الجمعة، 18 سبتمبر 2020

مدفون حيّاً

تأليف : امل شانوحة 

طعنة غدر !


ظلامٌ دامس .. مكانٌ ضيّق .. أنفاسٌ خانقة .. ومخاوف سيطرت على كل جوارحه ، بعد استفاقته مُحتجزاً في مكانٍ مجهول ! يبدو كصندوق خشبيّ ، بالكاد يستطيع التقلّب داخله .. 

أخرج جورج ولّاعته من جيبه وأضائها ، وليته لم يفعل ! فقد تحقّقت اسوء كوابيسه : مدفون حياً في تابوتٍ تحت الأرض !


فماذا حصل ؟ هل تعرّض لنوبةٍ قلبية مفاجئة او حادثٍ مروريّ ؟ ام انه تعارك مع أحدهم ، فانتقم منه بهذه الطريقة الوحشية ؟ لابد انه حدث عراك ما ، فذراعيه اللتان تؤلمانه كبقية جسده مليئة بالرضوض والخدوش ! فلما أراد أحدهم قتله ؟ فهو رجلٌ مسالم لم يؤذي احداً ، رغم عمله كحارسٍ شخصيّ !

حاول استرجاع الماضي ، لكن تفكيره ظلّ مشوّشاً .. وآخر ما تذكّره هو لحظة خروجه من الطائرة ..


ولأن الوقت يمرّ بسرعة ، وكل ثانية تُحسب من حياته .. كان عليه الإختيار بين قرارين صعبين : اما الإنتظار لحين نفاذ الهواء في التابوت والموت بسلام ، او محاولة الخروج من الجحيم مهما كلّفه الأمر .. 


وبدأ يفكّر بطريقة لفعل ذلك دون المخاطرة بحياته : ففي حال كسر الخشب العلويّ ، سيهبط الرمل عليه ويقتله إختناقاً .. اذاً الأفضل لوّ يتصرّف بطريقةٍ معكوسة ..

فبدأ يطرق بكلتا قدميه بقوة ، الى ان خرق الجزء السفليّ للتابوت .. 


ثم تكوّر على نفسه ، ليتمكّن من الوصول الى الحفرة الصغيرة التي بدأ يكسرها بيديه ، الى ان صار بإمكانه المرور منها.. 

وحين لمس التراب اسفل التابوت وجده موحلاً ، فعلم انها أمطرت قبل قليل .. فتمتّم قائلاً :

- سأحفر نفقاً يوصلني للأعلى ..


وبدأ يُخرج الطين من الأسفل ، ويدخله من الفتحة .. ليكدّسه في مقدّمة التابوت.. 

هكذا الى ان تمكّن من إنزال قدميه ..

ولم يبقى امامه سوى المجازفة بعد امتلاء التابوت بالطين .. 


فنزل الحفرة بعد أخذه نفساً عميقاً .. ثم كتم انفاسه وهو يحفر بكلتا يديه  صعوداً للسطح الذي لم يبعد سوى نصف متر عن التابوت ، وكأنه دُفن على عجل ! 

  

وفور إخراج رأسه من الحفرة ، تنفّس الصعداء .. 

ثم جمع ما تبقى من قوته لدفع جسمه للأعلى ، الى ان تملّص تماماً من القبر 


فاستلقى على الأرض ، مُلتقطاً انفاسه المتسارعه .. وقد أوشك على الإغماء من شدة التعب ، لكن مخاوفه أن يكون القاتل قريبٌ منه ، جعله ينهض لاستكشاف المكان الذي لم يكن سوى ارضاً قاحلة موحلة ، ليس فيها مقابر أخرى ! 


ومع الظلام الحالك ، ظهرت اضواءٌ خافتة من بعيد 

فمشى باتجاهها ، ليتبين أنها انوار فوانيس عُلّقت على ابواب اكواخٍ قديمة!

***


واثناء تجوّله في القرية الريفية ، قابل بعض الأشخاص جميعهم من البشرة السمراء ، الذين هربوا فزعاً حين حاول محادثتهم !

فتذكّر فيديو قديم شاهده عن الزومبي الإفريقي : لأشخاص أُستعبدوا بعد خروجهم أحياء من القبور ، لاعتقاد ذويهم ان الجن تلبّست بجثثهم 

ربما هذا ما أخافهم ، بعد رؤيتهم لملابسه الموحلة ووجهه الشاحب !


فأكمل سيره تائهاً وهو يشعر بعطشٍ شديد ، ويتمنى لوّ السماء تمطر ثانيةً .. فهو بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه من شدة التعب 

وأوشك على الإنهيار والإستسلام ، قبل رؤيته لكشكٍ صغير يبيع المنتجات الغذائية ..


فأسرع الى ثلاجتها القديمة وهو يشير على قارورة الماء .. لكن البائع كبقية افرد القرية لا يعرف الإنجليزية او الفرنسية ..

الا ان جورج فهم من إشارة يده : ان عليه دفع ثمنها اولاً 

فبحث في جيوبه مطولاً ، دون ان يجد شيئاً .. 


حينها فقط ! إنتبه أنه يلبس ملابس صديقه مايكل .. وتأكّدت شكوكه بعد رؤيته لأزرار الأكمام الذهبية التي كان يتباهى دائماً بتشكيلته الفريدة منها..

وبينما هو شارد بأفكاره ، لاحظ إبتسامة البائع وهو يشير الى الزرّ الذهبيّ 


فنزع جورج إحداها واعطاها له ، مقابل قارورة ماء التي شربها بثوانيٍ لشدّة عطشه 

وبعد ارتواء ظمئه ، اراد إستعارة جوّال البائع الذي أشار بابتسامةٍ عريضة الى الزرّ الثاني للقميص 

فنزعه جورج واعطاه له ، مقابل استخدام جواله لبعض الوقت.. 


ومن حسن حظه ان الإنترنت يعمل جيداً ، كأن هناك محطة اتصالات قريبة من القرية !

فقام ببحثٍ سريع على جوجل لمعرفة اسم البلد الأفريقي الذي هو فيه ، بعد رؤية علمها يُرفّرف فوق عامود الإنارة خارج القرية ..

فعلم انه في زيمبابويّ ..

- زيمبابويّ !

قالها بصوتٍ مسموع ، ليرى البائع يهزّ رأسه إيجاباً ..


فقرأ بعض المعلومات السريعة عن الدولة من (ويكيبيديا)..قائلاً في نفسه :

(غريب ! اللغة الرئيسية في المدن الكبرى هي الإنجليزية ، لأنها كانت مستعمرة بريطانية .. ولسوء حظي علقت في قرية لا يتكلمون سوى لغتهم (الشونا) .. لكن طالما هناك 2 في المئة من السكّان اجانب ، لابد ان يكون هناك سفارة تهتم بشؤونهم او على الأقل قنصلية)


بهذه اللحظة ! إستعاد جزءاً من ماضيه : حين فاجأه صديقه مايكل برحلةٍ سياحية الى افريقيا .. وكان على جورج مرافقته ، بما أنه حارسه الشخصيّ .. فوالد مايكل هو محامي مشهور وثريّ ، والمرشّح الأول لرئاسة مجلس العموم البريطاني .. اما ابنه الفاشل فاعتاد صرف الأموال على رحلاته السياحية ، لتحقيق حلمه بزيارة دول العالم .. ولأنه من اسرةٍ ثرية ، فرقمه الدوليّ مميز ومن السهل تذكّره .. فاتصل عليه ، آملاً ان يكون بخير .. لكن خطّه كان مغلقاً على غير عادته ! فهل سُرق جواله من نفس العصابة التي قامت بدفنه حياً ؟  


وهنا انتبه على البائع يُطالبه بإعادة جواله .. فترجّاه جورج لإجراء اتصالٍ أخير .. فوافق البائع متأفّفاً .. 

فأجرى جورج بحثاً سريعاً على جوجل ، لإيجاد رقم سفارةٍ اجنبية في زيمبابويّ .. ليقوم بتسجيل رقم القنصلية البريطانية على يده .. ثم اتصل بهم , رغم شكوكه أن تكون مغلقة بهذا الوقت المتأخر .. 


ومن حسن حظه ان موظفاً أجابه باللغة الإنجليزية .. فتنفّس جورج الصعداء , وهو يقول : 

- اسمي جورج دايموند , بريطاني الجنسية .. وصلت برفقة السيد (مايكل اندرسون) الى هنا قبل يومين .. وانا تائهٌ الآن في إحدى القرى التي لا اعرف لغتها ، واريد الوصول الى قنصليتكم .. فهناك من حاول دفني حياً .. ارجوك ساعدني !!

الموظف : لحظة ! دعني أفهم .. انت تعمل لدى مايكل اندرسون ، ابن المحامي البريطاني آدم اندرسون

- نعم , المرشّح لرئاسة مجلس العموم في الشهر القادم .. وابنه صديقي منذ ايام الجامعة ، وأعمل حارسه الشخصيّ .. وانا قلقٌ على مصيره 

- ما آخر شيء تتذكّره ؟ 


جورج : سكرنا سوياً في إحدى فنادق زيمبابويّ .. واستيقظت قبل ساعتين داخل تابوتٍ ، مدفون خارج قريةٍ ريفية .. وأخشى ان يكون صديقي مدفوناً حياً في مكانٍ ما !  

- لا أظن ذلك 

جورج بدهشة : لما انت واثقٌ هكذا ؟!

- سأخبرك لاحقاً .. من اين حصلت على الجوال ؟

- من بائع كشكٍ افريقي ، يريد استرجاعه الآن

الموظف : دعني أكلّمه لأعرف عنوانك بالضبط .. ثم أعيدك الى فندقك ، او اوصلك الى المطار

- نعم رجاءً


واعاد الجوال الى البائع الذي تكلّم مع موظف القنصلية بلغته الأفريقية .. ثم أعطى الجوال ثانيةً لجورج ، ليسمع الموظف يقول له:

-إسمع سيد جورج .. هناك فندقٌ قريب من المنطقة التي انت متواجد فيها الآن .. سأتصل بهم لأتأكّد أن اسمك واسم صديقك مقيّدان في سجلاّتهم.. 

جورج مقاطعاً بضيق : تلك التفاصيل غير مهمة الآن .. تعال وخذني رجاءً!!


الموظف : سآتي قريباً .. طلبت من البائع تخبأتك لحين قدومي ، فهناك عصابات مسلّحة تخطف الأجانب والسوّاح لطلب الفدية .. وهو في المقابل طلب مني مبلغاً كبيراً ، سيكون ديناً عليك 

جورج : انا بالعادة استودع مالي في صندوق الأمانات للفنادق التي أحجز فيها ، سأدفع لك ما تشاء حين تعيدني الى هناك 

- حسناً ، القاك قريباً .. سلام


وأعاد جورج الجوال للبائع الذي فتح له باب كشكه الصغير.. وخبّأه اسفل طاولته ، بعد ان أعطاه علبة فاصوليا وسردين ومشروباً غازياً .. أكلهم جورج على عجل من شدّة جوعه ..


وما ان انهاهم ، حتى سمع مركبةً حربية تقترب من الكشك .. فأشار البائع له بالتزام الصمت .. فظلّ جورج مختبأً ، لحين استيلاء المسلحين على بعض حاجيات البائع دون دفع ثمنها ، وذهبوا بعيداً 

***  


بعد ساعة أحسّها جورج كأنها دهر ، وصل الموظف الإنجليزي وهو ينادي بصوتٍ عالي : 

- جورج اين انت ؟!! 


وما ان سمع لكنته البريطانية ، حتى خرج من تحت الطاولة وهو يشكر الربّ على انتهاء الأزمة .. 

وبعد دفع الموظف المبلغ المتفق عليه للبائع ، إستقلّ جورج سيارته السوداء وانطلقا باتجاه المدينة .. 

*** 


في السيارة .. وبعد ان أخبره جورج بملخّص ما حصل له ، قال له الموظف :

- انها تجربة مؤلمة بالفعل ! الحمد الله على سلامتك

جورج : شكراً لك .. وآسف لتوسيخ سيارتك بثيابي الموحلة 

الموظف : لا بأس .. فصديقك دفع كامل المصاريف للإهتمام بك

- أتعني انك تواصلت مع مايكل ؟! هل هو بخير ؟ 

- ليس هذا ما قصدّته .. هو طلب مني البقاء في القنصلية حتى الصباح ، في انتظار مكالمتك او خبرٌ عنك .. فهو توقع نجاتك لقوتك البدنية ، وأنك ستتصل بنا لإنقاذك 

جورج باستغراب : لم أفهم شيئاً !


