الأربعاء، 3 أبريل 2019

عاشق القهوة

تأليف : امل شانوحة


إدمانٌ قاتل !

في أحد الأيام .. دخل رجلٌ عجوز الى محل قهوة صغير , أُفتتح حديثاً بالمنطقة .. وبينما كان يشرب قهوته , لاحظ شِعّار المحل الذي كان عبارة عن رجلٍ مقطوع الذراعين , بقبعةٍ كبيرة من القشّ تُخفي معالم وجهه ! 

فسأل صاحب القهوة (الشاب الثلاثيني) :
- قهوتك لذيذة , لكن لما اخترت شِعّار محلك مُخيفاً هكذا ؟!
فإذّ بالشاب يعاتبه , وهو يتلفّت حوله بقلق :
- لا !! لما سألتني عن ذلك اللعين ؟
- ماذا تقصد ؟!
فتنهّد الشاب بضيق : هاهو الآن يطالبني بإخباركَ قصته ..

ورغم ان العجوز لم يفهم ما يعنيه ! الا انه استمع للقصة الغريبة وراء الشِعّار , حيث قال الشاب :
- قبل خمس سنوات كنت طالباً بالسنة الأخيرة للهندسة .. وجلست في يوم أقرأ قصصاً تاريخية حزينة في مكتبة الجامعة .. وشدّني موضوعاً عن رجلٍ عاش في القرن الماضي , إسمه مايكل ولقّبه الناس : بعاشق القهوة .. وكان رجل أربعينيّ عاش معظم حياته حبيس المنزل لأنه عانى من حساسيةٍ نادرة تجعل جلده يتقشّر ويتجرّح فور تعرّضه لضوء الشمس , لهذا لم يكن يخرج من بيته الا نادراً وفي المساء فقط ..وفي إحدى الأيام أُفتتح اول محل قهوة في منطقته .. وأحضر له صديقه كوب قهوة بناءً على طلبه , بعد ان أعجبته رائحة تحميص الحبوب الخارجة من مدخنة المحل.. وما ان شرب كوبه الأول حتى أصبح مهووساً بها .. المشكلة ان العجوز كان يقفل محله عصراً , ممّا شجّع مايكل للخروج لأول مرة نهاراً , بعد ان لبس قميصاً طويلاً يُخفي يديه , وقبعة من القشّ تحمي وجهه من أشعة الشمس .. ولم يكترث من سخرية الناس في الشارع , طالما انه سيحصل على كوب قهوته اليومية التي تنسيه همومه وآلامه ..لكن في إحدى الأيام أطال السهر مساءً مع اصدقائه , فاستيقظ في اليوم التالي متأخراً , وكان ما يزال نصف ساعة على إقفال محل القهوة .. فركض كالمجنون الى هناك !! وتعثّر فوق السكّة التي تفصله عن المحل , بلحظة مرور القطار الذي بتر ذراعيه ..ولسوء حظه , كان طبيب المنطقة خارج البلدة .. فقام المجبّر بكويهما لوقف النزيف , أدّى لاحقاً لتلوّث الجرح وإصابة مايكل بحمّى شديدة .. ولم يستطع اطباء المستشفى علاجه , فمات متأثّراً بجراحه .. وكُتب على شاهد قبره : عاشق القهوة ..

العجوز : يالها من قصةٍ حزينة !
- لا تتأثّر هكذا , فقريباً ستلعنه 
- من تقصد ؟!
صاحب المحل بضيق : ستعرف لاحقاً 

فخرج العجوز من عنده , وهو يقول في نفسه : ((هذا الشاب إمّا أحمق او مجنون !))
بينما تمّتم صاحب القهوة بغيظ : انت من جلبت الشؤم على نفسك , فتحمّل نتيجة سؤالك الفضوليّ
*** 

في صباح اليوم التالي .. لم يشعر العجوز (الذي يعيش لوحده) برغبة في الخروج من المنزل , فدخل المطبخ لعمل قهوته ..
وبعد ان أنهاها وصبّها في الكوب .. سمع صوتاً من خلفه يقول :
- رائحتها جميلة 

وحين التفت وراءه , شاهد رجلاً أربعينيّ بذراعين مقطوعتين وقبعةً كبيرة من القشّ تُخفي جزءاً من وجهه المُتقشّر المجروح وكأنه مسلوخ ! 
فسأله العجوز بصوتٍ مرتجف : من انت ؟!
فقال الرجل : انا مايكل , صاحب الشِعّار .. ألم تعرفني ؟!

العجوز بخوف : وكيف دخلت بيتي ؟!
- كنت عالقاً في عالم الأرواح لشهورٍ طويلة , عشتُ فيها بمللٍّ شديد .. الى ان سمعتك تسأل صاحب المحل عني , فعدّتُ مُسرعاً الى عالمكم المثير .. والآن كنّ لطيفاً وساعدني في ارتشاف قهوتك اللذيذة , فأنا بلا ذراعين كما ترى

فحمل العجوز كوب القهوة بيديه المرتجفتين , واقترب من مايكل.. لكن قبل ان يضع الكوب على فمه , سقط العجوز على الأرض دون حراك ! وانسكب الكوب امامه ..

مايكل بغضبٍ وقهر : لا !!! قهوتي .. أكان عليك ان تموت الآن ايها العجوز الخرِف .. يا الهي , كم كنت أتوق لشربة قهوة .... لحظة ! ما هذه الرائحة الجميلة ؟

واتجه نحو نافذة المطبخ , ليشاهد الجارة تعمل قهوتها الصباحيّة في البيت المجاور ..
- يا سلام ! قهوةٌ أخرى .. يبدو في هذا الزمان كثُر عشّاق القهوة.. حسناً لأذهب وأشاركها كوبها
وأختفى فجأة , تاركاً العجوز مُمددّاً على أرضيّة المطبخ !
***  

وما ان شاهدت تلك المرأة مايكل (بشكله المخيف) يقف في مطبخها يُطالبها بالقهوة , حتى صرخت بعلوّ صوتها :
- حرامي !! ..أنقذوني !!!

وانطلقت مُسرعة للهروب من بيتها .. لكن قبل تجاوزها باب المطبخ , مدّ مايكل قدمه امامها , لتتعثّر به وتطرق رأسها بقوة بحافّة الطاولة الخشبية .. وتقع على الأرض دون حراك , والدماء تسيل بغزارة من جبينها !

مايكل : مع انه كان بإمكاني الإختفاء ببساطة , فلما قتلتها ؟! .. آه صحيح , لأنها لم تعطيني ما أريده .. يبدو ان الناس في هذا العصر لا يشاركون قهوتهم مع الغرباء ... البخلاء ! 

وحين رأى شكله في مرآة الصالة , قال باستغراب :
- مع اني لست قبيحاً لهذه الدرجة , فلما يخافون مني ؟! .. (ثم تنهّد بضيق) .. عليّ شرب قهوتي اليومية , لكن اين أجدها في هذا العالم الواسع ؟

وهنا سمع صوت صبيّة تنادي على عامل التوصيل (دليفري) من النافذة العلويّة في المبنى المقابل , قائلةً بصوتٍ عالي :
- ستاربكس !! نعم هنا , في الطابق الخامس 

فقال مايكل في نفسه : ستاربكس ! اليس هذا محل مُتخصّص بالقهوة ؟ كنت سمعت الكثير عنه في عالم الأموات .. يبدو ان الجيل الجديد بليدٌ لدرجة طلب توصيل القهوة اليه ! آه لوّ كانت هذه الخدمة في زماني , لما قُطعت يدايّ التي أدّت لموتي بعد معاناتي الأمرّين .. (ثم تنهّد) ..لا وقت الآن للأحزان يا مايكل , لأُسرع قبل ان تشرب قهوتها وحدها
***

وبعد ان دفعت لعامل التوصيل , قامت بوضع السكر في كوب قهوتها الكرتونيّ , وحرّكته جيداً .. ثم أغلقت غطائه بإحكام ..لكن قبل ان تفتح الفتحة الصغيرة المُخصّصة للشرب , سمعت صوتاً خلفها يقول : 
- دعيني أتذوّق قهوتك المميزة يا آنسة 

وما ان رأته في بيتها ! حتى أسرعت ناحية الباب الخارجي لشقتها بفزعٍ شديد , مُحاولةً الهرب من هذا المسخ المخيف .. 
وحين فتحت باب المصعد , وجدت مايكل داخل المصعد يقول لها :
- أريد شربةً واحدة فقط ! 

فلم تجد نفسها الا وهي تسرع بنزول الأدراج , الى ان تعثّرت بإحداها ..فأكملت الدحرجة للأسفل , حتى توقف جسمها عن الحراك
مايكل بدهشة : ماذا ! هل ماتت ايضاً .. (ونظر من حولها) .. لا أرى القهوة معها , ترى اين تركتها ؟!

وعاد الى شقتها ليجد الكوب واقعاً على الأرض لكنه لم ينسكب , لأن غطائه مازال مُغلقاً .. 
فحاول ان يشرب منه , لكنه لم يستطع فتح المكان المُخصصّ للشرب بأسنانه , وباءت محاولاته في فتح الغطاء بالفشل 
- هيا إفتح , اريد تذوّق ستاربكس !! آه لوّ كان عندي أصبعاً واحدة لنجح الأمر

وهنا سمع صراخ الجارة وهي تطلب النجدة , بعد رؤيتها للفتاة (التي كسرت رقبتها) واقعة امام باب شقتها ! 
فقال مايكل بغيظ :
- عليّ الإبتعاد فوراً .... اللعنة على غبائي !! كان عليّ اللحاق بعامل التوصيل , لكنت وصلت الى محل ستاربكس وانحلّت جميع مشاكلي .. يالا حظيّ العاثر !
ثم اختفى فجأة من المبنى !
***

مشى مايكل وحيداً في الأزقّة وهو يفكّر :
- ثلاثة جثث حتى الآن .. وأصبح الوقت ظهراً , ولم أشرب بعد قهوتي اليومية ! ترى اين أجد أشخاصاً معتادون على شرب القهوة طوال الوقت ؟ .... آه عرفت , المكاتب !!
واختفى فجأة من الشارع !
*** 

وكان في إحدى المكاتب , رجلٌ ستينيّ يكتب بسرعة على حاسوبه وبتركيزٍ شديد .. وقبل ان يرتشف مجدداً من قهوته , تفاجأ بمايكل يقف قرب مكتبه 
- من انت ؟! وكيف دخلت مكتبي ؟
مايكل : أريد شرب القليل من قهوتك , وعليك مساعدتي
- ماذا ! يالك من مشردٍ وقح !! ..من سمح لك بالدخول الى هنا , وقطع حبل أفكار قصتي ؟ 
- آه ! هل انت كاتب ؟
الرجل بغضب : نعم , أعندك مانع ؟!!
مايكل : يمكنني جعلك أشهر كاتب في البلاد , بشرط ان أتذوّق بعضاً من قهوتك 
- ومن انت ايها الجاهل لتعلّمني الكتابة ؟! أخرج فوراً قبل ان أبلّغ الشرطة!!

فقال مايكل بحزمٍ ولؤم : قلت !! لن أذهب الى أيّ مكان قبل ان أشرب قهوتي , هل كلامي مفهوم ؟!!
الرجل صارخاً بعصبية : أخرج من مكتبي يا حقير !!
ورمى عليه كوب القهوة الذي اخترق جسمه الهلاميّ , ممّا أرعب الكاتب الذي كاد يسقط عن كرسيه ! 
فقال مايكل بغضب :
- لقد أخطأت كثيراً بتحدّيك لي .. 

ونفخ على وجهه دخاناً أخضر .. جعلت الكاتب يقع أرضاً بعد أن أُصيبت أطرافه بشللٍّ مفاجىء !
فاقترب مايكل منه وهو يقول :
- كنت سأجعلك كاتباً موهوباً لولا بخلك عليّ برشفة قهوة .. الآن لن تتمكّن من كتابة حرفٍ واحد لبقية حياتك ..والأسوء انك لن تجد من يُسقيك القهوة من جديد , ايها المغرور المتعالي !! 

