الجمعة، 13 يوليو 2018

طفل الغوّاصة

تأليف : امل شانوحة

كيف سنربّي طفلاً في أعماق البحار ؟!

في عام 1939م , في فترة الرايخ الثالث ..سُمح للنساء العمل في القتال وفي الوحدة المساعدة البحريّة .. وكانت (ويلما هاغن) المجنّدة الوحيدة التي تمّ تجنيدها في البحريّة بإحدى الغوّاصات الإلمانية المتواجدة بالمحيط الأطلسي لضرب سفن الحلفاء .. وقد تمّ تكريمها بالعمل هناك بعد نجاتها من المعتقل البريطاني الذي تعرّضت فيه للتعذيب .. 

لكنها وبعد ان تعمّقوا في البحر , تفاجأت بالقبطان يطلب منها ترك أجهزة المراقبة والعمل ضمن وظيفتين : اما المطبخ او ممرّضة مساعدة لطبيبهم .. ورغم إنكارها لهذه التفرقة , الا انها قبلت بذلك مُرغمة بعد رفض المجندين الذكور تواجدها معهم في مركز المراقبة التابع للغواصة , خاصة بعد ان اشتدّت الحرب .. فاختارت العمل بالمطبخ برفقة الطباخ العجوز الذي كان يُعاملها كإبنته .. 
***

وفي أحد الأيام .. حصل مالم يكن بالحسبان ! فقد تأكّدت شكوكها التي  كانت تؤرّق نومها , وأفضت بسرّها التي كتمته لشهر ونصف الى الطبّاخ الذي قال مندهشاً :
- ماذا تقولين ؟ّ هل انت متأكدة ؟
فقالت بحزن ويأس : نعم .. أظنني حامل 
- ومن هو الوالد ؟
فقالت بغضب وقهر : أكيد هو القائد الإنجليزي اللعين !! الذي قام باعتقالي أثناء عملي في الميناء ..
- وما اسم ذلك القائد ؟
- لا ادري .. اسمه القائد جون , وهو مشوّه الوجه .. هذا كل ما أعرفه عنه 
الطباخ : وبأيّ شهرٍ تظنين .. 
مقاطعة : ربما الثالث او الرابع , لا أعرف بالضبط
- هذه مشكلة يا ويلما , لأنهم سيلاحظون حملك قريباً

المجنّدة برجاء : لهذا اريدك ان تبعدني عن الجميع الى حين ولادتي
- لا يا ويلما .. فبكل الأحوال سينفضح الموضوع , لهذا علينا إخبار القائد بالحال !!
ويلما بخوف : لا ارجوك ! ان عرف القبطان الآن , فسيطلب من الطبيب إسقاط الجنين
الطباخ باستغراب : وهل تريدين طفل ذلك المغتصب ؟!
الصبية بحزن : كنت يتيمة طوال عمري , وحين أصبحت مراهقة إلتحقت بالتجنيد النسائي .. لذلك سيكون هذا الطفل كل حياتي
يتنهّد بقلق : انت ستوقعيني بورطةٍ كبيرة يا فتاة
- إسمعني يا عم .. فريقنا سيتمّ إستبداله بعد ستة أشهر , وحينها آخذ ابني وابتعد عن الجميع .. فقط اريدك ان تحميني الى ذلك الوقت
الطباخ : ستكون هذه أطول ستة اشهر في حياتي .. ليساعدنا الربّ
***

الاّ ان الحرب اشتدت على غير عادتها بعد تدخّل القوات الأمريكية في امداد بريطانيا بالبضائع والأسلحة ..لهذا طُلب من افراد الغوّاصة الثبات في أماكنهم ..وسيتمّ إمدادهم بما يحتاجونه عن طريق غوّاصة صغيرة , وهذا يعني ان ويلما علقت معهم الى أجلٍ غير معلوم !

الطباخ : يا مجنونة !! لما لم تركبي في الغوّاصة الصغيرة ؟ فأنت على وشك الولادة !
ويلما بتعب : انا لا اعرف أحداً هناك , وأخاف ان يؤذونني او يقتلوا ابني .. ارجوك انت كوالدي , دعني أبقى هنا مع ابني 
- وماذا عن بكاء الطفل حين تلدينه ؟ سيكشفون أمره حتماً 
- الى حينها نفكّر بحلّ .. فقط أبقيني بعيدة عن أعين الجميع , كما فعلت معي الشهور الماضية
فأومأ الطباخ برأسه موافقاً وهو يعلم بأنه قرارٌ خاطىء
***

وفي يوم .. هبّت عاصفةٌ مفاجئة , أجبرت الغوّاصة على التعمّق أكثر بالبحر إبتعاداً عن الأمواج المتضاربة في الأعلى .. لكن الوضع كان أسوأً في المطبخ , حيث أحضر الطباخ طبيب الغوّاصة الى غرفة المؤن , ليتفاجأ برؤية المجنّدة ويلما في حالة وضع , وهي تحاول كتم صراخها بصعوبة رغم حالتها المزريّة !
فحاول الطبيب مساعدتها قدر الإمكان , الى ان أخرج الطفل بعمليةٍ قيصرية , لينفجر بعدها الولد بالبكاء الذي وصل لأسماع المجنّدين حيث انطلقوا مسرعين نحو المطبخ ليعرفوا مصدر الصوت , لكنهم وجدوا باب المطبخ مقفلاً من الداخل ! فبدأوا يطرقون الباب بقلق , لكن لا مجيب .. لهذا أسرع أحدهم الى غرفة القبطان ليخبره بما حصل في الأسفل 

القبطان بدهشة : ماذا تقول ؟ صوت بكاء طفل في غواصتي ! هل هو ابن ويلما ؟ 
الشاب : بالتأكيد !! فهي المرأة الوحيدة بيننا , وكانت إختفت عن الأنظار منذ شهور ..وكلما سألنا الطباخ عنها , أخبرنا بحجةٍ مغايرة : اما نائمة او مريضة او تستحم او أي عذرٍ آخر كيّ يبعدها عنا ..والآن عرفنا السبب
القبطان : أتقصد ان الطباخ هو والد الطفل ؟!
- ربما , فهو الأقرب لها ..مع انها لم تلتحق بطاقمنا الا منذ ستة أشهر.. كما ان الطباخ رجلٌ عجوز
القبطان بغضب : حسناً , لأذهب وأرى المشكلة بنفسي
***

وقد أدّت ولادتها المتعسّرة الى نزيفٍ حاد لم يستطيع معها طبيب الغوّاصة حلّ المشكلة , فأسرع الطباخ لفتح الباب ليجدّ القبطان في وجهه , فقال له بقلقٍ شديد : 
- سيدي انها تموت , والطبيب عاجزٌ عن إنقاذها 
فصرخ عليه القبطان بغضب (والبحّارة يستمعون خلفه لنقاشهما):  
- وماذا تريدني ان أفعل , ونحن عالقون في البحر وفي خضم المعارك ؟! اساساً ان أردنا ايصالها الى أقرب مستشفى على اليابسة , فسنحتاج على الأقل لشهرين من الملاحة المتواصلة , هذا ان وصلنا بخير دون ان يقصفنا الأعداء !!  
الطباخ بقلق : ومالعمل الآن ؟!

وهنا خرج الطبيب من غرفة المؤن وهو يحمل الطفل الصغير , قائلاً :
- لقد أنقذت الصبي
الطباخ بقلق : وماذا عن ويلما ؟
فهزّ الطبيب رأسه بالنفي .. فعلم الجميع بموتها..
فقال القبطان للطباخ بغضب : وها نحن خسرنا أحد أفرادنا بسبب كتمك لحملها , هل انت سعيدٌ الآن ؟!! 
فالتزم الطباخ الصمت وهو يشعر بالندم .. 

القبطان بعصبية : والآن إخبريني !! من هو والد هذا اللقيط ؟ 
الطباخ : رجاءً سيدي , لا تقل هذا ..
القبطان مقاطعاً : هل هو أحد المجنّدين ؟
وأشار الى البحّارة الذي بدأ كل واحداً منهم ينكر ذلك ..
شاب : هو ليس ابني , سيدي
شاب آخر : وانا لم أرى ويلما منذ شهور 
شاب ثالث : وانا ايضاً  
القبطان بغضب : اسكتوا جميعاً !! وانت (ونظر الى الطباخ) الم تقل لك من هو والد طفلها ؟
فقال الطباخ : نعم ..هي أخبرتني انها تعرّضت للإغتصاب في المعتقل البريطاني.. 
القبطان مقاطعاً بغضب : اذاً ارموه خارجاً !! فنحن لن نربّي ابن العدو 
فحصل هرجٍ ومرج بين الجنود الرافضين لهذا القرار الجائر.. 

فسألهم القبطان : اذاً ماذا تريدونني ان أفعل به ؟! 
فقال الطباخ العجوز : دعني أربّيه , فأنا جدّ ولديّ خبرة بهذه الأمور 
القبطان بتهكّم : وماذا عن الحليب وغيارات الطفل , يا عبقريّ ؟ 
فقال أحد الشباب : سيدي .. انا كنت أعمل خياطاً قبل ان ألتحق بالجيش , وسأخيط له الغيارات والملابس من الملاءات الإضافية الموجودة بالمخزن 
وقال مجنّدٌ آخر : وانا سأكون المسؤول عن التغير له , فأنا أب لطفلين وليس عندي مشكلة بهذا الأمر  
شاب : وانا سأطعمه
بحّار آخر بحماس : وانا سألاعبه , سيدي.. فأنا أعشق الأطفال 
القبطان : يعني إتفقتم جميعاً عليّ !
الطبيب : دعه يُؤنس وحدتنا في أعماق البحار , سيدي 

ففكّر القبطان قليلاً , ثم قال : 
- حسناً كما تشاؤون .. لكن إيّاكم ان أسمع صوته , والاّ رميتكم جميعاً في البحر 
ففرح الجميع , واقتربوا من الطفل ليتأمّلوا وجهه الجميل.. 

وأثناء انشغالهم بالطفل , همس الطبيب للقبطان : 
- وماذا بشأن المجنّدة ؟
- إرمي بجثتها في البحر من مكان اطلاق الصواريخ , كما نفعل عادةً بالجثث .. وابلغ القيادة بما حصل معها كيّ يبلغوا اهلها بوفاتها ..لكن لا تخبرهم بشأن الطفل , فلا أظنها كانت ترغب بمعرفتهم به 
الطبيب : كما تشاء , سيدي 
و ذهب القبطان غاضباً الى كابينته , بينما تجمّع بقيّة البحّارة لرؤية الطفل الصغير
***

ومرّت ثلاثة شهور , كانت الأجواء في الخارج هادئة .. حيث استمرّت الغوّاصة الإلمانية في عملها المعتاد بإغراق سفن البضائع الإنكليزية والإمدادات الأمريكية دون ان يجدوا مقاومة تقلقهم من الحلفاء .. لهذا كان الوضع بداخل الغواصة هادئاً , الاّ من صوت بكاء الطفل الذي كان يعلو صداه في أرجاء الغوّاصة الحديدية من وقتٍ لآخر 
***

في أحد الأيام .. وفي أثناء قيلولة القبطان , دخل عليه أحد المجندين وهو يقول : 
- آسف على إيقاظك سيدي , لكن وصلتنا إخبارية ان الإنجليز سيرسلون سفناً حربية لحماية سفنهم التجارية , وهذا يعني ان علينا توخّي الحذر في عملياتنا القادمة
فقال القبطان بتعب : هذه ليست بمشكلة كبيرة 
- كيف سيدي ! فقد صار بإمكانهم ضربنا بالطوربيدات .. 
القبطان مقاطعاً : الا تدري كم يكلّف إبحار السفن الحربية الضخمة , وهم اساساً يعانون من انهيارٍ اقتصادي بعد مئات السفن التي دمرناها لهم
الجندي : لكن القيادة الإلمانية أخبرتنا قبل قليل ان الولايات المتحدة ستساعدهم في ذلك ..
القبطان : جيد ..هذا يعني المزيد من الإنتصارات لنا , وكأننا نضرب عصفورين بحجرٍ واحد .. هيا بنا , فلدينا عملٌ كثير 
***