فنظر الموظف الى ملابس جورج وهو يقول :

- الم تتساءل كيف لبست ثياب السيد مايكل ؟

- أظني لبستها بالخطأ وانا سكران

الموظف : لا ، هو ألبسك إيّاها بنفسه

- أشرح اكثر لوّ سمحت 

- باختصار .. سكرتما سوياً في غرفته ، الى ان أغميّ عليك .. فتركك ونزل الى الشارع .. وهناك رأى صبية بعمر الزهور ، لحقها بين الأزقّة الى ان اعتدى عليها .. 

جورج مقاطعاً بصدمة : ماذا !


الموظف : نعم ، وحارس الفندق شاهد ما حصل بالصدفة .. فأخبره بعد هرب الفتاة باكية ، انها ابنة زعيم قريةٍ معروف ببطشه وجبروته واتباعه المسلحين .. فأسرع مايكل فزعاً الى غرفته .. وبدّل ملابسه معك ، ووضع كمّامته الثمينة على وجهك .. 

جورج بصدمة : اللعين !

- لم يكتفي بهذا فقط ، بل حقنك بمخدرٍ قوي حتى لا تستيقظ لحين سفره .. وأعطى رشوة للحارس ليدلّ افراد قبيلتها عليك ، في حال هجموا على الفندق 

جورج والدموع في عينيه : لا أصدّق ما اسمعه ! 


الموظف : وحين وصل مايكل للمطار ، إتصل بمكتبي .. وحوّل مبلغاً كبيراً على حسابي ، لأسهر وحدي في القنصلية .. مع اني أخبرته ان لا أحد ينجو من غضب تلك القبيلة الهمجية ..الا انك فاجأتني باتصالك ! تماماً كما توقع صديقك ..  

جورج : وهل فعلاً قدموا الى الفندق ؟

- طبعاً .. فوالدها جنّ جنونه بعد ان أخبرته بما حصل .. فهجم على الفندق برفقة 20 رجلاً مسلحاً .. وعلى الفور دلّهم الحارس المرتشي على غرفتك .. فانهالوا ضرباً عليك ، بعد تأكيد الفتاة إنك الشخص المعتدي : فأنت تلبس ملابس مايكل ، وكذلك كمّامته التي أخفت نصف وجهه اثناء ارتكابه الجريمة.. 

- واعتقدوا انني ميت بسبب المخدّر ؟


الموظف : مايكل خطّط لكل شيء .. واتفق مع الحارس ان يقول لهم : أنك انتحرت فور إفاقتك من سكرك وتذكّرك جريمتك ، لأنك لم تتحمّل تأنيب الضمير .. وهم تأكّدوا من موتك ، لعدم تجاوبك مع لكماتهم وركلاتهم القاسية .. فأخذوك معهم ، لدفنك خارج قريتهم .. هذا كل شيء

جورج بنبرةٍ غاضبة : أتدري مالذي سأفعله باللعين بعد عودتي لبلادي ؟

الموظف ناصحاً : لا تتهوّر ، فوالده رجلٌ مهم ولديه معارف كثيرة .. وفضيحةٌ كهذه ، تُفقده منصب رئاسة مجلس العموم 


جورج صارخاً بحنق : لا يهمّني أمرهما !! فالحقير لم يهمّه سوى إنقاذ نفسه .. لذا أحلف انني سأجرّجره للمحاكم ، وأعاقبه على خيانة صداقتنا ل15 سنة .. ولن أهدأ الى أن أدمّر سمعته ومنصب والده وثروته ، ليعودوا فقراء كما كانوا !! 

- وهذا ما كان يخشاه الأستاذ مايكل ! لذلك دفع مبلغاً كبيراً لإتمام المهمّة  

جورج بقلق : ماذا تقصد ؟!

الموظف بلؤم : الم تفهم بعد ؟ هو لا يريد شهود على جريمته ، لذلك قتلتُ حارس الفندق قبل وصولي اليك 


وفجأة ! تبلّل وجه جورج برذاذ بخاخ المخدّر الذي رشّه الموظف المرتشي عليه..

فحاول إيقافه جاهداً ، لكنه اشتمّ جزءاً كبيراً من المخدّر القوي ، جعله ينهار نائماً على كرسي السيارة الأماميّ ..

***  


قطرات المطر المُتسرّبة من شقوق التابوت الخشبيّ على وجه جورج أيقظته ، مُتزامناً مع هدير الرعد في الخارج ..

ليجد نفسه مُحتجزاً في مكانٍ ضيق .. فصرخ بضيق :

- يا الهي ! ليس ثانيةً !!


وأخرج بيده المرتجفة الولاّعة من جيبه ، ليرى ورقةً مُلصقة على صدره مكتوباً فيها :

((تركت الولاّعة في جيبك لتقرأ الملاحظة : عزيزي جورج .. لا تحاول الخروج هذه المرة ، فأنت مدفون على بعد ثلاثة امتار من سطح الأرض بعد إقناعي رئيس البلدة انك مُتّ بالكورونا .. حاول تقبّل فكرة أن حياتك انتهت اليوم ، واستغلّ لحظاتك الأخيرة في الدعاء .. ولا تحقد عليّ ، فأنا عبدٌ مأمور .. اما صديقك الغادر ، فسيُعاقب يوماً ما في الجحيم))

 

فنزلت دموع جورج على وجنتيه ، وهو يشعر بقطرات الماء تغمر تابوته شيئاً فشيئا  .. 

ومع غزارة الأمطار في الخارج ، إزداد ثقل الوحل فوق التابوت .. أدّى بالنهاية لتحطّم خشبه الرديء .. ليُردم التراب فوق وجهه ، ويلقى حتفه بطعنة غدرٍ من صديق العمر !


الاثنين، 14 سبتمبر 2020

الإبن الأوسط (قصة أطفال)

 تأليف امل شانوحة

علّية القصر


كان جيمي (12 سنة) الأخ الأوسط لإحدى عشر ابناً للثريّ آدم أندرسون .. ترتيبه السادس بينهم ، وهو أضعفهم شخصية.. لذلك لم يولِ إخوته إهتماماً بآرائه وأفكاره ، كأن لا وجود له ! 


اما والده فاعتاد أخذ قراراتٍ مصيرية لعائلته دون مشاورتهم ، لهذا فاجأهم قبل ايام من بدء المدارس بخبر إنتقالهم الى قلعةٍ أثريّة قديمة أُعيد تجديدها ! مما أغضب زوجته لبعدها عن الأحياء السكنية ، وتواجدها بأطراف قريةٍ إنجليزية .. بعكس اولاده الذين فرحوا بالإنتقال لقصرٍ ملكي فيه العديد من غرف النوم .. وهذا يعني ان كل واحدٍ منهم سيحظى بغرفته الخاصة ، عكس فلتهم القديمة الذين تشاركوا غُرفها ، مما تسبّب بالعديد من الشجارات بينهم

***


بعد اسبوع أمضوه في حزم أمتعتهم .. وصلوا للقصر بحلول الظلام ، بعد رحلةٍ دامت ست ساعاتٍ متواصلة .. 

وكان الوالدان مرهقين تماماً ، بينما الأبناء الذين تتراوح اعمارهم بين (17 و5 سنوات) في قمّة نشاطهم وحماسهم وهم يتراكضون في ارجاء الحديقة الواسعة ..  


ثم تجمّعوا امام والدهم ، اثناء فتحه الباب الخشبي الضخم للقصر (الذي يُشبه قلاع القصص الخيالية) .. 

وفور إشعاله انوار القصر ، إنطلقوا بفرح بين طوابقه الثلاثة لاختيار غرفهم .. 


وبالطبع لم يحصل جيمي على أيٍّ من الغرف الكبيرة التي كانت من نصيب اخوته الكبار .. كما فضّل والداه إعطاء الغرف المجاورة لجناحهم لأبنائهما الصغار .. 


فلم يكن امامه سوى العلّية .. فصعد بحذر على أدراجها الضيقة الكئيبة المثيرة للرعب ، مُتوجهاً للغرفة العلويّة .. 

ولأنه انطوائيّ بطبعه ، لم يجد مشكلة بالعيش بعيداً عن صخب اخوته 

***


حين فتح باب العلّية .. وجد غرفتها لا تتعدّى الثلاثة امتار : فيها سريرٌ صغير ومدخنة وخزانة حائط .. 

فاستلقى على السرير وهو ينظر بشرودٍ وضيق نحو السقف الخشبي القريبة منه ، بجسمٍ مُرهق من رحلتهم الطويلة.. 

وانتبه على وجود حفرة بالحائط فيها فانوس قديم ، فالكهرباء وُصّلت حديثاً بالقلعة القديمة .. 


واثناء بحثه عن زرّ التحكّم بلمبة السقف ، وجد ذراعاً خشبية خلف سريره .. فشدّه نزولاً ، لتفتح الواحاً خشبية كانت تغطي النافذة الزجاجية في وسط الغرفة ، ليظهر منها نور القمر والنجوم وهي تسطع فوق الحديقة الخلفية للقصر ! فانبهر جيمي بجمال المنظر الذي أقنعه بغرفته المتواضعة 


وبعد دقائق .. فتح حقيبته الصغيرة لإخراج اغراضه التي لم تكن سوى ثياب أخوته قديمة ! فطبعه خجول يمنعه من سؤال والديه عمّا يريد ، بعكس اخوته الذين يلحّون باستمرار لحين حصولهم على جميع طلباتهم 


وحين فتح الخزانة ، وجد فيها ثلاثة عرائس خشبية ! وضعها جانباً ، لترتيب اغراضه .. 

وبعد قليل ، سقطت نظّارته على الأرض .. وحين انخفض لإلتقاطها ، رأى صندوقاً خشبياً اسفل سريره .. فسحبه بصعوبه ، لاحتوائه على اشياء ثقيلة! 

وما وجده بداخله أسعده كثيراً : ففيه منظارٌ قديم الصنع ، وقصص اطفال بطبعاتٍ قديمة تعود لأكثر من مئة سنة (لهذا خلت من الرسوم التوضيحية) 


في البداية .. ركّب قطع المنظار بجانب نافذته لمراقبة الفضاء .. وبرغم قدمه الا انه كبّر القمر أضعاف التلسكوب الحديث الذي يملكه اخوه الكبير ، الذي يمنع اخوته الإقتراب منه .. 


وأكثر ما لفت انتباهه في الصندوق هو دفترٌ قديم مكتوب بخطٍ طفوليّ كأنه مذكّرات .. وكان عنوانه :(سجينة في قصر جورج الثالث) وهو اسم هذه القلعة .. وملصقاً على غلافه : صورة للكاتبة الصغيرة في حديقة قصرها ، التي كتبت في المقدمة :  

(هذه مذكّرات الأميرة ماري جورج ، ذات الإحدى عشر ربيعاً  .. سأدوّن فيها معاناتي من غدر الأقارب والأصدقاء ، قبل إقدامي على الإنتحار في حال لم يخرجني عمي قريباً من هذه العلّية الكئيبة)


فتوقف جيمي عن القراءة بعد ان أربكه كلامها ! فهو يعيش في غرفتها ، وألعابها مازالت في خزانته .. 

لكن لماذا تفكّر طفلة بالإنتحار ؟ ولما حبسها عمها هنا ؟ وهل كانت فعلاً إحدى اميرات القرن الماضي ؟ 


اسئلةٌ كثيرة دارت في رأس جيمي ، قبل ان يقطع تفكيره صوت جرس المطبخ .. حيث اتفقت الأم معهم على الإجتماع على مائدة الطعام كلما سمعوا رنينه .. 

فأسرع في إعادة كل شيء مكانه قبل اكتشاف اخوته جمال غرفته فيحتلّوها ، كما يفعلون دائماً مع العابه وأغراضه الأخرى


وما ان اعاد الصندوق تحت سريره ، حتى فتح اخوته الكبار باب الغرفة (دون استئذان) وهم يتأمّلونها باشمئزاز :

- غرفتك سيئة جداً يا جيمي !

