه لفضح جرائم جاك اللعين 

المدير غاضباً : كيف تجرأ على شتمي ايها المجنون !!


لكنه لم يكترث لعصبيته .. وبدأ في عرض تسجيلاً مصوّراً للمدير (على الحائط) وهو يُزيل أعضاء آدم  في القبو ، بمساعدة حارسه ورجل الإسعاف الذي يعمل بالخفاء في تجارة الأعضاء البشريّة ! 


وسمع الجميع حوار التاجر وهو يسأله :

- الم تجد سوى هذا العجوز ؟! فأعضائه مُهترئة ، ولن يدفع الأثرياء مبلغاً ضخماً لأجلها 

فأجابه جاك وهو منشغلٌ بالعملية : 

- وجدته يصوّر ملفّات المرضى بالطابعة بعد اقتحامه مكتبي ، لهذا  أردّت التخلّص منه 

حارسه : لوّ انتظرت حتى الصباح ، لنسيّ كل شيء .. فهو مصاب بالزهايمر 


جاك بغضب : اساساً لوّلا اللعين مايكل لقطّعتهم جميعاً ، وفررتُ الى جزيرتي .. لكني مضطّر للعمل بحذرٍ ورويّة هذه الفترة

التاجر : عليك الإسراع قليلاً ، فتقاعدك بعد اسابيع 

جاك : لا توتّرني يا رجل .. ودعني أزيل كليته اليمنى ، فاليسرى مُعدمة تماماً .. هاهي !! إمسكها بحذر ، وضعها في الحافظة المبرّدة


وهنا انتهى الفيديو ، ليقول إريك للطبيب مايكل :

- قبل الزيارة الأولى للمراقبين ، سمعته يخطّط لتلفيق جرائمه لك ! لهذا اتفقت مع اصحابي على إثارة الشغب ، لكي تُطرد من هنا قبل توسيخه سمعتك .. لكن هذه المرة ، قرّرت فضحه امام الجميع


وهنا سألت الصحفية مصوّرها باهتمام : 

- هل صوّرت كل ما عُرض بسينما الحائط ؟

زميلها : نعم لا تقلقي


فقال الدكتور مايكل للصحفيّة : 

- يوجد في جوالي ايضاً صورتين لآخر جثتين دُفنا هنا .. أريد أن أريك إيّاها   

فأعاد أريك الجوّال لمايكل : آسف ، إضّطررت لسرقته .. وجيد أنني فعلت ، فحارس جاك كان يبحث عنه في غرفتك ، بناءً على أوامر جاك 


الصحفية بعد أخذها الصورة من جوال مايكل ، قالت لجاك :

- أصبح لدينا دليلاً قوياً لإدانتك ، ولن أهدأ قبل محاكمتك على جرائمك

 

وأثناء شجار جاك مع الصحفيّة ، إستغلّ الحارس الشخصيّ إنشغال الجميع للتسلّل من الصالة برفقة الخادمة ..


وقبل خروجهما من المصحّ ، تفاجئا بوصول الشرطة التي أربكت جاك فور سماعه صافراتها !  

وهنا قال إريك للمدير بلؤم : 

- آه نسيت إخبارك أنني اتصلت بالشرطة ايضاً  


ولاحقاً .. إقتحم المحققّ الجنائي مع افراد الشرطة غرفة الجراحة في القبو ، التي لم تتمكّن الخادمة من تنظيفها جيداً من دماء الضحيّة آدم!


كما استحوذوا على جميع الملفات الأصلية للمرضى من مكتب جاك .. بالإضافة لفيديوهات مصوّرة له : وهو يشجّعهم على الإنتحار قفزاً من فوق السطح ، بعد تعذيبهم بشكلٍ متواصل .. وذلك قبل أن تخطر بباله فكرة الإتجار بإعضائهم !


وبعد القبض على جاك ومساعديه ، وخروج الشرطة من المصحّ.. رقص المرضى على نغمات الإغاني الصاخبة ، إحتفالاً بتخلّصهم من الشرير جاك وأعوانه ..


وبنهاية الحفل ، أعطى إريك خاتم زواجه (الذي مازال محتفظاً به) لمايكل الذي جثا على ركبته ، طالباً الزواج من ديانا التي وافقت بخجل .. ليصفّق الجميع فرحاً بخطوبتهما 


ثم أعطى إريك لمايكل ملفاً ، وهو يقول :  

- أخفيته عن الشرطة

مايكل : ماهو ؟

- سندات تمليك الجزيرة ، هي لك الآن .. عشّ فيها مع عروستك ، فأنت استحقيتها بجدارة .. هيا لا تتردّد !! ورجاءً لا تعودا الى هنا ، فهذا المصحّ الكئيب لا يليق بكما .. الأفضل أن تجدا عملاً في المدينة .. يمكنكما الرحيل منذ الغد 


مايكل بقلق : وماذا عنكم ؟ 

فقال أحدهم : الم تسمع جواب الإدراة العليا ، بعد أن أخبرتهم الصحفية عن  فضيحة المصحّ ؟

مريضٌ آخر بحماس : قالوا انهم سيعيّنون لنا مديراً آخر ، مع فريقٍ طبّي محترف !! أنا متفاءل بأننا سنشفى قريباً 

إريك : هيا لا تهتمّا بنا ، عيشا حياتكما بسعادة

***


في الصباح .. ودّع المجانين العرسان اللذين توجّهما فوراً الى الجزيرة التي وجدا فيها منزلاً فخماً مفروشاً بالكامل ، ومخزناً مليئاً بالمؤونة تكفيهما لسنةٍ كاملة ! 


اما المجانين فاستعدّوا لاستقبال المدير الجديد .. ليصعقوا لاحقاً بإرسال الإدراة للدكتور ديفيد الذي كان النائب السابق لجاك ! والذي قال لهم بلؤم :


- كان حلم العجوز جاك هو العيش مع عشيقته في جزيرةٍ نائية ، لكن حلمي أكبر : وهو شراء قريتكم البائسة ، لتحويلها الى مصنعٍ ضخم للأسلحة العسكرية .. ولكيّ يحصل ذلك ، عليّ إجراء تجارب بيولوجية على فئران بشريّة .. بالطبع بعد حصولي على إذن من مخابرات الدولة المهتمّة برؤية النتائج ، قبل تصنيعهم الأسلحة .. وفي المقابل سيدفعون لي مبلغاً ضخماً .. لهذا سآخذ كل اسبوع واحداً منكم الى المدينة لإجراء التجارب السرّية عليه ، وسأبدأ منذ اليوم .. ولا تقلقوا ..فالإدراة العليا لا يمكنها الإعتراض على اوامر المخابرات التي أعطتني الضوء الأخضر .. وقد قرّرت البدء بإريك الذي أثبت شكوكي القديمة حوله : بادّعائه الجنون للإفلات من جريمة قتله عائلته .. وبذلك أتخلّص من قائدكم الذكيّ .. لكن دعوني أعرّفكم اولاً على فريق عملي


ثم دخل الى الصالة : خمسة رجال بعضلاتهم المفتولة ونظراتهم الشريرة المريبة ! فأردف المدير ديفيد قائلاً :

- هؤلاء ضبّاط عسكريين لا يعرفون الرحمة ، فهم مسؤولين عن تعذيب المعتقلين السياسيين .. 


ثم أمر جنوده : أنتما !! إحضرا إريك .. وأنتم الثلاثة : إبقوا في المشفى لمنعهم من إثارة الشغب .. لكن لا تطلقوا النار عليهم ، فعددهم قليل وأحتاج كل واحدٍ منهم لتجربة ثلاث اسلحة بيولوجية عليه .. هذا إن لم يمتّ من التجربة الأولى .. 


ثم اقترب من إريك الخائف :

- مع إنني بالحقيقة مُمتنٌ لك لتخليصي من جاك اللعين الذي طردني سابقاً بعد رفضه زيادة أجري .. ولشكرك على معروفك ، سأرسلك برحلةٍ مجانية الى الجحيم 


فحاول إريك الهرب بقفزه من النافذة ، لكن الحارسين أسرعا بشدّ يديه برباطٍ خلف ظهره بقميص المجانين ألبساه إيّاه بعنف ، قبل نقله للخارج ..في الوقت الذي هاج فيه بقية المجانين من شدة الخوف

فصرخ ديفيد عليهم بغضب : سكوت !!!


فصمت الجميع برعب ، ليُكمل قائلاً بلؤم :

- لا تستعجلوا يا اصدقاء ، سيحين وقتكم جميعاً .. (ثم قال لحارسيه) ..هيا بنا !!  


واقتاد الحارسان إريك الى سيارتهم العسكرية المُصفّحة ، بينما انهار المجانين بالبكاء بعد معرفتهم بنهايتهم المرعبة !


الخميس، 4 مارس 2021

محطات العمر

 تأليف : امل شانوحة

 

تواريخٌ مهمّة


في وقتٍ متأخر من تلك الليلة الماطرة ، توقفت سيارة جاك فوق الجسر بسبب عطلٍ مفاجىء ! فحاول إصلاح العطل بنفسه .. حينها انتبه على رجلٍ من بعيد يشير له بالإقتراب منه ، وكأنه ينتظره هناك منذ مدّة ! 