في كابينة القيادة , جمع القبطان جنوده في اجتماعٍ عاجل 
- لقد أخبرتني القيادة بأنه منذ هذه اللحظة , يُمنع علينا مساعدة الجرحى من بحّارة السفن التجارية للعدو
مساعده بدهشة : أحقاً ما تقول ؟!
القبطان : نعم , لأن إحدى غوّاصاتنا تمّ قصفها أثناء صعودها لسرقة المؤن الغذائية العائمة من سفينةٍ مدمّرة .. لهذا يُمنع علينا الصعود الى السطح مهما كانت الأسباب
الطباخ بقلق : وماذا عن طعامنا ؟!
القبطان : كما فعلوا معنا سابقاً , سيرسلون لنا ما نحتاجه عبر غواصةٍ صغيرة
أحد الجنود بغضب : هذا يعني اننا سنعلق في البحر لشهورٍ أخرى 
القبطان بحزم : وربما لسنوات , فحضّروا أنفسكم لذلك

وقبل ان يعود الى كابينته , أوقفه الطباخ : 
- وماذا عن الطفل , سيدي ؟
القبطان بعصبية : وماذا عنه ؟! سيكبر هذا الإنجليزي اللعين معنا ..(ثم يسكت قليلاً).. او يمكننا ارساله في غوّاصة المؤن التي ستصلنا بعد شهرٍ من الآن
الطباخ بحزم : لا !! لن أقبل ان أرسل الصبي بهذه الطريقة  
فصار الجنود يؤيدون رأيه : نعم , لن نبعده عنا !!
القبطان بتهكّم : يا سلام ! وكأن لهذا الطفل خمسين أباً 
فقال الجندي ممازحاً القبطان : وله جدّان ايضاً
القبطان (الخمسيني) : ماذا تقصد ؟
الطباخ (الستيني) متداركاً الموقف : كان يقصدني انا 
القبطان صارخاً بحزم : هيا عودي جميعاً الى أماكنكم !!
الجنود بصوتٍ واحد : حاضر سيدي !!

وبعد ان ذهبوا.. تمّتم القبطان بنفسه بضيق :
- هذا ما كان ينقصني .. ان أكون جدّاً لهذا اللقيط الإنجليزي !
***

وبعد مرور سنة ونصف , وفي أحد الأيام .. دخل الطباخ غرفة الجنود , وعلى وجهه علامات القلق :
- هل رأى أحدكم فيليب الصغير ؟!
أحد الجنود : لا ! الم يكن معك ؟
الطباخ : كنت منهمكاً بتحضير الطعام , وفجأة اختفى من المطبخ
جندي آخر : لا تقلق , سنبحث عنه
وانطلق بعض البحّارة للبحث عن الصغير , خوفاً من ان يكون دخل غرفة الصواريخ..

وقد وجده الطباخ أخيراً في غرفة القبطان بعد ان رآه من شقّ الباب وهو يلاعبه بمجسّماتٍ لجنود صغيرة كان يحتفظ بهم في غرفته الخاصة..
وهنا اقترب جندي آخر من الطباخ الذي كان يتلصّص عليهما .. 
- هل وجدت فيليب ؟
فهمس له الطباخ : إخفض صوتك , وانظر هناك
الجندي بدهشة : ماذا ! هذه أول مرّة يلاعبه القائد منذ ولادته
الطباخ مبتسماً : دعنا نذهب ونتركهما سويّاً

وظلّ يلاعبه القبطان , الى ان غفى الصغير بين يديه .. ثم نادى أحد الجنود لأخذه الى غرفة الطباخ حيث كان سريره ..
***

وفي عام 1945 .. وأثناء إحتفال البحّارة ببلوغ فيليب الصغير عامه السادس .. إهتزت الغوّاصة فجأة !
فصرخ القبطان : الكلّ الى موقعه !!
ودبّ الخوف أرجاء الغوّاصة وانطلق الجميع الى غرف المراقبة حيث فاجأتهم سفن الملكيّة البريطانية بطوربيد أصاب جزءاً من الغوّاصة
وحاول القبطان الإلماني توجيه البحّارة لتجاوز الصواريخ التي انطلقت عليهم من كل جانب ..
فقال أحدهم بخوف : قبطان !! سنغرق ان قاومناهم
فيصرخ القبطان بحزم : اذاً اطلقوا جميع صواريخنا عليهم ..فلا استسلام اليوم.. وإن كنّا سنموت , فسنغرق هؤلاء الملاعيين معنا !!!

فقال أحدهم : سيدي .. وماذا عن فيليب ؟
وسكت الجميع بذهول !
فقال جندي آخر : نعم , هو يستحق الحياة
وبدى الجميع قلقاً على الطفل ..فقال القائد لهم : 
- من يريدني ان استسلم للعدو , فليرفع يده ؟!! 
فرفع الجميع ايديهم.. 
القبطان بغضب : ايها الجبناء !!

وهنا اقترب الطباخ العجوز منه : ليس من أجلنا , بل من أجل الصغير 
القبطان بعصبية : الا تفهمون الموقف ؟ سيعذّبونا في معتقلاتهم !!
الطباخ : المهم ان يبقى الطفل بخير
القبطان : أهذا رأيّ الجميع ؟! 
الجنود بصوتٍ واحد : نعم سيدي !! 

وبعد ان رأى القائد بأن البحّارة يرفضون المقاومة خوفاً على مصير الطفل , اضّطر الى بعث رسالة بشفرة مورس لقائد السفينة البريطانية يعلن فيها استسلامهم ..وحينها توقف اطلاق الصواريخ باتجاههم .. 

وبعد هدوء الوضع .. إرتفعت الغوّاصة بصعوبة الى سطح البحر , بعد ان تمكّن البحّارة الإلمان بصعوبة من إغلاق الخرق الذي أحدثها الطوربيد الإنجليزي ..
***

وفوق سطح الماء .. إقترب القبطان الإنجليزي من البحّارة الألمان وهم يرفعون أيديهم باستسلام .. وقال لهم باللغة الإلمانية التي يتقنها: 
- وأخيراً قبضنا عليكم .. الا تعلمون كم خسرنا اقتصادياً بسبب غوّاصاتكم اللعينة ؟ لهذا تستحقون الموت
واصطفّ الجنود الإنجليز شاهرين سلاحهم امامهم , منتظرين الإشارة من قائدهم لقتل البحّارة الإلمان ..

وهنا تفاجأ الجميع ! بخروج الصبي من فوهة الغواصة مُنطلقاً نحو الطباخ وهو يقول :
- جدي !! لا تقتلوا جدي !!
فاستغرب القائد الإنجليزي ممّا قاله , وسألهم باستنكار :
- كيف تحضرون طفلاً صغيراً الى المعركة ؟!
فقال القبطان الإلماني : رجاءً لا تقتله .. فهو اساساً طفلٌ انجليزي وليس الماني
القائد البريطاني : وماذا تقصد ؟!
فأخبره القبطان الإلماني بقصّة المجندة ويلما باختصار ..

القائد البريطاني بدهشة : هل هي نفسها الجندية (ويلما هاغن) التي كرّمتموها بالعمل معكم , بعد ان أطلقنا سراحها من معتقلنا ؟!
القبطان الإلماني : نعم هي 
البريطاني بارتباك : يا الهي !
وبعد ان فكّر قليلاً .. قال للصغير :
- تعال يا ولد الى هنا !!
لكن الولد كان متعلّقاً بثياب الطباخ , بعد ان أخافته اسلحة الإنجليز المُشهرة ضدّهم  
الطفل بخوف : لا اريد ..
فقال له القائد الإلماني : إذهب عنده يا فيليب
الطفل : لا اريد جدّي ..انا أخاف منهم
القائد البريطاني : وهل هذا جدّك ايضاً ؟!
فقال الطفل : جميعهم أبائي .. جيم .. ومارك ...وجاك .. أمّا الطباخ والقبطان فكلاهما جدّي لأن ذقنهما أبيض
فابتسم القائد الإنجليزي وقال للطفل : ربما هما جدّاك , لكن انا والدك الحقيقي

فانصدم الجميع ممّا قاله ! وهنا تذكّر الطباخ كلام (ويلما) عن القائد مشوّه الوجه الذي اعتدى عليها .. فسأله :
- أأنت القائد جون ؟ 
فقال القائد البريطاني : نعم , جون اندرسون .. وحين علمت قبل سنوات بأن جنودي قبضوا على مجنّدة المانية تعمل بالبحريّة , قرّرت ان تكون لي وحدي 
الطباخ بغضب : ايها اللعين !! اذاً انت من اغتصبتها ؟ 
البريطاني : على الأقل , حميتها من الآخرين .. والآن أعطوني ابني !!
فصرخ الطفل وهو مازال يحضن أرجل الطباخ : 
- لا !! لن أذهب دون آبائي 
..وأصرّ على بقاء معهم..
فاقترب منه القائد البريطاني : حسنا بنيّ , سأتفق معك على أمر ..في حال قدمت معي , فسأطلق سراحهم ..لكن ان بقيت معهم , فسأضّطر حينها لقتلهم جميعاً.. فما رأيك ؟

فنظر الصبي الى اصدقائه الجنود الذي كان الخوف واضحاً في أعينهم .. ثم قال للقبطان الإلماني الذي كان يحاول ان يبقى متماسكاً :
- انت كنت دائماً تحدّثني عن القادة الإلمان الشجعان 
- صحيح 
- وكنت تقول لي : بأن أكون مثلهم قويّاً وشجاعاً , اليس كذلك؟ 
- نعم حبيبي
- ولأجلك جدي ولأجلكم جميعاً , سأوافق على الذهاب معه
القبطان الإلماني وهو يمسح على رأس الصغير بفخر وحزن : 
- أحسنت يا صغيري البطل

ثم شاهدوه وهو يرحل في سفينة القائد الإنجليزي , بينما كانوا هم يجدّفون في قاربين صغيرين مُبتعدين عن الصغير وهم يكتمون دموعهم بصعوبة 
فقال الطباخ حزيناً : لقد فدانا جميعاً
أحد الجنود متأثّراً : طبعاً , فهو بطلٌ الماني صغير
القبطان : لا تنسوا انه انجليزي الأصل
فاعترض أحدهم قائلاً : لا سيدي ! هو الماني أصيل ..فنحن من ربّيناه ليكون شهماً هكذا
فتنهّد القبطان بحزن : هذا صحيح

ثم ابتعدوا في السفينتان الخشبيتان عائدين الى مقرّهم على اليابسة 
..ومن بعدها بفترة , تمّ تسريحهم الى بلادهم ..
***

وبعد عشرين سنة على انتهاء الحرب .. وصلت للقبطان الإلماني المعتزل رسالة باللغة الإلمانية , كتبها الطفل فيليب بعد ان أصبح شاباً : يطلب منه الذهاب الى اميركا لحضور حفل تخرّجه من البحريّة الأمريكية بعد ان انتقل للعيش هناك
***

وفي اميركا .. تفاجأ القائد الإلماني بعشرة من طاقم غوّاصته القدامى حاضرين الحفل , بما فيهم حفيدة الطباخ التي قدمت مكان جدها المتوفي لحضور حفل تخرّج الطفل الذي أخبرها عنه كثيراً بعد عودته من الحرب 

وقد صفّقوا لفيليب بفخر بعد رؤيتهم له وهو يستلم شهادته , بطقمه الرسمي الخاص بالبحّارة الأمريكان..
ثم اقترب اليهم ليشكرهم على ذكرياته الجميلة التي عاشها معهم داخل الغوّاصة..
القائد العجوز باستغراب : أمازلت تذكر ؟! .. كنت حينها صغيراً !
الشاب فيليب : نعم أذكر كل شيء .. ولهذا رغبت في الإنضمام للبحريّة الحربيّة مثلكم , فأنا بالنهاية طفل الغوّاصة 

وهنا لاحظ الفتاة التي تراقبه من بعيد .. فاقترب منها :
فيليب : أنت حفيدة الطباخ , اليس كذلك ؟
الصبية : نعم .. هو أخبرني كثيراً عنك , فقد كان يحبك تماماً كما يحب أحفاده
فيليب : وانا أحببته كجدي , رحمه الله ..هل أتيت لوحدك ؟
الفتاة : اساساً انا أدرس هنا بالجامعة .. 
فيليب : كم جميل انه إنتهت الحروب , وعادت الدول لتتواصل مع بعضها من جديد 

فأشار القائد لبقيّة الطاقم بأن يتركوهما معاً .. وقال لفيليب : 
- سنودّعك الآن بنيّ , فنحن متعبون من السفر ونريد ان نرتاح في الفندق
فيليب : لكني سأراكم حتماً قبل عودتكم الى المانيا
القائد وهو يربت على كتفه : في انتظارك بنيّ
ثم همس له وهو يغمزه : قم بإيصال الفتاة بنفسك  
فابتسم له فيليب : فهمت جدّي

وأمضى فيليب النهار مع الفتاة وهما يتذكّران ايام الحرب , وكانت هذه بداية لعلاقة ربطتهما بزواج في السنة التالية , والتي حضرها القائد مع أفراد طاقم غوّاصته الإلمانية .
********

ملاحظة :
لمعرفة المزيد عن معركة الأطلسي , التي كانت أطول حملة عسكرية مستمرّة خلال الحرب العالمية الثانية .. يمكنكم قراءة مقالاً عنها في الويكيبيديا

الأربعاء، 4 يوليو 2018

جارنا المحقّق

تأليف : امل شانوحة
شكر خاص للأستاذ (حسين هاشم زاده) الذي أوحى لي بالفكرة..