فأجابهم : لا بأس انها تعجبني

- تبدو كعلبة كبريت ، لوّ رأيت غرفنا لما قبلت العيش هنا

جيمي : لا يهم ، لننزل للأسفل قبل ان يغضب ابي


واثناء نزولهم الأدراج ، قال أحدهم : 

- الدرجات مهترئة وصغيرة ، ومن السهل الإنزلاق عليها

اخته : عليك الحذر يا جيمي اثناء ذهابك للدورة المياه

- لوّ كنت مكانك لطلبت من ابي استبدالها بغرفةٍ اخرى 

جيمي بحزم : الغرفة تعجبني !! فكفّوا عن مضايقتي

***


على مائدة الطعام .. أخذ كل ولدٍ يصفّ جمال غرفته.. 

وبينما كان جيمي يتناول طعامه بصمت ، سأله والده :

- وانت يا مايكل ؟

- جيمي يا ابي

- آسف ! دائماً أنسى اسمك

فتنهّد بضيق : لا يهم

- ما رأيك بغرفتك ؟

- جيدة


امه : وأيّ غرفة اخترت ؟

جيمي : غرفة العلّية

- لكنها بعيدة جداً عن بقية الغرف

- لا بأس امي ، أنا احب الهدوء 

وهنا قالت أخته : غرفته سيئة يا ابي .. وتفوح منها رائحة الرطوبة ، ولا نوافذ بها وإضائتها خافته

الأب : ان كانت سيئة هكذا ، فهناك غرفة بالقبو .. يمكننا وضع سريراً فيها..

جيمي مقاطعاً بضيق : لا اريد ، غرفتي تعجبني

الأم بقلق : ومن سيوقظك الى المدرسة ؟

- لديّ منبه يا امي 

الأم : الأفضل ان تشارك اخوك الأصغر غرفة نومه

الأخ الأصغر بعصبية : لا اريد احداً معي !!


فصرخ جيمي بغضب : قلت غرفتي جيدة ، الا تسمعونني !!!

الأب معاتباً : جيمي ! إخفض صوتك يا ولد

جيمي بقهر : لما لا تصغون إليّ ؟! الغرفة تعجبني .. أتدرون لماذا ؟ لأنها بعيدة عنكم !!

ثم أسرع راكضاً الى فوق..


الأب باستغراب : ما مشكلة هذا الولد ؟!

الأخت بقلق : إن بقيّ في تلك الغرفة الكئيبة ، سيُجنّ حتماً

الأخ الأكبر بسخرية : هو اساساً متخلّف عقلياً

وضحك اخوته عليه ، بينما والداه قلقين عليه

***


لم يستطع جيمي إنهاء مذكّرات ماري تلك الليلة ، فغداً اول يوم مدرسة 

فقال في نفسه : 

- أملك بعض المال في حصّالتي ، سأشتري قفلين غداً .. واحدة أضعها في الغرفة ، والثانية خارجها .. سأقفلها كلما خرجت منها ، هكذا لن يسرق اخوتي القصص قبل إنتهائي من قراءتها جميعاً 


ثم وضع المذكّرات في الدرج ، وهو يقول بنعاس :

- لا أصدّق ان طفلة بمثل عمري كتبت مئة صفحة ! يبدو انها عانت الكثير من عمها ! سأعرف قصتها في عطلة الأسبوع

***


ومرّت الأيام .. دون إقتراب اخوته من غرفته التي لم تثرّ اهتمامهم ، حتى إن والديه لم يرهقا انفسهما بالصعود اليه ! ومع ذلك أبقى على الأقفال زيادةً في الحرص 

***


في عطلة الأسبوع .. أنهى جيمي قراءة مذكّرات ماري التي اتضح انها بالفعل اميرةٌ يتيمة ، بعد مقتل والدها الملك بعمر 8 سنوات .. وكان مرجحاً ان تصبح ملكة البلاد برعاية عمها الذي فضّل سجنها بعلّية القصر وإخبار الناس بموتها بالسلّ كوالدتها .. ولم يشكّ احد بخبثه بعد قيامه بجنازةٍ ضخمة ومسيرةٍ علنية لجثمانها بعد استبدالها بجثة طفلةٍ قروية نبشها رجاله من القبر بعد دفنها مباشرةً .. ووضعها في عربةٍ مكشوفة ، مُخفياً وجهها بوشاحٍ حريريّ .. 


وتلك الخطة وغيرها من الأفعال الشريرة والقرارات الظالمة وصلت لماري من خلال خادمتها العجوز التي وكّلها العم بالإهتمام بها ، وهي التي جلبت لها القصص والتلسكوب لتسليتها في سجنها الإنفرادي.. 


وختمت ماري مذكّراتها بسطورٍ مُبهمة ، حيث قالت : 

(الليلة أتت خادمتي باكية ، ومعها قارورة دواء .. قالت إن فيها تعويذة سحريّة تمنحني جناحين للوصول الى الجنة لملاقاة والدايّ .. كلامها أخافني ، خاصة بعد ان حضنتي بقوة وهي تخفي دموعها .. من بعدها أقفلت الباب عليّ كما تفعل دائماً .. أنا متردّدة بشربه .. وبنفس الوقت أشعر باشتياقٍ شديد لأهلي ، والمللّ يكاد يقتلني .. وليس لديّ شيئاً اخسره ، بعد ان نشر عمي الظلم في انحاء البلاد التي كانت مزدهرة في عصر والدي العادل .. سأشرب الدواء بعد قليل .. وأخبركم إن كانت التعويذة السحرية نجحت ام لا .. إنتظروني))


فقال جيمي بغيظ : 

- طالما لم تكتب شيئاً بعدها ، هذا يعني انها شربت السمّ .. فلما خانتها الخادمة ؟ ولما قرّر العم قتلها بعد ثلاث سنوات من حبسها ؟ هل ثورة وزرائه ضدّه هي السبب ؟ .. سأقوم ببحثٍ شامل عن سكّان القصر في مكتبة المدرسة 


ثم أعاد المذكّرات الى الصندوق.. واستلقى على سريره وهو يشعر بالأسى على ماري .. 


وقبل ان يغفى ، تّمتم قائلاً : 

- لا تحزني يا ماري .. على الأقل والديك يحبانك ، اما انا فلست مهماً لعائلتي .. فقبل قليل ذهبوا جميعاً ، دون ان يصعد احدهم لإخباري عن النزهة ! أشعر وكأني مسجون مثلك يا سموّ الأميرة..


وفجأة ! انطفأت لمبة غرفته .. 

فتلمّس طريقه الى ان فتح باب غرفته ، ليرى الأدراج مظلمة تماماً .. فخاف ان يتعثّر إن نزل عليها !

وبجميع الأحوال ، القصر فارغ بعد ذهاب عائلته .. 


فعاد الى سريره ، محاولاً تجاهل مخاوفه بوجوده وحده في قصرٍ قديمٍ ومظلم .. وقرّر النوم لحين عودة اهله واصلاحهم الكهرباء .. 


فجأة ! أضيئت المدفأة من الداخل ..

ثم خرجت منها فراشة زهرية مضيئة حلّقت فوق سريره ، الى ان وقفت على أرضيّة الغرفة .. ثم بدأ شعاعها يزداد شيئاً فشيئاً ، لدرجة انه أغمض عينيه من قوة وميضها .. 


ثم خفّ النور تدريجياً .. ففتح عيناه ، ليجدها وقد تحوّلت لطفلةٍ شقراء ! 

فصرخ فزعاً :

- ارجوك لا تؤذيني ايتها الجنّية !! 

- انا ماري يا جيمي ، الا تذكر صورتي على غلاف مذكّراتي ؟

بدهشة : ماري !

- نعم 

- كيف هذا ! انت ..

- مقتولة منذ مئة سنة ..

جيمي : يعني ما توقعته صحيحاً ! الخادمة أعطتك سمّاً 

- نعم ، لهذا رفضت مقابلتها في عالم الأرواح بعد خيانتها لي 

- وهل أجبرها عمك على ذلك ؟


ماري : صحيح ، لكنه لا يعلم انها أطلعتني على جميع خططه وقراراته من خلال تنصّتها عليه .. فهو اختارها خرساء ، دون معرفته انها تجيد الكتابة .. فكتبت لي كل يوم عمّا يحصل داخل القصر ، وعن أوضاع سكّان القرية .. ثم تحرق الأوراق في المدفأة .. (واقتربت الطفلة اكثر من سريره) .. لما اراك مرتبكاً هكذا ؟! الا تصدّق ما اقوله ؟  

- لا ! انا فقط متفاجئ من ظهورك امامي  

- أردّت مواستك بعد شعوري بحزنك 

- انا غاضبٌ من اهلي 

- سنتكلّم عن ذلك في يومٍ آخر ، أتيت الآن لآخذك الى الفضاء الذي تعشقه

- وكيف ستفعلين ذلك ؟

ماري مبتسمة : لا مستحيل في عالم الأحلام .. إغمض عينيك ، وسأجعلك تنام على الفور لتشاهد أجمل حلمٍ رأيته في حياتك ..


وبالفعل .. ما ان وضع رأسه على الوسادة ، حتى غرق في نومٍ عميق 

***  


في اليوم التالي .. استيقظ جيمي سعيداً بعد زيارته لعدة كواكب برفقة ماري .. كما انتقل معها لزمن الماضي لمشاهدة الحروب القديمة التي خاضتها بريطانيا .. 


وفي المدرسة .. تفاجأت معلمة العلوم بإجاباته الذكية حول الفضاء ، وأعطته علامةً جيدة .. وكذلك فعل استاذ التاريخ الذي أُعجب بسرد جيمي لتفاصيل دقيقة لأحداث معركةٍ قديمة

***


ومرّت الأيام وهو يتسامر مع روح ماري ..الى ان سألها في إحدى الليالي: 

- أجريت بحثاً مطولاً هذا الصباح .. وعلمت ان عمك أشاع بين الناس ان روحك الشريرة أحرقت القلعة ! وقتلتِ وزرائه وخدمه ، وتمكّن هو بصعوبة الهرب من انتقامك الغاضب .. فهل كلامه صحيح ؟ 

ماري بقهر : أكاذيب عمي لا تنتهي .. فهو من خطّط للقضاء على منافسيه وحرق القصر الريفيّ للإنتقال للعاصمة .. وطلب من خادمتي قتلي في نفس اليوم الذي عزم فيه وزرائه على مأدبةٍ كبيرة في قبو القلعة ، بنيّة إحراقهم جميعاً ..

- وماذا حصل بعد موتك ؟ 

- إنتقلت للسماء لرؤية والدايّ اللذان كانا متشوقان لملاقاتي 


جيمي بحزن : على الأقل يحبانك .. اما انا ، فلوّ هربت من هنا لن يلاحظ أحد اختفائي ! 

- بصراحة يا جيمي هذا خطؤك ، فأنت لا تخبرهم بما تريد ..ولا تبين قهرك حين يعطوك اغراض اخوتك القديمة .. ولا تطلب هدايا لنفسك في الأعياد ، لهذا يتجاهلوك .. عليك ان تحب نفسك اولاً ، ولا تعامل نفسك بازدراء او تقلّل من قيمتك .. فطالما تضع نفسك في المركز الأخير ، لن يقدّمك أحد الى المركز الأول .. فالناس تعاملك كما تعامل نفسك 

- لكني احب الإيثار !

ماري : وهو شيءٌ جيد ، لكن ليس على حساب نفسك ..فمن حقك ان يعدلوا بينك وبين اخوتك 

فتنهد بقهر : أتدرين .. أحلم ان ارحل الى مكانٍ بعيد 


فسكتت قليلاً .. قبل ان يتغير صوتها الطفولي الى صوتٍ اكثر نضجاً ، لتقول بجدّية :

- اذاً ارحل معي  

- الى اين ؟

- الى كل مكانٍ وزمانٍ تحلم به

جيمي باهتمام : وكيف افعل ذلك ؟

- أفتح درج الخزانة  


ففتحه ، ليجد قارورةً سوداء ..

ماري : هيا أشرب الدواء

جيمي بقلق : أليس هذا هو السمّ الذي أعطتك إيّاه الخادمة ؟!

- بل تعويذة سحرية تنقلك الى عالم الخيال لتحقيق جميع امانيك .. وطعمه لذيذٌ ايضاً .. فقط ستشعر ببعض النعاس 

- لكن ..

ماري مقاطعة بحزم : إشربه !! لنصبح صديقين للأبد


فمسك جيمي القارورة بترددٍ وارتباك .. 

بهذه اللحظة .. فتح اخوه الأكبر الباب ، ليرى خيالاً مخيفاً في الغرفة! 