وعيناه الثاقبتان جعلته يقترب منه طواعيةً ، رغم خوفه أن يكون لصّاً 


حين وقف امامه ، قال له الرجل الغامض :

- أتدري إنك كل عام تمرّ على ذكرى وفاتك دون علمك ؟


فشعر جاك بنبرة إحباطه ، مع استمراره النظر الى البحر من حافّة الجسر 

فحاول تهدأته :

- الأفضل أن تعود الى منزلك ، قبل أن تشتدّ العاصفة 

فأشار الرجل الى السماء :

- منزلي فوق ، سأنتقل اليه بعد قليل 


جاك بارتباك : أرجوك لا تنتحر .. يمكنني مساعدتك بإيجاد وظيفة ، إن كنت بحاجة للمال 

لكن الرجل تجاهل كلامه ، قائلاً :

- إخرج جوالك لتدوين ما سأقوله لك


ففهم جاك أنه يريده أن يكتب وصيته الأخيرة .. 

وبعد إصراره على الطلب ، فتح جاك مذكّرة جواله لكتابة خطاب الرجل  الذي قال :

- 10-1... 6-2... 15-3...18-7..10-8.. هل كتبتهم ؟

جاك باستغراب : نعم .. ماهذه الأرقام ؟!

- هذه التواريخ هي اليوم والشهر .. لكني لن أخبرك بالسنة ، كيّ لا تعرف ترتيبها

- وما شأني انا بها ؟!


الرجل : هي محطّات مهمّة في حياتك .. فإحدى تلك التواريخ : هي نقطة تحوّل إيجابية في حياتك المهنيّة 

جاك بسخرية : أحقاً !

فأكمل الرجل بحزم : لا تقاطعيني !! والتاريخ الثاني : هو تاريخ زواجك ..والثالث : هو تاريخ إنجابك لإبنك الوحيد .. والرابع : هي فاجعةٌ مرعبة ستحطّم قلبك .. اما الأخيرة : فهي تاريخ وفاتك .. لكني أعطيتك التواريخ بشكلٍ عشوائيّ ، لكيّ تستعدّ نفسياً لها .. والآن بعد تسليمك الأمانة ، حان وقت رحيلي


وفجأة ! قفز من فوق الجسر بسرعةٍ ، منعت جاك من إيقافه .. فعاد مرتجفاً الى سيارته التي تحرّكت بسهولة ، دون أثرٍ للعطل السابق! 


ليعود مُسرعاً الى بيته ، دون اتصاله بالشرطة (خوفاً من التورّط بالحادثة) وهو منصدم مما حصل !

***


ثم مرّت شهور طويلة ، أنست جاك كلام المنتحر ..


وفي أحد الأيام .. طُلب لحضور إجتماعٍ عاجل : علِمَ فيه بوفاة المدير التنفيذي للمشروع بحادث سير ، وقرار إدارته بتعينه مكانه !


وكانت ردّة فعله : أن أسرع بإخراج جواله ، ليجد أن اليوم هو (10-1) وهي إحدى التواريخ التي أخبره بها الرجل المنتحر !


ورغم حصوله على ترقيةٍ كبيرة في عمله ، الا انه شعر برعبٍ شديد .. فإحدى التواريخ الخمسة : هي لحادثةٍ مُفجعة ، وتاريخ وفاته ! مما أشغل تفكيره لأيامٍ متواصلة ، أصابته بالأرق ..

***


بعد شهر .. حصل على إنذاره الاول من الإدارة بسبب إهماله بالعمل المُوكل اليه ، بسبب إرهاقه النفسيّ من التفكير المتواصل بكلام الرجل المنتحر (الذي لم يُخبر عنه أحد)

فحاول تهدئة نفسه :

((من ضمن تلك التواريخ : تاريخ زواجي وولادة إبني .. إذاً في حال امتنعت عن الزواج ، هذا يعني انني سأغيّر مصيري))


وقبل إكتمال الفكرة في رأسه ، وصله اتصال من صديقته : تطلب لقاءه لأمرٍ ضروري ! 

فوافق جاك على رؤيتها في المطعم وهو ينوي الإنفصال عنها ، لعزمه على ترك علاقات الحب نهائياً ، بنيّة إطالة عمره ..

***


لكن جرت الأمور عكس ما تمنّاه ! فصديقته فاجأته بخبر حملها بالشهر الرابع ، وبخطورة إسقاط الجنين كما أخبرتها الطبيبة 

ولأنها من أصولٍ آسيوية .. طلبت منه الزواج على عجل ، خوفاً من عقاب والدها الصارم .. 


فحاول جاك التهرّب من الموضوع بكافة الأعذار الممكنة .. 

فهدّدته بالزواج من عدوه اللدودّ (زميله في العمل) الذي حاول التقرّب منها أكثر من مرة 


جاك بضيق : ارجوك يا ليندا لا تضغطي عليّ !!

- الا تفهم يا جاك ! بإمكان والدي قتلي لوّ علم بالأمر ، وإريد الإستعجال قبل ظهور حملي 

جاك ساخراً : عائلتك عاشت لسنوات في اميركا ، ومازلتم تتمسّكون بتقاليد بلادكم ؟!

- لا تتهرّب يا جاك !! إن لم نتزوج خلال اسبوع ، فلن تراني مجدداً 


وقبل خروجها من المطعم باكية ، أسرع باللحاق بها وهو يعدها بتنفيذ رغبتها.. 


وبعد ذهابها .. انتبه أنه بعد اسبوع سيصبح التاريخ (6-2) وهي إحدى التواريخ الخمسة المُسجّلة في مذكّرة جواله !

فقال بنفسه بيأس :

((يبدو انني في طريقي الى الفاجعة المرعبة ، ونبأ وفاتي ! أتمنى ان لا يكون ذلك قريباً))

*** 


بعد مرور الوقت ، أصبحت زوجته في شهرها الأخير .. ولأنه حملها الأول ، كانت توقظه كلما أحسّت بألمٍ في بطنها.. بينما اكتفى هو بالنظر الى تاريخ جواله قائلاً :

- لم يحنّ موعد ولادتك بعد ، عودي للنوم


وبالفعل يزول ألمها لاحقاً ، لكونه إنذار كاذب للولادة .. تماماً كما توقع زوجها !

***


وبعد ايام .. أيقظها عصراً ، ليطلب منها تحضير نفسها للذهاب الى المشفى..

ليندا باستغراب : لكني لا أشعر بشيء !

جاك : لا بأس ، إلبسي والحقيني 

***


وفي السيارة ، قالت له بعصبية :

- انت غريب يا رجل .. حين أتألّم !! ترفض أخذي للمشفى ، لأنه حسب توقعاتك : لم يحنّ موعد ولادتي بعد .. والآن لا أشعر بأيّةِ إنقباضة طلق ، ومع ذلك تصرّ على أخذي الى هناك .. حتى إنك أحضرت معنا حقيبة الطفل !


جاك : لأن اليوم هو (18-7) وهو حتماً تاريخ ولادة ابني ، كما أخبرني الرجل الغامض

ليندا : من تقصد ؟! وما موضوع التواريخ التي كتبتها على باب الثلاجة والجوّال ، وحائط غرفتنا وفي مكتب عملك ؟!


وقبل ان يُجيبها ، إنفجر كيس الماء للطفل ! 

ليندا بدهشة وخوف : يا الهي ! سأنجب اليوم فعلاً ، كيف عرفت ؟!

جاك بابتسامةٍ حنونة : مجرّد حدس


وأسرع بنقلها الى المشفى ، حيث ولد ابنه قبل حلول منتصف الليل بدقائق .. وبهذا يكون تحقّق التاريخ الثالث ، وبقيّ تاريخين سيئين في انتظاره .. لكنه لا يعرف السنة التي سيموت فيها ، والتي حتماً ستقع بعد تحقّق الفاجعة المؤلمة التي قضّت مضجعه لشهور بعد ولادة ابنه 

***


بعد بلوغ ابنه سن التاسعة ، طلبت منه زوجته حضور حفل عيد ميلاده ..

فخرج جاك باكراً من عمله ، لإحضار هدية كبيرة لإبنه الوحيد .. 


وقبل وصوله للحيّ الذي فيه منزله ، رأى دخاناً من بعيد ! وسمع صافرات الإطفاء متوقفة هناك ..


وعلى الفور !! شعر بوخزٍ في قلبه ، وأسرع بفتح مذكّرة جواله ليرى التاريخين المتبقيين .. 

فوجد التاريخ (15-3) الذي يصادف هذا اليوم !


وكانت صدمته كبيرة حين رأى منزله مشتعلاً بالكامل ..واصدقاء ابنه يبكون في الخارج برفقة اهاليهم ، بعد هروبهم بإعجوبة من الحريق الذي تسبّب به إنفجار بالون هيليوم بشموع الكيك !


فركض كالمجنون الى بيته ، قبل أن يوقفه الجيران بصعوبة .. وهو يصرخ منادياً زوجته وابنه اللذان علقا بالداخل ..

ولم يتمكّن رجال الإطفاء من إخراجهما ، ليتوفيا محترقين .. وسط انهيار جاك الذي أبكى الجميع بصرخاته المؤلمة 

***


مرّت 5 شهور على الحادثة لم يتمكّن فيها جاك تجاوز أزمته ، حتى بعد انتقاله لمنزل والديه وتركه العمل .. حابساً نفسه في غرفته ، لقضاء ساعاتٍ طويلة وهو ينظر الى صور زوجته وابنه في جواله .. الى أن اعتلّت صحّته ، بعد فقده نصف وزنه ! 

وقد حاول أصدقائه وأقربائه إخراجه من كآبته دون فائدة ، وكأنه انعزل عن العالم الخارجي !