وأختفى فجأة ! تاركاً الكاتب يبكي وحيداً على الأرض وهو عاجز عن تحريك أطرافه , او حتى الصراخ طلباً للنجدة !
***

وأمضى مايكل بقيّة يومه مُتسكّعاً بالطرقات , فهو لم يعد يشتمّ رائحة القهوة بعد إنشغال الناس بتناول غدائهم .. 

وبقيّ على هذه الحال الى ان حلّ المساء , فقال مايكل في نفسه بحزنٍ وقهر:
((لقد انتهى اليوم دون ان أشرب قهوتي ! ..لما لم يشفقوا عليّ , الا يرونني معاقاً ؟! ما هذا الزمان القاسي ؟ .. لحظة ! هل هذه رائحة قهوة ؟! أمعقول ان هناك مهووس مثلي يعمل قهوته في المساء ؟ ..لأذهب وأرى)) 
***

ووصل الى المبنى الذي يخرج منه رائحة القهوة , فقرأ اللافتة المعلّقة هناك , ثم قال :
- آه ! انه سكن للطلبة الجامعيين .. لأصعد فوراً الى ذلك الطابق

وهناك .. وجد فتاةً عشرينية إنتهت من تحضير قهوتها المسائية , والتي إرتعبت كثيراً حين رأته خلفها.. فقال لها مُحذّراً :
- إيّاكِ ان تُوقعي كوب القهوة !! 
فسألته بخوف : ماذا تريد مني ؟ فليس معي سوى مصروفي الأسبوعيّ  
- لا أريد المال , فقط أجيبني.. لما تصنعين القهوة في هذا الوقت المتأخّر ؟
- عندي امتحان غداً , وأردّت السهر للدراسة 
مايكل بابتسامة : وانا أعدك بأنك ستنجحين بتفوّق هذه السنة في حال أسقيتني بعضاً من قهوتك , فأنا أشتهيها منذ الصباح .. هيا لا تخافي , فأنا ليس لديّ يدين لأؤذيك .. فقط ضعي الكوب على فمي 

فاقتربت منه بحذر , وبيديها المرتجفتين وضعت الكوب على فمه 
..وقبل ان يرتشف منها , أضاءت عينيّ مايكل من شدّة الحماس والفرح , ممّا أخافها كثيراً لدرجة الإغماء وانكسار الكوب امامها  
فصرخ مايكل بغيظ :
- لا ! ليس الآن يا غبيّة .. يا الهي , مالذي يحصل معي ؟! .. أريد قهوة يا عالم يا ناس , هل ما أطلبه كثير ؟!!!!  

وحين لاحظ وجهها الشاحب وهي واقعة على الأرض , فكّر قليلاً قبل ان يقول :
- لا لن أؤذيها , فهي على الأقل لم تمانع مشاركتي قهوتها 
ثم نفخ على وجهها بدخانٍ أبيض .. وخرج من غرفتها وهو يقول :
- غداً سيتفاجأ أصدقائها بعبقريتها التي وهبتها لها , كما انها ستنسى انها رأتني كيّ لا ينعتوها بالمجنونة ..وداعاً يا مهووسة القهوة الصغيرة .. والآن لأذهب وأرى إن كان هناك طلاّب آخرون ساهرون للدراسة يحتسون القهوة ..  
***

وتوقف عند قسم الطلاّب الشباب , بعد ان اشتمّ رائحة قهوة تخرج من إحدى الغرف ..
فطرق الباب بقدمه .. وفتح له شاب يحمل قهوته , قائلاً بازدراء : 
- نعم , ماذا تريد ؟
مايكل بجدّية : أريد شرب قهوتك 
فقال الشاب بلؤم : ماذا ! هل انت متشرّد ام مجنون ؟.. برأيّ بدل ان تشحذ قهوة , إذهب واصلح وجهك المسلوخ , فقبعتك القبيحة لا تخفي بشاعتك
فكتم مايكل غضبه , وقال بحزم : اريدك حالاً ان تضع كوبك على فمي لأشرب منه
فنادى الشاب المُتنمّر بصوتٍ عالي :
- يا حرّاس !! هناك معاق مخيف داخل السكن , تعالوا وأطردوه من هنا !!

وحين سمع مايكل خطوات الحارس تقترب من المكان , قال للشاب المتغطرس :
- لقد أخطأت كثيراً يا ولد !! 
ونفخ دخاناً أحمر على وجهه , تسبّب بقطع لسان الشاب الذي صار يتلوّى على الأرض من شدّة الألم , امام كوب قهوته المكسور ..

وخرج مايكل من سكن الطلبة وهو يقول بغيظ :
- هذا سيعلّمه درساً بأن لا يستحقر المعاقين .. والآن لأبحث في مكانٍ آخر عن قهوتي اللعينة !!
***

وقبيل الفجر .. كان مايكل يتمشّى في الشوارع الفارغة وهو يشعر بإرهاق ونعاسٍ شديدين :
- اريد شرب القهوة , فعينايّ ثقيلتان .. لحظة ! ما هذا ؟ انها رائحة قهوة ! اليس الوقت مبكّراً على شربها ؟ .. لأذهب وأرى ..
***

ووجد امرأة عجوز (تسكن وحدها) تقوم بصنع القهوة , فظهر خلفها في المطبخ .. 
فقالت بفزع وهي ترفع يديها مُستسلمة :
- ارجوك لا تقتلني , خذّ خاتمي فهو كل ما معي
مايكل : كل ما اريده يا خالة , هو شرب القهوة معك  
- حسناً .. سأسكب لك كوباً , لكن رجاءً لا تقتلني 
وقامت بوضع الكوب على فمه بيديها المرتجفتين , ليشربها مايكل وهو في قمّة السعادة .. 

وبعد ان أنهى كوبه , قال بارتياح : 
- يا الهي !! كم اشتقت للقهوة ومذاقها اللذيذ .. والآن سيدتي , أطلبي مني ما شئتِ .. ماهو حلمك ؟ .. هيا لا تخافي , فقط إخبريني بما تريدينه من الحياة ؟ 
فقالت بحزن : أتمنى عودة ابني وعائله , فبعد سفرهم بقيت لوحدي
- لك ذلك عزيزتي

وفجأة ! سمعت ضحكات اولادٍ قادمة من الصالة .. فقال لها مايكل:
- هيا إذهبي اليهم , فهم بانتظارك  

وحين دخلت الصالة , تفاجأت بأحفادها الثلاثة يقفزون فوق الكنب بسعادةٍ ونشاطٍ مُفرطين .. بينما انشغل الزوجان بجوّالاتهما .. وحين رأت العجوز ابنها , أسرعت باحتضانه وهي لا تصدّق عينيها !

في هذه الأثناء .. خرج مايكل الى الشارع وهو يستمع لصوت تحطّم الزجاج من الداخل , فابتسم قائلاً بخبث :
- قمت بإرجاع قرائنهم الشيطانية الذين سيتعبونها كثيراً .. كم أشفق على تلك المسكينة .. (ثم قال بارتياح) .. الآن صار بإمكاني العودة الى عالمي بعد ان حصلت على ما اريده , وسأعود الى عالم الأحياء في يومٍ آخر 
واختفى فجأة !  
***

خرج الرجل العجوز من المستشفى بعد تعالجه من أزمته القلبية , دون ان يُصدق أحد قصة مايكل المخيف الذي كاد يقتله !

وبعد ايام .. خرجت ممرّضته لجلب الدواء .. فاستغلّ العجوز غيابها لصنع كوب قهوة , بعد ان كان الطبيب منعه من شربها ..
وما ان سكبها في الكوب , حتى رأى مايكل خلفه 
- أانت مجدداً ؟!!
مايكل باستغراب : يبدو انك لم تمت بعد !
العجوز بضيق : وماذا تريد مني الآن ؟
- كما المرة الماضي , أعطني قهوتك .. وأنصحك ان لا تعاندني , فلا أظن ان قلبك الضعيف يتحمّل أزمةً ثانية
العجوز بقلق : حسناً سأفعل , لكن لا تؤذيني 

وبعد ان أشربه الكوب كلّه , قال مايكل :
- أحسنت يا عمّ .. الآن سأدعك بمفردك .. لكن أعدك ان ألقاك ثانيةً , فربما نصبح صديقين طالما ان كلانا مُدمن قهوة 
واختفى فجأة !
فتمّتم العجوز بضيق : عليّ إيجاد حلاً سريعاً لإبعاد الشبح بقبعته القشّ القبيحة !!

وأسرع بلبس ثيابه قبل عودة الممرّضة (التي ستمنعه حتماً من الخروج) وتوجّه مباشرةً الى محل القهوة ..
***

وما ان لاحظ صاحب المحل (الشاب) وجه العجوز الشاحب , حتى أدخله مخزن الحبوب بعيداً عن الزبائن .. وهناك سأله :
- هل رأيت شبح مايكل ؟
العجوز بقلق : نعم .. لكن قبل ان نتكلّم , هل هو بالجوار ؟ 
- لا , فأنا أشعر بطاقته السلبيّة .. وأظنه تائهاً في الطرقات بحثاً عن قهوته اليوميّة , فهو لا يعرف المدينة جيداً ويعتمد فقط على حاسة شمّه القوية .. اساساً لا يجرأ على الإقتراب مني بعد ان أدّبته المرة الماضية 
- وماذا فعلت به ؟ 

الشاب بقهر : كان اللعين أجبرني على فتح محله وترك الجامعة , فانتقمت منه .. حيث قمت في أحد الأيام بصنع قهوة لذيذة , وبدأت بشربها مُتزامناً مع وقت وصول القطار .. وحين رآني من بعيد .. أسرع راكضاً لمشاركتي القهوة , فصدمه القطار بعنف 
العجوز باهتمام : وماذا حدث بعدها ؟
الشاب : كنت الوحيد من المتواجدين في المحطة الذي سمع صراخه وهو يقول باكياً : قُطعت يدايّ !! ..ومن بعدها إختفى لشهورٍ طويلة , قبل ان تسألني عن الشِعّار الذي أعاد روحه الى عالمنا من جديد !
- لحظة ! هناك شيءٌ يحيّرني بالموضوع  
- ماهو ؟

العجوز : طالما هو مدمن قهوة , فلما لا يشرب ما يريده من محلك؟ 
- لأنه لا يستطيع مخالفة شروط العقد الذي بيننا .. وقبل ان تسألني , سأجيبك .. بعد ان صدم القطار روحه , حُرم نهائياً من العودة الينا حسب قوانين عالمه الخفيّ .. وبما انني السبب في عقابه , كنت الوحيد الذي يمكنني إعادة حريّته من جديد .. لهذا أتاني بالمنام , وطلب مني توقيع إتفاقٌ بيننا , يتضمّن بعض الشروط 
- وماهي ؟

الشاب : اولاً غير مسموحٌ لي بإغلاق محله او تغير الشعار او تسليم إدارته لشخصٍ ثاني .. وبدوره وعدني ان لا يقترب مني مجدداً .. لكني قبل التوقيع , أضفت بنداً ثانياً : وهو أن لا يعود الى عالمنا الاّ اذا سمعني أقول إسمه من جديد .. لهذا تضايقت منك حين سألتني عن قصة الشّعار 
العجوز : ليتك ألّفت لي قصةً مغايرة ! 
- لم استطع , لأن روحه كانت قريبةً منا 
- أمعقول ان لا أحد غيري سألك عن شعار محلك المخيف ؟!
الشاب : معظم زبائني من طلّاب جامعات , وهؤلاء تركيزهم كلّه على جوّالاتهم !