فنزل الأدراج وهو يصرخ فزعاً :

- ابي ، امي !! شيطان في غرفة جيمي 


وهنا عاتبت ماري جيمي بغضب :

- كنت وعدّتني أن لا يراني احد ؟!

جيمي بخوف : آسف ! نسيت إقفال الباب 

- لقد خنتني مثل عمي وخادمتي ، سأرحل للأبد !!

- لا يا ماري ، ارجوك لا تتركيني

- اذاً أشرب الدواء بسرعة ، لنرحل سوياً من هنا 


وحين سمع خطواتٍ راكضة باتجاه غرفته ، أسرع بشرب الدواء .. ليشعر على الفور بآلامٍ حادة ، جعلته يتلوّى بسريره وهو يقول :

- انه مؤلم يا ماري ، كيف خدعتني هكذا ؟!

- ومن ماري ايها الصغير ؟


فنظر لمصدر الصوت ، ليرى شيطاناً ضخماً يقول له :

- لوّ كنت كبيراً لأخذت روحك المُنتحرة الى الجحيم ، لكنك صغير وسيسامحك الرب

جيمي بفزع : اين ماري ؟ .. اريد ماري !!

ثم بدأ جسمه ينتفض ، الى ان فارق الحياة .. 


وحين وصل والداه واخوته ، وجدوه جثةً هامدة فوق سريره ..

فانهاروا بالبكاء فوق جثمانه..

بينما كانت روح جيمي تطفو فوقهم ، وهو متفاجىء من حزنهم عليه!

***


في يوم التأبين .. طفت روح جيمي فوقهم ، ليستمع باستغراب الى خطب اخوته الحزينة التي يصفون بها كرمه وطيبته وحنانه واهتمامه بإخوته الصغار وغيرها من صفاته الحميدة !


فصرخ جيمي معاتباً (دون ان يسمعوه) : 

- لما لم تمدحوني في حياتي ؟ لما أشعرتموني بقلّة أهميتي ، واستخفّيتم بآرائي وافكاري ؟!!!! 

صوت انثويّ : نعم هذا ذنبهم


فالتفت خلفه ، ليرى روح ماري هائمة قربه :

- ماري !

- آسفة .. هربت بعد ظهور الشيطان ، وهو من شجّعك على الإنتحار كما فعل معي سابقاً 

جيمي بحزن : وماذا أفعل الآن ؟

- إمسك يدي ، سآخذك الى السماء لتعريفك بوالدايّ .. ثم نذهب لرؤية الكواكب ، وهذه المرة لن يكون حلماً

- هل سأتمكّن من السير فوقها وملامسة تربتها ؟

- نعم .. وسأنقلك للماضي لتشارك بالحروب ، او حتى لرؤية المستقبل 


فنظر نظرة أخيرة الى اهله ، وهم منهارون بالبكاء اثناء تنزيل جثته في قبرٍ حفروه في حديقة القصر..

ماري : لا تقلق عليهم ، الحياة ستمضي وينسوك كما حصل معي .. هيا لننطلق الى الفضاء 

فأمسك يدها واختفيا بالسماء

***


وهنا استيقظ جيمي في السيارة على صوت والده يقول لهم : 

- هآقد وصلنا يا اولاد الى قصرنا الجديد !! 

فقال جيمي بنفسه ، وهو يلتفت حوله بارتبك : (ماذا ! أكان مناماً ؟)


ثم توجه متردّداً الى داخل القصر ، بعكس اخوته الذين انطلقوا بحماس لاختيار غرفهم .. 

وحين ارادوا رؤية العلّية ، أوقفهم جيمي بحزم :

- لا احد سيصعد الى فوق !!

- لماذا ؟

- لأن معلمتي أخبرتني بوجود جنّية تسكن العلّية إسمها ماري ، أحرقت القصر للإنتقام من عمها الذي استولى على ملكها .. وستنتقم من أيّ شخص يقترب من غرفتها الموجودة في الطابق العلويّ 


وأخذ يخبرهم بقصصٍ مرعبة عنها ، جعلت اخوته الصغار يبكون فزعاً ..فحاولت امه إقناعه إنها إشاعات ، لكنه أصرّ وبقوة على عدم فتح غرفتها وتحرير روحها الشريرة .. 


بالنهاية رضخ الوالدان لمخاوفه ، وقرّرا إقفال باب الأدراج الموصلة للعلّية .. بعد موافقة جيمي على مشاركة أخيه الأصغر غرفة نومه 

***


بعد ايام .. وقبل ذهاب جيمي الى المدرسة ، توجه الى الحلاّق (ومعه ماله الذي جمعه من مصروفه) لقصّ شعره بشكلٍ عصريّ وجذّاب ، على عكس عادته .. والتي أعجبت كثيراً اصدقائه !


ليس هذا فحسب .. بل شارك بالصف بثقةٍ وحماس ، فاجأت معلّميه ! فهو بالعادة يبقى صامتاً ، رغم تفوقه بالإمتحانات الكتابية ..

كل هذا لتذكّره نصائح ماري (في منامه) أن يحب نفسه اولاً ، ليحبه من حوله 

***


بعد عودته الى المنزل ، إستغربت عائلته من مظهره المختلف ! بل ايضاً طالب والديه بشراء ملابس تناسب شخصيته الجديدة 

الأم : لكن لديك ملابس كثيرة

جيمي : جميعها ملابس اخوتي القديمة ، وانا اريد ملابس جديدة تناسب ذوقي .. سأذهب معك لاختيارها بنفسي 

الأم باستغراب : حسناً ، كما تشاء ! 

***


وظلّ جيمي يتغير بشكلٍ مستمر للأفضل ، وبدأت نفسيته تتحسّن مع ازدياد اصدقائه بعد اشتراكه بنشاطات اخرى غير العلمية : كالرياضة والمسرح ، مما جعله محبوباً في مدرسته


وفي أحد الأيام ، تشاجر مع اخيه الأكبر .. وبدل ان يتصادم معه ، قال له بهدوء :

جيمي : لن أغضب منك ، لأنك بكيت كثيراً بعد موتي .. وقلت في خطبتك يوم تأبيني : عن اليوم الذي أنقذتك من المتنمّر ، بعد قذفي الكرة على وجهه اثناء عراكه معك .. لهذا أسامحك ، ولن أغضب منك مهما فعلت .. فأنت اخي الأكبر الذي أحبه ويحبني

وبعد دخوله غرفته ..

أخوه بدهشة : فقد جيمي عقله أخيراً ! 

***


قبل نهاية السنة .. تقدّم جيمي من والديه الجالسين في الصالة ، وهو يحمل ورقة عليها اسماء ثلاثة العاب ذكية ، قائلاً :

- اعلم انه لا وجود لبابا نويل .. لهذا سأطلب منكما ان تحضرا لي هذه الألعاب على العيد ، فهي ستنمّي مهاراتي العقلية .. تصبحا على خير


وبعد ذهابه ، قال الأب :

- لقد تغيّر كثيراً منذ انتقالنا الى هنا !

الأم : نعم لكن للأفضل .. فمديرته أخبرتني انه أوقف المتنمّرين عن ايذاء الضعفاء في مدرسته ، ليصبح محبوباً بين التلاميذ

- يبدو أن للقصر تأثيراً جيداً عليه 

***


في صفّ جيمي .. جلست طالبة جديدة جميلة بجانبه ، بعد ان اختارته من بين الطلاّب .. 

فابتسم لها ، وهو يقول بنفسه : 

(كلامك صحيح يا ماري : فحين نحب أنفسنا تُحبنا الناس ، فهم يعاملونا بذات القيمة التي نعطيها لأنفسنا.. جيد انك أمتّني في المنام لأرى محبة اهلي وقيمتي عندهم ، لذلك لم أعد غاضباً منهم او من أيّ شخصٍ آخر)


وهنا وقفت فراشة زهرية على نافذة صفه (التي بجانبه).. 

فتساءل في نفسه :

(ترى هل كانت ماري حقيقة ، ام مجرّد منام ؟! .. بجميع الأحوال : شكراً لك يا صديقتي ، يا أميرتي الصغيرة)


وظلّ مبتسماً وهو يراقب الفراشة الزهرية اثناء طيرانها ، الى ان اختفت في السماء !  


الخميس، 10 سبتمبر 2020

ارواحٌ عاشقة

تأليف : امل شانوحة 

قسمة ونصيب


في تلك الأمسية .. انشغلت رؤى بترتيب الصالة ، في الوقت الذي دخل أخوها المنزل وهو يناديها :

- رؤى اين انتِ ؟

- انا هنا !!

لكنه لم يتجه نحوها ، بل طرق مباشرةً باب غرفتها..

رؤى باستغراب : الم يسمعني ؟!


فخرجت اليه ، لتجده يطلّ برأسه الى داخل غرفتها ويقول :

- رؤى .. لا تنسي عزومة الغد ، فزوجتي ستطبخ أكلتك المفضّلة 

فتساءلت وهي تقف خلفه :

- مع من يتكلّم ؟! .. (ثم رفعت صوتها) .. أخي انا هنا !!

فسمعت صوتاً تُجيبه من داخل الغرفة :

- لا تقلق ، سأكون على الموعد .. أُشكر زوجتك بالنيابة عني

الأخ : حسناً سنكون بانتظاركِ ، سلام 


ثم مرّ بجانب اخته دون الإلتفات اليها ، وخرج من المنزل !

فبدأ الخوف ينتاب رؤى ، وهي تفكّر بقلق : 

- ألم يراني ؟! ومن في غرفتي ؟!


واقتربت بحذر باتجاه غرفتها ، لتجد صبية تشبهها تجلس امام حاسوبها .. 

فسألتها بفزع : من انت ؟! وكيف دخلتي بيتي ؟!! 

لكنها لم تلتفت لها ! بل ظلّت تكتب بتركيزٍ شديد على الحاسوب ..


فوقفت خلفها ، لتراها تكتب رسالة إعتذار لسامي التي أنهت رؤى علاقتها به قبل شهرين .. فصرخت بغضبٍ شديد :

- ماذا تفعلين ؟!! كيف تجرأين على التدخل بخصوصياتي ؟ .. إيّاكِ ان تُرسليها من صفحتي ، ألا تسمعينني ؟!!

ورغم صراخ رؤى الغاضب !!! الا ان شبيهتها أرسلتها دون تردّد ، وكأنها تتوقع إجابةً سريعة منه !


وفجأة ! شعرت رؤى بجسمها يطفو بخفّة فوق أرضيّة غرفتها ، الى ان وصلت قرب نافذتها المفتوحة .. 

فأمسكت رؤى بحافّة النافذة بكل قوتها ، وهي تصرخ بفزع :  

- لا اريد الإنتحار !!!


لكن جسمها أكمل سيره دون أدنى تحكّمٍ منها ، الى ان وجدت نفسها واقفة في الهواء ! 

وقبل ان تعيّ ما حصل ! حلّقت بسرعةٍ فائقة فوق المنازل والشوارع ، حتى وصولها لمنزل حبيبها .. 


ودخلت من نافذة غرفته ، لتجده حزيناً امام حاسوبه وهو يشاهد صورها ومحادثاتهما القديمة .. 

والأغرب انها وجدت شخصاً يشبهه يقف خلفه ! والذي انتبه على قدومها ، بعكس خطيبها الشارد بذكرياته القديمة ..

فاقتربت رؤى بحذر من شبيهه وهي تسأله :

- هل تراني ؟!

فأجابها مبتسماً : يبدو قرينتك إحتلّت مكانك 

- هل كانت تلك قرينتي ؟

- نعم ، وانا قرين سامي .. وكما ترينه ، يضيّع ساعاتٍ طويلة بالتفكير بك  

- هو لم يكن حنوناً معي ! بل إن قساوته وعناده وشكوكه وتملكّه وتردّده وخوفه من الإرتباط ، هو ما جعلني أبتعد عنه 

- انتما مرآة بعض ، لذلك نفسيّته تتغيّر حسب تعاملك معه 


بهذه الأثناء .. وصلت رسالة قرينتها التي جعلت سامي فرحاً باعتذارها وهي تبرّر إنفصالها المفاجىء عنه ..