من قتله امام بابي ؟!

كانت الساعة الثانية صباحاً حين أنهى المحقق جاك عمله في مكتبه الفدرالي للتحقيقات الجنائية , وعاد الى شقته في الطابق الثالث بالعمارة الصغيرة التي يسكنها بعد توقف هطول المطر وهدوء العاصفة .. وحينها شاهد على بابه ما لم يكن بالحسبان .. جثة شاب امام عتبة شقته !
فأخذ جاك نفساً عميقاً وهو يقول بضيق : يا الهي ! ستكون ليلةً طويلة 
***

وبعد ساعة .. حضرت فرق الشرطة المكان لمعاينة الجثة وأخذ الصور والبصمات , واستعدّ جاك للتحقيق مع جيرانه الستة لكشف ملابسات الجريمة , وبرأسه الف سؤال :
فكيف عرف القاتل بعمله الليلي الذي يختلف أوقاته على مدار الأسبوع ؟ وبأنه لن يكون هناك شهود على جريمته في الشقة المقابلة لشقة المحقق لأنها فارغة ؟! 
***

ومع تباشير الصباح .. بدأ التحقيق اولاً مع الشابة التي تسكن فوق شقة المحقق , حيث أوقفها جاك قبل ذهابها الى عملها ..
- عفواً آنسة جسيكا .. أحتاج الى مكالمتك في أمرٍ هام
- الآن ! سأتأخّر هكذا على عملي 
- الا تعرفين ان هناك جريمة قتل حصلت في مبنانا مساء البارحة ؟
جسيكا وعلى وجهها علامات الدهشة : لقد سمعت صفّارات الشرطة ليلاً , لكني لم أظن انها قادمة الى هنا .. ومن هو الميت ؟ هل أحد الجيران ؟
المحقق : بل شخصٌ غريب , لهذا اريدك ان تلقي نظرة على جثته فربما رأيته يتجوّل امام مبنانا قبل فترة
جسيكا بضيق : لكني لا أحب رؤية الموتى
- الأمر ضروري , فبعد قليل سننقله الى المشرحة
- يا الهي ! ما هذا الصباح المشؤوم

وذهبت خلفه تجرّ كرسيها المتحرك لأنها مشلولة منذ الصغر , هذا ما يعرفه عنها جيرانها منذ ان انتقلت للعيش في هذا المبنى قبل ثلاثة شهور
***

وبعد ان نظرت اليه نظرةً سريعة , قالت :
- لا , لا أعرفه .. فهل يمكنني الذهاب الآن ؟
وشعر المحقق ان منظر الميت عكّر مزاجها , فسألها :
- لحظة , مازال عندي سؤال .. هل سمعت شجاراً مساء البارحة , يعني قبل الساعة الثانية صباحاً ؟ 
- لا لم اسمع شيئاً ! مع ان نومي خفيف والجريمة حصلت أسفل شقتي , فهل قُتل بمسدس كاتم الصوت ؟
فقال المحقق مُحتاراً : لا أظن .. فبعد فحصنا الأولي له , لم نجد سوى شجٌّ صغير في جبينه .. وبرأيّ ليست كفيله لقتله ! 
جسيكا : اذاً ربما مات بسكتةٍ قلبية .. مع انه مازال شاباً ! 
ثم نظرت الى ساعتها..
- سيد جاك , لقد تأخّرت كثيراً على عملي
- حسناً يمكنك الذهاب , وسنُكمل التحقيق لاحقاً بعد ظهور نتائج التشريح 
***

وبعد ذهابها .. نزل جاك الى الطابق الثاني للتحقيق مع جاره وهو رجلٌ في مثل عمره ولديه ابنة صبيّة فاتنة الجمال , قام بتربيتها لوحده منذ وفاة امها , والجميع يعلم كم يخاف عليها ..
الرجل : اهلاً جارنا .. ماذا هناك في هذا الصباح الباكر ؟! ولما اصدقائك الشرطة في كل مكان ؟!
فأخبره جاك بالموضوع الذي فاجأه تماماً !
الأب : جريمة في مبنانا ! وحصلت فوقنا .. غريب ! لم أسمع أيّةِ مشاجرة

وهنا اقتربت ابنته بعد ان سمعت حوارهما ..
- انا سمعت ضجّة البارحة 
المحقق باهتمام : أتذكرين متى ؟
الصبيّة : حوالي منتصف الليل
المحقق : أوصفي لي نوع الضجّة , هل كان صراخاً ام عراكاً ؟
الفتاة : لا لا ..فقط شيءٌ ثقيل سقط من الأعلى 
- أتقصدين تدحرج على الدرج ؟
- نعم , وظننت ان أحدهم سقط من يده كيس النفايات
المحقق : هذه معلومةً مهمّة يا آنسة .. شكراً لك 
فسأله الأب : هل يمكننا الذهاب الآن الى أعمالنا ؟ فابنتي لديها امتحان في الجامعة
المحقق : ليس قبل ان تصعدا معي الى فوق لرؤية الجثة
الوالد بقلق : وهل هذا ضروريّ ؟
- نعم فربما رأيتماه في المبنى من قبل 
ورغم اعتراض الأب على قدوم ابنته معه , الاّ ان المحقّق أصرّ ان تراه هي ايضاً ..

وحين شاهداه , لم يتعرّف عليه الوالد , لكن الفتاة تذكّرته..
المحقق : واين رأيته بالضبط ؟
الفتاة : في المصعد قبل ايام ..كان ينزل معي الى الأسفل , وكان غاضباً جداً 
المحقق : الا تذكرين شيئاً آخر ؟
- كان يطبع رسالة على جواله وهو يتمّتم :((ستندمين))
الأب بقلق : وهل ضايقك ابنتي ؟
- لا لم ينظر اليّ اصلاً , فقد كان مشغولاً بجواله ..لكني لم أنسى أنفاسه الثقيلة ووجه المحمّر غضباً
المحقق : هذا يعني انه كان بزيارة لأحد الجيران .. شكراً لك على هذه المعلومة
***

وبعد ان أنهى التحقيق معهما .. كان الفريق الطبّي يستعدون لنقل لجثة , لهذا قام المحقّق بأخذ بعض الصور للقتيل على جواله كيّ يريها لمن تبقى من الجيران .. وذلك بعد ان اتصل برؤسائه في العمل وأخبرهم بأنه سيتكفّل بنفسه بحلّ لغز هذه الجريمة لأن المشتبه به أحد جيرانه , وقد طلب إعطائه المهلة الكافية لإكمال التحقيقات ..
وبما ان بقيّة الجيران كان إمّا نائماً او ذهب باكراً الى عمله .. فقد عاد جاك الى شقته لينام فوراً من شدّة التعب , على نيّة إكمال التحقيقات لاحقاً 
*** 

وبحلول العصر ..نزل جاك الى جاره الشاب وهو طالبٌ جامعيّ يسكن لوحده في الطابق الأول والذي نفى ايضاً سماعه لأيّةِ مشاجرة ليلة البارحة ..لكن حين شاهد صورة القتيل من جوّال المحقّق , شهق باستغراب :
المحقق : ماذا ! ..هل تعرفه ؟!
الشاب : نعم , هو طالبٌ في جامعتي لكنه باختصاصٍ آخر .. فأنا أدرس الحقوق , وهو يدرس التجارة على ما أعتقد ! 
- هذه معلومةً ستفيدنا كثيراً , لأنه يمكننا بالغد معرفة هويّة القتيل من خلال ملفّه الجامعيّ
- الم تكن معه اوراق تثبت هويته ؟!
المحقق : لا , فقط رسالة وداع لحبيبته
- وهل حبيبته تسكن هنا ؟!
المحقق : هذا سؤالٌ جيد .. فقد ظننا انها رسالة قديمة يحتفظ بها في محفظته.. لكن معك حق , ربما أتى الى هنا لزيارة حبيبته

الشاب : على حسب معلوماتي .. لا يوجد في مبنانا سوى السيدة المشلولة والعجوزة في الطابق الأخير والصبيّة الجميلة التي يراقبها والدها باستمرار
المحقق : اراك غاضباً من والدها , فماذا حصل بينكما ؟
الشاب يتذكّر بضيق : لا شيء .. لكني مرّة سلّمت عليها حين تقابلنا أسفل العمارة , وحينها جنّ جنونه وسحبها من يدها الى داخل المصعد وكأنني سأخطفها منه !  
- هو ربّاها منذ الصغر , لهذا يخاف عليها كثيراً 
- وكيف ستتزوج المسكينة اذا كان يذهب معها الى الجامعة وينتظرها طوال الوقت في الحديقة 

المحقق باستغراب : الهذه الدرجة ؟!
- نعم فهي تدرس في جامعة اختي الموجودة بالطرف الآخر من المدينة .. واختي من أخبرتني بأن ابنته تشعر بالخجل امام صديقاتها بسبب حرصه الزائد عليها 
- وهل تظن ان القتيل حاول التغزّل فيها , فقتله ؟!
- والله لا استبعد هذا من ذاك الرجل المستبدّ
المحقق : شكراً لك .. وان كانت لديك أيّة معلومات إضافية , إتصل بي 
واعطاه بطاقته .. 
***

ثم ذهب جاك الى شقة الرجل المعروف لدى الجميع بالسكّير , فهو جارٌ عصبيّ ينام طوال النهار ويسهر طوال الليل في البارات , ويعيش على نفقة ابنه الذي يعيش في الخارج .. والذي بعد ان اراه صورة القتيل , فاجأه الرجل قائلاً :
- نعم أذكره جيداً 
المحقّق : ماذا ! هل حقاً تعرفه ؟!
الرجل بعصبية : قلت أذكره , ولم أقل أعرفه !! هناك فرق
- ومتى رأيته آخر مرة ؟
- التقيت به مرةً واحدة , حين حاول ان يصفّ سيارته مكاني ..فقمت بتأديبه 
- ماذا يعني أدّبته ؟!
الرجل : لا تقلق , لم اقتله .. بل صرخت عليه بقوّة جعلته يُبعد سيارته في الحال  

المحقق : وهل كان يتردّد كثيراً الى مبنانا ؟
- لا ادري ..كل ما أعرفه ان سيارته خضراء صغيرة وقديمة بعض الشيء
- لكننا لم نجد سيارة غريبة في موقفنا ؟
الرجل : وهل سألت البوّاب ؟
- معك حق .. كان عليّ سؤاله اولاً .. 
- والآن هل تريد مني شيئاً آخر ؟ فأنا اريد الذهاب الى اصدقائي في البار
- حالياً لا , لكننا سنبقى على إتصال
فأغلق بابه خلفه , ليخرج الى البار كعادته .. بينما نزل المحقق لرؤية حارس المبنى
***