الشيء الوحيد الذي أيقظه من غفلته : هو رنين منبّه جواله ، لتذكيره بالتاريخ الأخير قبل حدوثه .. 

وكان اليوم هو (7-8) إيّ قبل ثلاثة ايام من التاريخ الأخير الذي أخبره به الرجل المنتحر 

 

وعلى الفور !! خطرت بباله فكرةً مجنونة .. ليفاجأ عائلته بخروجه لأول مرة من غرفته ، وقيادة سيارته مُسرعاً الى جهةٍ مجهولة !

***


وصل مساءً الى الجسر الذي التقى به الرجل الغامض قبل سنوات ..ووقف عند الحافّة ذاتها ، وهو ينوي الإنتحار .. 

قائلاً في نفسه : 

((سأموت قبل الموعد الذي حدّدته لي ، أيها الرجل المخيف))


وصادفت قفزته ! مرور سيارة الشرطة من هناك ، إتصلوا بخفر السواحل الذين انتشلوه قبل غرقه في أعماق البحر .. ونُقل الى المستشفى بحالةٍ حرجة 

***


على سرير المشفى ، لم يستطع جاك فتح عينيه أو تحريك عظامه المتكسّرة .. وكل ما سمعه : هو رنين جهاز القلب الموصول به ..

 

وبعد ساعة .. سمع بكاء والديه وهما يسألان الطبيب عن حالته ، والذي أجابهم :

- هو الآن في غيبوبة 

امه باكية : ألن يستيقظ ابداً ؟

الدكتور : حالته حرجة ، وجسمه لا يستجيب للعلاج .. ليس امامكما سوى الدعاء له ..

وانهارا بالبكاء المرير ، وهو عاجز عن مواساتهما ..

*** 


في اليوم التالي .. سمع صوت الممرضة تقول له :

- صباح الخير سيد جاك !! ألن تستيقظ اليوم لإسعاد عائلتك ؟

ثم عاد الى سباته العميق

***


وتكّرر الأمر في اليومين التاليين .. 

حينها فقط إنتبه جاك الى التاريخ ! مُحدّثاً نفسه :

((هذه ثالث مرة تقول لي الممرضة : صباح الخير ! هذا يعني انه مرّ ثلاثة ايام على محاولة إنتحاري .. يعني اليوم هو (10-8) الذي أخبرني به الرجل .. يا الهي ! سأموت بعد قليل))


وإذّ به يسمع رنين قلبه بشكلٍ متواصل ، وصراخ الممرّضة :

- دكتور !! توقف قلب المريض جاك

صوت الطبيب : جهزوا الصدمات الكهربائية !!

***


بعد الصعقة الثالثة ! فتح جاك عينيه ، ليجد نفسه يطوف فوق جسده المستلقي على سرير المشفى ، بعد قيام الطبيب بتغطية رأسه بالملاءة مُعلناً تاريخ وفاته !


ثم ارتفع جسده أكثر فأكثر الى أن خرج من نافذة الغرفة ، مُتوجهاً نحو السماء .. 

وهناك التقى بالرجل الغامض من جديد !


جاك بدهشة : أهذا انت ؟!

- نعم

جاك : من تكون يا رجل ؟ وكيف عرفت التواريخ المهمة في حياتي؟

- انا ملك الموت

- ماذا !

- لا تتفاجأ هكذا .. بالعادة أقبض الأرواح دون علم الضحيّة بتاريخ وفاتها  


جاك بعصبية : اذاً لماذا فعلت هذا بي ؟!! أتدري كم تعذّبت لمعرفتي القدر قبل أوانه !!

- كلامك الآن مُناقض لما كتبته في مقالتك الأدبيّة بالمدرسة ، حين قلت :((لوّ علمت بقدريّ ، لغيّرت مصيري)) .. فأردّت الإثبات لك أن لا أحد باستطاعته تغير ما كتبه الله له  


جاك بدهشة : حينها كنت في 14 من عمري ! 

- ومع ذلك أغظتني ، وأردّت تلقينك درساً قاسياً .. والآن أعطني يدك لتوصيلك الى حياتك الأخرى

جاك بارتياح : هل ستأخذني الى زوجتي وابني ؟

- لا ، لأنهما في الجنة .. وانت انتحرت ، ومصيرك في الأسفل


وأشار بإصبعة للأرض .. وقبل ان يستوعب جاك ما قصده ! جذبه من ذراعه بقوة ، ليهبطا بسرعة البرق للأسفل .. 


فصرخ جاك مرتعباً قبل ارتطامهما بالشارع ، الا ان روحهما إخترقتا القشرة الأرضية ، وصولاً لباطن الأرض .. حيث شعر جاك بالحرارة  تزداد تصاعديّاً ، الى أن أحرقت جلده


وتوقفا فوق بحرٍ مُشتعل بالحممّ البركانية ! 

ملك الموت : هذا مكانك يا جاك ، ستعيش فيه الى أبد الآبدين


ثم ألقاه هناك ، لينضمّ الى ملايين البشر العصاة الذين صرخوا بعلوّ صوتهم من شدة الألم ، دون أن يسمعهم أحد ! 


الاثنين، 1 مارس 2021

محادثة صادمة !

 تأليف : امل شانوحة

 الرقم المجهول

  

في تلك الليلة .. وصلت وليد رسالةً (واتساب) من رقمٍ مجهول :

- أعرف ما فعلته يا وليد ؟ كيف تجرّأت على هذا ؟ ألم تستطع تمالك نفسك ؟ 

فأرسل مُستفسراً بقلق : من أنت ؟!

- معي دليل إدانتك ، الأفضل أن تعترف

وليد بخوف : لا أظن أحداً رآني تلك الليلة ! 

- لا أنصحك بالكذب عليّ


فسكت وليد قليلاً ، قبل ان يكتب بيدٍ مرتجفة :  

- كم تريد لمسح الدليل ؟

- ما خسرته أغلى من المال

وليد بعصبية : إذاً منال خانتني كما توقعت ، ولست نادماً على التخلّص منها


فمرّت دقيقتان صمت ، قبل أن تصله :

- لم تترك لي الخيار سوى الإبلاغ عنك

وليد : لا توقف !! لديّ شيءٌ يعوّضك عنها ..

- ماهو ؟

وليد : ريم ، فتاةٌ جميلة تعرّفت عليها بالإنترنت قبل شهرين .. سأطلب منها مرافقتي الى كوخ الجبل لرؤية والدايّ قبل زواجنا .. وهناك أتركها لك ، ما رأيك ؟

- إرسل عنوان الكوخ وموعد لقاءنا ؟ وإيّاك التهرّب من الموضوع

***  


في الموعد المحدّد .. شعرت ريم بالقلق عند توغّلهما في الغابة بعد غروب الشمس !

- لوّ عرفت إن منزل أهلك بعيدٌ هكذا ، لأحضرت أخي الكبير معنا

وليد : لا !! أقصد نتعرّف عليه لاحقاً .. هآقد وصلنا

***


داخل الكوخ .. شعرت ريم بالإرتباك لرؤية رجلٍ ضخم ينتظرهما هناك ، والذي أخبر وليد أنه وجد المفتاح تحت دوّاسة الباب ، كما قال له !

فقالت ريم لوليد : ألم تخبرني انك وحيد والديك ؟!

فتجاهل كلاهما ، قائلاً للرجل :

- أرني كيف تمسح الدليل من جوّالك ، لأعود الى منزلي قبل حلول المساء


وحين اقترب منه ، فاجأه الرجل بلكمةٍ قوية أوقعته ارضاً .. ثم قام بتقيد يديه خلف ظهره !


من بعدها ..اقتربت ريم من وليد ، لتصفعه وهي تصرخ في وجهه :

- أقايضتني لرجلٍ غريب لأجل حرّيتك يا حقير ؟!!

ثم احتضنها الرجل مُهدّئاً :

- جيد انه خطر ببالك هذه الفكرة للإيقاع بالمجرم ..

فصرخ وليد غاضباً :

- كيف تعرفينه يا ريم ؟! اريد جواباً الآن !!

فقالت ريم وهي تشير للرجل : 

- هذا أخي الكبير .. محققٌ جنائيّ .. وهو من علّمني طريقة استجواب المجرمين .. وحقيقة ما حصل تلك الليلة : هو انني غيّرت رقم جوالي ، وأردّت امتحانك إن كنت تكلّم فتيات غيري ام لا .. فأرسلت لك رسالةً غامضة وهي (أعرف ما فعلته يا وليد) لأتفاجأ بك تعترف بتخلّصك من منال .. وبعد تنازلك عني بهذه السهولة ، أخبرت أخي عن حبيبتك السابقة التي لطالما حدّثتني عنها .. 


وهنا أكمل أخوها قائلاً :

- وبدوري فتشت ارشيف الشرطة لأعلم ان (منال مصطفى) مفقودة منذ سنة ، لهذا طلبت الدعم قبل قدومي الى هنا .. ولن تخرج من الغابة قبل أن تخبرنا بمكان الجثة 

فانهار وليد باكياً :

- عشقتها بجنون !! ورغم علمها بشدة إنجذابي لها ، قدمت الى كوخي ليلاً ! وحين قاومتني ، إعتديت عليها .. وبعد الحادثة ، حلفت لها مراراً إنني سأصلّح غلطتي وأتزوجها على الفور .. لكنها أصرّت على إبلاغ الشرطة وتدمير حياتي .. أنا لم أكن يوماً مجرماً !! انا رجلٌ يحترم القوانين .. صدّقاني !!