رؤى بغيظ : الغبية !! أفسدت كل شيء .. الآن سيُجيبها بجفاء كعادته ، لتصبح عودتنا مستحيلة  

القرين : لا أظن ، أنظري كم هو سعيد 


فوقفت رؤى خلف سامي (دون ان يراها) لتقرأ محادثته مع قرينتها الذي كان بأسلوبٍ راقي وعقلاني لم تعهده من قبل !


رؤى باستغراب : هل الفراق غيّر طباعه ؟! 

القرين : لا ، راقبي أسلوب قرينتك معه .. هي تحادثه بحنانٍ وعطف مع بعض الهزل ، وليس بجدّية وحزم كما فعلتي بالآونة الأخيرة  

رؤى بعصبية : وانا عاملته هكذا في الماضي ، الى ان ضاعت خمس سنوات من عمري دون ترسيمه العلاقة !!

القرين : ليتك انتظرتي قليلاً ، فقد أوشكتي على تحقيق حلمك 

رؤى بغضب : لما لا يفهم الرجال اننا محكومين بقوانين صارمة .. فكلما تأخّر الوقت أصبح الإنجاب صعباً وخطيراً صحيّاً .. كما ان ألسنة الناس لا ترحم .. وأخاف ان يأتي يوم ويجبروني على الزواج ، فهل سأبرّر لهم رفضي لأن قلبي متعلّق بشخصٍ لا يريد بذل مجهود لملاقاتي في منتصف الطريق ! 

القرين : هو ليس خائفاً من الإرتباط بكِ ، بل يخشى خيبة الأمل بعد الزواج .. فكثيرٌ قبلك أحبوه لمصلحةٍ شخصية ، وهذا ما جعله متردّداً بإطلاعك على اسراره او البوح بمشاعره .. لكنك كنت الأقرب الى قلبه بعد نجاحك بجميع امتحاناته


رؤى بقهر : امتحاناته أفقدتني ثقتي وشعوري بالأمان معه ، وهاذين الشيئين أهم من الحب لدى المرأة 

القرين : رفقاً بقلبك يا رؤى ، فالحب متبادل بينكما .. فقط أعطيه بعض الوقت ، وتكلّمي معه بلين كما فعلت قرينتك .. أنظري كيف أعادت البريق الى عينيه ، والإبتسامة الى وجهه .. ولأني قرينه فأنا أشعر بنبضات قلبه المُتسارعة ! وهذا لم يحصل له منذ وقتٍ طويل ، صدّقيني .. برأيّ عليك ان تحادثيه 

رؤى : وكيف ؟

القرين : سأبدّل أماكننا الآن .. 


ووضع يده على كتف سامي ، لتنقلب الأدوار ! ويُكمل القرين طباعة الكلام الرومنسي (على الحاسوب) مع قرينة رؤى .. بينما يقف سامي مذهولاً بعد رؤية حبيبته في غرفته !

سامي : رؤى ! الم نكن نتحادث على النت قبل قليل ..

ثم انتبه على شبيهه الذي يجلس خلفه ، فصرخ فزعاً :

- ومن هذا ايضاً ؟!

فأمسكت رؤى يده لتهدأته : 

- سامي ، إجلس هنا .. ولندعّ قرائننا تتحدّث على راحتها  

- قرائن ! 

- نعم .. يبدو شجارتنا المتكرّرة أتعبتهما ، فقرّرا حلّ المشكلة بطريقتهما الغريبة .. 


وبعد ان جلسا على الكنبة ، قالت له :

- ما رأيك لوّ نجد حلولاً وسطى ترضينا نحن الأثنين ؟

سامي : بشرط !! لا عناد او هروب هذه المرة 

رؤى بابتسامةٍ حنونة : كما تشاء عزيزي  


ثم تحدثا لساعتين عن مشاكلهما وتجاربهما في الحياة التي كان لها تأثيراً سلبياً على علاقتهما .. وعن احلامهما وطموحاتهما ، وصولاً لحياتهما المستقبلية معاً.. 


ثم قال سامي ممازحاً : لن تذهبي قبل تعليمي الطريقة التي جعلتك تطيرين الى هنا ، كي استخدمها كلما اشتقت اليك 

رؤى مبتسمة : يبدو انه حان الوقت للعودة الى بيتي ، ايها المنحرف


ثم نادت قرينه الذي كان مشغولاً بالإنترنت :

رؤى : ايها القرين ..هاى !! الا تسمعني ؟!

القرين : أتركيني رجاءً ، فأنا مشغول بالحديث مع حبيبتي 

رؤى : يمكنك لقائها في عالم الأرواح .. الآن أعدّ كل شيء كما كان 

القرين : كما تشائين ..


وصفّق القرين بيديه ، لتجد رؤى نفسها امام حاسوبها في غرفتها .. وسامي يرسل لها الورود عبر الفيسبوك .. فتمنّت له ليلة هانئة .. ثم اطفأت كل شيء لتنام ، وهي تشعر براحةٍ لا مثيل لها

***


قبل نهاية السنة .. أُقيم حفل زفاف رؤى وسامي بحضور الأهل والأصدقاء 

وبعد افتتاحهما البوفيه .. جلسا على الكوشة وهما يراقبان المعازيم اثناء انشغالهم بالطعام ..

فأراد العريس إلتقاط صورة لهما على جواله .. 

ليظهر في الصورة : قرائنهما وهما يقفان خلفهما بثياب عرسهما الحمراء! 


فهمست لزوجها :

- لم أكن أعرف ان القرائن تتزوج في نفس اليوم !  

سامي بصوتٍ منخفض : وهذا يؤكّد اننا توأم روح .. (ثم قال ممازحاً) .. إن رأت امي الصورة ، ستظن إنك سحرّتني .. خاصة انهما يظهران بهيئتهما الحقيقية المرعبة 

رؤى : اذاً أمسحها فوراً ، اساساً لن يصدّق أحد إن قرائننا خطّطا لتلك الحيلة للتوفيق بيننا 

ثم حذف الصورة وهو يقول :

- لنعتبرها معجزتنا السرّية .. 


وابتسما لبعضٍ بحنانٍ وعشق ، كأنهما في فقّاعةٍ شفّافةٍ هادئة داخل عالمهما الخاص ، بعيداً عن أعين المعازيم وضجّة الأغاني الصاخبة ! 


الأحد، 6 سبتمبر 2020

المدينة الفاضلة

 تأليف : امل شانوحة

السلام العالمي


ضجّت وسائل الإعلام العالمية بخبر الهجرة الجماعية من استراليا بعد حريقٍ شبّ في ارجاء البلاد .. وبعد شهرين ، أُخمدت النيران وحدها إثر التهامها الأخضر واليابس .. وأصبح مستحيلاً العودة اليها بعد أضرارٍ جسيمة في المطار والميناء ، لدرجة ان رئيسها السابق عرضها للبيع في مزادٍ عالمي ! لكن سعرها ظلّ منخفضاً لعدم رغبة الأثرياء بإعمارها من جديد .. 

فيماعدا الشاب الثريّ (مروان مرتضى) الذي شعر بحماسةٍ كبيرة لتحقيق حلم طفولته ببناء مدينته الفاضلة .. فاشتراها بسعر ناطحة سحاب ، وهو سعرٌ بخس بالنسبة لثروته الهائلة .. 


ثم أعلن في وسائل التواصل الإجتماعي عن رواتب مغرية لمن يسافر معه لأحياء القارّة المهجورة ، بعد قيامه بتغير علمها ونشيدها الوطني وعملاتها النقدية .. مُشترطاً شهادات متخصّصة وكفاءاتٍ عالية لموظفيه من ذويّ السلوك والأخلاق الحسنة  


وبالفعل !! خلال سنة واحدة عيّن آلاف العمّال والموظفين في جميع المجالات المهمّة .. ونقلهم على دفعات بواسطة سفن وطائراتٍ خاصة الى مدينته الفاضلة (المعروفة سابقاً بإستراليا) .. لتقوم الدفعة الأولى ببناء معسكرات ميدانية لحين نهضة البلاد ..

***


في البداية .. قام الحطّابون بإزالة الأشجار المحترقة وهدم الأبنية الخشبية المنهارة في المناطق والأحياء القديمة ، بينما قام عمّال النظافة بتنظيف الشواطىء والطرقات .. ليقوم عمّال الطرق بسفلتة الشوارع وترميمها من جديد .. ليبدأ بعدها عمل المهندسين في بناء مجمعاتٍ سكنية ، بعد إنهائهم بناء اول مستشفى متطوّرة في البلاد ، التي عيّن فيها (الحاكم مروان) اطباءً بارعين في جميع الإختصاصات .. 


واستمرّ العمل على بناء المدارس والمنازل والشركات والمصانع ، بتقسيم العمّال الى دوريتين : صباحية ومسائية (على انوار الموتيرات) .. الى ان تمّ إعمار مدينته الساحلية في غضون 5 سنوات ..  


وبعدها فُتح المجال لاستقدام المهاجرين العرب والأجانب ، بشرط ان يكونوا مثقفين وجامعيين وغير محكومين بقضايا جنائية واخلاقية .. حيث الأفضلية للعائلات والمتزوجين حديثاً ..


حتى عمّال النظافة والمزارعين اشترط عليهم معرفتهم للقراءة والكتابة ، مع حسن سلوكهم ونظافة سجلّهم العدلي..

***


وكانت فرحة مروان عظيمة في اول احتفالٍ وطني رسميّ لبلاده باجتماع الأهالي الذين وصل عددهم الى مليون شخص ، جميعهم حصلوا على منازل مستقلّة ووظائف ثابتة برواتب جيدة ..


ولأنه وفّر لهم سبل العيش الرغيد ، لم يكن هناك داعي لبناء السجون او إنشاء جيش في بلاده ، لسببين : لأن قارّته مستقلّة وبعيدة عن البلاد المجاورة .. ثانياً : لعدم وجود غرباء وعاطلين عن العمل ، بعد رفضه إستقبال المهاجرين الذين لم تنطبق عليهم الشروط السابقة 

***


وقد قام مروان بفرض قوانينٍ حازمة في جميع المجالات : 

1- ففي التعليم : بنى المدارس على أسسٍ متطوّرة ، مُعتمدة على التكنولوجيا والأبحاث دون الحاجة لإمتحاناتٍ شهرية .. مع جوائز مالية ومنحاً دراسية لكل طالبٍ متفوق استطاع إختراع جهازٍ مفيد او وضع نظرية علمية جديدة ، مما شجّع بقية الأولاد على تطوير مهاراتهم الفنية والإبداعية .. كما اهتم الحاكم مروان بالرياضة , وحضور المباريات المحلية والأولمبية .. وأعطى مكافئات للموظفين الذين يحافظون على لياقتهم البدنية

 

2- الفنون : شجّعها بكافة أنواعها ، بشرط عدم إخلالها بالقيم الأخلاقية والوطنية ، ودون المبالغة في أجور الفنانين .. كما أعطى جوائز سنوية قيّمة لأكثر الأفلام الهادفة والإنسانية .. وجوائز للكتّاب والمترجمين والمبدعين الفنيين .. مع منعه عرض الأفلام والفيديوهات الهابطة في السينما والتلفاز .. كما راقبت مخابراته الإتصالات لمنع المواطنين من دخول الإنترنت المظلم والقنوات الفاسدة

 

3- المطار : كان على رجال الجمارك وموظفيّ مطاره الدوليّ تفتيش البضائع وحقائب القادمين الى بلاده بدقةٍ وحذر .. وترحيل كل من وُجد معه ممنوعات ومخدرات وأشياء مخلّة بالآداب العامة ، مع حظر قدومهم مجدداً الى مدينته الفاضلة

  

4- الأسواق : حدّدت اسعار المواد الغذائية الأساسية من قبل الدولة .. وتم تعين آخر يومين من كل شهر لتخفيضات إجبارية على جميع البضائع الغذائية في السوبرماركات والمولات ليتمكّن جميع المواطنين من شراء ما يشتهونه من مأكولاتٍ فاخرة .. كما فرض تخفيضات على الملابس والأدوات المنزلية والألعاب قبل اسبوعين من بدء الأعياد السنوية ، وبذلك نشطت التجارة في بلاده التي خلت من الفقراء المعدمين ..


5- الطب : حدّد موعداً لفحص طلاّب المدارس والجامعات والموظفين كل ثلاثة اشهر لتأكّد من خلوّهم من الأمراض المعدية .. اما العجائز فيتم فحصهم مرة كل شهر من قبل ممرّضين يأتون الى بيوتهم بشكلٍ دوريّ ، مع توفير ادويتهم مجاناً .. وجلسة مساج علاجية كل ثلاثة اشهر ، بالإضافة الى راتبٍ شهريّ لما تبقى من حياتهم..