العجوز : أتدري , لوّ كنت مكانك ما وقعت ذلك العقد  
الشاب : هو أتاني بالمنام , وأظنه اتفق مع قريني .. وبذلك وضعني تحت الأمر الواقع , وأجبرني على إدارة محله ليلاً نهارا 
- كان الله في عونك .. (ثم فكّر قليلاً) ..هل تظن بإمكاني التخلّص منه بالحيلة ذاتها ؟ 
الشاب : لا أدري ان كانت ستنفع مرتين , فمايكل ذكيٌ جداً .. لكن لوّ كنت مكانك , سأجرّب كل شيء  
- إذاً أعطني كوب قهوة كبير , وسأذهب فوراً الى المحطّة  
***

وفي محطة القطار.. وقبل وصوله بقليل , شاهد العجوز مايكل يقف في الجهة المقابلة من السكّة .. فوضع العجوز القشّة في القهوة وصار يشربها بتلذّذٍ كبير ليغيظه .. وفجأة ! رأى العجوز حفيده الصغير (الذي لم يره منذ سنتين) يقف مكان مايكل الذي اختفى من هناك .. وقبل ان يستوعب ما حصل ! ركض الحفيد مُسرعاً فوق السكّة باتجاهه وهو يناديه : جدي !! 

فلم يجد العجوز نفسه الا وهو ينزل نحو السكّة بأسرع ما يمكنه لإنقاذ حفيده الوحيد , مُتزامناً مع وصول القطار الذي صدمه بقوة وسحل اشلائه أسفل عجلاته ! ممّا صدم الركّاب المتواجدين في المحطة الذين ظنّوا بأنه أقدم على الإنتحار ! وأسرعوا بإبلاغ الشرطة التي أوقفت الرحلات لحين تجميع بقايا العجوز التي تناثرت فوق السكّة الحديدية ..

وفي الوقت الذي انشغل بعضهم بتصوير الشرطة , إتجه مايكل نحو كوب القهوة الذي تركه العجوز فوق المقعد , وهو يقول في نفسه :
((هل ظنّ ذلك العجوز الخرف إنني سأقع بالفخّ مرتين ؟ .. آه جيد انه وضع قشّة بداخلها , حسناً لأتذوّقها .. لا ! ما هذا ؟!! ..لما يضع ذلك الشاب الغبي الشوكولا مع القهوة ؟ انه يُفسد سمعة محلّي .. حسناً , سأجد طريقة لتملّص من بنود العقد ومعاقبته لاحقاً ..الآن اين يمكنني إيجاد قهوتي التقليدية لهذا اليوم ؟))
***

بعد ساعتين .. إنتهى الدفاع المدني من انتشال بقايا العجوز المتناثرة هنا وهناك , وقام عمّال النظافة بمسح الدماء .. وعاد القطار للعمل من جديد , وصعد الناس اليه للذهاب الى أعمالهم .. 

وهنا لمح مايكل رجل اعمال يدخل القطار وبيده كوب ستاربكس
مايكل : ستاربكس من جديد ! أتمنى ان تكون قهوة سادة كما أحبها .. لألحق به

ودخل مايكل القطار (دون ان يراه أحد) ليتفاجأ بأن في داخله أكثر من شخص يشرب قهوته الصباحيّة ! 
فقال بفرح : يا سلام , خياراتٌ كثيرة .. لكن من سأختار اولاً ؟.. أتمنى ان أجد معهم قهوتي المفضّلة .. (وبغضبٍ شديد) .. والاّ الويل والثبور وعظائم الأمور عليهم جميعاً !! 

ثم مرّ القطار في نفقٍ مظلم , ومصائر الركّاب مُعلّقاً على كفّ عفريت !
******

ملاحظة :
هذه أول قصة أكتبها من النوع الفانتازيا , إستلهمتها بعد مشاهدتي لفيلم أجنبي قصير بعنوان : The Jester , وهي عن مهرج في يوم الهالوين .. أنصحكم بمشاهدته , ففكرته بسيطة ومميزة.. وهو بجزئين :
الفيديو الأول :

الفيديو الثاني : 

مشاهدة مُمتعة , وأحلامٌ سعيدة !

السبت، 30 مارس 2019

سفينةٌ تائهة

مقدمة القصة : فكرة أختي أسمى
خاتمة القصة : تأليف أمل شانوحة


معاً الى ما لا نهاية !

طُردت نورا (الفتاة الثلاثينية) من بيتها في آخر الليل ..وجابت الشوارع المظلمة بخوفٍ شديد وهي تلهث وتبكي بعد ان تحوّل فستانها الشفّاف الأبيض الى اللون الأحمر , ووصلت الى المرسى بخطواتٍ مُتعثّرة وأقدامٍ مُتجرّحة وقلبٍ مُنكسرٍ حزين !  

ونادت مُستغيثة امام السفن الراسية , لكن لا مجيب .. ثم رأت سفينةً فارهة متوقفة بين سفن الصيادين المُهترئة ! وكان الباب الموصل للغرفة السفليّة غير مقفول .. ففتحته وهي تنادي بصوتٍ مُرهق :
- هل يوجد من يساعدني ؟!!

وحين نزلت الأدراج الثلاثة , وجدت مطبخاً صغيراً وغرفة نوم بسريرٍ كبير.. فانهار جسدها الضعيف فوقه , بعد ان فقدت الوعيّ بسبب نزيفها المستمرّ طول الطريق ..
***

مع تباشير الصباح .. إنطلق القبطان برحلته نحو البحر , دون ان يلاحظ شيئاً غريباً في سفينته !

وبعد ساعات .. شعر بالتعب , فأطفأ المحرّك ليستلقي قليلاً في غرفة نومه قبل ان يُكمل رحلته ..
وحين نزل للأسفل .. لاحظ على الفور , قطرات الدم على الدرج باتجاه غرفة النوم ! 
فذهب الى المطبخ وأخرج سكيناً كبيراً , وهو يظن بأن حيوانٍ جريح إقتحم سفينته ..

وحين فتح باب الغرفة ..وجد الغطاء مُكوّماً فوق شيءٍ ضخم يأنّ من الألم , وقد تلوّثت أطراف الملاءة البيضاء باللون الأحمر القاني 
فأقترب بحذر ليكشف الغطاء , وإذّ به يتفاجأ بفتاةٍ تصرخ بخوف بعد رؤية السكين في يده :
- أرجوك لا تقتلني !! 
فقال متلعثماً : من انت ؟! وكيف دخلتي الى هنا ؟
فابتعدّت عن السرير وهي تقول : سأخرج من هنا حالاً , سيدي
- لا انتظري , فنحن في ..

لكنها أسرعت الى فوق , لتنصدم بأنهما في عرض البحر ! 
فلحقها القبطان وهو قلقٌ من الدماء التي تنزل من ساقيها , قائلاً لها:
- لا اريدك ان تخافي مني , فأنا لن أؤذيك
وإذّ بقواها تنهار بعد ان أيقنت بأنها عالقة مع رجلٍ غريب في هذه السفينة التي لا تعلم وجهتها !

فحملها القبطان (الخمسيني) وهو ينظر الى وجهها الشاحب , وأنزلها الى الأسفل .. ثم وضعها فوق السرير وبدأ بعلاجها , فهو لحسن حظها طبيبٌ جرّاح يقوم برحلةٍ سياحية بعد تقاعده المُبكّر 

وفور كشفه عليها , علم بأنها أسقطت جنينها ! ومن الجيد انه يحتفظ بحقيبة إسعافات اوليّة في سفينته , وبداخلها مصلٌ طبّي قام بتعليقه لها لتعويض جسمها عمّا خسرته من دماء.. 

وحين ألبسها بيجامته لاحظ آثار جَلدٍ بالحِزام على ظهرها وكدماتٍ قديمة , وآثار ربطٍ بالحبال حول معصميها وقدميها , بالإضافة لتورّمٍ واضح لعينها اليمنى من لكمةٍ قوية .. فعرف انها هربت من تعذيب زوجها , لأن الخاتم مازال في إصبعها ..

فتمّتم بعد ان غيّر لها الملاءة والغطاء : يا الهي ! كيف تحمّلت المسكينة كل هذا العذاب ؟!
***

وعصراً .. دخل القبطان اليها ومعه طعام , فوجدها إستفاقت من نومها وهي تحاول إزالة المصل من ذراعها .. فقال لها مُحذّراً :
- إتركيه !! ستؤذي نفسك
فسألته بفزع : من انت ؟!! ومالذي أدخلته في جسمي , هل هو مخدرات ؟!
- لا طبعاً , هذا مصلٌ طبّي .. وانا طبيبٌ سابق , أقوم برحلة على سفينتي في يوم عطلتي
فقالت بدهشة : انت طبيب ؟!
- نعم دكتور فؤاد , جرّاح أعصاب متقاعد .. 
فسكتت وهي تشعر بالإحراج ..

الطبيب : سأحاول ان أساعدك , لكن أجيبيني اولاً : هل ضربك زوجك الى ان أسقطّتي جنينك ؟
فهزّت رأسها إيجاباً بحزن..
- وكنتِ في أيّ شهر ؟
فأجابت بقهر : الثالث
فقال بحزم : أعدكِ حين نصل الى مرفأ المدينة المجاورة , سأشهد معك لدى الشرطة كيّ يحبسوه على فعلته الغير إنسانيّة 
بخوف : لا ارجوك ! لا اريد مشاكل معه , فهو مجرمٌ سابق
الطبيب باستغراب : ولما تزوجتي منه ؟!

فأجابت بحزن : لأن والدي باعني له
- ماذا تقصدين ؟!
- والدي مُدمن وزوجي تاجر مخدرات ..فباعني من أجل حقنة هيروين 
الطبيب بصدمة : يا الهي ! ..وماذا عن امك ؟
فأجابت بقهر : والدايّ مُنفصلان منذ صغري .. ورغم انني أفنيت طفولتي بخدمة والدي , لكنه باعني بثمنٍ بخس ! 
- ارجوك لا تبكي .. وسأحاول مساعدتك قدر المستطاع 
- أتدري دكتور .. أحمد ربي على إنني أسقطت الجنين , فأنا لا اريد شيئاً يربطني بطليقي المتوحش 
- طليقك ؟!

نورا : نعم هو طلّقني بعد ان تشاجرت معه بسبب إحضاره بضاعة هيروين الى بيتي , فضربني بقسوة دون ان يرحم حملي .. ورماني بملابس النوم الى الشارع .. وكان وصولي الى سفينتك معجزة ! بعد تجاوزي لمجموعة من الرجال السُكارى والمدمنين المتسكّعين في الشوارع
- جيد انك وصلت اليّ , والا لكنت نزفتِ حتى الموت 
وهي تمسح دموعها : والله الموت أرحم من حياتي البائسة
- لا تقولي ذلك يا .. آه لم اسألك بعد .. ما اسمك ؟ 
- نورا 
- إسمعيني يا نورا .. اريدك الآن ان تأكلي جيداً , فأنت خسرتي الكثير من دمائك .. ومن بعدها تنامين دون ان تفكّري في شيء , وحين نصل للشاطىء نجد حلاً لمشكلتك ..إتفقنا 

ثم تركها لترتاح .. بينما استلقى على سطح المركب رغم الجوّ البارد , وهو ينوي مُعاودة المسير في المساء , لأنه يحتاج الى يومين من الإبحار للوصول لأقرب مرسى 
***

الا ان الطقس الصافي تغير فجأة مع غروب الشمس ! بعد ان أنار البرق ظلمة البحر , تبعه هدير رعدٍ يصمّ الآذان .. ثم تساقط المطر بغزارةٍ  كادت تُمزّق أشرعة السفينة .. 
فأسرع فؤاد الى كابينة القيادة للسيطرة على قاربه الصغير , بعد ان اهتزّ بعنف مُتناغماً مع هيجان الرياح والأمواج المُتلاطمة !