***  


لاحقاً .. وفي الوقت الذي كان فيه وليد يدلّ الشرطة على مكان الجثة ، كانت ريم في طريق عودتها الى المنزل بسيارة أخيها التي وعدته أن لا تثق بصداقات الإنترنت مجدّداً بعد تجربتها المرعبة !



الخميس، 25 فبراير 2021

الفارس المُقنّع

 فكرة : أختي أسمى
كتابة : أمل شانوحة

معركة الحب


حميّ وطيس المعركة .. وبلغت القلوب الحناجر .. وطغى صليل السيوف على صهيل الخيول وصخب المحاربين بعد التحام الجيشين المتحاربين : جيش الملك الأسكتلنديّ (روبرت بروس) ضدّ جنود ملك إنجلترا (إدوارد الثاني) 


وأوشك روبرت على الفوز ، قبل ظهور الفارس المُقنّع للمرة الثالثة لقلب موازين المعركة لصالح الملك .. واختفى كعادته قبل إعلان وقف الحرب

***


في المساء .. عاد الملك إدوارد وجنوده الجرحى الى مملكته ، لتتفاجأ ابنته (ماري) بنتيجة التعادل بين الجيشين !

الأميرة بدهشة : لكن الأخبار التي وصلتنا عصراً : أنك فزت المعركة ! فلما وافقت على الهدنة ؟! 

الملك : الفارس المقنّع ..

الوزير مقاطعاً : هل ظهر ثانيةً ؟

الملك : نعم ، وأنقذنا باللحظة الحاسمة .. لكن جزءاً من جيشي فرّ هارباً ، وأعطيت الأوامر لقتلهم لاحقاً لأنهم .. 

ابنته مقاطعة : المهم ماذا حصل ؟


الملك : إستغلّ روبرت رحيل الفارس المجهول ، ليفاجأنا بفرقةٍ إضافية مُخبأة خلف التلال ، حاصرت جيشي في الوسط .. لهذا اضّطرت لتوقيع معاهدة السلام بيننا

الوزير بقلق : وماهي بنود الهُدنة ؟

الملك : إنقاص قيمة الجباية (الضرائب) .. ومنع جنودي من سرقة محاصيلهم الزراعية .. وعدم المشاركة في مناسباتهم وأعيادهم الشعبيّة ..

الوزير : وماهي طلباتك في المقابل ؟

الملك بعصبية : الم تسمعا ما قلته ؟ لقد حاصر خيمتي ، ووضع سيفه على رقبتي !!

ابنته : اذاً جيشنا لم يتعادل ! بل خسر المعركة 

الملك : لا تُخبرا أحداً بذلك ، فأنا أغريّته كيّ يُعلن نتيجة التعادل


الوزير : تُغريه بماذا سيدي ؟ 

الملك : بزواجه من ابنتي 

ابنته بدهشة : أبي ! هل بعتني لعدوك ؟!

والدها : حبيبتي .. إن تزوجته ، فهذا يعني إنتهاء الخلاف بين المنطقتين .. الا تريدين حفظ دماء شعبنا ؟ 

ماري بعصبية : لا يحقّ لك تزويجي دون سؤالي ..


فوضع والدها خنجره على رقبتها ، مُهدّداً بلؤم :

- أنسيتي إنني الملك !! وأنا آمرك بالزواج منه لإنهاء المعارك

ثم نادى خادمتها : 

- أيتها الوصيفة !! ابدأي بتجهيزها ، فغداً نُرسلها لعريسها في اسكتلندا


فأسرعت ماري الى غرفتها باكية ، وهي لا تصدّق أنه تخلّى عنها بهذه السهولة !

وحاولت وصيفتها (إليزابيث) التخفيف عنها ، قبل أن تنهار معها بالبكاء امام هذه الفاجعة الغير متوقعة ! 

***  


في عصر اليوم التالي .. وصلت الأميرة ماري الى اسكتلندا داخل عربةٍ  مغلقة ، وهي تشاهد من نافذتها المزارعين الأسكتلنديين وهم يرمون الورود إحتفالاً بها .. الى أن وصلت الى قلعة الملك روبرت

***


في المساء .. دخل الملك الى غرفتها ، ليتفاجأ بعروسته تأكل بكلتا يديها فوق السرير الضخم ، ووجهها مُلطخٌ بالسمن .. وكانت سمينةٌ جداً ! 

فقال في نفسه باستياء :

((طبيبعي أن تكون قبيحة كوالدها ، لهذا ورّطني بها))


وخرج من عندها , باتجاه غرفة نومه الرئيسية .. ليُقابل في الرّواق رئيسة الجواري التي قالت :

- سيدي ! عروستك في الغرفة الثانية 

فأجابها بضيق : لن أتزوجها

- ماذا عن إتفاقك مع والدها ؟

- إخبري مرساله غداً : إن كل شيء على ما يرام .. واحسنوا ضيافتها .. (ثم قال مُتمّتماً) .. هذا إن أبقت لنا شيئاً في مخزن الطعام!  

ودخل غرفته غاضباً ..

***


في هذه الأثناء .. دخلت ماري الى غرفة العروس ، لتشكر وصيفتها على استبدال الأماكن :

إليزابيث : لا تقلقي سيدتي ، أفجعته بمنظري الهمجيّ

- شكراً جزيلاً لك 

إليزابيث (الوصيفة) : وهل سنتابع التمثيلية غداً ؟

- نعم !! ستبقين زوجة الملك ، الى أن أجد طريقة للهرب من هنا 

- لكن الجميع سيعاملك على انك الوصيفة !


ماري : يبقى أفضل من زواجي من شخصٍ لا أعرف عنه سوى معاداته لوالدي .. (ثم توجهت للباب) ..الآن عليّ الذهاب الى قبو القلعة

- لكن سيدتي..

الأميرة مقاطعة : إيّاك يا إليزابيث أن يشعر أحد بأننا تبادلنا الأدوار ، والاّ سنُعرّض حياتنا للخطر 

فأومأت الوصيفة برأسها إيجاباً ..

ماري بابتسامة : تصبحين على خير يا أميرتي

وأخفضت رأسها باحترام ، قبل ذهابها مع الحارس الى غرفة الخدم

***


بمرور الأيام .. اضّطر روبرت لمرافقة عروسته ووصيفتها الى مناطق اسكتلنديّة متعدّدة ، حيث تهامس الناس على قباحة الملكة التي أكلت كلّ ما قُدم لها .. وكان واضحاً استياء روبرت من تصرّفاتها الغير لائقة ! 

بينما أخفت ماري وجهها بالنقاب الحريريّ ، رغم انها لفتت أنظار الملك الى جمال عينيها الزرقاوين .. 


وخلال مسيرتهم الشعبية : لاحظت ماري حب الشعب له ، بعكس مواطنيّ الإنجليز الذين يجبرون على التجمّع في الشوارع لتحيّه والدها في الأعياد الرسمية !

كما انتبهت لبؤس حياة المزارعين ، التي لا تشابه وصف وزيرهم عن حصادهم الوافر الذي يكفي لدفع ضرائب الملك العادلة ! 

فهم يلبسون ثياباً مُهلّلة لا تحميهم من برد الشتاء القارص ، واطفالهم يكتفون بتناول كسرات الخبز القاسية على أسنانهم ! 

***


في طريق العودة .. غطّت إليزابيث في نومٍ عميق ، بينما حاول الملك تجاهل شخيرها المزعج .. 


فاستغلّت ماري الوضع لتسأله عن أحوال شعبه ، فأجابها بعد تنهيدةٍ حزينة:

- بالطبع هم فقراء .. وانا أحارب لتخفيف الضرائب عنهم ، فهم بالكاد يجدون قوت يومهم كما رأيتي 

ماري : ما رأيك أن أطلب من زوجتك أن تُراسل والدها ليساعدهم..  

روبرت مقاطعاً بعصبية : لا نريد معوناتٍ منه ، بل سنظلّ نقاومه لحين حصول اسكتلندا على استقلالها  

ماري بارتباك : لم أقصد مضايقتك سيدي !


فسكت قليلاً ، قبل أن يسألها وهو يشير الى زوجته النائمة : 

- منذ متى تعملين عندها ؟

- منذ مراهقتي 

- وهل هي هكذا طوال حياتها ؟ 

ماري : تقصد إهمالها لنفسها ؟ 

- نعم 

- لا ، هي أحبت شخصاً عمل في القصر .. وبعد موته في إحدى المعارك ، أفرغت حزنها بتناول الطعام بشراهة !


الملك : لم أعلم ذلك ! تبدو حياة الأميرات ليست سهلة كما ظننت

- حياة النساء في عصرنا صعبةٌ للغاية .. فنجاتنا من الموت عند الولادة هي معجزة بحدّ ذاتها ..ألم تسمع بحمّى النفاس التي قتلت مئات الأمهات ؟

- بلى ، كان الربّ في عونكنّ .. (ثم قال بصوتٍ منخفض) ..هل ستبقي على نقابك دائماً ؟

- هذه اوامر الأميرة 

الملك : لأنها تغار منك ، فأنا أراهن انك أجمل منها بكثير


وحين حاول إزالة نقابها الحريريّ ، فاجأته بإخراج خنجرها الحادّ : 

- الموت أهون من مخالفة اوامر أميرتي !!

فتراجع الملك للخلف : آسف ، لن أفعلها ثانيةً !