وبعد ان اراه صورة القتيل .. 
البوّاب : نعم أذكر انه تشاجر مع الجار السكّير بسبب موقف السيارة .. 
- نعم أخبرني بذلك .. لكن سؤالي ..هل كنت تراه دائماً عندنا ؟
- مرتين او ثلاثة فقط 
- هل تذكر شيئاً عنه ؟
البوّاب : رأيته مرّة يصعد الى فوق ومعه زهوراً حمراء ..لكن حين نزل كان غاضباً جداً , ورمى الزهور في سلّة المهملات القريبة من هنا 
- اذاً هو كان يأتي لزيارة فتاة في مبنانا ؟
- او شاب .. من يدري ؟ فنحن بزمانٍ مُريب !
المحقق بدهشة : شاب .. من تقصد ؟!
- لا اريد ان أتّهم أحداً .. لكن برأيّ عليك التحقيق مع جون
- أتقصد جارنا الإنطوائي بالدور الأخير الذي بجانب شقة العجوز ؟
- انطوائي ! بل قلّ مجرماً سابقاً ..
- ماذا ! كيف لم أعرف عن هذا من قبل
البوّاب : انت انتقلت الى مبنانا في الصيف الفائت , بينما هو من السكّان القدامى

المحقق : وماذا تقصد بمجرم ؟
البوّاب : علمت عن طريق الصدفة بأنه انسجن فترة طويلة في شبابه لأنه اعتدى على ولدٍ مراهق
المحقق : يعني شاذ ومعتدي ؟!
البوّاب : نعم , وقد جنّت زوجتي حين عرفت بالأمر , فنحن لدينا ثلاثة اولاد صغار ولهذا نخاف ان نخرجهم كثيراً من المنزل  .. حتى انني أحرص على إحضار اولادي بنفسي من المدرسة .. لكنه مرة رآني وانا أسرع بإدخال اولادي الى بيتي اثناء خروجه من المصعد , وحينها ابتسم قائلاً : ((لا تخفّ مني , فقد تبت منذ مدةً طويلة)).. لكني مع هذا مازلت أقلق منه , حتى انني أفكّر بتغير مكان عملي خوفاً على اولادي
- هذه معلومةً خطيرة ! هل معقول ان الميت كان على علاقة معه واختلفا فيما بينهما , فقتله ؟ 

البوّاب : ربما .. لكنك لن تعرف الحقيقة قبل عودته من الخارج , فقد سافر منذ شهر تقريباً .. مع اني أشكّ في ذلك , فربما يقطن في فندقٍ قريب ليبعد الشبهات عنه 
- لا تقلق سأطلب من فريقي البحث عن اسمه في المطارات والفنادق القريبة من هنا .. وبما انه ليس متواجداً الآن , فسأذهب الى جارتنا العجوز 
البوّاب : أعانك الله , فطباعها حادة وسيئة
- هل هي عصبية ؟
- جداً ! وبخيلة ايضاً .. وهي مدرسة متقاعدة لمرحلة الإبتدائي ..وقد رأيتها مرة وهي تضرب بعصاها كلباً في الشارع لأنه حاول الإقتراب منها , وكان محظوظاً لأنه لم يمت 
- لكنها امرأة ضعيفة في السبعينات من عمرها ! 
البوّاب : بل هي أقوى مني ومنك 
- حسناً فهمت .. سأذهب اليها الآن
***

وحين وصل جاك الى شقتها , إستقبلته بوجهٍ مُتجهّم
- ماذا تريد ؟! فأنا لا استقبل أحداً في بيتي
ولم تقبل الحديث معه , الا بعد ان هدّدها بأنها ستُعاقب في حال عرقلت سير التحقيقات ..

وبعد دخوله شقتها , أراها صورة القتيل ..
العجوز : لا اعرفه ولم أره من قبل .. لكن ان كان من سكّان المنطقة فربما يكون من تلاميذي السابقين 
- أحقاً ؟!
- نعم , الا تدري ان منطقتنا لا تحوي سوى مدرستين ابتدائيتين .. وجميع من علّمتهم قبل تقاعدي اصبحوا الآن في سن الجامعة 
جاك : وهل تذكرين جميع طلابك ؟
- فقط الذكي والمشاغب منهم 
- حسناً .. حين أحصل على ملفّه الجامعي , سأعود اليك لأخبرك بأسمه الكامل فربما تخبريني المزيد من المعلومات عنه 
فقالت العجوز بلؤم : سأحاول .. والآن أغرب عن وجهي , فأنا اريد النوم قليلاً 

وبعد خروجه ..تمّتم المحقّق في نفسه , بضيق : 
- يالها من امرأةٍ قاسية وصعبة .. كم أشفق على اولئك الأولاد الذين علّمتهم , أكيد يعانون بسببها من العقد النفسيّة !
***

ثم عاد جاك الى بيته ليكتب ملاحظاته عمّا سمعه من الجيران :
((يمكنني استبعاد السيدة جسيكا من قائمة المشتبه بهم لأنها مشلولة , ولن تقدر على قتل شابٍ قويّ .. والسيدة العجوز ايضاً مُستبعدة رغم سوء طباعها .. اما الآنسة الجميلة فربما تكون حبيبته السريّة دون علم والدها .. والشاب الجامعي لا ارى علاقة بينهما الا انهما في نفس الجامعة , لكن غداً سأعرف أكثر بعد ذهابي الى هناك .. يبقى لديّ المجرم السابق لكن عليّ اولاً انتظار فريقي لإحضار المعلومات عنه : ان كان خارج البلد او في الجوار .. امّا الرجل السكير فهو عادةً غير متواجد مساءً في المبنى .. لكن ربما ليلة الجريمة عاد مبكراً ليلتقي بالقتيل , وحينها حصل سوء تفاهم بينهما بسبب سكره , رغم ان الجميع ينكر سماعه لأيّة مشاجرة !.. 
لكن ماهذه الصدفة .. ففي العادة أكون متواجداً كل ليلة في شقتي الاّ في ايام دوامي الليلي ..فكيف علم القاتل ببرنامج عملي ؟!)) 
***

في اليوم التالي بالجامعة .. علم جاك بأن الجار الشاب كان يعرف القتيل جيداً , فكلاهما في نفس فريق كرة السلّة الجامعي .. وقد حصل الشاب على مكان القتيل بالفريق بعد إصابته بكتفه قبل ايام من مقتله .. فهل أتى الى المبنى للشجّار معه ؟ 

كما عرف المحقّق من ملفّ القتيل بالجامعة : ان اسمه (جيم باركل) الذي على حسب أقوال زملائه : ليس لديه الكثير من الأصدقاء لأنه انتقل حديثاً الى هذه الجامعة بعد حصوله على منحة دراسية بسبب براعته في لعبة السلّة من جامعته الأخرى المتواجدة خارج المدينة , والتي تُصادف بأنها جامعة الصبيّة الجميلة ! وهذا يعني انها كذبت حين أنكرت معرفتها به , لأنه يدرس التجارة مثلها وفي نفس السنة ! فهل هي مجرّد صدفة , ام ان هناك علاقة قديمة بينهما ؟ وربما تكون رسالة الوداع العاطفيّة لها ووالدها علم بالأمر , فقتله ..لهذا تحاول حماية والدها .. 
***

والأهم من ذلك : هي المعلومات التي وصلت عن المجرم السابق : فهو فعلاً كان خارج المدينة لفترة , قبل ان يعود للمنطقة قبل يومٍ واحد من وقوع الجريمة .. حيث بات ليلته (على حسب أقواله) في منزل صديقه الذي لا يبعد كثيراً عن المبنى , ولا يوجد شاهد على كلامه الا صديقه الشاذ الضعيف الشخصية 
***

امّا نتائج التشريح فكانت أشدّ غرابة ! حيث أظهرت ان القتيل لم يمت بسبب تعثّره بالأدراج , بل تمّ قتله بسمّ فئران مدسوس في طعامه الذي لم يُهضم بعد في معدته .. لكن كيف وصلت جثته الى شقّة المحقق ؟ ام كان القاتل يتحدّى قدرات المحقق بفعلته هذه ؟
***

لكن الأهم من كل هذا ..هو ما قالته العجوز بعد ان أخبرها المحقق بالإسم الكامل للقتيل , حيث قالت : 
- جيم باركل .. نعم تذكّرته .. كم كان ولداً مشاغباً 
- كيف تذكّرته بعد كل هذه السنوات ؟!
العجوز : انا بالعادة لا أنسى طلابي المشاغبين , فكيف سأنسى ذلك اللقيط المتمرّد ؟
- ماذا تقصدين ؟!
- كان طفلاً يتيماً وجدوه مرمياً قرب الكنيسة , فتبنّاه الراهب الذي كان متشدّداً بالدين , لهذا كان ولده يعانده بكل شيء مخالفاً بذلك التعاليم المسيحية , وقد كان بحقّ ولداً متنمّراً ! 
- وهل كنت تعاقبينه ؟
العجوز : بالطبع !! وكثيراً .. لكن للأسف كانت المدارس وقتها أصدرت قانوناً بمنعنا من الضرب , لهذا كنت أعاقبه بنسخ الجمل عشرات المرات على السبّورة امام الطلاب الذين كانوا يسخرون منه
- يبدو انه فعلاً تلميذك .. انظري الى الرسالة التي كتبها بخط يده قبل وفاته  

((وكان فيها عدّة جُمل مُعادة لأكثر من مرة , وكأنها كتبها كقصاصّ دون وعيٍّ منه !)) 
فضحكت العجوز ساخرة : أظنه مازال يتذكّر عقابي
- وهل كنت تسخرين عليه امام الجميع بأنه لقيط ؟
فقالت دون مبالاة : نعم دائماً .. فأنا لم أكن أتوقّع له مستقبلاً جيداً , فقد كان فاشلاً بكل شيء
- لكنه كان طالباً جامعياً
- وهل كان متفوقاً ؟
- بالحقيقة لا , فهو طرد بسبب عنفه من جامعته السابقة , ولولا تفوقه بالرياضه لما سمحوا له بدخول الجامعة الثانية 
- ارأيت ما أقصده
المحقق : هو كان سريع الغضب , فرفقائه بفريق السلة أخبروني كيف غضب من المدرب حين استبدله بطالب السنة الأولى الذي هو جارنا بالطابق الأول
- نعم أخبرتك , هو كان متنمّراً منذ الصغر
- ربما لأنك لم تجعلي حياته سهلة
العجوز بغضب : ماذا تقصد ؟!! أنا كنت اريد توجهيه فقط , فهو لم تكن لديه أمّ لتربيه
فلم يردّ المحقق مجادلتها , لأن طباعها صعبة .. 

وبعد خروجه من شقتها , فكّر جاك في نفسه : 
((ربما قدِمَ جيم الى مبنى للإنتقام من هذه العجوز التي عقّدت حياته بتعليقاتها المدمّرة , فهل يعقل ان تكون هي من سمّمته ؟ .. لكن هل معقول إمرأة في مثل ذكائها ان تُقدم على ارتكاب هكذا جريمة وهي تعلم تماماً بأن صحتها لن تسمح لها بالتخلّص من جثته الضخمة ! .. يا الهي , الأمر يزداد تعقيداً كل يوم !)) 
***

ثم بدأ التحقيق مع المجرم السابق الذي عاد أخيراً الى المبنى بنهاية الأسبوع والذي أنكر تماماً معرفته بالقتيل , كما أصرّ على انه مكث في منزل صديقه فور عودته من السفر .. الاّ ان كاميرا ذلك المبنى تُبيّن انه في يوم الحادثة خرج مع صديقه في منتصف المساء ولم يعودا للشقة الا قبيل ساعات الفجر الأولى .. وعلى حسب أقوالهما : كانا وقتها يتمشيّان على الشاطىء , لكن لا دليل على صحّة ذلك .. فهل شاركه صديقه بعملية القتل ؟ وان كان هذا صحيحاً , فلما اختارا طريقة السمّ بالطعام ؟ فهذا لن يحصل الا اذا كان القتيل يعرفهما جيداً , ودخل شقة المجرم السابق ليأكل عنده .. لكن حتى هذا الإحتمال مُستبعد لأن خبير البصمات أثبت بعد فحصه لقفل باب المجرم بأنه لم يُمسّ طيلة فترة غيابه عن المبنى .. لذا يبدو انه على الأرجح يقول الحقيقة ! .. اذاً من هو القاتل ؟
***

في عصر ذلك اليوم .. استدعوا والد الصبيّة الى المخفر بعد ان قام بضرب شابٍ جامعي حاول الحصول على رقم جوال ابنته دون ان يلاحظ وجوده بكافتيريا الجامعة , لكنه خرج من التوقيف بعد ان تعهّد بعدم الإقتراب من الشاب مجدداً .. 
لكن هذه الحادثة أكّدت للمحقق بأن هذا الوالد لديه مشكلة في التحكّم بأعصابه بسبب حرصه الزائد على ابنته .. فهل القتيل حاول التقرّب منها بقدومه الى بيتها , فقام والدها بتسميمه ؟ .. 
بجميع الأحوال يبقى الأب في قائمة المشتبه بهم .. 
***

ومن جهةٍ أخرى .. أكّد صاحب البار الذي يتردّد عليه السكّير دائماً , بأنه اشترك بالعديد من المضاربات في الآونة الأخيرة لأنه يفقد أعصابه بسهولة حين يسكر تماماً .. لهذا يبقى هو ايضاً من ضمن المشتبه فيهم بهذه القضية 
***

الاّ ان مجريّات التحقيق تغيرت كليّاً بعد اسبوعين .. حين وصلت للمحقق إخبارية من أحد المخبرين (الذين وضعهم لمراقبة كل شخص من سكّان العمارة) بعد رؤيته لجسيكا تخرج من سيارتها على قدميها وتدخل المطعم لمقابلة صديقها , رغم انها خرجت من عملها على الكرسي المتحرّك ! 