وحاولت نورا الخروج الى السطح , لكنها سمعت القبطان يصرخ عليها للعودة فوراً الى غرفتها وإقفال الباب , وعدم الخروج لأيّ سببٍ كان ..
***

وهناك , حاولت نورا التمسك بالسرير الذي كان يهتزّ بعنف مع اهتزازات السفينة !
وكانت أرعب ليلة في حياتها , فهي تصارع موتاً محقّقاً.. ولم تدري متى نامت , بعد ان تهالك جسمها من شدّ الأعصاب المتواصل
***

إستيقظت صباحاً (بعد انتهاء العاصفة) على صوت أنينٍ قادماً من سطح السفينة ! فأسرعت الى هناك .. لتجد القبطان واقعاً داخل الكابينة بواجهتها المُحطّمة بالكامل .. ويبدو ان شظيّة من الزجاج جرحت خاصرته ..
فقال لها وهو يتأوّه بألم :
- نورا لوّ سمحتي , إحضري علبة الإسعافات 

وبعد ان أحضرتها على عجل , طلب منها تقطيب الجرح .. ورغم خوفها من القيام بذلك , لكنها شعرت بأنها مُلزمة بردّ جميله .. فبدأت بتطهير الجرح وإزالة العالق من بقايا الزجاج , قبل تقطيبه بناءً على إرشاداته .. وبعد ان ضمّدته , ساعدته بالإستلقاء فوق سريره في الأسفل , قائلةً :
- سأحاول الإتصال بالنجدة
الدكتور بتعب : حاولت قبلك , لكن يبدو ان اللاّسلكي تعطّل بالعاصفة , كما المحرّك ..ولا ادري مالسبب !

فسألته بقلق : ومالعمل الآن ؟!
- لاتخافي .. طالما ان الجوّ هدأ الآن , فحتماً ستمرّ سفنٌ أخرى تنقذنا.. اما عن جرحي , فهو سطحي وغير خطير
- لكنك نزفت طويلاً .. ليتك لم تعطني ذلك المصل , لكنت استخدمته الآن 
- انا بخير يا نورا , كل ما احتاجه هو كوب عصير 
- وهل يوجد لديك في المطبخ ؟ 
الدكتور : نعم , داخل حافظة الطعام 
***

حين دخلت الى هناك , وجدت بقايا الطعام مُبعثرة فوق أرضيّة المطبخ ! والذي سلِمَ من العاصفة كان فقط : موز ولوحيّ شوكولا وقاروة مياه واحدة .. فعادت الى الغرفة , وأخبرته بذلك

الدكتور بقلق : هذه مشكلة ! .. اللعنة عليّ !! كيف نسيت إغلاق الحافظة بهذا الجوّ العاصف ؟!  
- الأسوء انه لا يوجد لدينا ماءٌ للشرب !
- سنجرّب طرق الكشّافة البدائية
نورا : تحلية المياه ! لكننا بحاجة للكثير من الأدوات
- أقصد ان الجوّ مازال غائماً .. لذا أريدك ان تفكّي إحدى الأشرعة وتربطيه على شكل وعاء , بحيث اذا أمطرت من جديد , نحصل على مياه للشرب 
نورا : فهمت , سأفعل ذلك الآن 
- ورجاءً لا تتعبي نفسك , فأنت مازلتِ متعبة
- لا تقلق , سأكون بخير
***

ظهراً .. وفور إنتهائها من ربط الشراع , بدأت زخّات المطر تتساقط على يديها
فتمّتمت بقلق : أتمنى ان يكون مطراً عادياً وليست عاصفةٌ أخرى !
وحين هطل المطر , نزلت الى الأسفل ..
***

وفي غرفة النوم .. فرشت نورا اللحاف على الأرض بجوار سريره .. فقال لها : 
- الأفضل ان تنامي على السرير , فجسمكِ مازال متعباً
نورا : لا , حالتك اسوء مني .. إبقى مكانك , وانا سأستريح على الأرض ..اساساً الوقت مازال مُبكراً على النوم
- صحيح ..لنستريح قليلاً , فلا شيء آخر نفعله في هذا الجوّ الماطر .. (ثم سكت قليلاً) هل انت جائعة ؟ فأنت لم تأكلي سوى لوح شوكولا واحد , بعد ان أصرّيتي أن آكل الموز لوحدي ..
- لا تقلق , لا أشعر بالجوع .. وحين يتوقف المطر , سأصطاد بعض السمك .. على أمل ان يتحسّن الطقس قبل غروب الشمس

الطبيب : وهل تعرفي كيف تصطادين ؟! 
- في بداية زواجي أخذني طليقي في رحلة , وعلّمني طريقةً سهلة لصيد السمك.. فهل لديك سنّارة ؟
- بالتأكيد , ستجدينها في إحدى خزائن المطبخ ومعها علبة الديدان
نورا باشمئزاز : هذا هو الجزء المقرف في الصيد
فابتسم لها قائلاً : لا تقلقي , سنحلّ مشكلة الطعام لاحقاً
*** 

بعد تحسّن الجوّ .. خرجت نورا الى سطح المركب لتجميع المياه من داخل الشراع , ووضعتهم في قارورةٍ فارغة .. واتفقت مع الطبيب على شرب القليل من الماء عند الحاجة القصوى
ثم حاولت جاهدة إصطياد السمك ..
***

بعد ساعتين من الفشل المتواصل , قالت في نفسها بضيق :
((عليّ إصطياد شيئاً , فالطبيب جريح وبحاجة للطعام .. يارب أرجوك , أعطني ولوّ سمكةً صغيرة))
وهنا تحرّكت السنّارة ..فصرخت بعلوّ صوتها :
- لقد اصطدّت سمكةً كبيرة !!!
فردّ الطبيب من الأسفل : انا قادم لمساعدتك !!
- لا !! إبقى مكانك

لكنه أصرّ على الصعود بعد ان إتكأ بتعب على جدران السفينة ..  
وقبل وصوله اليها , رآها تسقط في البحر بعد ان قامت السمكة بسحبها بعنف .. فهي دون ان تدري , إصطادت سمكة قرش كبيرة! 

فلم يجد نفسه الا وهو يأخذ الرمح المعلّق على جدار السفينة ويقفز نحوها .. وقد وصل اليها في الوقت المناسب , بعد ان غرز الرمح في عين القرش قبل ثوانيٍ من قضم قدمها , فهربت مُتألّمة في أعماق البحر .. بينما أسرعا في الصعود مجدداً الى السفينة .. واستلقيا على الأرضيّة وهما يلهثان برعبٍ وإرهاق !

ثم بدأت نورا تبكي , فسألها الطبيب بقلق :
- هل أذاكِ القرش ؟! 
- لا انا بخير , وانت ؟
الطبيب : بخير .. لما تبكين ؟!
- لأني جلبت النحس معي الى سفينتك .. هآقد ضاعت سنّارتك بالبحر , وبسببي سنموت جوعاً !
- لا تقلقي , يمكنني صنع سنّارة أخرى .. هيا رجاءً لا تبكي .. ثم بالعكس انت أنقذتي حياتي , لأني أخطأت حين أبحرت دون الإنتباه لحالة الطقس ..ولولاك يا حوريّة البحر لكنت نزفت حتى الموت
فقالت بدهشة وحزن : حوريّة ! أتصدّق انك اول شخص يمدحني في حياتي؟!
- يبدو ان لديك ذكريات سيئة مع والدك وزوجك , لكن تأكدي بأن حياتك ستصبح أفضل بعد وصولنا للشاطىء 

نورا : أتمنى ذلك .. وماذا عنك ؟ هل لديك ابناء ينتظروك في المدينة الثانية ؟
- نعم ابني , وهو يدرس الطب وانا فخورٌ به  
- وماذا عن زوجتك ؟
الطبيب بحزن : توفيت بالسرطان السنة الفائتة , وبسببها تقاعدّت مبكراً 
- لكن الناس بحاجة الى اطباء إنسانيين مثلك !
فؤاد بقهر : لم أعدّ أطيق رؤية المستشفيات بعد ان احتضرت زوجتي هناك لستة أشهرٍ متواصلة 
- آسفة لسماع ذلك ! 
- لهذا اشتريت هذه السفينة لأجوب بها العالم .. وكان ابني يرفض ذهابي لوحدي , وطلب مني مراراً أن أعيّن بحاراً يسافر معي , لكني عاندّته ورفضّت , بحجّة انني بارعٌ في الملاحة .. 
نورا بحزن : على الأقل لديك شخص تعيش لأجله .. اما انا , فلا أدري ماذا سأفعل بعد وصولي للشاطىء , فليس لديّ مكان أذهب اليه 
- لا تقلقي يا نورا , سأساعدك في بناء حياتك من جديد
- شكراً دكتور , انا سعيدة لأن القدر جعلني أختار سفينتك من بين سفن الصيادين في المرسى ..
فابتسم لها بحنان
***

ثم أمضيا بقيّة اليوم في صنع سنّارة يدوية , استطاعا بها اصطياد سمكةٍ صغيرة , قاما بشويها وأكلها .. وان كانت لم تشبعهما , لكنها أفضل من النوم جوعاً ..
***

في المساء .. لم يقبل الطبيب النوم مجدداً على السرير , ونام على فراش الأرض وهو يُطمّئنها بأنه سيتمّ إنقاذهما غداً , لأن إحساسه لا يخطأ ابداً 
***

لكن ما حصل في اليوم التالي كان أغرب من الخيال , حيث استيقظا ليجدا السفينة راسية لوحدها على الشاطىء , وكأن الأمواج تكفّلت بذلك !

ونزلا وهما سعيدان بملامسة أرجلها للتراب , ومشيا مُبتعدان عن العائلات والسوّاح الذين إفترشوا الشاطىء .. وقبل ان يصلا للشارع , شاهد الطبيب ابنه الشاب برفقة رجلٍ يتجهان صوب سفينته المتوقفة قرب البحر ..  
فلحقه ابوه وهو يناديه بصوتٍ عالي وبسعادة : هاى بنيّ !! انا هنا

لكن يبدو ان ابنه مُنشغلاً بالحديث مع الرجل , بحيث لم يلتفت لوالده الذي كان خلفه !
فهمست له نورا : هل انتما على خصام ؟!
الأب بدهشة : لا ابداً ! ربما لم يسمعني من ضجّة مرتادي الشاطىء , لنلحقهما ..

وحين وصلا قربهما , سمعه الأب وهو يقول للمشتري بنبرةٍ حزينة:
- هذه هي سفينة والدي الطبيب , وكان يعشقها جداً  
فقال الرجل : لقد رأيت إعلانها بالأنترنت , وهي جيدة من الداخل وسعرها مقبولٌ جداً ! 
الأبن : نعم , مع اني تكلّفت الكثير لإصلاح عطل محرّكها واللاّسلكي ..وكان ابي إشتراها بمبلغٍ كبير , لكن لم يرضى احد بشرائها بعد معرفتهم بأن والدي مات في الكابينة بعد تلك العاصفة التي ضربت البلاد الشهر الفائت , قبل ان نجد سفينته متوقفة في ميناء الصيادين 

وهنا قال الطبيب لنورا بفزع : ماذا يقول هذا الأحمق ؟!.. (ثم نادى لإبنه من جديد بصوتٍ عالي) ..ابني انا هنا !! لم أمت بعد ! أدرّ ظهرك نحوي يا ولد !!

ثم سمع المشتري يقول لإبنه : يبدو ميناء الصيادين منحوساً ! فقد وجدوا قبل اسابيع جثة امرأة ماتت في المرسى بعد إجهاضها , وكان على جسمها آثار ضربٍ عنيف .. وألقت الشرطة القبض على زوجها الذي كان تاجر مخدرات !

فارتعبت نورا بعد سماعها لذلك , وقالت للطبيب بخوف : 
- لكني لم أمت يا فؤاد ! مالذي يقولانه هذان الأحمقان ؟!
وأسرعا نحوهما وهما يصرخان :
- نحن أحياء !! الا ترونا ؟!