وأكملا طريقهما بصمت !

***


بعد شهر ، وفي إحدى المناسبات الشعبية الأسكتلندية .. توجّب على الرجال الأشدّاء التبارز بالسيوف الخشبية .. 


وشاهد الملك روبرت جميع المباريات ، برفقة زوجته ووصيفتها .. 

وحين فاز أقواهم بالمباراة النهائية .. فاجأهم الملك بدخول الحلبة لمبارزته ، بعد خلعه القميص لتظهر عضلاته المفتولة ..


وحاول البطل الريفيّ مقاومته خلال الجولات الثلاثة ، الى أن تمكّن روبرت من كسر سيفه الخشبيّ بضربةٍ قاضية 

ثم رفع صوته منادياً بفخر : من يجرأ على منافستي !!


ليشهق الجميع فور دخول الوصيفة ماري الى الحلبة ! بعد أخذها سيفاً خشبياً من أحد الخاسرين

فابتسم الملك ساخراً : هل ستحاربيني بنقابك الطويل ؟

 

فإذا بها تزيله ، لينصدم من جمالها الأنوثيّ الصارخ ! الذي كان سبباً  لإطاحة سيفه بضربةٍ سريعةٍ منها .. 

قائلةً له باستهزاء :

- هيا احمله ، وبارزني .. إن استطعت !!

فقال بسخرية : أخاف ان أُذيك يا صغيرة

فأطاحت سيفه للمرة الثانية ، قائلةً :

- انا أقوى ممّا تتصوّر بكثير .. هيا ايها الملك ، الجميع بانتظارك ..لا تدع فتاةٌ صغيرة تربح على قائدٍ عظيم مثلك


وكلامها المستفزّ جعله يهجم عليها بقوة ، ليحتدم العراك بينهما .. لكنها تمكّنت من إطاحة سيفه للمرة الثالثة ! 

فضحكت النساء من الحضور ، بينما التزم الرجال الصمت خوفاً من غضب الملك الذي قال لمنافسته :

- لن أسمح لك بجعلي أضحوكة بين الناس 

ماري بتحدّي : إذاً أرني قوتك الحقيقية 


وهذه المرة بارزها كرجل ، الى أن أوقع سيفها أرضاً .. 

فصفّق له الجمهور .. 

فقال لماري بابتسامةٍ لئيمة : 

- هآ نحن تعادلنا 

ماري بغضب : ليس بعد !!


وهجمت عليه بقوة .. لكنهما توقفا بعد سماعهما صوت المرسال ينادي من بعيد :

- الملك روبرت !! رسالةٌ لك من أمير إيرلندا


وانتهى الحفل بذهاب الملك مع المرسال الى قلعته .. وتبع جوادهما ، عربة الملكة ووصيفتها ماري

***


في القلعة .. علمت ماري بعد تنصّتها على مجلس روبرت : أن أمير ايرلندا يطلب حمايته ، بعد حرق جنود ملك انجلترا (إدوارد الثاني) لأراضي المزارعين الذين رفضوا دفع الضرائب الإضافية .. وطلب في رسالته : المساندة العسكريّة


وما فعله جنود والدها كان نقضاً صريحاً لمعاهدة السلام بينه وبين روبرت الذي كان واضحاً بشأن عدم المساسّ بممتلكات أمير ايرلندا وأمير ويلز .. لذلك أخبر ملك إنجلترا في رسالةٍ عاجلة عن حربٍ جديدة ، تقام بعد شهر ! مما أفزع ماري التي انتظرت ذهاب المرسال وحرّاسه لدخولها المجلس ، ونُصحته بقلق :

- جنود ملك إنجلترا بالآلاف ، معظمهم من الفرسان المُدجّجين بالسلاح .. وأنتم عددكم قليل ، حتى لوّ انضمّ الإيرلنديون لجندك 

روبرت : لا تخافي .. طالما نُحارب الظلم ، فالربّ معنا

ولأوّل مرة تشعر بالخوف عليه ، بعد تأكّدها من ظلم والدها لشعبه 

***


في الموعد المحدّد ، إلتقى الجيشان في سهلٍ واسع .. وكان واضحاً تفوّق الجيش الإنجليزيّ على المزارعين الفقراء الذين أحضروا معهم العصيّ المُسننّه على هيئة رماحٍ خشبية ، في مقابل الرماح الحديدية الطويلة والسهام والنبال والسيوف ومئات الجياد السريعة المدرّبة على المعارك ! 


ورغم ذلك هجم الجنود الفقراء بكل قوتهم باتجاه الجيش المسلّح .. 

وفي غضون دقائق .. امتلأت الساحة بالجثث ، معظمهم من الأسكتلنديين! 


وفجأة ! ظهر الفارس المقنّع من جديد .. واستبشر إدوارد الثاني برؤية حليفه الغامض .. لكنه انصدم عند توجّهه بحصانه الأسود صوب الصفوف الخلفية ، مُشهراً سلاحه اليه مباشرةً ! بعد إطاحته أعتى قادته عن جيادهم ، بضربةٍ واحدة من سيفه الفضيّ الحادّ


ولأوّل مرة شعر إدوارد بالرعب من الفارس الأهوج ، جعلهُ يفرّ هارباً مع قادته باتجاه القصر.. تاركين جندهم يحاربون وحدهم المزارعين الذين ازدادوا قوةً بهذا النصر المفاجىء الذي وهبهم إيّاه الفارس المقنّع الذي اختفى ايضاً وسط المعمعة الى جهةٍ مجهولة ، بعد تعرّضه لجرحٍ غائر في خاصرته !  

***


لاحقاً عمّت الإحتفالات قلعة روبرت ، التي حضرها كبار قادته وعائلات الشهداء ..

***


بعد شهرين .. دخلت رئيسة الجواري الى مجلسه ، لتخبره عن أمرٍ خطير 

فنزل معها الى المطبخ ، ليتفاجأ بزوجته تغازل الطبّاخ وتشكره على طعامه اللذيذ .. 


فأشهر سيفه ، ووضعه على عنقها ..صارخاً بغضب :

- الا يكفي انني قبلت الزواج من امرأةٍ قبيحة مثلك ، وتخونيني ايضاً مع الطباخ !!

إليزابيث وهي ترتجف بقوة : سيدي ، انا لم أخنك يوماً

- رأيتك بعيني وأنت تمسكين يده بشغف .. (ثم نظر لطبّاخه الذي كان أشد رعباً منها) .. وأنت !! سأجعلهم يعذّبونك قبل قتلك 


فلم يعد بإمكان إليزابيث إخفاء السرّ أكثر من ذلك ، فقالت باكية : 

- انا لست زوجتك !! بل وصيفة الأميرة ماري

الملك بصدمة : ماذا قلتِ ؟!

وأخبرته بموجز ما حصل ..


روبرت بدهشة : إذاً ماري هي ابنة ملك انجلترا ؟!

إليزابيث : نعم ، انا خادمة زوجتك .. هذه هي الحقيقة ، أحلف لك !!

- واين هي ماري ؟ لم أرها منذ فترةٍ طويلة !

- تقدّم الطعام لشعبك كل يوم

- أحقاً ! لم أكن أعلم

إليزابيث : أحبها الجميع ، لكنهم لا يعلمون انها ملكتهم 


بهذه اللحظة .. دخلت ماري مع الحارسين ، ومعهم سلال الطعام الفارغة وهي تقول بسعادة : 

- وزّعت الخبز على جميع الفقراء في المنطقة الشمالية .. آه سيدي ! لم أعلم انك هنا

إلزابيث : آسفة سيدتي ، أخبرته بالحقيقة 

ماري بقلق : لماذا ليز !

فأمسك الملك يدها ، وسحبها بقوة : تعالي معي !!

***


وأخذ ماري الى غرفته .. وهناك صرخ في وجهها :

- لماذا كذبتي عليّ ؟!!

ماري بحزن : لأن والدي فاجأني بشروط الهدنة ، ولم أكن أرغب الزواج من شخصٍ لا أحبه 

روبرت : والآن بعد أن عشتِ معي سنةً كاملة ، ألم تغيّري رأيك ؟

- كانت سمعتك سيئة في إنجلترا ، فهناك يصفونك بالطمّاع الذي يستغلّ شعبه للوصول لسدّة الحكم .. لكن رأيّ تغير بعد قراراتك الرحيمة بالفقراء .. المشكلة انني لم أجد الطريقة المناسبة لإخبارك أنني زوجتك


زوجها بلؤم : ليس بعد الآن 

- ماذا تقصد ؟!

- انت كذبتي عليّ ، ولم أعدّ أثق بك

- روبرت !

صارخاً بقسوة : الملك روبرت ايتها الوصيفة !! انت أفسدتي بنود الهدنة بين بلدينا .. والإشاعات التي سمعتها عني صحيحة ، فأنا أتطلّع للإستيلاء على عرش والدك ..


ثم نادى حارسه الذي أمره بحزم :

- غداً صباحاً ، تُعيد إليزابيث ووصيفتها ماري الى قصر الملك إدوارد 

الحارس : حاضر سيدي !!