 

6- الزواج : منع زواج القصّر ، وفرض سن 18 كحدٍّ أقصى .. كما شجّع مروان الشباب على الزواج من خلال حفلات العزوبية لتعارف بينهم .. مع زيادة رواتبهم فور عقد خطوبتهم ، بالإضافة لتوفير شقق خاصة بالمتزوجين الجدّد بأقساطٍ شهرية مريحة .. واعطاء مكافئة مالية على كل مولودٍ جديد .. وأقامت دولته حفل زواجٍ جماعيّ بحلول صيف كل سنة ، وفي صالاتٍ فاخرة ..كما سنّ قانوناً جديداً يسمح للرجال الأثرياء الأصحّاء بالزواج من امرأة ثانية بشرط : ان تكون فوق سن 35 لمحاربة العنوسة ، مع إلزامه العدل بين زوجتيه .. وفي بادئ الأمر عارضت بعض النسوة تطبيق هذا القانون ، لكن بعد شهور من سريانه تقبلنّه لظهور فوائده على استقرار المجتمع .. اما الشواذ فأمر بعلاجهم إجبارياً بأبر مقوية لهرموناتهم الأصلية مع علاجٍ نفسي مكثّف .. وفي حال أصرّوا على ميولهم المنحرف يرحّلون فوراً من بلاده ، فهو يحتاج رجالاً أشدّاء لبناء وطنه الجديد .. كما وظّف نظّار اقوياء بالمدارس لمراقبة المتنمّرين والمتحرّشين .. وأوجب الخصوصية في دورات المياه والإستحمام في المدارس والملاعب ، منعاً من تفتشيّ هذه الظاهرة في مدينته الفاضلة  


7- القضاء : بعد مرور سنوات على بناء مدينته الفاضلة ، أُرتكبت بعض الجرائم ! مما أجبر مروان على بناء محاكم سريعة بقانونٍ يُلزم القاضي بإصدار حكمه النهائي في غضون ثلاثة اشهر ، منعاً من المماطلة في العقاب : فمن ثبت عليه ارتكاب جريمة القتل لأكثر من شخصين دون سببٍ شرعيّ (كالدفاع عن النفس ، او قتل الخطأ بسبب الحوادث المرورية) يتم إعدامه على الفور .. ومن سرق اكثر من مرة دون عوزٍ ماديّ ، يُقطع ابهامه الأيمن لإضعاف مهارته في السرقة ، ولكيّ تكون إشارة للمواطنين للحذر منه .. اما المغتصبين فيتم تعقيمهم بإبرٍ طبّية .. وتجّار المخدرات يرحّلون عن بلاده دون رجعة .. اما المساجين بديونٍ مالية : فيُجبروا على العمل في مصانع البلاد برواتب تقسّم بين عائلاتهم ودائنيهم ، حيث يُفرج عنهم بعد تسديد كامل ديونهم ..اما الأبناء العاقين فيساقون الى معسكرات تأديبية لتحسين سلوكهم .. ولأن مروان حرّم في مدينته الفاضلة بيع الخمور وبيوت الدعارة ، فنسبة الجرائم ظلّت محدودة .. وكانت من ضمن قوانينه : وضع صندوق للشكاوي لمناقشتها شهرياً مع مدراء نقابات العمّال والموظفين ، لتقليل غضب الشعب والحدّ من المظاهرات المستقبلية .. كما منع عنصرية العرق والدين بفرض عقوباتٍ صارمة ، حيث أوجب إحترام الأديان في بلاده


8- السياسة : لم يُعرض في وسائل الإعلام سوى الأخبار المحلية دون العالمية منعاً لإحباط الشعب ، مع الإهتمام بإذاعة اخبار الأبطال الحقيقين في بلاده وإنجازات المبدعين فيه .. كما لم يكن في دولته مجلس نواب ووزراء ، واكتفى بتعين مدراء لجميع الأقسام : فأفضل الجرّاحين هو رئيس القسم الطبي في مدينته ، وأمهر المهندسين هو المسؤول عن إعمار البلاد وهكذا .. وكان يجتمع معهم مرتين في السنة لمناقشة المشاريع المستقبلية .. كما اعتمد مروان قانون الحياد مع المشاكل السياسية والحروب الدولية (مثل سويسرا) فهو ليس عضواً بمجلس الأمن او بورصات الأسواق العالمية او منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة ، حيث أعلن نفسه دولة مستقلّة عن قوانين ومعاهدات العالم


9- الزراعة : المزارعون المحلّيون هم المسؤولون عن إمداد بلاده بالخضار والفواكه ، فهو لا يستورد شيئاً من الخارج .. ولديه مزارع مواشي ودواجن تكفي جميع مواطنيه ..


10- الترفيه : إفتتح ملاعب ودور سينما ومهرجانات سنوية بأسعار تناسب الجميع ..

 

11- الرعاية : رفض مروان بناء دور للأيتام ودار عجزة بعد منحه كل عجوز ممرّضة للإعتناء به في بيته .. كما فرض على الجامعيين الإجتماع بالعجائز لتعلّم من خبراتهم ، وكتابة ما استفادوه في بحث تخرّجهم .. اما الأغنياء فألزم كل واحدٍ منهم بتكفّل عشرة ايتام مادياً وتعليمياً بشكلٍ اجباري .. ومن يتطوّع منهم لتربية يتيم في بيته ، سيُكافىء بخصمٍ كبير على ضرائبه (التي لا تفرض الا على الأغنياء لصالح إعمار البلاد).. كما أمر مروان بدمج الأيتام والمعاقين في المدارس العادية بقسم للحالات الخاصة .. وعلى دولته توفير الأطراف الصناعية والكراسي المتحرّكة لجميع المعاقين والعجائز .. كما ألزم الشركات بتوظيف نسبة منهم في الوظائف الإدارية ، بما يناسب حالتهم الصحيّة والعقلية.. اما المشرّدون والشحاذون فيساقون للعمل بإحدى مصانع البلاد برواتب تكفي متطلباتهم الأساسية ، مع توفير سكن جماعي لهم .. وكشفٌ طبي دوري لمنع تفشي الأمراض بينهم 

 

12- متفرقات : منح جوائز مالية لكل من يبلّغ الشرطة عن تجّار المخدرات والمشعوذين والجمعيات السرّية بعقائد منحرفة .. وبعد القبض على العديد منهم ، قلّ وجودهم كثيراً في بلاده.. كما عيّن موظفين لمراقبة المعاملات والعقود في البنوك للحدّ من الفوائد المرتفعة والرهانات والشروط الجزائية الجائرة  


13 – البيئة : قام بحملة رشّ مبيدات واسعة في البلاد لقتل الحشرات الضارة المتواجدة بكثرة في استراليا .. اما بقية الحيوانات المفترسة فتم حجزهم ضمن محميةٍ بيئة ، مُراقبة من قبل خبراء واطباء بياطرة .. ومنع صيدها الا بإذنٍ من الدولة ، وفي فصول معينة من السنة.. كما ألزم المهندسين بوضع الواح للطاقة الشمسية فوق اسطح المباني بالإضافة الى مظلّات معكوسة لتجميع مياه المطر في خزّاناتها ، لإستفادة سكّان العمارات من الماء والكهرباء بأرخص التكاليف الممكنة 

***


وبعد فرضه تلك القوانين الصارمة ، أصبحت مدينة مروان الفاضلة مثالاً للتطوّر والأخلاق والإعمار بين دول العالم .. لهذا تمّ دعوته الى حفل جوائز نوبل ، بعد تحقيقه الحلم البشري في السلام العالمي 


لكن قبل استلامه الجائزة ، دوّى انفجارٍ هائل !!! أيقظ مروان من حلمه الجميل !


فاستفاق مُتضايقاً .. ليقترب بخطى متثاقلة نحو نافذته المحطّمة ، ناظراً الى مدينته العربية الفقيرة التي عانت لسنواتٍ طويلة من حربٍ اهلية .. 

ثم تنهّد بحزن :

- المدينة الفاضلة ! حلمٌ مستحيل تحقيقه بوجود شياطن الإنس والجن 


وهنا فتح اخوه الباب ، صارخاً بفزع :

- مروان !! طائرةٌ حربية تحلّق فوقنا ، إنزل فوراً الى الملجأ 

- حسناً ، إسبقني الى هناك


فنزل اخوه مسرعاً للطوابق السفلية ، بينما ظلّ مروان يراقب حرائق وأدخنة مدينته المدمّرة ..وهو يتمّتم بحسرة :

- الموت أرحم من عيشنا بهذا الذلّ والهوان !


فجأة عمّ الظلام بعد انهيار مبناه بصاروخٍ حربيّ ، طمست احلامه الفاضلة تحت الركام ! 

الأربعاء، 2 سبتمبر 2020

معاً للأبد

 تأليف : اختي اسما 
صورة القصة : رسمة اسما للبطلين
كتابة : امل شانوحة

 

القلب وما يهوى


  في ذات زمان ماضٍ ، وفي ليلةٍ باردة ..استيقظ "حكيم الطبّ الشعبي عمّار" على صوت تأوّهاتٍ وأنين خارج كوخه الموجود في الغابة ...

وحين خرج ، رآى شيئاً يتخبّط في الطين ... فقرّب قنديله نحوه بحذر , خوفاً أن يكون حيواناً برّياً .. فإذا هي صبيةٌ مُصابة ، ولا تعي ما حولها ! ويبدو أنه اختلّ توازنها فسقطت نحو الجرف ...

فحملها إلى كوخه ...

***

 

  قام في البداية بتغير ملابسها المتّسخة ، ومسح الطين عن وجهها ... ليلاحظ أن شعرها مقصوص بشكلٍ عشوائيّ ، كأن شخصاً انتقم منها !

كما اهتم بمداواة جروحها ، وتطهير خدوش ظهرها التي يبدو أنها تعرّضت لجلدٍ مبرح !

ثم تركها ترتاح في الصّالة ، وأكمل نومه في غرفته ...

***

  

  في الصباح .. ذهب إليها ، ليجدها تنظر إلى السّقف بذهول ! 

فسألها : هل استيقظتِ ؟

فارتبعت كثيراً ، وصارت تحرّك يديها بفزع : 

- مَنْ هناك ؟!! ولِما الظّلام حالكٌ هنا ؟


فأخبرها عما حصل البارحة , لكنها لم تتذكّر شيئاً .. فعلِم أن إصابة رأسها تسبّبت في عمى مؤقت وفقدان ذاكرتها... 

فصار يهتم بها طوال النّهار ، ويضع قطرة في عينيها صنعها خصيصاً لها... ووعدها بالبحث عن اهلها فور شفائها ، رغم أنّها لم تعطه أيّة معلوماتٍ عنهم .

***

  

  مع مرور الأيام .. أصرّت الصبيّة (التي أسماها سمر) على مساعدته في أعمال المنزل رغم مشاكلها الصحيّة ... فبدأ بتعليمها كيفيّة عجن الخبز وتنظيف الغسيل وتقطيع الخضار وغيرها ...


فقال الطّبيب ممازحاً : غريب انه ليس لديك خبرة بهذه الأمور رغم كونك متزوجة !

- وهل انا متزوجة بالفعل ؟!

- نعم .. كان الخاتم محشوراً في أصبعك المتورّم , سأردّه لك حين تعودين لأهلك .

الصبيّة : لا أشعر أن لديّ عائلة ! ربما انا يتيمة .

- ستتذكّرين كل شيء بمرور الوقت , لا تقلقي

- لم اسألك بعد ، كيف يبدو شكلي ؟

- جميلةُ جداً .. (ثم تنهّد بغيظ) .. ليتني أعرف من ضربك بهذه القسوة ! هل هو زوجك ، أم شخصٌ غريب قابلته في طريقك ؟ ولِمَ مشيتِ في الغابة وحدك لمسافةٍ طويلة حتى تقرّحت قدميك ! هل كنت تهربين من شيءٍ ما ؟

- قلت لك لا أذكر شيئاً .

- حسناً لن أضغط عليك .. (ثم سكت قليلاً) .. آه صحيح ، عليّ الذهاب للسوق لشراء فستان لك , بدل ثيابي الفضفاضة ..

سمر مقاطعة : لا هي مريحة , ولا أريد إتعابك ... 