وحين حاول الأب إمساك ذراع ابنه , مرّت يده من خلاله وكأنه طيف ! فتراجع الطبيب للخلف برعب .. 
وحاولت نورا بدورها إمساك ذراع المشتري , لكن حدث لها الشيء ذاته !

وهنا قال المشتري للإبن : رحم الله والدك 
الإبن : سلمت أخي , هيا ندخل لترى السفينة من الداخل
وبعد ان دخلا السفينة ..

قالت نورا وهي ترتجف بخوف : ماذا يعني هذا ؟!
الطبيب بفزع : يبدو اننا ميتان !
نورا وهي تبكي : لا أصدّق هذا , كيف ؟!

وفجأة ظهرت لهما سفينتهما من بعيد وهي تقترب أكثر وأكثر من الشاطىء 
الطبيب : أنظري هناك !! انها سفينتنا المُحطّمة !
نورا بحزن : وماذا نفعل الآن ؟!
ففكّر الدكتور قليلاً , قبل ان يقول بحزن : 
- هاتِ يدك .. دعينا نعود الى سفينتنا , ولنُبحر من جديد
نورا بقلق : أخاف ان ينقصنا الماء والطعام
الدكتور بيأس : لا تقلقي , لن نموت مرتين .. 

ولأول مرة لاحظا بأن جسميهما يطفو بخفّة فوق الماء , الى ان وصلا لسفينتهما الشبح التي لم يرها أحد من مرتاديّ الشاطىء .. ثم أبحرا في عرض البحر مُتجهين نحو الأفق المجهول !

الثلاثاء، 26 مارس 2019

لن تكون لغيري !!

تأليف : امل شانوحة


أريد زوجها لي !!!  

أمضت نجوى ليلتها وهي تغرز الإبرة تلوّ الإبرة في اللعبة القماشية , وهي تقهّق بخبثٍ وشرّ ..

بهذه الأثناء .. مرّت امها من امام غرفتها , ورأتها مُنكبّة على غرز الإبر في اماكن متفرّقة من جسم اللعبة ..
- إرحميها قليلاً , فأنت تعاقبينها منذ اسبوع !
ابنتها بعصبية : مستحيل !! هي سرقت حبيبي , وسأجعلها تندم على ذلك  
الأم بقلق : أخاف ان ينقلب السحر عليكِ
نجوى : وما يُدري تلك الغبية بأمور الشعوذة التي نتقنها انا وانت .. ارجوك يا امي , دعيني أستمتع باللحظة
فتمّتمت الأم : كان الله في عون المسكينة !
***

في الجهة المقابلة من المدينة .. لم تستطع ندى النوم لهذا اليوم ايضاً بعد تزايد الألم في أجزاء متفرّقة من جسمها , ممّا أقلق زوجها الذي لا يدري ما أصابها ! فالأشعة والتحاليل أثبتتّ انها لا تعاني من مشاكل عضويّة او خللٍ صحّي .. ورغم ذلك تبدأ أوجاعها بحلول المساء , وطوال الأسبوع الماضي ! (واليوم يصادف آخر يوم في شهر العسل)  

وبعد ان فكّر الزوج طويلاً , قال بقلق : 
- يا خوفي ان تكوني مسحورة يا ندى !
عروسته وهي تأنّ من الوجع : سحر ! ومن يجرأ على فعل ذلك ؟!
- أظنها نجوى , خطيبتي السابقة .. فقد تركتها قبل شهور من خطبتي لك
- وما سبب الإنفصال ؟.. (ثم صرخت بألم) : آآآآآآي

زوجها : كنت معزوماً على العشاء في منزل امها .. وأردّت دخول الحمام , فدلّتني نجوى عليه وهي منشغلة مع امها في إعداد الطعام بالمطبخ .. فدخلت بالخطأ الى غرفةٍ ثانية أرعبتني ! حيث وجدّت فيها : جماجم وبقايا حيوانات مُحنّطة وبخور وغيرها من أغراض السحر .. وخفت ان أجادلهما بالموضوع .. واعتذرت عن العشاء بحجّة ألمٍ مفاجىء في معدتي .. وعدّت سريعاً الى بيتي .. وأنهيت علاقتي معها في اليوم التالي من الهاتف الذي غيّرت رقمه .. اما بيتي فلم تكن تعرف عنوانه بعد .. وأظنها غضبت حين علمت بزواجنا  
- وكيف سحرتني ؟ فأنا لا أعرفها !

زوجها : تذكّري جيداً , هل أدخلتي احداً الى بيتنا بعد العرس ؟ 
- أتى الكثير من المهنّئين 
- وهل كان بينهم شخصاً لم تعرفيه ؟
ففكّرت ندى قليلاً : آه تذكّرت !! فتاةٌ بشعرٍ اسودٍ طويل.. 
- وعيونٌ سوداء كحيلة ؟
- نعم , قالت انها ابنة خالتك 
زوجها : بل هي اللعينة نجوى !! ..وهل لاحظت إختفاء شيء من أغراضك بعد رحيلها ؟ 
- لا ادري , لكني تضايقت حين دخلت حمامنا وليس حمام الضيوف 
الزوج بضيق : يبدو انها أخذت شيئاً من ملابسك المتسخة لتستخدمه بالسحر 

ندى بتعب : ومالعمل الآن ؟ فكل جسمي يؤلمني 
- سأحضر الشيخ حالاً 
- تأخّر الوقت الآن ! 
زوجها : لا عليك , الشيخ الذي أعرفه مُعتاد على العمل في أوقاتٍ متأخّرة .. سأذهب اليه .. وحاولي ان تتحمّلي الألم قليلاً , حبيبتي
***

قبيل الفجر .. استيقظت الوالدة على صرخات نجوى المتألّمة ! فدخلت غرفتها لترى الدخان يخرج من جسمها
ونادتها وهي تبكي بفزع : امي !! انهم يحرقونني
فأغلقت الأم أذنيها بقوة , بعد سماعها لتراتيل الشيخ يتردّد صداها في غرفة نجوى .. فقالت معاتبة : 
- الم أخبرك ان لا تتمادي بالسحر ؟!! هآقد أحضرت ندى شيخاً ليفكّ سحرها , فانقلب السحر عليكِ
- أنقذيني يا امي !! أشعر وكأن ناراً تحرقني من الداخل 
- انتظري , سآتي حالاً

وعادت الى الغرفة بعد قليل ..وهي تحمل قدراً من الفخّار تستخدمه لحرق البخور , ثم أشعلته وهي تتلوّ التعاويذ السحريّة التي استحضرت بها معاونها الجني لإنقاذ ابنتها .. 

وظهر لهما على هيئة دخان , وقال معاتباً بغضب : 
- كيف تُحضريني الآن وآيات الشيخ تصدح في المكان , أتريدين حرقي؟!! 
الأم : رجاءً أنقذ ابنتي ..
الجني وهو يغلق أذنيه : لا استطيع فعل شي قبل انتهاء جلسة الشيخ , والا احترقنا جميعاً
الأم بقلق : وماذا أفعل لها ؟ 
الجني : ضعيها في حوض الإستحمام , وأغمريها بماء السحر ..وأوقدي الشموع والبخور في ارجاء الحمام .. ودعيها هناك حتى الصباح .. وسأعود لاحقاً لحلّ المشكلة 

ثم اختفى فجأة ! فساعدت الأم ابنتها للإستلقاء بالحوض الذي ملأته بمياه وأعشابٍ سحريّة لتخفيف آلام الحروق في جسم نجوى بعد ان إحمرّ جلدها  
***

في الصباح .. كان الزوجان سعيدين بانتهاء الأزمة بعد إستعادة ندى لصحتها ونشاطها من جديد.. والتي قالت : 
- علينا تشغيل القرآن دائماً في بيتنا , الى أن تزيلك تلك اللعينة من رأسها 
زوجها : نجوى فتاةٌ حقودة ولن تنساني بسهولة , لهذا حافظي على أذكار الصباح والمساء
- وانت كذلك , فأنا خائفة عليك
الزوج بغضب : والله لوّ كان الأمر بيديّ , لعاقبتها بشدّة على فعلتها الحقيرة !!
- إيّاك ان تقترب منها !! فالسحرة كالزجاج المكسور لا يمكنك لمسه دون ان تُجرح .. فدعها وشأنها , والله يُمهل ولا يُهمل 
***

في بيت المشعوذة .. إنتهى عذاب نجوى مع تباشير الصباح , وأخرجتها امها من الحمام .. ثم غيّرت ملابسها المبلّلة ووضعتها في السرير..
نجوى بإرهاق : مازال جسمي يؤلمني يا امي
- ألم أعلّمك سابقاً إن السحر يكون بمقادير محدّدةٍ بدقّة , ولا يمكننا تجاوزها على حسب مزاجيتنا المتقلّبة 
نجوى وهي تبكي : لقد إنقهرت كثيراً حين علمت بزواجه , فأنت تعلمين كم كنت أحبه
- اهدأي يا ابنتي , وأعدك بأنهما لن يهنئا بحياتهما 
- حقاً يا امي ! هل ستجعليه يُطلّقها قريباً ؟
- سأحاول جهدي 
***

مرّت الشهور , وأصبحت ندى حاملاً .. لكن المشاكل تزايدت بينها وبين زوجها في الفترة الأخيرة , بعد ان لاحظت سوائلاً كريهة تُسكب على عتبة منزلها ! فداومت على تنظيف بيتها بالملح وماء البحر , وقراءة القرآن والأذكار .. لكنها في اليوم الذي تنسى فعل ذلك , تحدث مشكلة كبيرة بينهما
***

وفي إحدى الإيام , سافر زوجها برحلة عمل ..فأحضرت عاملاً لتركيب كاميرا على باب بيتها ..

وبعد ايام , إستيقظت في آخر الليل .. 
وفور خروجها من الحمام , سمعت اصواتاً خافته خلف باب منزلها .. وحين نظرت الى شاشة الكاميرا , رأت ابن جارتها في الطابق العلويّ (8 سنوات) يسكب شيئاً على بابها .. 
فأسرعت بفتح الباب وإمساك يده بقوة , وأدخلته عنّوة الى بيتها وهو يرتجف خوفاً !
وسألته بغضبٍ شديد : ماذا كنت ترمي على بابي ؟.. تكلّم يا ولد !!
فبكى الصبي من الخوف قائلاً : امي تُجبرني على فعل ذلك كل يوم!
- إذاً لن تخرج من عندي , حتى تأتي امك .. مفهوم !!
***

بعد قليل .. طرقت الجارة الباب بقلقٍ شديد , فأدخلتها ندى كيّ لا يسمع الجيران صراخها :
- لما ترمين السحر على بابي , وانت لا تعرفينني جيداً ؟!! 
فالتزمت الجارة الصمت وهي تشعر بالخزيّ ..
فهدّدتها ندى بإبلاغ الشرطة وإعطائهم الفيديو المصوّر الذي يثبت قيامها هي وابنها بالسحر 
- هيا اعترفي !! ام تريدين الشرطة ان تحبسك انت وابنك الصغير ؟

الجارة برعب : لقد دفعت لي مبلغاً كبيراً
- من هي ؟!
- سيدة كبيرة في العمر ليست من سكّان عمارتنا , زارتني قبل شهر وأعطتني قارورة كبيرة فيها ماءٌ نتن , وطلبت مني سكب مقدار فنجان على عتبة بابك كل يوم في هذا الوقت من الليل ..وأعطتني مبلغاً من المال , ووعدّتني بمضاعفته بعد إنتهاء المهمة 
ندى بقلق : وكم سكبتي منه حتى الآن ؟
- نصف القارورة
- لعنة الله عليك !! كُدّت بسببك أتطلّق من زوجي
الجارة : وهذا ما كان سيحصل بعد انتهاء الكميّة ..
- إذهبي وإحضري القارورة الآن !! 
الجارة بقلق : لا استطيع , أخاف ان تؤذيني تلك المشعوذة
ندى بحزم : هاتها !! والا والله اتصلت الآن بالشرطة 
- حسناً إهدأي , سأذهب الى شقتي وأحضرها لك 

وبعد قليل , أعطتها القارورة ..
ندى بعصبية : خذي ابنك واذهبي , وأحلف ان رأيتكما تقتربان مجدداً من بيتي , فسأبلّغ عنكما الشرطة ولن أضعف امام توسلاتك
- سامحيني , فقد كنت بحاجة الى المال
- لا أصدّق انك بعتي دينك من أجل مالٍ زهيد ؟! الا تخافين على ابنك الذي علّمته الشرّ ان يكرّرها معك في كبرك ؟ انت والدة سيئة , وجارةٌ لعينة .. وعقابك سيكون كبيراً في الآخرة , لأني لن اسامحك ابداً .. (صارخةً بغضب) ..هيا إغربا عن وجهي !!
وأغلقت الباب خلفهما بعنف !!!!!  
***

واحتفظت ندى بالقارورة لحين عودة زوجها من السفر بعد ايام .. وما ان أرته فيديو الكاميرا , حتى أسرع لإحضار الشيخ..