ثم قال لماري : وأنتِ !! جهزي أغراضك ، لا اريد رؤية وجهك في قلعتي ثانيةً 

وخرج غاضباً من الغرفة ، تاركاً ماري في انهيارٍ شديد 

***


بعد عودتها الى قصر والدها ، إنزوت في غرفتها القديمة .. ولم تستطع وصيفتها إليزابيث إخراجها من كآباتها بعد صدمتها بحبها الأول

***


بعد شهور .. إحتدّت المشاكل بين الملك وروبرت الذي أقنع شعبه بالإمتناع كلياً عن دفع الضرائب ، مما أجبر إدوارد الثاني على تحديد موعدٍ لمعركةٍ حاسمة بينهما 

***


واجتمع جيش الملك مع الجيش المشترك بين ايرلندا واسكتلندا الذين بدوا أكثر إستعداداً ، بعد ازدياد عدد الخيّالة والأسلحة الجديدة !

وسرعان ما تساقط الضحايا من الفريقين .. 

وإذ بأحدهم يصرخ :

- الفارس المقنّع !!


وتوقف الجميع لرؤيته فوق جواده الأسود ، واقفاً بثبات فوق التلّ .. 

لكنه هذه المرة ، رمى سيفه بعيداً وتراجع للخلف .. كأنه يعلن عدم مساندته لكلا الطرفين !


فإذّ بروبرت يترك المعركة لملاحقته ، فهو يصرّ على معرفة هويّة الفارس الغامض الذي حاول بكل قوته الهرب مُتوغلاً في الغابة .. 

الا ان الملك الإسكتلندي العنيد إستطاع القفز ببسالة على حصان الفارس وإسقاطه ارضاً .. 


وحين أزال قناعه ، تراجع للخلف بصدمة بعد رؤيته ماري !

- أهذا انتِ ؟!

ماري بغضب : نعم انا !! ولأجلك أصبتُ بجرحٍ بليغ في خاصرتي  بالمعركة الماضية 

- ألهذا اختفيتي طوال تلك الفترة ؟

- عالجني طبيبك بعد أن أمرته بكتمان الأمر عن الجميع 

روبرت : ولما لم تحاربي معي هذه المرة ؟!

- لأنك لا تختلف كثيراً عن ابي ، فكلاكما كسرتما قلبي بتخليّكما عني بهذه السهولة !

- مالاتعرفينه يا ماري ..إنني ندمت على قراري فور رحيلك عن قلعتي ، لكني لم أستطع التراجع .. 


وهنا سمعا صوت انفجارٍ قويّ من بعيد ! 

روبرت : اللعنة ! والدك يستخدم المنجنيق ضد جنودي .. عليّ الذهاب فوراً 

وركب حصانه عائداً الى المعركة .. 


لكن بعد دقائق : تفاجأ المحاربون بصراخ الفارس المقنّع من فوق التلّ

- توقفوا جميعاً !!

وتوجهت الأنظار نحوه .. لتقول ماري بصوتٍ أجشّ :

- أتريدون معرفة من هو الفارس المقنّع ؟!!


ثم أزالت قناعها ، ليشاهدوا فتاةً جميلة ورقيقة !  

فصرخ والدها بغضب : 

- ماري ! أتريدين جلب العار لوالدك ؟!!  


فعلم الجميع أنها اميرة انجلترا ! التي أردفت قائلةً :  

- ابي !! إن لم توقف المعركة حالاً ، سأطلعهم على مخزنك السرّي المليء بالعملات الذهبية التي جمعها رجالك من ضرائبك الجائرة  

- هل جننت ؟!!

- انت ملكٌ ظالم !! لم تهتم بشعبك مطلقاً .. وأنا عشت بينهم ، ورأيت بؤسهم وفقرهم ، وقساوة جنودك بالتعامل معهم .. وبرأيّ !! الملك روبرت هو الأجدر بحكم البلاد 


والدها : أنت لم تعودي زوجته ، فلما تدافعين عنه ؟!!

وهنا قال روبرت بصوتٍ عالي : بل هي زوجتي !! انا لم أطلّقها بحضور الراهب ، واريد استرجاعها 


فسكت الملك قليلاً ، قبل رميه السيف امام الجميع ! ..ثم فتح ذراعيه (وهو فوق جواده) قائلاً بنبرةٍ حنونة :

- تعالي يا ابنتي الى حضني ، لأعلن لهم إعتزالي عن الملك !! 

فانطلقت بجوادها نحوه ، وهي لا تصدّق ما سمعته ! 


وما أن وصلت اليه ، حتى صُدم الجميع بوضعه الخنجر على رقبتها ! صارخاً بلؤم : 

- روبرت !! استسلم فوراً والا قتلت زوجتك

ماري بصدمة : ابي ! ماذا تفعل ؟

- أنا لم أنسى محاولتك قتلي المرة الماضية .. وطالما انك وقفتِ مع العدو ضدّي ، فأنا أتبرّأ منك 


فرفع روبرت يديه مًستسلماً ، بعد رميّ سيفه بعيداً .. 

فصرخت ماري بخوف :

- لا يا روبرت !! لا تستسلم ارجوك

زوجها : موتي أهون من فقدانك عزيزتي 

الملك ساخراً : هيا اقترب ايها العاشق ، ودعّ حرسي يقيّدون يديك  


واقترب روبرت بجواده ببطء ، وهو يرفع ذراعيه فوق رأسه .. وماري تبكي بقهر ، وسكين والدها مازال على رقبتها !


وقبل وصوله لجهة الملك ، صُعق المحاربون بسهمٍ اخترق قلب إدوارد العجوز الذي خرّ على الأرض صريعاً !


فالتفت الجميع نحو التلّ .. ليشاهدوا فارساً بديناً مُقنّعاً ، قبل فراره الى الغابة

ولم يعرفهُ أحد سوى روبرت وماري ، فوصيفتها إليزابيث تعدّ البدينة الوحيدة في كل إنجلترا بشعبها الفقير المُعدم !  


وسرعان ما تقهقر وزير إدوارد وقادته ، مُخلّفين جنودهم الذين رموا أسلحتهم مُعلنين استسلامهم .. 


وبهذه الأثناء .. أعلنت ماري امام الجميع تنصيبها روبرت ملكاً على البلاد ، وسط هتاف الجنود القادمين من كافة المناطق البريطانية

***


ولاحقاً عمّت الأفراح البلاد بعرسٍ جماهريّ للملك الجديد روبرت وزوجته ماري ، بعد حصول وصيفتها إليزابيث وعريسها الطبّاخ على لقب الفارسين .. والتي أصبحت لاحقاً مربيّة وريث العرش الصغير : الأمير آرثر الذي خطف قلوب الشعب ، بعد توحّدهم في دولةٍ تحكمها قوانين العدل والمساواة بين جميع مواطنيّ بريطانيا العظمى


الثلاثاء، 23 فبراير 2021

لاعبة الكاراتيه

 تأليف : امل شانوحة

الأنوثة الضائعة


وقف الممثلان قرب سفينةٍ راسية على الميناء مع المنتج العربي الذي يتقن القليل من لغتهما التركيّة ، بانتظار قدوم المترجم 


وبعد إقفال المنتج جواله ، قال لهما بلغته الرقيقة : 

- إتصلت بالمترجم ، وأخبرني انه مريضٌ جداً 

الممثل التركي : وكيف سنتناقش موضوع الفيلم ؟!


فلم يفهم المنتج ما قاله ، قبل أن تترجمه صبيةٌ صغيرة (15 سنة ، تلبس ملابس كاراتيه بحزامٍ أسود) صادف مرورها بجانبهم .. 

فسألها المنتج إن كانت تتقن التركية ، فأجابته بالعربي :

- امي تركية ، وهذه السفينة السياحية ملكاً لوالدي .. تفضّلوا بالدخول !! الرحلة ستبدأ بعد قليل ، ولدينا طعامٌ لذيذ

وترجمت كلامها للممثلين اللذين وافقا على اقتراحها ..


وهنا سمعوا رجلاً ينادي الصبيّة من السفينة ..

- إيلين !! اين انت ؟

فقالت لهم بارتباك :

- تأخّرت على التمارين ، عليّ الذهاب  

المنتج : ألن تترجمي لنا ؟


لكنها أسرعت للداخل ، بينما توجهوا الى المطعم الموجود في الطابق العلويّ للسفينة.. 


وفي الوقت الذي كان فيه المنتج يطلب لهم الغداء ، كان الممثلان يشاهدان تمارين الكاراتيه التي تُجرى على سطح السفينة .. 

ويبدو إن مدرّبهم هو والد إيلين الذي أجبرها على منافسة بقيّة اللاعبين من الأولاد المراهقين بعد هجومهم عليها بالعصا ! لكنها استطاعت صدّهم ببراعة ، على حسب توجيهاته الصارمة 


ورغم تأذّيها في المباراة ، الا انه لم يعالج جروحها الا بعد إطلاق صافرته! 

وبعد نزول اللاعبين من السفينة ، أعطى والدها الأوامر للقبطان لبدء الرحلة البحريّة ..


وهنا نادى الممثل إيلين من فوق :

- إن أنهيتِ تدريباتك ، هل يمكنك الترجمة لنا ؟ فنحن نريد توجيه الأسئلة للمنتج ، قبل توقيع العقد المشترك بيننا !!


فتشاورت مع والدها اولاً ، قبل أن تجيبه بصوتٍ عالي :

- وافق ابي ، بشرط وصولي اليكم في عشرة ثواني

الممثلة باستغراب : كيف !


وإذّ بها تنطلق بسرعةٍ هائلة ، بعد إطلاق والدها صافرته وهو ينظر في ساعة التوقيت .. لتقوم هي بالقفز فوق الأدراج والأسطح (كلاعبيّ الباركور) الى أن وصلت للطابق العلويّ وهي تتصبّب عرقاً .. 