وهنا سمِعا عصف الرياح في الخارج ..

- هل بدأت العاصفة ؟ 

الطبيب : يبدو ذلك ! سأطمئن على حصاني في الإسطبل ، إبقي هنا.


وبعد خروجه بقليل .. إنفتحت النافذة على مصراعيها ، فبدأت سمر تتلمّس طريقها للوصول إليها وإغلاقها بعد إحساسها بالبرد .. لكن إحدى النافذتين الخشبيتين إرتدّت بقوة لتطرق رأسها ، فسقطت أرضاً وفقدت وعيها .


بعد عودة الطبيب .. شاهد الدماء تسيل من جبهتها ، فأسعفها على الفور .. 

وحين استفاقت ، بدأت رؤيتها تتوضّح شيئاً فشيئاً إلى أن استطاعت رؤية وجه الطبيب الوسيم الذي أربكها لدرجة أنها لم تخبره باسترداد بصرها ، واكتفت بالنظر إلى عينيه الحنونتين تجاهها !


بعد هدوء العاصفة .. سألته عن حياته ، فأخبرها بأن زوجته توفيت مع طفله أثناء الولادة قبل خمس سنوات .. ومن يومها يعيش وحيداً في الغابة ، لكن من وقتٍ لآخر يذهب إلى السوق لبيع أدويته ...

وكانت تريد معرفة المزيد عن تفاصيل حياته لكنها شعرت بضيقه ، فإضّطرت لتغير الموضوع !

***

  

  في صباح اليوم التالي ، إستيقظت سمر باكراً .. فقرّرت الخروج وإستنشاق الهواء بجوار الكوخ . 


بعد قليل .. دخلت غرفته وهي ترتجف بقوة ، وتطالبه بتخبأتها قبل وصول جنود الأمير (كاظم) للقبض عليها .

وقبل فهمه ما حصل ! أنزلها الى قبوه المخصّص لتركيب الأدوية ، فور سماعه لعدو الخيول تقترب من منزله .


وفور إخفائه باب القبو بالحصيرة ، سمع طرقاً على بابه !

حين فتح ، سأله قائد الجنود عن فتاةٍ تحمل مواصفات سمر ... ورغم إنكاره رؤيتها ، إلا أنّه أصرّ على تفتيش المنزل .

بعد قليل .. خرج الجنديان ليخبرا قائدهم : أن الكوخ يحوي مطبخاً وصالة وغرفة نومٍ واحد , جميعها خالية ... ولا أثر لأغراضٍ نسائية في الداخل .

فتنفّس عمّار الصعداء لأنه دفن ملابس سمر الممزّقة بعد إصرارها على ذلك .


فأمر القائد عمّار تبليغهم في حال رآها تتجوّل في الأنحاء ، ووعده بجائزةٍ مالية إن سلّمها للأمير .

فأراد الطبيب الإستفسار أكثر عن هويّة الفتاة ... لكن القائد رفض إطلاعه المزيد من المعلومات ، وابتعد مع جنده لتفتيش الغابة للمرة ثانية .

***

 

  بعد ذهابهم ، نزل الطبيب إلى القبو ليسألها بغضب :

- سمر !! أريد إجاباتٍ واضحة منك ... طالما هربتِ منهم فهذا يعني أنك تذكرين ماضيك جيداً ، كما لاحظت نزولك الأدراج بسرعة كأنك ترينها .. فلما كذبتِ عليّ بشأن فقدانك البصر والذاكرة ؟ أهذا ذنبي لأني ساعدتك؟!!

- عمّار أرجوك اهدأ قليلاً , وسأخبرك بكل شيء .


وأخبرته انها استعادت بصرها يوم العاصفة ... وانها كذبت عليه بشأن فقدان الذاكرة خوفاً من إعادتها إلى قصر الأمير الذي تعمل في مطبخه ، والتي هربت منه بعد قتلها ببغاء الأمير عن طريق الخطأ .

الطبيب : ببغاء ! ألهذا هربتِ في منتصف الليل ، مُتوغّلة بغابةٍ موحشة ؟ 

- لا أحد يعرف الأمير كاظم جيداً سوى خدمه الذين عانوا من وحشيّته وجبروته ... ولوّ عرف أنني قتلت حيوانه المفضّل ، سيتفنّن في تعذيبي ... فهو أمر بجلدي أكثر من مرة ، لأنه لم يعجبه مذاق طعامه .

- كل ما أعرفه عن الأمير : أنه وقّع هدنة مع الملك صالح (حاكم مدينة الرّحمة) عقب إغتيال والده ، لإنهاء حربٍ دامت سنواتٍ طويلة .

فأومأت برأسها إيجاباً بحزن ، وهي تتمّتم :

- نعم ، أذكر يوم توقيع الهدنة اللعينة الذي دفعت ثمنه غالياً 

وذهبت باكية إلى المطبخ دون فهم الطبيب ما قصدته !

***


  بعد أسابيع ، سمِعا طرقاً عنيفاً على الباب .

الطبيب : لا تخافي ، إختبئي في غرفتي .

فأسرعت للإختباء تحت سريره ..


وهذه المرة كان مرسال الملك صالح يطلب منه القدوم إلى القلعة ، بعد أن ساءت حالة زوجته الصحيّة ... فوعده الطبيب باللحاق به فور تحضيره الأدوية .


وبعد ذهاب المرسال .. أمسكت سمر يد عمّار وهي تترجّاه أن ترافقه في الرحلة 

عمّار : سمر ، الحرّاس لن يسمحوا بدخول أيّ شخص الى غرفة الملكة .

- إذاً سألبس ملابس المرحومة زوجتك التي وجدتها صدفة في صندوق القبو ...لما لم تخبرني انها ممرّضة ؟ هل عرّضت عليها الزواج بعد عملكما سوياً ؟ 


فحاول كتمان غضبه لتفتيشها أغراضه دون إذنه :

- لا وقت للحديث الآن !! عليّ تحضير علاج الملكة حسب أعراض مرضها المكتوبة في رسالة الملك .

فأسرعت قائلة :

- انا خائفة من بقائي وحدي هنا ، ماذا لوّ عاد جنود الأمير كاظم لتفتيش المكان ؟


ففكّر قليلاً قبل أن يقول :

- حسناً .. إرتدي زيّ الممرضة ، واتبعيني ... سنتشارك الحصان لحين وصولنا القلعة .

سمر بحماس : سأعود في الحال !!

***


  قبل وصولهما إلى بوّابة قلعة مدينة الرّحمة ، تفاجأ بها تتلثّم بوشاحٍ يُخفي معظم وجهها !

- ماذا تفعلين ؟!

سمر : أخاف ان يكون أحدهم شاهدني في قصر الأمير كاظم ، فيبلّغ عني .

عمّار : معك حق ، الحرص واجب . 

***


  فور دخولهما غرفة نوم الملكة .. همست سمر في أذن عمّار ليطلب من الجواري الخروج من الغرفة .

وما ان أغلقنّ الباب خلفهنّ , حتى أسرعت بقفله بالمفتاح !

عمّار : سمر ، لا ضرورة لذلك !


وهنا أزالت اللثام عن وجهها ، وأسرعت إلى سرير الملكة النائمة لتحضنها بشوقٍ كبير !

ففتحت الملكة عينيها المتعبتين وهي لا تصدّق ما تراه ! واحتضنت سمر بقوة  لتنهارا ببكاءٍ مرير ..

الملكة : ياسمين حبيبتي ، اخيراً عدتِ إليّ يا ابنتي .

- سامحيني امي .. فزوجي اللعين حبسني في قصره ثلاث سنوات ، قبل تمكّني من الهرب ... (ثم اشارت الى عمّار الذي وقف مذهولاً أمامهما)... والطبيب أحضرني اليك 


فنظرت الملكة نحوه :

- شكراً بنيّ ، أنت أعدّت روحي إليّ .

الطبيب بصدمةٍ وارتباك : سمر ! أقصد سموّ الأميرة .. أنا لا أفهم شيئاً !

فاقتربت ياسمين منه وهي تقول :

- كان من شروط الهدنة لوقف الحرب بين المدينتين : أن أتزوج كاظم الذي كان ينوي الإنتقام لوالده ! لهذا عاملني كأسيرة ، ورماني في سجنٍ رطب بقبو قصره ... لكني استغلّيت نسيان سجّانه قفل البوّابة للهرب الى الغابة  ... وكما رأيت بنفسك ، ذلك البغيض مازال يبحث عني لإعتقالي من جديد  أو قتلي هذه المرة .

الملكة : والدك لن يسمح بذلك .

ياسمين بقلق : أمي رجاءً لا تخبري أبي بعودتي ..أنت تعرفين إلتزامه بشروط الهدنة ، ولوّ دفعت ابنته الوحيدة حياتها ثمناً لذلك !


وقبل ان تكمل كلامها .. إقتحم والدها الغرفة (بعد كسره الباب بركلةٍ غاضبةٍ منه) فور إطلاعه الجارية بقدوم ابنته (إثر إنصاتها إلى حديثهم من خلف الباب المقفل)..

الملك بعصبية : كيف تجرأين على الرجوع إلينا دون إذن زوجك؟!!

ياسمين باكية : أبي أرجوك لا تعيدني الى ذلك الجحيم مرة أخرى .

الملكة بقلق : صالح حبيبي ..كاظم ليس إنساناً سويّاً ، ولا يستحق ان يكون صهرنا .

الملك بعصبية : ألا تفهمان !! إن نقضنا شروط الهدنة ستندلع الحرب من جديد .. ما ذنب خمسمائة عائلة ان يقتّلوا ويشرّدوا بسبب دلال ابنتك ؟!!

ياسمين بقهر : دلال يا أبي !! ظهري مشوّه من كثرة الجلد ! وكدّتُ أصاب بالعمى ، لولا اللطف الإلهي ومساعدة هذا الطبيب لي .


وأشارت الى عمّار الذي ظلّ متجمداً اثناء نقاشهم العائلي الحادّ .. فتوجه الملك اليه غاضباً :

- هل ساعدتها بالهروب ؟!!

عمّار متلعثماً : لا ابداً .. وجدتها مصابة قرب كوخي ، فعالجتها دون معرفتي من تكون !

ياسمين : هو يقول الحقيقة يا أبي ، فأنا لم اخبره بشيء .

الملك بحزم : المهم الآن !! عليكِ العودة إلى زوجك قبل معرفته بوجودك هنا .

ابنته بإصرار : لن أفعل !! فهو طلّقني منذ شهور إثر مشادةٍ كلاميّة بيننا ، وأنا الآن زوجة عمّار .

الملكة بدهشة : ماذا !


وكاد الطبيب يسقط من هول الصدمة ، مع توجّه أنظار الوالدين الغاضبة اليه ! لكنه لم يستطع تكذيب سمر التي يكنّ لها بعض المشاعر .. فأومأ برأسه ايجاباً وهو يرتعش خوفاً من ردّة فعل والدها الذي فاجأه بمصافحته وهو يقول :

- إذاً انت صهرنا الجديد ؟ 

عمّار بارتباك : يبدو ذلك !

الملك : سمعت انك طبيبٌ ماهر ، لهذا طلبت منك علاج زوجتي التي يبدو أن حالتها تحسّنت برؤية ابنتها المدلّلة .

الملكة وهي تحتضن ياسمين : نعم كأن روحي رُدّت اليّ ، فقد أوشكت على الموت بعد أن وصلتني اخبار عن عذاب ابنتي في قصر كاظم .. لكني الآن بخير والحمد لله .. 

ياسمين بقلق : الآن ماذا سنفعل يا أبي ؟

الملك : لا شيء .. ستبقيان معنا , لحين معرفة ردّة فعل كاظم على خبر زواجكما .. لجدران آذان كما تعلمون ..

الملكة بقلق : هل ستندلع الحرب من جديد ؟ 

الملك : طالما اللعين طلّقها فهذا ذنبه .. وياسمين حرّة باختيار زوجٍ آخر بعد انتهاء عدّتها ، ولا شيء له عندنا ..

فنظر عمّار بعتاب إلى ياسمين التي كتمت خوفها من إنفضاح كذبتها.


في هذه الأثناء ، نادت الملكة رئيسة الجواري لتوصيل الزوجين إلى غرفتهما الجديدة .