وبعد أذان العصر , قدِمَ برفقة رجلٍ غريب  .. وحين رأته ندى , أخذت زوجها جانباً وسألته :  
- هذا ليس الشيخ الذي قرأ عليّ المرة الماضية ؟!
زوجها : زوجته أخبرتني انه مريض .. وحين خرجت , ناداني هذا الرجل من الشارع وقال بأنه تلميذه .. فطلبت منه الحضور معي
- وهل هو قويّ كأستاذه ؟
- لا ادري , لكن مالذي سنخسره ؟
ندى بقلق : زواجنا مثلاً !!
- لا تقلقي , فقط أعطه إيّاها

وما ان رأى الرجل ما بداخل القارورة , حتى أغلقها ووقف متجهاً نحو الباب الخارجي , وهو يقول :
- حسنا الى اللقاء 
ندى باستغراب : لحظة ! الى اين انت ذاهب ؟
الرجل : لا يمكنني رمي الماء المسحور في البلاّعة , عليّ رميها في البحر .. وسأذهب الى هناك في منتصف الليل , وأقرأ عليها الأذكار وانا أسكبها رويداً رويداً في سبعة أمواجٍ متتالية .. 
الزوج : يعني ليس الآن ؟!
الرجل : لا , لابد ان يكون مساءً ..فهناك طريقة معينة لفكّ الأسحار , هذا ما علّمني إيّاه شيخي الجليل

الزوج : حسناً , انت أدرى بعملك .. كم تريد منا ؟
- معاذ الله , فأنا أساعدكم لوجه الله
- لكن شيخك أخذ منّا المرة الماضية !
- شيخي رجلٌ فقير , اما انا فلي محلٌ تجاريّ استرزق منه ..وانا أتعلّم منه فكّ الأسحار لكيّ أساعد الناس بالمجّان 
الزوج : جزاك الله خيرا !
***

بعد خروج الرجل من المبنى , ركب سيارةً مظلّلة النوافذ ..
وفي الداخل .. قالت له السائقة (ام نجوى) : هات القارورة 
ابنتها من الخلف بسخرية : الأغبياء أعادوا لنا سحرنا !
الأم : طبعاً , فأنا دفعت الكثير لأستاذي من اجل هذا الماء النتن
الرجل : أتمنى ان لا تنسيا دوري بالمهمة .. فأنا راقبت الزوج فور رجوعه من السفر , ولحقته الى بيت الشيخ .. وألقيت التعويذة عليه ليقبل ذهابي معه 
الأم : انت مساعدي ويدي اليمنى , وسأكافئك لاحقاً

نجوى بحزن : والآن ماذا نفعل يا امي بعد فشل خطتنا ؟
الأم : سنُكمل المهمة طبعاً .. لكن عليّ اولاً إضافة التراب الى هذا الماء كيّ يصبح وحلاً , ثم أجفّفه ليتحوّل تراباً , فهو لن يثير الشبهات كالسوائل المسكوبة على عتبة منزلها
نجوى باهتمام : ثم ماذا ؟
الأم : أعود للإتفاق مع زوجة بوّاب العمارة , فقد عرفت من الجارة انها تقوم بتنظيف بيت ندى مرتين بالشهر .. وسأطلب منها وضع حفنة من التراب المسحور تحت دعّاسة منزلها كلما ذهبت اليها 
نجوى : وهل ستقبل الخادمة ؟ 
الأم : الجميع يرضى مقابل المال  
ابنتها : لكن استعجلي يا امي قبل ولادة ندى 
الأم بخبث : هي لن تلدّ اصلاً , لا تقلقي
***

وبالفعل أجهضت ندى قبل اسبوع من ولادتها ومن دون سببٍ واضح , فهي لم تقع او ترهق نفسها بالعمل ! 
وحين علم زوجها بخسارة الجنين , إنفجر غاضباً عليها امام طبيبها الذي طلب من الحرس طرده من غرفة المستشفى خوفاً على المريضة , ممّا أدّى لتفاقم الوضع وجعله يرمي عليها يمين الطلاق الذي تسبّب لها بنزيفٍ حادّ من شدّة الحزن , وبالكاد استطاع الطبيب إنقاذ حياتها ..
لكن لم يستطع أحد من أقاربها إنقاذ زواجها بعد ان ثبّت الزوج الطلاق في المحكمة باليوم التالي , وسافر بعدها الى الخارج ! 
***

وفي الوقت الذي كانت فيه ندى تعاني من إنهيارٍ نفسيّ في بيت أهلها , كانت نجوى وامها تحتفلان بنجاح خطتهما الشريرة..
نجوى بحماس : ومتى يا امي ستبدأين بتنفيذ الخطة التالية ؟
الأم معاتبة : آخ !! كلّه من عنادك ..لوّ انك سمعتي كلامي منذ البداية وجعلتني أسحره حين قدِمَ لخطبتك , لكان لديكما طفلاً الآن
ابنتها : وما كان سيُدريني إنه سيتركني ! المهم , متى سترجعينه لي ؟

فأخرجت الأم سُبحة من جيبها .. وحين رأتها نجوى , قالت بدهشة:
- انها سُبحة حبيبي , اليس كذلك ؟!
- نعم , فزوجة البوّاب استطاعت سرقتها من بيت ندى (قبل طلاقها) حين كانت تنظفه , وطلبت بالمقابل مبلغاً كبيراً .. النصّابة!
نجوى بارتياح : ممتاز !! وهكذا حصلنا على شيء من أثره 
فتقول الأم وهي ترمي البخور السحريّ في النار الموقدة امامها :
- والآن سأجعله زوجاً وصهراً مطيعاً لنا 

ورمت السُبحة في النار , وهما تتلوان التعاويذ السحريّة ..والإبتسامة الخبيثة تعلو وجهيهما , في انتظار عودة العريس مغلوباً على أمره !

السبت، 23 مارس 2019

شيطان في الجنة !

تأليف : امل شانوحة


ماهي اسرار البشريّة ؟

في القرن العاشر قبل الميلاد .. كان علم الشعوذة في ذرّوته , وكان للسحرة شأنٌ كبير في إدارة شؤون البلاد , حيث اعتاد الملوك على استشارة مشعوذيهم في امور الحرب وأحكام القضاء .. كما كان للسحرة إحتراماً ورهبة لدى العامة , بعد تمكّن أعوانهم الشياطين من الحصول على معلوماتٍ صحيحة من خلال تنّصتهم على كلام ملائكة السماء .. وبرغم صعوبة مهمّتهم , الا انها لم تكن مستحيلة في ذلك الزمان .. وكان تحقّق جزء من النبوءات كافياً لإرضاء فضول البشر في معرفة مستقبلهم , كما انها تساعد في الأعمال السحريّة وإيذاء الآخرين !
***

وفي إحدى ايام ذلك العصر القديم .. نزلت حوريّة من الجنة مُخترقةً الفضاء .. الى ان وصلت للغيوم التي جلست فوقها , وهي تنظر الى دنيا البشر وتتساءل :
- ماذا لوّ نزلت اليهم ؟ حتماً سأكون أجمل نساء الأرض , وسيتنافس الجميع على إرضائي .. 

وبينما هي غارقة بأفكارها , لمحت شيئاً اسوداً يخرج من الأرض ويحلّق مُسرعاً , مُخترقاً السحب باتجاه الفضاء .. فلحقته دون ان يشعر بها .. وحين تجاوزا السموات السبع , وجدته يقف عند باب الجنة وهو يحاول التنصّت على الملائكة , مُسترقاً النظر من فتحة القفل .. 
فصرخت بعلوّ صوتها :
- يا حرّاس الجنة !! هناك شيطان يتلصّص علينا
الشيطان بخوف : رجاءً اسكتي .. لا اريدهم ان يقتلونني !

وكان شيطاناً يافعاً وذكيّاً , حيث إستطاع بسرعة (وفور سماعه لصوتها من خلفه) بتحويل شكله المرعب الى شابٍ وسيم , ممّا أربكها ! فهي لم ترى مثل هيئته من قبل .. فقالت بارتباك :
- إذاً أهرب بسرعة , فليس مسموحاً لكم الإقتراب من هنا 

وبهذه اللحظات .. سمعا صهيل الأحصنة من بعيد , فقالت له :
- هيا إهبط بسرعة الى الأرض , ماذا تنتظر ؟ فحارس الجنة قادماً الى هنا على حصانه السريع 
الشيطان بقلق : لا استطيع .. فأبي طردني من البيت , ولن يسمح لي بالعودة الا اذا قمت بالمهمّة التي طلبها مني المشعوذ البشريّ.. لذا رجاءً أدخليني الجنة , فأنت تملكين المفتاح
- لا طبعاً , هذا ممنوع !! 

وحين سمعت الحارس يصرخ من بعيد : 
- من ناداني ؟!!! 
لم تجد نفسها الا وقد فتحت البوّابة , ليُسرعا بالتخفّي بين اشجار الجنة وهما ينظرا بقلق نحو الملاك الحارس الذي وصل الى الباب المفتوح .. وحين لم يجد أحداً هناك , قام بإقفاله من جديد ورحل ..

الشيطان بعد ان تنفّس الصعداء : شكراً لك 
الحوريّة : إسمعني جيداً , ستخرج من هنا مع حلول المساء ودون ان يراك أحد .. اساساً انت جريء لأنك أتيت الى هنا في الصباح !
- هذا لأني أعرف بأن أعداد حرسكم تزداد في المساء , فهو الوقت الذي يقوم به معظم أعوان السحرة الشياطين بعملية سرقة المعلومات , مُعرّضين أنفسهم للقتل او الحبس في جهنم 
الحوريّة : معلوماتك خاطئة ..فجهنم لم تفتح ابوابها بعد , فقط في يوم القيامة
الشيطان بدهشة : أحقاً ! اذا اين يختفي شبابنا ؟!
- يقتلون حتماً .. لكن ما لا أفهمه , لما تصرّون على هذا العمل الخطير ؟ 

الشيطان بحزن : لأننا مجبرين .. فالجن انواع : منها الضوئي والقمري والمائي والترابي والهوائي والناري... 
الحوريّة مقاطعة : وماهو نوعك ؟ 
- انا جني مُتشيطن ترابي , وتحكمنا الشياطين النارية من ابناء ابليس الملاعيين الذين يأمرونا بإطاعة اوامر السحرة البشريين الذين بدورهم يطالبونا بإحضار ولوّ معلومةً واحدة صادقة من خلال تنّصتنا على الملائكة , ثم يضيفون عليها عشرات الأكاذيب التي يصدّقها الأغبياء من البشر المهوسين بمعرفة مستقبلهم !
الحوريّة : لكن هذا خطأ ..فلوّ فرضنا إنكم أحضرتم لهم بشرة سعيدة , فمعرفتهم لها قبل وقتها يُفسد عليهم فرحة المفاجأة ..وان أخبرتموهم بقدرٍ سيء ينتظرهم , فهذا سيخيفهم حتماً .. ولذلك أخفى الله عنهم المستقبل , لأنهم كائناتٌ هشّة ونفسيتهم تتحطّم بسرعة !
- أعرف هذا , لكنهم يدفعون الكثير من أجل هذه المعلومة الصغيرة التي نحضرها لهم بشقّ الأنفس 

الحوريّة بحزم : لهذا ستبقى تحت ناظري , الى ان تخرج من هنا .. فأنا مُحال ان أسمح لك بسرقة أيّةِ معلومة من الملائكة
- أقبل ذلك , بشرط ان تدعيني أتجوّل معك في الجنة 
فتفكّر الحوريّة قليلاً , قبل ان تقول : 
- حسناً لكن إيّاك ان تبتعد عني , فأنا لا أثقّ بالشياطين ..وعلينا اولاً تغير هيئتك البشريّة .. 