وعلى الفور !! تحرّك جاك باتجاه المطعم كيّ يمسكها بالجرم المشهود , وقد ارتبكت كثيراً حين رأته خلفها وهو يقول لها بنبرةٍ غاضبة :  
المحقق : اذاً انت لست مشلولة .. فلما كذبتي علينا ؟
فتلعثمت وهي تنظر الى صديقها والزبائن من حولها بارتباك..
فقال صديقها متفاجئاً : مشلولة ! مالمشكلة جسيكا ؟ ومن هذا الرجل ؟
جسيكا بارتباك : ارجوك آدم , اذهب الآن وسنتكلّم غداً .. رجاءً 
ورغم رفض صديقها تركها مع جاك (لعدم معرفته بأنه محقق) الا انه غادر المطعم بعد إصرارٍ منها ..

وبعد ذهابه , جلس جاك مكانه ليُكمل معها التحقيق ..
- لماذا كنت تمثلّين على الجميع بأنك مشلولة ؟
فقالت وهي تشعر بالحرج : لأحصل على وظيفة
- لم أفهم !
- بعد ان تركت شركتي القديمة لظروفٍ شخصية , أمضيت ستة شهور في البحث عن وظيفة أخرى .. لكن لم تكن هناك وظائف شاغرة , وأوشكت على الإفلاس .. وبالصدفة سمعت السكرتيرة تتكلّم مع احدهم في الهاتف وتقول : ((لا وظائف عندنا سوى للحالات الخاصة)) .. وعرفت لاحقاً ان الدولة تُلزم الشركات بتوظيف 3 في المئة من موظفيها من المعاقين .. فعدّت اليهم بعد ايام على الكرسي المتحرّك , وتفاجأت بأنه لم يسألني احد عن ملفّي الصحيّ , وقاموا بتوظيفي كمحاسبة وبمرتبٍ أفضل من راتبي السابق .. لذلك قمت بتغير مكان سكني خوفاً من ان يفضحني جيراني السابقين , فأخسر عملي .. وسكنت عندكم منذ ثلاثة شهور , حيث تعرّفتم عليّ جميعاً كسيدة مشلولة منذ الصغر 

المحقق : وماذا عن القتيل ؟
فأسرعت قائلة : صدقاً يا سيد جاك , انا لا أعرف من هو ..  
- هل لديك اقوالٌ أخرى ؟
- لا .. هذا كل ما لديّ
ورغم إحساس جاك بأنها تكذب عليه , الا انه تركها تحت المراقبة حتى وصول معلومات عن شركتها القديمة 
***

وفي ظهر اليوم التالي .. وصلت للمحقق المعلومات التي ينتظرها عن حياة جسيكا السابقة .. فأسرع الى شركتها القديمة ليسأل إحدى زميلاتها  عنها ..
صديقتها القديمة باستغراب : لا ! جسيكا ليست معاقة , الا اذا كانت أصيبت بحادثة في السنة التي تركت فيها شركتنا
- لا تقلقي , هي بخير .. كنت فقط اريد التأكد منك .. المهم إخبريني.. منذ متى تعرفينها ؟
- عملنا سويّاً لخمس سنوات

المحقق : ولماذا تركت الشركة ؟
فسكتت الموظفة .. 
لكن المحقق قال لها بحزم : 
- من الأفضل ان تتكلمي , لأن الموضوع يتعلّق بجريمة كما أخبرتك
الموظفة : بالحقيقة .. هي لم تعدّ تريد البقاء هنا , بعد ان تغيّر مديرنا
- لم أفهم !
- هي كانت تحب مديرنا السابق الذي كوّن معها علاقةً عابرة .. ..وبعد تزوجه من فتاةٍ اجنبية وسفره معها الى الخارج , لم تعدّ تريد البقاء هنا
المحقق : يعني الأمر تسبّب لها بصدمةٍ عاطفية ؟ 
- بل صدمةً كبيرة دمّرتها تماماً , فهو كان حب حياتها

المحقق : الهذا السبب فقط تركت شركتكم ؟
فقالت بتردّد : ولكيّ تبتعد ايضاً عن ذلك الأحمق
- من تقصدين ؟
- قبل زواج المدير , فترت العلاقة بينهما .. وحين قدم الينا شابٌ جامعي اثناء تدريبه الصيفيّ , بدأت تغازله امام المدير لإثارة غيرته .. وحين لم تنفع حيلتها وترك المدير الشركة نهائياً , تفاجأت بتعلّق الشاب فيها , وملاحقته لها في كل مكان ..مع انها أخبرته بالحقيقة , الا انه أصرّ على حبها 

وهنا .. أخرج المحقق صورة القتيل من ملفّه الجامعيّ..
- أهذا هو الشاب ؟
الموظفة بدهشة : نعم هو ! فأنا مازلت أذكره , لأننا كنّا نستهزأ من لثغة لسانه
- صحيح , حتى اصدقائه بالجامعة أخبروني ايضاً بمشاكل نطقه ..  طيب بعد استقالة جسيكا , الم تتكلّمي معها ثانيةً ؟
- هي إنقطعت اخبارها منذ ان تركت شركتنا .. لكن قبل ثلاثة او اربع شهور , لا اذكر متى بالضبط .. اتصلت بي لتخبرني عن الشاب الطفيليّ , كما كانت تلقبه

المحقق باهتمام : وماذا قالت عنه ؟
- قالت بأنها غيّرت شقتها وانتقلت الى منطقة بعيدة لتتخلّص منه.. وحين سألتها : وماذا ستفعلين في حال لحقك الى هناك ؟ .. قالت لي.. (وسكتت) 
المحقق بعصبية : ماذا قالت ؟ إكملي !!
- قالت : ((حينها سأجعله يندم على اليوم الذي أحبّني فيه))
فهزّ المحقق رأسه قائلاً : شكراً .. هذه المعلومة تكفيني
***

ومن بعدها .. واجه المحقق جسيكا بالأدلة الجديدة ..
- طالما كنت تعرفين القتيل من قبل , فلما أنكرتي ذلك ؟
وهنا انهارت اعصابها..وقالت باكية : 
جسيكا : حاولت إفهام ذلك الغبي بكل الطرق انني لم أحبه يوماً !! لكنه لم يتركني في شأني .. وبدأ يتصل بي عشرات المرات كل يوم , هذا عدا عن رسائل الإيميلات ..
المحقق مقاطعاً : لحظة ! ولما أعطيته عناوينك .. 
مقاطعة بعصبية : لم أعط اللعين شيئاً !! هو بحث في حاسوبي الخاص التابع لشركتي القديمة وأخذ كل المعلومات عني .. حتى انه ارسل رسائل لعائلتي يخبرهم بأنه خطيبي المستقبلي .. وحينها اضّطررت ان أخبرهم عن هوسه بي , فنصحوني بأن اتصل بالشرطة ..وليتني سمعت كلامهم 

المحقق : وماذا حصل بالضبط جعلك تقرّرين قتله ؟ 
فتنهّدت جسيكا بضيق : كنت ارتحت منه لشهرين بعد انتقالي لهذه العمارة وتعرّفت بهذا الوقت على شابٍ آخر , لكني تفاجأت مع بداية الشهر بباقة زهور على عتبة بابي , وظننت انها من صديقي الجديد .. لكن ما ان قرأت البطاقة حتى عرفت انه هو 
- وماذا كان مكتوبٌ فيها ؟
جسيكا : قال فيها : ((هل ظننت ان بإمكانك التخلّص مني بسهولة ؟))

المحقق : وماذا حصل بعدها ؟ 
- قام بزيارتي في شقتي الجديدة لعدّة مرات .. وفي المرة ما قبل الأخيرة رميت الزهور في وجهه وطردّته من بيتي .. لكن حتى هذا لم يفهمه انني أكرهه , وظلّ يتصل بي 
- وحينها خطّطتي لقتله ؟
جسيكا بعصبية : نعم !! واشتريت سمّ فئران .. واتصلت به لأول مرة منذ ان تعرّفت عليه , وطلبت منه ان يأتي على العشاء 
- لكننا وجدنا رسالة وداع في جيبه
- ربما كتبها لأنه رفض دعوتي بعد ان رآني مع صديقي الذي قدم صدفةً قبله .. وحين اتصلت به لأعرف سبب عدم مجيئه , صرخ عليّ قائلاً : بأنني خنت ثقته بي

المحقق : اذاً بذلك تخلّصت من محبته , فلما دعوته مجدّداً على العشاء ؟!
- لأنني أعرفه جيداً , وكان حتماً سينتقم مني لاحقاً .. لهذا كان عليّ التخلّص منه سريعاً 
- برأيّ تسرّعت .. فلوّ قرأت رسالة الوداع الذي قدم لإعطائك اياها , لما أقدمتي على قتله 
جسيكا : اساساً لا أعرف شيئاً عن هذه الرسالة , فماذا كتب فيها ؟! 
فأخرج المحقق من ملفّاته رسالة القتيل التي كانت معه لحظة وفاته , وأعطاها لجسيكا :  
- خذي .. اقرأيها بنفسك 

وكان جيم كتب فيها بإحساسٍ مرهف وصادق : ((بأنها اول حب في حياته .. كما أخبرها عن حياته البائسة مع الراهب (والده بالتبني) , وعن معلمته القاسية التي كانت تعاقبه باستمرار .. ثم فسّر سبب ملاحقته لها : لأنها اول شخص يغازله في حياته , ولذلك تمسّك بها كالغريق يتعلّق بقشّة .. وبالنهاية كتب قائلاً : لكن طالما انك وجدت الحب مع شخصٍ آخر , فسأتركك بسلام .. لأنه يبدو ان الرب لم يكتب لي السعادة في هذه الدنيا))
فقالت بدهشة : يا الهي !
- ارأيتي .. لوّ انتظرتي قليلاً , لانتهت مشكلتك دون الحاجة لقتله

فالتزمت جسيكا الصمت بعد ان أصابها الذهول ممّا قرأته ! 
فقاطع المحقق صمتها : لكن هناك شيئاً لم أفهمه .. فحين قدم اليك لتسليمك رسالة الوداع .. أصرّيت عليه ليتعشّى معك , دون علمه ان الطعام مسموم 
جسيكا بحزن : هذا صحيح 
- اذاً كيف وصلت جثته قرب شقتي ؟!