ثم أطلق والدها صافرته ثانيةً ، وهو يناديها من الأسفل :

- 9 ثواني !! يمكنك الترجمة لهم 

إيلين بحماس : ممتاز !! شكراً ابي 


ثم قالت لهم ، وهم مذهولين من وصولها بهذه السرعة ! 

- سأذهب للإستحمام سريعاً وأعود لكم ، لن أتأخر


ونزلت بسرعة الأدراج باتجاه غرفتها ، تاركةً الممثلين يتحدّثان عن لياقتها البدنيّة المميزة !

***


بعد نصف ساعة .. عادت لهم وهي تلبس فستاناً زهريّاً ، وشعرها الناعم مُنسدلٌ فوق كتفيها .. حيث بدت بكامل أنوثتها ، رغم الرضوض وآثار الجروح على ذراعيها بسبب الرياضة الخشنة


وجلست معهم لترجمة مقابلة العمل .. الى أن وافقا بعد ساعة على شروط المنتج .. 

وبعد توقيعهما العقد ، لم يرغبا العودة الى الفندق .. 


فركب المنتج في قاربٍ صغير لإعادته الى الساحل ، بينما أكمل بقيّة السوّاح رحلتهم التي تستمرّ يومين في عرض البحر 

***


بعد رحيل المنتج .. سألها الممثل عن حياتها ، فأجابته إيلين بحزن :

- تطلّق والدايّ ، وعمري 6 سنوات .. ولم أرها منذ عودتها الى بلادها .. ولأجلها تعلّمت اللغة التركية .. مما أغضب والدي ، فهو يصرّ أننا لن نلتقي ثانيةً ! 

فسألتها الممثلة : هل كان والدك مُدرّب كاراتيه ، قبل شرائه هذه السفينة السياحية ؟

- نعم ، وكان مرشّحاً للبطولة العالمية في شبابه ، لكن إصابته بحادث سير منعه من المشاركة .. بعدها تزوج امي وهو يتمنى صبيّاً يُحقّق  حلمه .. لكنه لم ينجب سوايّ ، لهذا يعاملني على إنني ولد .. ودائماً ما قصّ شعري مثلهم .. الا انني السنة الفائتة أصرّيت على تطويله ، مع إبقائه مربوطاً طوال فترة التمرينات .. فنحن سنسافر بنهاية السنة الى اليابان للإشتراك ببطولة العالم لكاراتيه النساء ، فأنا أمثّل بلدي بعد وصولي للنهائيات .. ورغم كرهي لهذه الرياضة العنيفة ، الا انني أجتهد بالتمرينات على أمل أن تراني أمي في التلفاز عند نقلهم المباريات الدولية ، فهي تعلم هوس ابي بهذه الرياضة بالذات 


وهنا دخل والدها المطعم .. وأشار لها من بعيد ، لتجلس معه على طاولته:

إيلين بيأس : عليّ الذهاب .. فغدائي يجب أن يحوي بروتينات وكالسيوم لتقوية عظامي .. ورغم حبي الشديد للحلويات ، الا انه يحرمني منها لحين انتهاء البطولة اللعينة .. 


ثم شاهدا من بعيد : كيف أن والدها إنتقد فستانها ! وأجبرها على ربط شعرها ، قبل شربها مرق اللحم على مضضّ .. 


فقال الممثل لزميلته :

- انا حزينٌ عليها ، فهو يدمّر أنوثتها الرقيقة ! 

الممثلة : الآباء يظلمون اولادهم حين يجبروهم على تحقيق احلامهم الضائعة

- أودّ مساعدتها

- كيف ؟

- سأجري إتصالاً مع السفارة التركية 

- هل تفكّر بإيجاد امها ؟

الممثل : نعم ، هي قالت انها تعيش في إزمير .. سأحاول إيجاد عنوانها 

- أخاف أن يتشاجر والدها معك ! 

- سنُخفي الأمر عنه 

*** 


بحلول المساء ، ساعدتهما إيلين باختيار غرفهما في السفينة (التي تشبه الفندق العائم بحجمٍ صغير) .. من بعدها ذهبت الى غرفتها ..

***


في الصباح الباكر .. إستيقظ الممثل التركي لتدخين سيجارته على سطح السفينة ، ليتفاجأ بالأب يدرّب إيلين هناك ! ويبدو انهما مستيقظان منذ الفجر ، بسبب الإرهاق الواضح على الفتاة التي كانت تلهث من كثرة التمارين ، لدرجة انها انهارت بالبكاء مُترجيّة والدها أن ترتاح قليلاً ! ويبدو ان ذلك ضايقه ، لأنه جلد قدمها بالعصا .. قبل تركها تبكي ، ليعود الى غرفته غاضباً 


فاقترب منها الممثل :

- لا يحقّ له أن يعذّبك هكذا ! 

فمسحت دموعها : بقيّ أمامنا ستة أشهر على البطولة العالمية ، لذا علينا تكثيف التمارين 

- ستة أشهر وقتٌ طويل !

- ليس بالنسبة لوالدي .. 

- إيلين ، إسمحي لي بمساعدتك ..

- لا شيء يريحني سوى الموت


وتوجهت الى غرفتها كئيبةً حزينة ، بينما كان الممثل عازمٌ على إيجاد والدتها لإنقاذها من جبروت والدها .. لهذا أجرى العديد من الإتصالات طوال النهار

***


في المساء .. طلب الممثلان من إيلين مرافقتهما على العشاء ، فوافق والدها بشرط ان تأكل الطعام الصحيّ فقط ..


بعد إنهاء طعامها .. وضع الممثل ورقة صغيرة في يدها ، وهو يقول بصوتٍ منخفض :

- لا اريد موظفين والدك أن يروا الورقة التي فيها رقم جوّال امك

إيلين بصدمة : امي !

- نعم .. إتصلت بالسفارة ومكتب الأحوال الشخصية بإزمير ، الى أن حصلت على رقمها الخاص .. هل لديك جوّال للإتصال بها ؟


فأخرجت جوّالها القديم من جيبها ، فسألتها الممثلة :

- والدك يملك سفينة سياحية ، ولم يشتري لك جوّالاً حديثاً !

إيلين : هو لا يريدني ان أنشغل بوسائل التواصل الإجتماعي ، لهذا أعطاني جوّاله القديم لإجراء الإتصالات الهاتفية فقط .. 


ثم وقفت وهي تقول بقلق :

- سأتصل بأمي .. مع اني خائفة أن لا تتذكّرني

فأمسكت الممثلة يدها مُهدّئة : أظنها ستعرفك منذ سماعها صوتك


ونزلت إيلين مُتوجهةً الى سطح السفينة .. بينما راقبها الممثلان من فوق (من المطعم) .. 

وكان واضحاً عليها الإرتباك وهي تقلّب الورقة بين يديها ، الى ان تجرّأت أخيراً على الإتصال بامها ..

وما أن قالت : ((الو ..امي 

حتى شاهداها تنهار باكية ! ويبدو ان امها تنتظر مكالمتها منذ مدة طويلة 


لكن فجأة ! ظهر والدها من خلفها ، والذي هجم فور سماعه كلمة (امي) .. وسحب الجوّال من يدها ، ورماه في البحر 

وحين حاولت إيلين الإعتراض ، صفعها بقوة .. ثم شدّها من ذراعها بعنف  باتجاه غرفتها..


فصرخ الممثل من فوق :

- دعها يا رجل !!

فأجابه الأب بالتركية التي يتقنها :

- أأنت الذي ساعدتها بإيجاد امها ؟!!


فسكت الممثل بعد رؤيته نظرات الأب الغاضبة اتجاهه ! والذي أكمل قائلاً بعصبية :

- لا تتدّخل فيما لا يعنيك ، والا سأطلب من عمّال سفينتي إعادتك الى الساحل فوراً .. هل فهمت ؟!!


وعاد لسحب ابنته التي نظرت للممثل بعيونٍ خائفة ، قبل إدخالها عنوةً الى غرفتها 


فلم يستطع الممثل تحمّل ما حصل ، وأسرع بنزول الأدراج ..

ولحقته زميلته التي استطاعت منعه من اقتحام غرفة إيلين :

- هل جننت ؟!! سيقتلك والدك إن دخلت اليها

الممثل بقلق : الا تسمعين صراخها ؟ هو يجلدها بالعصا 

- لا يمكننا التدخل بأمورهما العائلية .. رجاءً دعنا نعود الى المطعم 


وبصعوبة أعادته الى الطابق العلويّ .. لكنه ظلّ يراقب الوضع من فوق .. لحين خروج الأب من غرفة إيلين ، وذهابه وهو يزمجر غاضباً الى غرفته الموجودة في الجهة الخلفية للسفينة


الممثل : سأنزل للإطمئنان عليها ؟

الممثلة : إن رآك في غرفتها ، سيقتلكما انتما الإثنين

- اذاً تعالي معي 


ونزلا الى هناك ، ليجدا بابها مفتوحاً قليلاً .. 

وكانت واقعة على الأرض ، وأغراضها محطّمة من حولها !  


فأسرع الممثل بحمل إيلين ووضعها على السرير .. ليرى عينها المتورّمة من لكمة والدها ، وهي تنزف من شفّتها المشقوقة .. وقميصها الأبيض ملطّخاً بالدماء ، بعد ان جلدها بالعصا على ظهرها وقدميها ..