وأخذته الى نهرٍ قريب , قائلةً :
- عليك ان تسبح في هذا النهر 
الشيطان باستغراب : ولماذا ؟!
- ستخرج منه على هيئة خدم الجنة الصغار , وحينها يمكنك التجوّل هنا دون ان يلاحظك أحد .. هيا قمّ بذلك ولا تجادلني

وفعل ما أمرته به .. وقد صعق حين رأى إنعكاس وجهه على النهر (بعد خروجه منه).. 
الشيطان بدهشة : يا الهي ! أبدو كصبيٍ وسيم  
الحوريّة : نعم , والآن إلحقني .. سآخذك في جولةٍ سريعة 
- إتفقنا 
*** 

وأخذته اولاً الى مطبخٍ ضخم : فيه الآف النساء الجميلات اللآتي تقمنّ بإعداد الطعام .. 
وحين إقترب الشيطان (بهيئة الصبي) من الحافظات العملاقة التي فيها كل أصناف الطعام , قال بدهشة :
- يا الهي ! هناك جبالٌ من الأطعمة الفاخرة , لمن كل هذا ؟!
الحوريّة : نحن نتحضّر لاستقبال المؤمنين بعد اجتيازهم ليوم الحساب 
الشيطان باهتمام وقلق : وهل يوم القيامة قريب ؟!
- لا أحد يعرف .. كما ان التوقيت هنا يختلف كثيراً عن الأرض ..وأظنهنّ بدأنّ بالتحضيرات قبل سنوات من خلقي .. وقبل ان تسأل , الأطعمة هنا لا تفسد وستبقى طازجة لحين بدء طلباتهم

الشيطان بقهر : كم هم محظوظون !
- بالطبع , فمعظم سكّان الجنة سيكونون من البشر الفقراء .. الم تسمع بأن درجاتهم في الجنة تتفاوت على حسب صبرهم على مصائب الدنيا ؟  
- وماذا عن اثرياء البشر ؟
الحوريّة : معظمهم فاسدون ومن اهل جهنم , الاّ من رحم ربي  
- فعلاً , فقسمة الحظوظ في الدنيا غير عادلة 
- هي كذلك , لكن بالآخرة سيُحاسب الجميع عن أبسط اخطائهم ..وكذلك الشاطين والجن  
الشيطان بحزن : أعلم ذلك , وكم يخيفني ذلك اليوم 
***

ثم مضيا في طريقهما , الى ان مرّا من امام نافذةٍ ضخمة .. وحين نظر الشيطان من خلالها عمّا يوجد خارج الجنة , قال بدهشة : 
- ما أجمل منظر المجرّة ! 
الحوريّة : نعم ويمكنك رؤية الكواكب وهي تسير في مدارها بانتظام , ومع ذلك أحب ان انزل الى سماء الدنيا لأراقب البشر من فوق الغيوم .. 
الشيطان : صدّقني هي ليست جميلة كما تبدو لك , فالقويّ فيها يأكل الضعيف , وقانون الغاب هو السائد بينهم 
الحوريّة : أعلم ذلك .. (ثم سكتت قليلاً) .. أتريد رؤية جهنم ؟ 
- أحقاً ! وهل ترونها من هنا ؟ 
- تعال معي 
***

وفتحت جناحيها , بينما أمسّك بيدها بخوف .. لتطير به باتجاه واديٍ سحيق , وكان يوجد في الأسفل : فتحةً عميقة , وامامها عدسة مكبّرة ضخمة .. 
الشيطان : هل هذا بركان ؟
- بركان في الجنة ! .. فقط انظر من خلال العدسة عمّا يوجد في أعماق الحفرة  

فاقترب بحذر من الحافّة , ونظر من خلال العدسة للأسفل : ليرى وكأن جهنّم على كوكبٍ آخر بعيد ! ثم رأى زبانيتها وهم يحضّرون أدوات التعذيب المختلفة من مقالع ومساميرٍ حادة وخوازيق وحبالٍ غليظة وغيرها , إستعداداً لاستقبال أهل جهنم .. بينما الآخرون يرمون بالجمر والحطب في مواقدها لزيادة لهيبها .. كما هناك من يزرع الزقّوم في ارجاء متفرّقة من اراضي جهنم اليابسة .. وكان رئيسهم مالك (خازن النار) يُشرف على سير العمل , وهو يستعجلهم لإتمام كل شيء قبل الموعد المحدّد الذي لا يعلمه أحدٌ سوى الله ..

فبلع الشيطان ريقه بخوفٍ شديد , ثم سألها :
- وكأني أرى عدّة طبقاتٍ لها ؟! 
فأجابته الحوريّة : نعم وهي سبعة : جهنم ولظى والحطمة والسعير وسقر والجحيم والهاوية...والطبقة السفلى تكون مباشرةً فوق الموقد الناريّ الضخم كما ترى : وهي لإبليس وابنائه وللمنافقين البشر , وكذلك الملحدين كفرعون وغيره .. اما الطابق السابع والأخير : فسيعاقب به المؤمنين العصاة الذي يتفاوت مدة عقابهم على حسب ذنوبهم , الى ان يغفر الله لهم ويدخلون الجنة
الشيطان بدهشة : جميعهم ؟!
- نعم , فالطابق الأخير سيُغلق بعد فترة , بعكس الطوابق الباقية .. 

فيتنهّد الشيطان بحزن : آخر شخص سيخرج من هناك سيكون أكثر حظاً منا , نحن الشياطين !
- صحيح فهو سيحظى فور دخوله الجنة بنعيم يساوي عشرة أمثال الدنيا
- ما أعدلك يا ربي ! أتدرين .. لا يحقّ لرئيسنا ابليس ان يرغمنا على اتباعه ويحرمنا من دخول الجنة
الحوريّة : خاصة انه عاش هنا لفترةٍ طويلة 
الشيطان بغيظ : لكن غروره أفسد كل شيء !!
- عليكم وعلى البشر المساكين
- صحيح 

الحوريّة باهتمام : هل هذا يعني انك تفكّر بالتوبة ؟ 
فأجابها بحزن : صدّقيني الأمر ليس بهذه السهولة .. لأني في حال فشلت في مهمّتي الحالية , سيُخبر المشعوذ البشريّ الشياطين الناريّة بالأمر ويقتلونني , وربما يحرقون عائلتي ايضاً !
- هذا يعني انك مصرّ على سرقة المعلومات من هنا ؟
فكذب عليها قائلاً : لا ابداً !! بل العكس , سأخبر عائلتي واصدقائي بجمال الجنة , لربما تابوا على يديّ
الحوريّة بسعادة : إن كانت هذه نيتك , فسأريك شيئاً آخر ..إمسك بيدي
***

وطارت به نحو قصرٍ موجود في أعلى الجبال .. ودخلا الى غرفةٍ كبيرة لايوجد فيها سوى كرسي مريح .. 
الشيطان باهتمام : ما هذه الغرفة ؟
فأجابته : ان جلست على هذا الكرسي يمكنك الإنتقال الى أيّ زمانٍ تريده , فلربما اهل الجنة (حين يحضرون) يتمنّون تجربة الماضي
- تقصدين من وقت آدم ؟
الحوريّة : ومن وقت سوميا إن أردّت 
فقال بحماس ودهشة : أحقاً ! من وقت أبو الجن .. إذاً اريد تجربتها 
- حسناً إجلس على الكرسي , واختار الحقبة الزمنية التي تريدها 

وما ان أغمض عيناه , حتى رأى ابليس وهو يُطرد من الجنة مذلولاً والحقد يملأ صدره .. ثم رآه وهو يتفق مع الثعبان للعودة الى الجنة لإغواء زوجة آدم .. ثم شاهد الأحداث تتسارع , وكيف كبرت مملكة ابليس على الأرض , وكيف تحكّم ابناءه ببقيّة انواع الجن بعد آلاف المعارك الدمويّة بين الطرفين ..ثم شاهد تاريخ البشر بشكلٍ متسارع , وصولاً الى زمنه الحالي 

ثم فتح عيناه وهو منبهر ممّا شاهده :
- كنّا اقوياء جداً في زمن الفراعنة , ثم أتى النبي سليمان واستعبدنا لفترةٍ طويلة .. لكنّا الآن عدنا للذرّوة بعد تأسيس البشر للماسونية , فهم يحتاجوننا دائماً في تسير امورهم التدميرية 
الحوريّة باشمئزاز : لا اريد مناقشتك بهذه الأمور المريبة .. دعنا نذهب لمكانٍ آخر قبل حلول المساء
*** 

واثناء سيرهما بين الحقول , رأى العمّال يجتهدون في بناء القصور 
فقالت الحوريّة : كل هذا تحضيراً لقدوم المؤمنين
- لكنها قصور مختلفة !
- طبعاً , فالفخامة تختلف على حسب حسنات ومكانة كل شخص .. 
الشيطان : لكني أرى أعداد القصور قليلة بالنسبة لمن نوسّوس لهم ؟! .. (ثم قال بارتياح) .. يبدو اننا سننجح في إغواء البشر  
فتتنهّد بضيق : احياناً أنسى انك شيطان .. (وتسكت)
فابتسم قائلاً : إكمليها .. شيطانٌ لعين , اليس كذلك ؟
فتجاهلت كلامه قائلة : هيا بنا , فهناك شيءٌ اريد أن اريك إيّاه
***

ووصلا الى بابٍ كبير موجود في إحدى زوايا الجنة .. 
الشيطان : ما هذا الباب ؟
الحوريّة : ليس باباً بل مصعداً ينزل فيه اصحاب الطبقات العليا لزيارة أقاربهم واصدقائهم المتواجدين في الطبقة أقل منهم .. ونحن الآن في الطبقة الأخيرة .. وفي الجنَّةِ مائةَ درجةٍ , ما بينَ كلِّ درجَتينِ كما بينَ السَّماءِ والأرضِ .. والفِردوسُ أعلاها درجةً ، ومنها تُفجَّرُ أنهارُ الجنَّةِ الأربعَةِ .. ومِن فوقِها يكونُ عرش الرحمن...
الشيطان مقاطعاً بحماس : اذاً لنصعد الى الفردوس ونراها !!
- لم تدعني أكمل كلامي .. الأقل مرتبة لا يمكنه الصعود الى فوق 
- آه ! لكيّ لا يحسدوا اصحاب الطبقة الأعلى منهم , اليس كذلك ؟

الحوريّة : في الجنة لا يوجد غيرة او حسد .. لكن مراعاةً لشعورهم , ينزلون من فوق لزيارتهم وليس العكس .. أفهمت الآن؟ 
- فهمت , ومع هذا لا أصدّق ان كل هذا النعيم الذي رأيناه هو للمؤمنين من الطبقة الأولى ! إذاً كيف يعيش من قصره في أعلى مرتبة من الجنة ؟ 
الحوريّة : الفردوس للصالحين والشهداء , وسيكونوا جيران الأنبياء.. كما يمكنهم رؤية الله