فأخذت جسيكا نفساً عميقاً , ثم قالت : 
- حين سقط على الأرض بعد تناوله الطعام , ذهبت الى الداخل لأحضر شيئاً ألفّه فيه .. وحينها سمعته يخرج من بيتي ! فلحقته لأراه يضغط بقوة على زرّ المصعد .. وحين تأخر بالصعود اليه ورآني فجأة خلفه , أسرع خائفاً بنزول الأدراج وهو يترنّح بألم .. فقمت بدفعه بقوّة , ليتدحرج الى الأسفل ويسقط قرب بابك .. وقبل ان أقترب منه لأتأكّد من موته ..رأيت المصعد يصعد نحو طابقك , فأسرعت بالعودة الى شقتي ..
المحقق : الآن فهمت .. وقد كشف تقرير التشريح بأن التسمّم كان السبب في وفاته , فهو كان يحتضر قبل ان تدفعيه من فوق الدرج ..وبما انك اعترفت الآن بجرمك , فسأقوم باعتقالك 
***

ولاحقاً تمّ ارسال جسيكا الى سجن النساء بعد ان حُكم عليها بعقوبة القتل من الدرجة الأولى التي تصل عقوبتها الى 30 سنة مع الأشغال الشاقة
***

وبعد صدور حكم المحكمة على القاتلة .. قرّر المحقق تغير مكان سكنه بسبب جيرانه الذي تفاجأ بسوء طباعهم بعد الحادثة , ولأنه مازال يرى القتيل امام عتبة بابه كلما اراد الخروج او الدخول الى شقته .. 

لكنه خرج من هناك حزيناً لما حصل لذلك الشاب الذي قتلته حبيبته مرتين : حين طعنت قلبه البريء , وحين أنهت حياته .. 
فتمّتمّ المحقق بحزن وهو يبتعد عن العمارة بعد ان حزم أمتعته : 
- كم جريمة أُرتكبت بإسمك ايّها الحب اللعين !

الخميس، 28 يونيو 2018

معاناة الجنّ

تأليف : امل شانوحة


 
ثورة الجنّيات ضدّ السحرة البشريين !

إستغلّت الجنّية (هنوف) سفر زوجها الى قرية أهله البعيدة لتقوم بمخاطرة لم يجرأ عليها أحد منذ قرون .. فقد طارت بمساعدة صديق والدها العجوز (من الجن الطيّار) مُتنقلةً معه من واديٍ الى وادي بحثاً عن (وَجد) الجنّية الجريئة التي استطاعت مُعاندة عفاريت ومردة قبيلتها من الجن الناريّ الذين يسيطرون حاليّاً على قبيلة الجن الترابي (سكّان باطن الأرض) والتي منهم هنوف والدة الشاب دوما الذي ظلّ مصيره مُقيّداً منذ سنوات طويلة بفتاةٍ بشريّة وصلت بسببه سن العنوسة .. وذلك بعد ان نفذ صبر والدته التي عقدت العزم على فكّ سجن (وجد) كيّ تساعدها على تحرير ابنها بأسرع وقتٍ ممكن
***

وحين وصلت أخيراً الى شقٍّ عميق في إحدى البراكين الخامدة , وجدت السجينة (وجد) مُقيدة هناك وقد تحوّلت الى ما يُشبه الشبح بجسمها الهزيل ووجهها الشاحب وثيابها المهترئة , كما انطفأ بريق عيونها السبعة , والتي ما أن رأت هنوف (القزمة السوداء بشعرها الكثيف) تقترب منها بحذر , حتى انتفضت برعب وهي تحمي وجهها بيديها :
- لا !! ارجوك لا تقتليني !! لقد أعلنت توبتي ولن أغضب أسيادي مجدداً !!
هنوف مُهدّئة : إهدئي رجاءً .. فأنا أتيت لأفكّ قيودك 
وجد بدهشة : وهل ألغى قضاة الجن حكم المؤبد عليّ ؟!
- بصراحة لا .. لكني أتيت بالخفاء لأحرّرك من سجنك
- ولماذا تخاطرين بحياتك من أجلي ؟ فأنا لا أعرفك !
هنوف : سأخبرك بكل شيء , لكن دعيني أساعدك أولاً

وبعد ان فكّت قيودها , أطعمتها وغسّلتها وغيّرت ملابسها .. ثم بدأت تخبرها بالسبب الحقيقي وراء قدومها ..
هنوف : كما أخبرتك .. قبيلتك سيطرت على قبيلتي منذ خمسين سنة بعد ان خسرنا الحرب معهم , و لا ادري حقاً كيف تطيقون حكم المردة والعفاريت الجائر والجبّار ؟!
فتتنهّد وجد بضيق : نعم , الجن الناريّ هم الأكثر عتوّاً وصلابة بين كل انواع الجن .. وأظنهم ارادوا السيطرة على الجن الترابي لأنكم بالعادة تعيشون في بيوت البشر , لهذا تعتبرون المفضلّون عند السحرة البشريين الملاعيين !!
هنوف : عفواً على سؤالي .. لكن كيف استطعت خرق الحاجز الذي بيننا وبين البشر ؟!
وجد : هذا حصل بعد أن ورثت كتاباً أثريّاً كان لعائلة والدتي , فأمي من الجن المائي الغوّاص 
هنوف بدهشة : لم أكن اعرف ذلك ! كنت أظنك ناريّة من كلا الوالدين

وجد : لا .. (ثم تسعل قليلاً) .. اين كنّا ؟ .. نعم .. حين تمّ إختيار ابني لتنفيذ أوامر الساحر البشريّ , بدأت بدراسة ذلك الكتاب الأثريّ الضخم كيّ أجد أيّ ثغرة تجعلني أنتقل الى عالم البشر , لأفكّ إرتباط ابني بذلك البشريّ المسكين 
هنوف بدهشة : أتسمّين المسحور بالمسكين ؟!
- بصراحة نعم , فقد أشفقت عليه .. فمهمّة ولدي كانت النفخ الناريّ في جسد المسحور الذي بدأ يعاني من آلام تُشبه ألم الحصوة بالكلى , وبعد سنوات من تحمّله لذلك الألم القاسي قام باستئصال كلا كلوتيه وزراعة كلية جديدة , لكن قريب ذلك البشريّ أصرّ على الساحر ان يجدّد له السحر , فقام ابني بالإستجابة لطلبات الساحر مُرغماً , وبدأ يتسبّب بالمزيد من الآلام للمسحور مما أدّى لتدهوّر حالته النفسيّة.. وحين استطعت أخيراً إيجاد التعويذة المناسبة التي تجعلني أصل الى إبني وأفكّ قيود رجله المعلّقة بأعضاء البشريّ الداخلية , قام ذلك المسحور يائساً بالإنتحار , مما تسبّب بمقتل ابني معه 

هنوف بقلق : يا الهي ! أهذا يعني ان أبناءنا بمهمّاتٍ انتحارية ؟!
وجد : ربما .. فالإنسان ليس لديه صلابتنا وصبرنا و بالعادة ييأسون بسرعة , فكيف برأيك سيتحمّلون كل هذه الآلام الجسدية والنفسيّة التي نُسبّبها لهم بسبب السحر ؟
هنوف بجدّية : إذاً جيد انني وجدتك , فأنا اريد تحرير ابني من مهمّته .. ولا تقلقي , فجميع نسّوة قريتي سيساندونك في فكّ العقود التي تربط ابنائهم بالسحرة .. لكن المهم الآن .. هل مازلتي تحفظين تلك التعويذة التي تصلنا بعالم البشر ؟
وَجد بابتسامةٍ ماكرة : بل أحفظها أكثر من اسمي .. (ثم تلفّتتّ حولها بقلق) ..لكني أخاف ان أذهب معك , فلربما أتى أحد الحرس ..وفي حال لم يجدني في مكاني , سيقوم بإبلاغ المجلس عن هروبي .. ومن ثم ..
هنوف مقاطعة وبحزم : ثم ماذا ؟!! .. بكل الأحوال انت محكومٌ عليك بالإعدام , على الأقل لنمتّ جميعنا كأبطال ونحن نحاول التحرّر من عبوديّة سحرة البشر الملاعيين !! 

ففكّرت وجد قليلاً , قبل ان تُومىء برأسها موافقة .. ثم ركبتا ظهر الجن الطيّار الذي كان ينتظرهما خارج الكهف , وانطلق بهما عائداً الى قرية هنوف في باطن الأرض .. وقد وصلوا اليها مع تباشير الصباح والجن نيام , وعادوا الى بيوتهم بسرّيةٍ تامة 
*** 

وماهي الا ساعات .. حتى انتشرّ الخبر بين مجموعة محدّدة من النساء (الجنّ الترابيون) اللآتي يتشاركنّ جميعاً : بأن لديهنّ ابناء رحلوا منذ مدة طويلة بمهمّاتٍ سحريّة , ولهذا فرحنّ جداً برؤية البطلة وجد في قبو منزل هنوف .. 

وبعد ان سلّموا عليها .. بدأوا بالخطيط لمهمّة إنقاذ ابنائهنّ بسرّية تامة دون علم أزواجهنّ الفخورين باختيار العفاريت لأبنائهم الصغار لهذه المهمّات الصعبة .. 
فقالت هنوف لهنّ :
- لقد قمت بهذه المخاطرة وأحضرت البطلة وجد اليكنّ لأننا جميعاً نعاني من الشيء ذاته .. فكما تعرفون .. إبني دوما مازال مرتبطاً بتلك البشريّة لأكثر من 33 سنة ! الا يكفي ان ضاع شبابه معها ؟ لهذا لم أعدّ أحتمل , وأريد عودته اليّ حالاً !! 
فقالت الجنيّة (ام مهران) بحزن : على الأقل ابنك ذهب في مهمّته حين كان مراهقاً , لكن ما ذنب ابني الصغير ان يرتبط بطفلٍ بشريّ لعشر سنواتٍ كاملة , حتى أوشكت على نسيان شكله !
فقالت الثالثة غاضبة : علينا القيام بثورة تطيح حكم العفاريت الناريّة , فنحن لم ننعم بالراحة منذ خمسين سنة .. والمشكلة ان ازواجنا الجبناء يطيعون أوامرهم , بل يهدّدونا بالفراق ان منعنا ابناءنا من تنفيذ طلباتهم !

فقالت القزمة الرابعة بقلق : برأيّ , الأمر شبه مستحيل .. فعبوديّة الجن للسحرة البشريين بدأت منذ ايام النبي سليمان .. أيّ من قرونٍ طويلة .. فكيف بإمكاننا الآن التحرّر والإستقلال عن البشر ؟! وفي حال استطعنا , فالأمر سيؤدي حتماً الى حرقنا في ساحة قريتنا من قبل المردة والعفاريت الذين لديهم مصالحهم الخاصة مع سحرة البشر
هنوف بحزم : كل ما أعرفه ان الأمر بات لا يطاق , وانا قرّرت بأن أفكّ سحر ابني بنفسي , ولوّ جازفت بحياتي !! 
صديقتها مُحذّرة : لا تتهوري يا هنوف , فعنادك قد يتسبّب بموته ايضاً كما حصل مع ابنها (وأشارت الى البطلة وجد) .. ما بك لا تتكلّمين ؟ ارجوك إنصحينا فنحن تائهات , وانت الوحيدة بيننا التي جرّبت الموضوع من قبل

فنظرت وجد اليهنّ بعيونها السبعة , ثم قالت لهنّ :
- ربما لم تنجح مهمّتي لكن الموضوع ليس مستحيلاً ويمكنكنّ إنقاذ اولادكنّ , لكن عليكنّ بعدها إرسالهم الى مكانٍ بعيد كيّ لا ينفضح أمرنا لحكّامنا فيعدمونا جميعاً
هنوف بحزم : سأقوم أنا بالمخاطرة الأولى .. وان مُتّ مع ابني الشاب , فوصيتي لكنّ : ان تهتمّوا بإبني الصغير 
فنظرنّ صديقاتها اليها بحزن , بعد ان شعرنّ بأنه من المستحيل تغير رأيها بعد أن عقدت العزم ..
وجد : طالما انت مصرّة يا هنوف على المجازفة , فسأخبرك بالخطة
واستمعت الجنّيات الى خطة وجد باهتمام ..
***