***


  داخل الغرفة .. إنفجر الطبيب غاضباً منها :

- لما كذبتي عليّ ؟!! لما ورّطتني بأمورٍ سياسيّة انا في غنى عنها ؟

ياسمين : أرجوك عمّار لا تتخلّى عني ، فأنا بأمسّ الحاجة اليك .

- علاقتنا صعبة ، انت اميرة وانا طبيبٌ شعبي فقير .. سامحيني ، لست من مقامك .

- ماذا يعني هذا ؟!

- سأعود إلى كوخي .

ياسمين بقلق : لا يمكنك ذلك ، فنحن متزوجان أمام الجميع .


فاقترب منها وهو يقول بحزم :

- أجيبني بصدق : هل مازلت زوجة الأمير كاظم ؟

فسكتت بامتعاض ..

عمّار بعصبية : يعني نعم ! أتدرين لوّ علم بخيانتك ما سيفعله بنا نحن الأثنين ؟!!

- لا تقلق , جيشنا سيقاومه حتى آخر رجل .

- ومن قال انني أرضى ان تُسال الدماء بسببي !

- وهل تقبل عودتي لذلك السافل ليجلدني ويحبسني ويجوّعني ؟ هذا إن لم يقطّعني إرباً بعد علمه بزواجنا .

فسكت بضيق .. فأمسكت يده وهي تترجّاه :

- أنت رجلٌ شهم يا عمّار ، ومتأكدة إنك لن تتخلّى عني في هذه الظروف العصيبة .


ففكّر طويلاً , قبل ان يتلّفت حوله بالغرفة وهو يقول :

- واين سأنام ؟ 

- هل يضايقك أن تفترش الأرض ؟

- لا مشكلة لديّ..

قائلاً في نفسه بقلق :(أتمنى ان لا يستغلّ الشيطان ضعفي اتجاهها)


وهنا سمعا طرقاً على الباب , والحارس يقول من خلفه :

- الطبيب عمّار !! الملك يريد تعريفك بأقاربه واصدقائه

ياسمين بصوتٍ عالي : سيخرج حالاً !!

عمّار بضيق : جميلٌ جداً , أصبحت رسمياً صهر الملك !

ياسمين بقلق : ألا أعجبك يا عمّار ؟!  

- لم اقصد ذلك ، لكنّي لا احب الكذب والطرق الملتوية ..(ثم تنهّد بضيق) .. سأذهب الآن ، أراك وقت العشاء يا سمر .. أقصد يا سموّ الأميرة ياسمين.

- ياسمين فقط , يا عمّار .

وخرج وهو مازال قلقاً لما سيحصل في الأيام المقبلة .

***


  بعد مقابلته حاشية الملك وأقاربه ... اجتمع معهم على المائدة لتناول العشاء ، ليتفاجى بياسمين وهي تنزل مع وصيفاتها بزيّ الأميرة التي تشبه القصص الخرافية وجنّيات العالم الآخر ، بتاجها الذي يخطف بريقه الأبصار !

وبينما كان الجميع منهمكاً بتناول الطعام ، كانت عينا عمّار مُتسمّرة على ياسمين التي تجلس مقابله ، وكأنه يخاف ان ترمش عيناه فيستيقظ من حلمه الجميل الذي مازال قلقاً من تداعياته في المستقبل القريب .

***


  مرّت الليالي .. قضاها الطبيب وهو يتسامر مع ياسمين ، مُفترشاً أرضيّة غرفة زوجته التي زاد حبها له لحسن تصرّفه ورفعة أخلاقه.

ووالداها أحبّاه ايضاً بعد علاجه عدداً من المرضى في مدينتهم


ومرّ كل شيءٍ على خير ، إلى أن جاء اليوم المشؤوم الذي أرعب سكّان مدينة الرّحمة بعد رؤيتهم لجيش الأمير كاظم يتقدّم بعتاده العسكري باتجاه قلعتهم !


ووصل قبلهم المرسال الذي معه طلبات الأمير من الملك الصالح ، مُهدّداً في رسالته :

((أعيدوا زوجتي في الحال !! وإلاّ سأحاصر قلعتكم حتى موت آخر فردٍ فيها , ولوّ استغرق الأمر سنواتٍ عديدة .. وإن لم تسلّموها خلال اسبوع ، سأبدأ بهجومٍ عسكريّ عنيف للغاية .. وقد أعذر من أنذر))


ثم نصحهم المرسال بنبرةٍ هادئة : 

- فور خروجي من هنا ، سيأمر الأمير بإقفال بوّابتكم بالسلاسل الحديدية .. لذا إسرعوا بإعادة زوجته اليه ، فهو أحضر مؤونة تكفي جيشه لسنةٍ على الأقل ، ولا أظنه سيفكّ الحصار قبل تحقيق مطالبه.


الملك بقلق : يا لِهذه المصيبة ! خمسمائة عائلة تواجه الموت إن لم نجد حلاً مستعجلاً لهذه المشكلة .

الملكة : مهما حصل لن أسلّم ابنتي لذلك الوحش !!

ياسمين بحزن : أمي ، لا اقبل أن يموت أحد بسببي ..أعيدوني إليه .

فردّ عليها الطبيب بحزم : 

- ومن سمح لك ان تأخذي هذا القرار لوحدك ؟ أنسيتي أنني زوجك !!

الملك : لكن كاظم يؤكّد برسالته أنه لم يطلّقها ، فهل كذبتما عليّ ؟!!

ابنته بارتباك : آسفة أبي ، كنت خائفة أن تردّني إليه .

الطبيب بخوف : سيدي .. أحلف انني نمت طوال الفترة الماضية على الأرض , فأنا لا أقبل الحرام

الملكة بغيظ : سأطلب من حرسي نقل أغراضك الى غرفةٍ ثانية , مفهوم !!

الطبيب بخجل : بالطبع ، كما تشائين سيدتي .

الملك بخيبة أمل : 

- بعد الذي سمعته ، لا الوم كاظم على جنونه ! فابنتي خائنة بالنسبة له ، حتى لوّ لم يحصل شيءٌ بينكما .


وكان شيخ المدينة واقفاً مع حاشية الملك ، فاقترب قائلاً : 

- جلالة الملك ، هل تسمح لي بالكلام ؟

الملك : تفضّل مولانا .

الشيخ : ابنتك يحقّ لها تطليق زوجها إن عاملها بوحشيّة .

الملك : أحقاً يا شيخ ! هل يمكنك تطليق ابنتي دون إذن ورضى كاظم ؟

الشيخ : نعم في حالةٍ واحدة ، أن تبرَئُه من حقوقها .

الملكة باهتمام : ماذا تعني ؟

الشيخ : أن تردّ له مهره وهداياه .

ياسمين : هو لم يعطني سوى خاتم الزواج .

الطبيب : آه ! نسيت .. (وفتح سرّة نقوده ، وأخرج الخاتم).. تفضّل يا شيخ 


فأعطى الشيخ الخاتم للمرسال , وهو يقول :

- قلّ لأميرك أن ياسمين تطلّقت منه شرعاً ، ولا شيء له عندنا

فأخذه المرسال وخرج من القلعة .. 

***


  وكما توقع الجميع ، جنّ جنون كاظم لما حصل .. وأمر جنوده بإطلاق قاذفات المنجنيق الناريّة على القلعة ، والتي أصابت سكّان المدينة بالهلع الشديد .. حيث ركضوا في جميع الإتجاهات لتجنّب القذائف التي أحرقت أكواخهم ومحلاّتهم التجارية .


وحاول جنود الملك صالح الدفاع عن القلعة برميّ السهام على جنود الأمير ، التي أصابت عدداً لا بأس منهم .


وظلّت الحرب ثلاثة ايامٍ متتالية ، إختبأ فيها النّسوة والعجائز والأطفال في قبو قصر الملك الذي اكتظّ بهم .. بينما رجال المدينة اشتركوا مع جنود الملك للدفاع عن قلعتهم بكل الوسائل الممكنة : ومنها رميّ الزيت والقطران الساخن فوق جنود الأمير وإحراقهم ..


وبعد تضرّر الفريقين .. طلب الملك هدنة من الأمير ، مُقترحاً عليه إختيار أيّةِ فتاة تعجبه من مدينة الرّحمة .

لكن كاظم أصرّ على عودة ياسمين اليه ... ومع ذلك وافق على إيقاف الحرب فترةٍ قصيرة لمداواة جنوده ، مُبقياً على حصاره بعد منعه قافلة طعام من دخول القلعة وسرقة بضائعها كمؤونةٍ إضافية لجنوده ..

***


  بعد مرور أربعة أشهر على الحصار الخانق : أكل فيها السكّان الخبز اليابس , واكتفى الملك وحاشيته بالبقوليات فقط .. حينها أتى الحلّ الإلهي ، عندما أرسل كاظم مرساله الى الملك يُطالب فيه قدوم الطبيب عمّار الى خيمته في الحال ، بعد إصابة ابنه البكر بالحمّى (من زوجته الأولى) .. 


فأسرع عمّار الى غرفته الخاصة .. ولحقته الأميرة وهي تسأله بقلق:

- ماذا تفعل ؟!

- أرتّب ادويتي كما ترين .

- لا !! لن اسمح لك بتسليم نفسك للشيطان .

- هذا هو الحلّ الوحيد .. ولا تقلقي لن أعالج ابنه قبل كتابته تعهداً بفكّ الحصار عن قلعة والدك .

- وهل تظنه سيقبل ؟ أنا عشت معه سنواتٍ عديدة , وفي حياتي كلها لم أرى رجلاً مخادعاً مثله .. وأظنه كمين ، فليس منطقياً إحضار ابنه ذوّ الثلاثة عشر عاماً الى المعركة !

الطبيب : اتركي يدي رجاءً .

ياسمين وهي تشدّ ذراعه بقوة : لن أفعل !!

- أعدك فور عودتي ، سنتزوج بعرسٍ اسطوري .. فعدّتك انتهت منذ قيام الشيخ بتطليقك من ذلك الحقير .

ياسمين بفرح : أحقاً ما تقول !

- هذا وعد حبيبتي .


فأفلتتّ يديه بتردّد ، ليسرع مع المرسال الى خارج القلعة .. 

وظلّت تراقبه من النافذة وهو يدخل خيمة طليقها كاظم ، وهي تشعر بوخزٍ في قلبها !

***


  بعد دخوله ، شاهد عمّار بطانية مكوّمة فوق السرير .. فاقترب من المريض الصغير .. وحين ازال الغطاء ، كانت مجرّد وسادتين !  

فالتفت خلفه , ليرى كاظم يحمل سكيناً حادّاً .. قائلاً بغيظ : 

- كيف تجرّأت على سرقة زوجتي يا حقير !!

ثم هجم عليه , ليغرز سكينه بعنف في قلب الطبيب !


من بعدها أرسل مرساله : مُطالباً الأميرة القدوم الى خيمته لرؤية زوجها .. وفي حال رفضت ، سيقتله بأسوء وسائل التعذيب المؤلمة! 


فأسرعت فزعة إلى هناك ، رغم محاولة والديها إيقافها ... لكنها أصرّت على إنقاذ حبيبها عمّار مهما كلّفها الأمر .


وحين دخلت الخيمة ، وجدته مقتولاً فوق الفراش !

فانفجرت باكية بغضبٍ شديد ، حتى أوشكت على ضرب كاظم وصفعه لشدّة قهرها وحزنها .. لكنها وجدته يلوّح بسيفه , قائلاً بنبرة تهديد : 

- ستعودين معي الى القصر رغماً عنك !! وإلا قتلت كل سكّان القلعة بما فيهم والديك ، وأنت تعرفين جنوني جيداً .


فإذّ بها تفاجئه بسحب السكين من صدر عمّار ، وهي تقول :

- الموت أرحم من عيشي معك .. (ووجّهت السكين الى قلبها ، صارخةً بعلوّ صوتها).. أنا وحبيبي معاً للأبد !!!!!!


وطعنت نفسها بقوة , لتقع جثةً هامدة فوق جثمان الطبيب .. ويسقط الأمير مذهولاً امام جثتيّ الحبيبن !

لتصبح إحدى قصص الحب الحزينة المتداولة بين الناس عبر العصور !

الحوت الوحيد (قصة للأطفال)

تأليف : امل شانوحة  التردّد المنخفض في أعماق المحيط الأزرق ، وُلد حوتٌ صغير لم يكن كبقية الحيتان.. صوته الضعيف ، بالكاد يُسمع ! حتى أمّه لم ...