الشيطان : هم محظوظون .. وماذا عن البيت المعمور ؟ سمعت انكم تطوفون حوله 
الحوريّة : نعم , لكن لم يحنّ دوري بعد .. حيث يزوره سبعون الف ملك , لا يعودون له ابداً.. فهي مرة واحدة في حياتنا , وكم أتشوّق لرؤيته
الشيطان بدهشة وخوف : يا الهي ! وهل أعدادكم هائلة لهذه الدرجة ؟! 
- نعم , وانتم ايضاً
- أشفق على البشر , فنحن نفوقهم في العدد والقوة والدهاء
الحوريّة معاتبة : لا تقللّ من شأنهم , فبسببهم ستحرقون بجهنم .. اما نحن فخلقنا لخدمتهم بعد دخولهم الجنة
- آه صحيح , ذكّرتني بالحوريات .. ماذا عنهنّ ؟
- كنت أتوقع سؤالك , تعال معي
***

وأخذته الى صالةٍ كبيرة : تتعلّم فيه الحوريات كيفية الطيران بخفّة , والكلام والإبتسام بلطف , وحسن المعاملة والتصرّف 
الحوريّة : هؤلاء حوريات يافعات , لم يتخرّجن بعد من التدريبات .. اما انا , فتخرّجت قبل سنوات ..ولاحقاً سيقسّمونا في جداول , كل مجموعة تكون ملكاً لأحد المؤمنين 
- وماذا عن زوجاتهم الحقيقين في الدنيا ؟
- ستكون زوجته أجمل منا جميعاً
الشيطان : أمتأكدة من هذه المعلومة ! فقد رأيت بعضهنّ , وأشكالهنّ أشبه بزوجاتنا نحن 
فابتسمت قائلة : حين يدخلنّ الجنة يتحسّن مظهرهنّ وأخلاقهنّ ايضاً 

الشيطان : جميلٌ جداً .. (ثم تنهّد بضيق) .. أتدرين .. لوّ رأى الناس ما رأيته هنا , لتقاعدت الشياطين عن أعمالها , ولقضى ابليس وقته في صيد السمك 
الحوريّة : معك حق , مع ان جميع الأنبياء بشّروهم بالجنة وأنذروهم من جهنّم , لكن الكثير ينسون ذلك .. الا من رحم ربي طبعاً !
- بالحديث عن الأنبياء , هل يوجد نبي بعد سليمان ؟ فقد مات قبل سنواتٍ طويلة 
- انا لا أعرف بهذه الأمور .. لكن ربما نجد الإجابة في مكتبة الملائكة
فتنفّس الشيطان الصعداء وهو يخفي فرحه , لأن الأمور الغيبيّة هي ما  جلبته الى هنا ..
***

في المكتبة الضخمة , وجدا كتاباً بعنوان : انبياء البشر .. ففتحته على الفهرس , وقالت له :
- ارأيت !! سيأتي بعد النبي سليمان النبي زكريا ثم يحي , ثم عيسى للنصارى .. ومن بعدهم الرسول محمد وهو خاتم الأنبياء , كما هو مكتوبٌ هنا
فتنهّد الشيطان بارتياح , وقد ارتسمت إبتسامةٍ عريضة على وجهه 

الحوريّة بعد ان فتحت على صفحة الرسول محمد , قالت له : 
- لا تفرح هكذا فهو سيُرسل لجميع البشر والجن , ودينه سيبقى الى يوم القيامة
الشيطان بغيظ : لا ! هذه مصيبة علينا
- ليس هذا فحسب.. إقرأ هذه الجزئيّة التي تتكلّم عنكم 

فقرأ بأن مع قدوم الرسول محمد ستُغلق ابواب السماء في وجه الشياطين والجن , وكل من يحاول التنصّت على أقوال الملائكة سيُرجم بالشهب 
الحوريّة : أرأيت !! هذا يعني انه في ذلك الزمان ستختفي الشعوذة تماماً
- لا أظن ذلك , فكما ذُكر في الزّبور : ان السحر باقٍ الى يوم القيامة
الحوريّة : لكن السحرة بحاجة لتنبوءاتٍ صحيحة , فكيف ستقومون بالتنّصت علينا بوجود الشهب الحارقة في المستقبل ؟
الشيطان بقلق : يبدو ان وظيفتنا ستتحوّل من صعبة الى عملٍ إنتحاريّ !
الحوريّة : ولما كل هذه المجازفة ؟! 
فأجبها بعصبية : لأننا مجبرين !! فحياتنا ليست سهلة مثلكم ..فنحن محاصرون بين الملائكة وابناء ابليس الملاعيين الذين يراقبوننا وكأننا عبيداً عندهم !! 

وهنا سمعا مسؤول المكتبة يقول لهما :
- سنُغلق المكتبة بعد قليل , فقد حلّ المساء
فقالت الحوريّة للشيطان : هيا دعني آخذك الى البوّابة , فأنت وعدّتني بالعودة مساءً الى الأرض .. 
- حسناً كما تشائين 
وفي هذه اللحظات كان يفكّر في نفسه بقلق : 
((لم أتمّ مهمّتي بعد ! فماذا أفعل ؟))

وقبل خروجه من المكتبة , لمح موسوعة عن أسرار البشريّة .. وبخفّةِ يد سرق كتاباً منها وأخفاه في ملابسه , دون ان تلاحظ الحوريّة ذلك
***

وخارج بوّابة الجنة , عاد الشيطان الى شكله قديم..
الحوريّة بفزع : يا الهي ! كم شكلك مخيف 
- آسف , لكن لا داعي من التنكّر بعد خروجي من الجنة ..سأذهب الآن , وأشكرك على الجولة الرائعة التي لن انساها ابداً 

وقبل ان يذهب , نادته قائلة : 
- أتمنى ان تفكّر جديّاً بالهداية !!
- أعدك ان أزور مدينة الجن المؤمنين , فأنا لست غبياً كيّ أحرم نفسي من نعيم الجنة
الحوريّة : إذاً السلام على من اتبع الهدى ..
وودّعته وهي لا تعلم بأنه سرق الكتاب الذي يتكلّم عن : تأثيرات الفلك على البشر .. 
***

وهبط سريعاً نحو الأرض وهو سعيداً بما أخذه.. لكن قبل وصوله للأرض اعترضه ابن ابليس.. وظلّ يحقّق معه الى ان عرف بشأن الكتاب , فأخذه الى قصر والده .. وأدخله مكتب ابليس ..
وهناك تكلّم الشيطان بحماسٍ وفخر عن سرقته للكتاب بخفّة من مكتبة الملائكة .. وحين بدأ في وصف جهنّم , لاحظ ابليس خوف ابنه ! فطلب منه تركه لوحده مع الشيطان اليافع .. فخرج متضايقاً لأنه كان يرغب بسماع وصف الجنة التي لم يخبرهم ابليس عنها يوماً !

وبعد ان أنهى الشيطان وصفه لكل ما رآه بالجنة , قال له ابليس :
- أظنك تنتظر مني ان اكافئك على شجاعتك ؟
فأجاب الشيطان بغرور : طبعاً , فأنا الشيطان الوحيد الذي تجوّل بالجنة 
وإذّ به يتفاجأ بإبليس يسلّط عليه عصاه ليحرقه ! 

ودخل ابن ابليس مُسرعاً الى المكتب بعد سماع صرخات الشيطان المتألّمة , ليتفاجأ بجثته متفحّمة ! 
فسأل والده بدهشة :
- ظننتك ستكرّمه وتُعلي شأنه بيننا !
- قتلته لأنه رأى أكثر من اللازم 
- لكن ابي ..
ابليس مقاطعاً بغضب : أتعترض على حكمي يا ولد !!
فسكت ابنه خوفاً من ان يلاقي ذات المصير .. 

ثم أردف ابليس قائلاً وهو يتصفّح كتاب الملائكة :
- خذّ جثته وسلّمها لأهله .. واخبرهم بأنه لم ينجز مهمة التنصّت , لذلك أعدمناه
الأبن : لكنك لم تجيبني على سؤالي بعد .. لما قتلته ؟

فأغلق الكتاب بعنف وتوجه نحوه بغضب , مما أربك الإبن :
ابليس بعصبية : إفهم يا غبي !! إن تفوّه هذا الأحمق بالنعيم الذي رآه فوق فسيؤمن بعض الشياطين , وربما عدد كبير من الجن .. أتريد ان تتدمّر إمبراطوريتي بعد ان أوهمت الجميع ولقرونٍ طويلة بأن الحياة في الدنيا أكثر حماسةً وجمالاً من الجنة ؟ 
ابنه باهتمام : وهل الجنة جميلة لهذه الدرجة يا ابي ؟!
فصفعه بقوة أوقعته أرضاً , قائلاً بغضبٍ شديد :
- ولما تظنني غاضباً لهذه الدرجة من ذريّة آدم ؟!!!!! 
ابنه وهو يرتجف بخوف : آسف ابي , لم أقصد إزعاجك

فعاد ابليس الى عرشه وهو يشتعل غضباً : 
- آدم حرمني من أجمل شيء في حياتي , وقد قلت لربي يومها : بأنني سأغوي ذرّيته .. وسأفعل ذلك , الى ان يأمر الله بقبض روحي الأبدية اللعينة !!!
فأراد ابنه تغير الموضوع , فسأله : وماذا عن الكتاب ؟

فتنفّس ابليس قليلاً ليهدّأ من اعصابه , ثم عاد لتصفّحه من جديد : 
- اريد دراسته اولاً .. فقد كنت أعلم مُسبقاً بأن للقمر تأثيراً على الإنسان , وبأن للخسوف والكسوف تأثيراً على الطبيعة .. لأنني حين كنت في الجنة , سمعت الملائكة تردّد قولاً لله يقول فيه : ((فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)).. لهذا سأحتفظ بالكتاب , الى ان أجد انساناً خبيثاً يستطيع تحويله الى علمٍ يؤذي البشريّة .. والآن خذّ جثة الأحمق , واغرب عن وجهي 
- حاضر ابي  
***

بعد قرون .. وتحديداً في القرن الثاني قبل الميلاد , أعطى ابن ابليس (بناءً على طلب والده) ذلك الكتاب الى بطليموس السكندري ليقوم بتحويله الى كتاب بعنوان ((تيترابيبلوس – Tetrabiblos)) .. ومن بعده انتشر التنجيم في الشرق الأوسط وفي أوروبا .. وبقيّ هذا العلم الفلكي لبطليموس , حتى القرن السابع عشر حيث تغيرت ثقافته قليلاً خلال القرون اللاحقة .. وبسببه تعلّق الكثير من البشر بالأبراج الغربية والصينية لتحديد مصائرهم , بناءً على حركة الكواكب .. مما أثّر سلباً على أعمالهم وروابطهم الإنسانية كما علاقاتهم الزوجيّة , خاصة إنه يعدّ شركاً أصغر بالله لعدم الإيمان بالقدر .. 

ممّا أسعد إبليس كثيراً , الذي قال في نفسه : 
((كان عليّ تكريم ذلك الشيطان المغامر , لكني قتلته لأنه أغاظني حين ذكّرني بما خسرته .. وبسبب حرماني من ذلك النعيم الذي لا يعوّض , لن أتقاعس يوماً على أذيّة ذرّية آدم الى يوم الدين .. تماماً كما وعدّتك يا ربي , والتي ذكرتها في كتابك الكريم : ((قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِم وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ))
ثم همس قائلاً : صدق الله العظيم 
ومسح دمعته بقهر .. 

الأحصنة والحمار (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة  حيوان الحظيرة داخل حظيرة المزرعة التي تحوي ثلاثة أحصنة وحمار..  ابتدأ الحديث ، حصان السباق بفخر:  - أنا أجملكم وأسرعكم...