الممثل بحنق : سأبلّغ الشرطة عن عنف والدك

إيلين بألم : رجاءً لا تفعل

الممثل بقلق : سيقتلك يوماً ما 


فحاولت إيلين تغير الموضوع : أمي عرفتني على الفور ! بكت كثيراً حين سمعت صوتي .. قالت انها متشوّقة لرؤيتي .. هي تزوجت ثانيةً  ..وأصبح لديّ أخاً وأخت ، هما في سن السادسة والخامسة 

الممثل : إسمعي إيلين .. لن أتركك هنا ، ستسافرين معنا غداً 

الممثلة : وكيف ستسافر دون جواز سفر ؟!

إيلين : ابي جدّد جوازي لأجل البطولة العالمية

الممثل : جيد ، اذاً إحزمي أمتعتك .. سنتوجه للمطار فور عودتنا الى الميناء ، وسأتصل بأمك لانتظارك في المطار


زميلته : الم يكن سفرنا بنهاية الإسبوع ؟ 

الممثل : سأقرّب موعدي .. إن أردّت البقاء هنا ..

زميلته مقاطعة : لا ، سأسافر معكما 

إيلين : ماذا عن البطولة ؟

الممثل : لستِ مسؤولة عن تحقيق احلام والدك 

زميلته : عزيزتي .. لا تخبري والدك بشيء ، والا سيمنعك من السفر 

إيلين بحزن : انا متعبة من العيش معه ، فلا شيء يرضيه ! واريد رؤية امي واخوتي

الممثل : اذاً اتفقنا

***  


في عصر اليوم التالي .. جلست إيلين امام نافذة الطائرة ، بجانبها الممثلين 


وقبل إقلاع الطائرة ، طلبت إجراء إتصالٍ أخير بأبيها .. 

فأعطاها جوّاله ..

الممثل محذّراً : لا تخبريه بعنوان امك او رقمها

إيلين : اريد إعلامه أنني تركت البلد ، كيّ لا يبحث عنيّ مطوّلاً 


واتصلت لتقول بصوتٍ مرتجف :((ابي .. نعم آسفة لأني تركت السفينة دون إذنك .. لا ابي لن أحضر التدريبات .. ابي إسمعني رجاءً .. انا الآن في الطائرة .. سأسافر لرؤية امي ...


وما ان ذكرت والدتها ، حتى ظهر صوت صراخه من الجوال .. فأغلقت إيلين السمّاعة بيدها ، وهي تحاول تمالك نفسها .. 

فهمس لها الممثل :

- هل يشتمك ؟

فأومأت إيلين برأسها إيجاباً ..

الممثل : إذاً إنهي المكالمة

إيلين : لا تقلق ، سيغلق جواله بعد قليل


وبعد دقائق من صراخه المتواصل ، أنهى المكالمة .. 

فأعادت الجوّال الى الممثل ، ثم أدرات رأسها للنافذة كيّ لا يريا دموعها التي تنساب بغزارة وهي تستذكر طفولتها الصعبة

***


بحلول المساء ، حلّقت الطائرة فوق تركيا .. فتغيّرت معالم وجهها ، قائلةً بابتسامةٍ عريضة : 

- وصلنا أخيراً !! امي هناك اليس كذلك ؟

الممثل : نعم ، امك تنظرك في المطار على أحرّ من الجمر

إيلين بقلق : أخاف ان يضايقها وجهي المتورّم

- أخبرتها قبل توجهنا للمطار بموجز ما حصل ، واستاءت كثيراً .. وفي نفس الوقت شكرتني لإنقاذك من ذلك الوحش

الممثلة : هيا إنهي عصيرك يا إيلين ، سنهبط بعد قليل

***


بعد هبوط الطائرة .. طلب الممثل من إدراة المطار إدخال ام إيلين الى غرفةٍ خاصة بالشخصيات المهمّة .. 


والتقيا هناك ، لتنهار الأم باكية فور رؤيتها آثار التعذيب على وجه ابنتها وذراعيها .. 

بينما كانت إيلين فرحةً جداً بالتعرّف على عائلة امها الجديدة .. 


وودّعها الممثل بعد إعطائها رقم جواله الخاص ، ليخرج مع زميلته من الباب الخارجيّ بعيداً عن المعجبين ..

*** 


بعد شهور .. إتصلت إيلين بالممثل الذي سألها عن أحوالها ، فأجابته:

- زوج امي طيبٌ للغاية ، وإخوتي تعلّقوا بي كثيراً .. وسجّلتني امي بالمدرسة الثانويّة .. واتصلت لإخبارك انني أرسلت بالبريد تذكرتين لحضور بطولة الكاراتية التي ستقام في اليابان بعد ايام

الممثل باستغراب : أمازلتي ستسافرين للبطولة ؟!

- نعم

- لكن والدك سيكون هناك مع فريقه !

- وأنا من ضمنهم

- كيف ؟


إيلين : ابي درّبني لسنوات لأجل هذه اللحظة ، ولا أريد تحطيم حلمه .. لهذا اتصلت به وأخبرته انني أكملت تماريني مع مدرّبٍ خاص ، وبأني مستعدة لدخول المنافسة

- وماذا كان جوابه ؟

- سخر من فيديو تدريباتي الذي أرسلته له ، قال إنه لا يناسب مهارة المنافسين في البطولة .. وحين أصّريت على المشاركة ، وافق على مقابلتي هناك .. وأريدك ان تكون موجوداً بين الحضور ، إن لم تكن مشغولاً

- سأتصل بزميلتي لأرى ان كنّا سنسافر معاً .. لكن حذاري العودة مع والدك الى الوطن

إيلين : لا ، هو يعلم انني سأكمل دراستي في تركيا .. قال بأنني أرحته من همّي ! يبدو ان طباعه القاسية لن تتغير ابداً .. المهم ، سأراك قريباً

***


لاحقاً إجتمعوا في اليابان .. حيث امتنع والدها السلام على طليقته التي جلست مع عائلتها في المدرّجات قرب الممثليّن ، لتشجيع إيلين بحماس ..


وفي البداية .. رفض والدها الكلام معها او إعطائها نصائحاً الرياضية ، واكتفى الإهتمام بفريقه .. فتكفّل مدرّبها الخاص بذلك ..

لكن بعد فوزها على عدّة مشتركات ، ووصولها للنهائيات .. طلب من مدرّبها أن يهتم بها في المباراة الختامية .. 

فكتمت إيلين سعادتها بموافقة والدها أخيراً على الوقوف بجانبها في المرحلة الأخيرة


الاّ أن منافستها اليابانبة كانت قوية جداً ، وأطاحتها أرضاً اكثر من مرة .. فصرخ عليها والدها بفترة الإستراحة :

- لوّ بقيت معي ، لما خسرتي الآن !!

- انا لم أخسر بعد !

- قلت لك ألف مرة أن تبتعدي عن امك ، لكنك تصرّين على عصياني

إيلين : هي امي ، ومن حقي ان أراها 

- هي تخلّت عنّا ، الا تفهمين ؟!!

- أنا لا ألومها على طلبها الطلاق ، فلا أحد يتحمّل قساوتك 

- أهذا ذنبي لأني أردّتك قوية ، لتدافعي عن نفسك 

- لعبة الكاراتيه لا تناسب الفتيات ، متى ستقتنع بذلك يا ابي؟!!  

الأب بلؤم : ليت امك أنجبت لي ولداً ، بدلاً من فتاةٍ عاقّة مثلك


وهنا رنّ جرس المباراة .. فعادت إيلين للحلبة وهي تشعر بغضبٍ شديد من والدها الذي لم يرضى يوماً بوجودها ! مما جعل الأدرينالين يتدفق في دمها ، لتهجم بشراسة على منافستها التي تفاجأت بقوة ضرباتها وركلاتها المتتالية ، التي جعلتها تنهار وتسقط أرضاً ! 

ليُسرع الحكم برفع يد إيلين ، مُعلناً فوزها بالبطولة ..


مما جعل والدها يُهلّل فرحاً ، ويهتف بعلوّ صوته بعد أن حملها على كتفه :

- هذه ابنتي !! ابنتي البطلة !!

ولأول مرة في حياة إيلين ، تشعر بفخره بها ! 


ولاحقاً.. قفز بسعادة وهي ترفع الكأس عالياً ، وسط تصفيق الجمهور ..

***


بعد توزيع الجوائز على المشتركات الثلاثة الأوائل .. توجهت إيلين الى والدها لإعطائه الكأس :

- هذا لك ابي

- الن تحتفظي به ؟!

- هو حلمك انت .. اما حلمي : أن أعيش بسعادة مع امي واخوتي

الأب : ألن تعودي معي الى الوطن ؟!

فحضنته للمرة الأخيرة وهي تهمس في أذنه : إهتم بنفسك جيداً  


ثم توجهت الى مدرّجات الجمهور .. لتحتضن والدتها واخوتها ، وتسلّم على الممثلين اللذين باركا فوزها .. 


بينما عاد والدها للإحتفال مع فريقه بالكأس ، وهو يُخفي حزنه على فقدان ابنته التي لم يعاملها جيداً ، وهو مُمتنّ لتنفيذ وعدها بتحقيق حلمه الذي لم يكن يوماً هدف حياتها !


الحوت الوحيد (قصة للأطفال)

تأليف : امل شانوحة  التردّد المنخفض في أعماق المحيط الأزرق ، وُلد حوتٌ صغير لم يكن كبقية الحيتان.. صوته الضعيف ، بالكاد يُسمع ! حتى أمّه لم ...