وفي الجهة الأخرى من العالم .. كانت السيدة البشريّة رؤى تحتفل مع صديقاتها بعيد ميلادها الأربعين .. وبعد ان انتهاء الحفل , إقتربت منها صديقتها التي لم تغادر مع الأخريات ..
- لما أراك حزينة هكذا ؟ فأنت لم تبتسمي ولوّ لمرة طوال الحفلة 
رؤى بحزن : وعلى ماذا أفرح ؟! فقد وصلت اليوم الى سن العنوسة
صديقتها مُعاتبة : لا تقولي هذا , فأنت سيدة ناجحة في عملك ولديك الكثير من الأصدقاء
- وما الفائدة طالما ليست لديّ عائلتي الخاصة ! فكما رأيتي .. جميع أصدقائي القدامى من ايام دراستي المدرسية والجامعية وكذلك زميلاتي في العمل جميهنّ متزوجات , حتى ان بعضهنّ إحتفلنّ بخطوبة اولادهنّ , وانا لم اصبح أماً بعد ! وربما لن أشعر بالأمومة مطلقاً 
صديقتها بتردّد : أتدرين .. لطالما أردّت سؤالك عن هذا الموضوع , لكني كنت اخشى ان اجرحك
رؤى بعد ان تنهّدت بحزن : اسألي عزيزتي
صديقتها : الم يخطبك أحد طوال العشرين سنةً الماضية ؟

تبتسم بحزن : أكثر من 15 شخص , ولا ابالغ ان قلت ان جميعم كانوا يستعجلون اهلي بتحديد موعد الزواج  
- إذا ماذا حصل ؟!
- لا ادري .. فقبل حفلة الخطوبة , يختفون تماماً !
- ماذا تقصدين ؟!
رؤى بحزن : يغيّرون رأيهم في آخر دقيقة , وكنت أظن السبب : ان إحدى أقربائي تقوم باختلاق عيوبٍ في شخصيتي وتُخبرها للعريس , فيعزف الآخر عن اتمام الزواج
- وهل هذا ما حصل حقاً ؟
- يبدو لا .. فقد طلبت من اهلي ان لا يخبروا أحداً بموضوع تقدّم أيّ عريسٍ لي حتى إتمامّ الزواج , لكن مع هذا لم يتغير شيء ! .. وفي أحد الأيام التقيت بصديقتي التي ابتعدت عني بعد فشل الخطوبة مع اخيها , وسألتها عن السبب 
- وماذا قالت ؟

رؤى : قالت شيئاً لم أفهمه ! فقد أخبرتني بأن اخاها قبل يوم من حفلة الخطوبة بدأ يعاني من كوابيسٍ مُقلقلة , ورأى جني شاب في نومه يخنقه ويهدّده بايذائه في حال اقترب مني 
صديقتها : ماهذه الخرافات ! هل بسبب الكوابيس تُلغى الأعراس ؟!
- لا ادري .. لكني بدأت أصدّق كلام جدتي بأنني مسحورة
فنصحتها صديقتها قائلةً : مع انني لا أأمن بهذه الأمور ..لكن اذهبي الى شيخ لديه خبرة بفكّ الأسحار , فلربما تجدين الحلّ عنده  
***

وفي تلك الليلة .. نامت رؤى بعد ان أتعبها التفكير في مستقبلها البائس .. وحينها شاهدت كابوساً أفزعها : 
حيث شاهدت طرف بطانيتها تتحرّك بشكلٍ هستيريّ , وصوت امرأة تقول لها : 
- إمسكيه قبل ان يهرب !!
وكأن كلباً عالقاً تحت الغطاء ! فقامت الفتاة وأطبقت يديها عليه , ليرتفع قليلاً في الهواء .. ثم يخرج من تحت الغطاء علبةٌ حديدية صدئة مربوطة بثلاث خيطان سوداء .. فحاولت رؤى فكّ إحداها .. لكن صوت المرأة حذّرتها قائلةً : 
- لا !! إيّاكِ ان تفتحي العقد دون قراءة المعوذات

فبدأت رؤى بقراءة المعوذات وهي تفكّ العقد الثلاثة .. ومن ثم فتحت الصندوق , لتجد بداخله صرّة قماشيّة مُهترئة .. وحين فتحتها وجدت بها شعر خاروفٍ اسود وبهارٍ أصفر كالكركم تمّ لفّهم حول لعبةٍ قطنية , وعلى وجه اللعبة عُلّقت صورة قديمة بدبوس : وكانت صورة لرؤى في سن السابعة ! وكانت بقيّة الدبابيس مغروزة في جسم اللعبة  
ووسط دهشة رؤى مما تراه , سمعت صوت المرأة ذاتها تقول لها:  
- والآن سمّي الله وانت تزيلين كل دبوس على حدة ..

لكن فجأة ! رأت خالتها تصرخ من بعيد وهي تقول :
- إيّاك يا رؤى ان تفكّي سحرك !! فقد دفعت به مبلغاً كبيراً
وهجمت عليها لتمنعها !!! لكنه نزل من سقف الغرفة نساءٌ أقزام مُتشحات بالسواد كثيفات الشعر ولديهنّ عينٌ واحدة مضيئة تتوسّط وجوههنّ , قاموا جميعاً بعمل حلقة حول رؤى بعد ان امسكوا بأيديهنّ ليحموها من خالتها التي كانت تحاول بقوة إختراق صفوفهنّ , وهي تصرخ من خلفهنّ :
- دعوني أمنعها !! فحياتي بخطر ان فكّت سحرها

لكن المرأة ذاتها (وهي الجنّية هنوف) قالت لها : 
- إسرعي وفكّي سحرك يا رؤى !!
فأسرعت الصبية بفك الدبابيس عن اللعبة , لترى خالتها تصرخ بألم خلف نساء الجن , بعد ان سقطت على الأرض وهي تتلوّى من الألم !
***

استيقظت من بعدها رؤى وهي تحاول التقاط انفاسها برعبٍ شديد , ثم أيقظت امها لتروي لها الكابوس الذي أفزع الأم ايضاً وجعلها تقرّر أخذ ابنتها الى شيخ في اليوم التالي والذي قام بتبشيرهما (بعد ساعتين من القراءة على رؤى) بفكّه لسحرها الذي دام أكثر من ثلاثين سنة !

اما خالتها .. فقد عرفتا ظهر ذلك اليوم بأنها دخلت المستشفى بعد ان أصابها صرعٌ مفاجىء , وقد عجز الأطباء عن كشف علّتها !

فقالت رؤى لأمها بغضب : لن أحزن عليها يا امي , فهي لم تشفق على ابنة اختها وهي ترى شبابي يتلاشى كل سنة .. واليوم وبعد ان تخلّصت من سحرها , قامت الجن بعقابها والإنتقام منها .. فلتذقّ قليلاً ممّا جعلتني أعاني منه لسنوات .. اللعنة عليها وعلى هذه القرابة !!
***

في هذه الاثناء .. كانت نسّوة الجن تُهنىء هنوف بعودة ابنها (دوما) سالماً الى أحضانها بعد ان أصبح رجلاً .. لكن للأسف ليس لوقتٍ طويل , لأنها مُرغمة على تسفيره في الصباح الباكر الى أهلها بالقرية الثانية قبل عودة زوجها من السفر .. 
***

وبعد ان ودّعت دوما بالدموع .. عادت هنوف الى بيتها لنقل وجد الى منزل جنية عجوز تعيش لوحدها 
هنوف : انا آسفة يا وجد , لكن زوجي سيأتي قريباً ولا اريده ان يراك هنا 
وجد بابتسامة : لا تقلقي عليّ , فبقائي في منزل العجوز أأمن لي .. المهم الآن .. انني سعيدة لنجاحك في المهمّة
- لم اكن لأنجح لولا توجيهاتك , يا صديقتي ..
- وانا سأعلّمها للبقيّة , كيّ ينقذنّ ابنائهنّ الواحد تلوّ الآخر .. هل جميعهنّ مجتمعات هذا المساء في بيت العجوز ؟

هنوف : كلهنّ ماعدا ام نارند , فهي تصرّ على معارضتنا ! لكني لا الومها فأبنها لم يُرسلوه بعد في أيّةِ مهمّة , وان كان دائماً يُسارع بتسجيل اسمه ضمن المتطوعين الشباب , وهي رغم قلقها عليه الا انها تخاف مُخالفة اوامر العفاريت .. الجبانة !
وجد : دعيها , فهي لم تذقّ بعد ألم الفراق الذي عانينا منه جميعاً  
فأومأت هنوف برأسها موافقة بحزن
***

في مساء اليوم التالي ..استيقظوا على صوت البوق العالي الذي يخشاه جميع الجن , فهو اعلان لإجتماعٍ خاص بشباب الجن في ساحة القرية ..وهذا يعني بأن أحد البشر قام بسحر شخصٍ آخر , لهذا طلب الساحر البشريّ من أتباعه من المردة والعفاريت الناريّة ان يحضروا له متطوّعاً من شباب الجن الترابيين كيّ يربط مصيره بالمسحور , الذي ربما يكون للأبد !

ام نارند بعد ان سمعت النداء : 
- اللعنة !! ليس من جديد .. هاى ابني ! الى اين انت ذاهب ؟!
ابنها وهو يستعد للذهاب : الم تسمعي يا امي .. عليّ الإلتحاق برفقائي بالساحة
- لا ابني , أخاف ان يختارك العفريت لهذه المهمّة الإنتحارية
- انتحارية ! لا تبالغي امي ..هي مجرّد سنواتٍ قليلة وأعود اليك
- سنوات ! الم تسمع ما حصل لابن وجد الذي مات مع المسحور
- تلك حالةٌ استثنائية .. فالبشر عادة ما يفكّون أسحارهم سريعاً .. لا تقلقي امي 
وودّعها , غير آبهٍ بتوسّلاتها ودموعها ..
وكان خوفها في محلّه , حيث تمّ إختياره لهذه المهمّة 
***

ومع تباشير الصباح من تلك الليلة.. تفاجأت النّسوة المُختبئات في قبو منزل العجوز بقدوم ام نارند اليهنّ .. 
هنوف بدهشة : أهذا انت ؟! ما الذي أتى بك الينا ؟ 
- اريد ان أنضمّ اليكنّ 
وجد باستغراب : أحقاً ؟!
ام نارند : نعم , لكن بشرط ان تفكّوا قيد ابني اولاً
جنّية أخرى : لكنه التحق اليوم بالمهمّة !
ام نارند وهي تبكي بقهر : نعم , واريد عودته حالاً !! فأنا ترملّت وهو طفلٌ صغير وربّيته لوحدي , ولا استطيع العيش دونه , فهو كل ما تبقي لي من أهلي 
وجد : حسناً إهدأي قليلاً .. وأجلسي معنا في الحلقة , لأننا سنبدأ بالتعويذات بعد قليل 
***

وبدأنّ بتلاوة تراتيل التعويذة التي تجعل إحداهنّ تنتقل الى عالم البشر .. وكانت المهمة : إرسال ام نارند الى هناك للبحث عن ابنها وتحريره من مهمّته.. وقد فعلت ذلك رغم اعتراض ابنها الذي كان يخشى سخرية اصدقائه عليه , لكنها وعدته بتسفيره سريعاً الى منطقة اخرى وبسرّية تامة .. وحينها فقط قبل العودة معها 
***  

وبعد النجاحات المتتالية للبطلة وجد بمساعدة الجنّيات استطعنّ تحرير معظم ابنائهنّ من سحر البشر وارسالهنّ الى اماكن بعيدة عبر الأنفاق الأرضية كيّ لا يراهم أحد من القرية ويوصل الخبر الى العفاريت ..

وعلى الفور !! انتشر خبر البطلة وجد بين مجموعة الأمهات اللآتي إنضممّن الى الحلقة التي غصّت بها بيت العجوز الصغير , وكل واحدة منهنّ ترغب في تخليص ابنها او ابنتها من الإعتقال البشريّ ..
***

ووصل الدور الى ام مهران التي تم اختيار ابنها الصغير ليلازم طفلاً بشرياً سحرته زوجة والده العقيمة كيّ يصبح كسيحاً وأعمى , وهذا يعني ان يشاركه الجني (مهران) بنفس مرضه الذي دام عشر سنوات ..

وقد نجحت (وجد) بارسال ام مهران الى مكان ابنها .. والتي قامت بالتسلّل الى حلم والد الطفل البشريّ وإخباره بمكان السحر الذي قامت زوجته بدسّه في وسادة ابنه .. فقام الأب مفزوعاً من المنام , وذهب الى غرفة ابنه النائم وسحب الوسادة من تحت رأسه وفتحها ليجد التميمة الجلدية التي بها كلمات السحر , فقام بحرق ورقة التعويذات .. ثم جلس قرب ولده النائم وهو يبكي ويقرأ له القرآن .. ليتفاجأ بعدها برؤية ولدٍ اسود يخرج من جسد ابنه ويسرع راكضاً الى امه الجنية المتشحة بالسواد التي كانت تقف قرب باب غرفة الولد , وكل هذا حصل في ثواني .. وأدّت صرخة الأب بعد ان أفزعه المنظر لإيقاظ ابنه وزوجته الأولى من نومهما .. ورغم ان ام الصبي لم تصدّق ما قاله , الا انها تلعثمت بسعادة حين رأت ابنها يسير باتجاهها وقد عاد لون عينيه بعد ان كانتا بيضاوتين لسنوات .. فحضنته وهي تبكي .. وحينها وعد الأب الغاضب بتطليق زوجته الجديدة التي تسبّبت لعائلته بالألم لسنواتٍ طويلة بسبب حقدها وغيرتها !
***

في اليوم التالي وفي باطن الأرض .. جاء دور جنّية أرادت فكّ رباط ابنتها الشابة الجميلة التي إختارها قادة العفاريت لمهمّة منع شابٍ بشريّ من الزواج , وبعد ان ارسلت (وجد) امها الى منزل المسحور .. طلبت الأم من ابنتها العودة معها الى عالم الجن , لكن ابنتها رفضت ذلك بحجة انها أحبته بعد ان لازمته لعشرين سنة .. لكن امها صرخت عليها قائلة :
- كفّي عن هذا الهراء !! لا زواج بين البشر والجن .. الا يكفي انك حرمته من حبيبته طوال هذه المدة .. هيا عودي معي الى بيتك , فإبن عمك مازال ينتظرك 
وحاولت الصبية تحرير يدها من قبضة امها وهي تصرخ :
- انا لا احب ابن عمي , اريد البقاء مع هذا البشريّ الوسيم !!!

لكن امها استطاعت إعادتها بالقوّة الى عالم الجن .. وكان هذا خطأً فادحاً , لأن الصبية ارادت الإنتقام من امها القاسية , فأخبرت أحد الجنود من الجن الناريين بما فعلته امها .. ووصل الخبر سريعاً الى قادة العفاريت والمردة الذين استشاطوا غضباً من مخالفة الجن الترابيين لأوامرهم .. ولاحقاً تمّ القبض على هنوف وبقيّة النّسوة الخونة .. لكن (وجد) كانت الوحيدة التي هربت منهنّ .. وتم تحديد موعد الإعدام حرقاً في ساحة الجن امام الجميع ..واصّطفت النّسوة الأبطال فوق منصّة الحرق بثباتٍ وقوّة ليس لها مثيل 
*** 

في هذه الاثناء .. كانت وجد تتنقّل بسرعة بين احلام كل البشر التي أنقذتهنّ من سحرهم في الآونة الأخيرة ..
***

وفي الساحة .. تفاجأ الجن بحضور الأبن الأكبر لأبليس بعد ان ارسله والده لحلّ هذه المشكلة .. وبعد ان سجد الجن الترابيين والناريين له .. قال لهم بصوتٍ جهوري : 
- لقد وصل الخبر لوالدي .. وكان له رأيٌّ آخر
فأنصت الجميع له باهتمام ..
ابن ابليس : سنقوم فقط بحرق هنوف ووجد لتكونا عبرة للجميع .. اين الخائنتان ؟ 
فاقترب رئيس العفاريت منه , وأشار من بعيد على إحدى النّسوة المقيدات فوق المنصّة .. 
- تلك هي الجنية هنوف التي تجرّأت على فكّ سجن المجنونة وجد
ابن ابليس : واين وجد ؟
فسكت العفريت بارتباك .. 
بغضب : الم تسمعني ؟!!
العفريت بخوف : لقد اختفت , سيدي 
- ماذا ! الم تقبضوا عليها بعد ؟!

فقال ماردٌ شاب : هي اساساً لن تستطيع فعل شيء من دون مساعدة صديقاتها..
ابن ابليس بغضب : اسكت انت !! 
ثم فكّر قليلاً , قبل ان يقول : 
- حسناً.. سأشرف اليوم على اعدام هنوف ..وحين تقبضون على تلك الخائنة تخبرونني , كيّ نقيم اجتماعاً جماهريّاً آخر لإعدامها
المردة والعفاريت بصوتٍ واحد : حاضر سيدي !!

وبدأوا بإنزال بقيّة النّسوة اللآتي كنّ يبكين على مصير هنوف التي ظلّت لوحدها مقيّدة بالعامود الخشبي في انتظار إعدامها .. بينما كان زوجها يحمل ابنه الصغير ويراقبها من بعيد وهو يشعر بالأسى عليها وفي ذات الوقت يشعر بالخزيّ لما فعلته , كما كان متضايقاً منها لأنها رفضت ان تخبره بمكان ابنه الشاب بعد ان قامت بتحريره ..

وهنا ! فاجأت هنوف الجميع بشجاعتها , حين قالت بصوتٍ عالي من فوق المنصّة :  
- لا يهمّني ان أموت !! فنحن كأمهات سنرفض دائماً إرسال ابناءنا في مهماتٍ انتحارية .. وان كنتم ايها القادة ترضون بالخضوع للبشر , فارسلوا ابناء الجن الآخرين من الناريين والهوائيين و المائيين او القمريين .. وحتى الضوئيين !! 
فشهق الجميع لجرأتها , لأن الجن الضوئيين هم أشد الجن إيماناً وأبعدهم عن الشر ! 

وهنا أشار ابن ابليس بإصبعه للعفريت المسؤول عن الأعدام , فاقترب من هنوف التي كانت تُخفي خوفها , وبدأ بوضع الاخشاب تحتها لإحراقها..بينما كان الحزن يعمّ الجميع , خاصة رفيقاتها من النّسوة الأمهات..

لكن فجأة ! سمعوا صوت أحصنة من بعيد , يقودها البشريين الذين فُكّت أسحارهم في الثلاث الشهور الماضية , وكانوا يهجمون بسرعة باتجاههم 
فدبّ الرعب ارجاء الساحة ..وطارت الجن في كل مكان , حتى ابن ابليس والعفاريت والمردة كانوا اول الهاربين ! 

وحينها قفزت الصبية البشرية رؤى من فوق حصانها باتجاه المنصّة وبدأت بفكّ قيود هنوف التي قالت لها بدهشة :
- أهذا انت ؟!
رؤى بابتسامة : نعم , فأنت أنقذتني من سحرٍ كاد يتسبّب في عنوستي , وبسببك ..ومن بعد توفيق ربي طبعاً .. إنخطبت البارحة وسأتزوج قريباً بعد ان كنت يئست من الحياة 
ثم اقترب شابٌ بشريّ من الجنّية هنوف , قائلاً لها : 
- وانا أخيراً وجدت عملاً بعد ان عانيت لسنوات من البطالة

ثم صعد الى المنصة والد الطفل الأعمى : 
- وبسببك انت وصديقاتك , وبحمدٍ من الله تعافى ابني من إعاقته .. وقد قمنا بتسجيله قبل ايام في المدرسة , وكاد يطير من الفرح وكأنه وُلدَ من جديد
ثم اقترب الشاب الوسيم بعد ان تزوج من حبيبته أخيراً , قائلاً لها بابتسامة: 
- انت بطلة يا هنوف , وعلينا جميعاً ردّ الجميل لك
هنوف بدهشة : لكن كيف وصلتم الى هنا ؟!

فأشاروا الى جبلٍ بعيد , حيث كانت تقف عليه وجد ..
وقال الأب : هي أتت الينا في احلامنا وطلبت مساعدتنا في إنقاذك .. وقالت لنا ان نعطيك هذا الكتاب..
واعطاها الكتاب الأثريّ التابع لعائلة وجد ..
هنوف وهي تمسك الكتاب باستغراب : انه كتاب جدّها السحريّ ! 
فنظرت الى صديقتها وجد التي كانت تلوّح لها من بعيد مودّعة , قبل ان تختفي !
هنوف بقلق : الى اين ذهبت ؟!
رؤى : قالت لنا ان نخبرك بأنك المسؤولة من بعدها عن هذه المهمّة , فهي علّمتك كل شيء .. وحان دورها لتعود الى حياتها .. لكنها تريدك ان تخبري والدة الجنيّة الشابة بأنها عاقبتها لأنها وشت عليكنّ , وقد حبستها بإحدى الأودية , وستبقى هناك حتى يذبل جمالها ومن ثم تُعيدها الى قريتها 
هنوف : هذا سيغضب والدتها , لكنها بالحقيقة إستحقت العقاب

وبعد ان نزلوا جميعاً من فوق المنصّة ..
الشاب البشريّ : انطلقي يا هنوف , فأنت حرّة الآن
وهنا أسرع اليها ابنها الصغير (الجني) ليحتضنها..بينما اختفى البشريين فجأة من الساحة (بعد ان أفاقوا من حلمهم) !  

ثم اقترب منها زوجها.. 
- ما فعلته يا هنوف كان غباءً , لكن في نفس الوقت جرأة لم يقوى عليها أحد من قبل .. لهذا اريدك ان تأخذي ابننا الصغير وتذهبي به الى حيث أرسلتي إبننا البكر , كيّ تعيشوا سوياً 
- وماذا عنك ؟ 
يتنهّد زوجها بضيق : سأبقى هنا , فانا لا أستطيع تحمّل لوم الجن .. وسأخبرهم بأنني طلّقتك لشعوري بالعار ممّا فعلته 
هنوف يقهر : أتبيع عائلتك خوفاً من كلام الجن ؟!
- انا هكذا منذ 600 سنة , ولا أظنّني سأتغير الآن .. إذهبي يا هنوف وانتبهي على اولادنا .. فحياتك هنا في خطر 

فقامت بتوديع زوجها , ثم أخذت ابنها الصغير وطارت به الى قرية أهلها البعيدة بعد ان أعطت كتاب التعويذات الى ام نارند لتستلم عنها قيادة فكّ اسحار الشباب في القرية .. 
***

ومع مرور الزمن .. وقف الأزواج أخيراً مع زوجاتهنّ ضمن ثورة جماعيّة , أرغمت العفاريت النارية على الإنسحاب من تلك القرية متوجهين الى قريةٍ أخرى بعيدةً عنهم..
***

ومع تباشير الصباح بالقرية الثانية .. وبينما كانت هنوف تحاول تنويم ابنها الصغير.. 
هنوف : وهذه كانت قصة البطلة الجنية وجد التي أنقذت قريتنا من ذلّ العبودية للبشر , وأتمنى أن يقلّدونها في جميع قرى الجن
طفلها : وهل أنفكّ رباطنا مع البشر للأبد يا امي ؟
- نعم , ففي وقتنا الحالي سننعمّ بالسلام , وكذلك البشر بعد ان ضعفت قوة السحرة والجمعيات السرّية المُعتمدة على مساعداتنا ..لكن الأمر سيعود أسوء من ذيّ قبل مع ظهور الدجّال
ابنها : أتقصدين المسيح الدجال ذوّ القوة الخارقة ؟
- قوته تنبع من استخدامه لأقوى عفاريت الجن .. وهم جن سليمان

ابنها بدهشة : واو ! جن سليمان .. الم يعتزلوا عالمنا ويسكنون البحر مع الشياطين ؟!
- نعم لكنهم سيعودون وقلوبهم مليئة بالحقد على البشر وعلينا ايضاً , وحينها ستكون اياماً سوداء على كلا العالمين .. أتمنى ان لا نعيش الى ذلك العصر .. (تتنهّد بصيق) ..أعاننا الله جميعاً .. نمّ الآن يا بنيّ ولا تفكّر بالمستقبل .. فنحن بأمانٍ الآن 
*******
ملاحظة : 
رابط المقالة عن : أنواع الجن وأصنافهم وخواص كل نوعٍ منهم
https://www.akhbaralaan.net/news/world/2013/3/8/great-importance-human-life-devils

المشاعر المُحرّمة

تأليف : امل شانوحة    الروبوتات البشريّة في اليوم الأول من عمل طبيب الأسنان (جيمس) بعيادته التي افتتحها بعد تخرّجه .. واثناء علاجه المريض ال...